مهران كولوند جيان وآخر الطاعنان /ضــد/ علي محمد أحمد مطعون ضده
المحكمة العليا
القضاة:
سعادة السيد هنري رياض سكلا قاضي المحكمة العليا رئيسا
سعادة السيد صالح وهبي محمد قاضي المحكمة العليا عضوا
سعادة السيد محمد محمود أبو قصيصة قاضي المحكمة العليا عضوا
مهران كولوند جيان وآخر الطاعنان
/ضــد/
علي محمد أحمد مطعون ضده
م ع/ ط م/ 17/1980
المبادئ:
- قواعد العدالة- إمهال المحكوم ضده بالإخلاء ثلاثة أشهر لإيجاد سكن إذا كان قد أقام بالمنزل محل النزاع مدة طويلة – المادة 12 من قانون تقييد الإيجارات لسنة 1953 – أو المادة 303 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م
- قانون تقييد الإيجارات لسنة 1953 – الحاجة الماسة- تشمل الأسرة والضيوف والأقارب والمعارف
- قانون تقييد الإيجارات لسنة 1953 – الحاجة الماسة- ليس في الإمكان وضع معيار ثابت لها- تفسيرها ضيقا لا يتمشى مع ما عناه المشرع
1- أن مسألة الحاجة الماسة – كما سبق أن قررت هذه المحكمة تتعلق بتكييف الوقائع الثابتة من الأدلة المطروحة وقد ناقشتها محاكمنا في قضايا عديدة وخلصت إلى أن مفهومها متجدد وأنه ليس في الإمكان وضع معيار ثابت لها لا يتغير إذ أن الحاجة الماسة تحكمها ظروف واعتبارات شتى وان تفسير الحاجة الماسة تفسيرا ضيقا بعيدا عن واقعنا وعاداتنا وتقاليدنا ومثلنا وقيمنا لا يتمشى مع ما عناه المشرع ولا يتلاءم مع ما نتطلع إليه من حياة كريمة
2- إذا أشترى المدعى عليه منزلين متجاورين وضمهما في قطعة واحدة ليسكن فيها هو وأسرته ويأوي من يلجأ إليه من الضيوف اضطر إلى إخلاء المنزل الذي كان يستأجره ويطلب استرداد حيازة منزلية وأثبت أن واحدة منهما دون الآخر لا يكفي لسكناه فلا يتأتى والحال هذه أن نجبره على البقاء في منزل ضيق به وبأسرته ولا يتسع لضيوفه ونضطره إلى الابتعاد عن أقاربه ومعارفه وأصدقائه ونقسره على حياة لم يألفها
3- لعله مما يتفق مع العدالة على وجه مماثل أن يرجى تنفيذ حكم الإخلاء لمدة ثلاثة أشهر سواء كان أعمالا لأحكام المادة 12 من قانون تقييد الإيجارات أو المادة 303 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 إذ قد يتعذر وجود مسكن للطاعنين في خلال فترة قصيرة بعد أن أقاموا بالمنزل محل النزاع عشرات السنين
المحامون:-
1 عبد الله النجيب 2 حسين عثمان ونى
الحكــم
198033م
القاضي صالح وهبي محمد:-
في 31/1/1980م قدم المحامي عبد الله النجيب عريضة طعن بالنقض نيابة عن الطاعنين ضد الحكم الصادر من محكمة الاستئناف بتاريخ 14/1/1980 في الاستئناف رقم 667/79 والقاضي بتأييد حكم محكمة المديرية ومحكمة الموضوع وشطب الاستئناف أعلن الطعن وقدم المحامي حسين ونى مذكرة الدفاع
تتحصل وقائع الطعن الجوهرية في أن المطعون ضده تاجر جملة بالسوق العربي يسكن في منزل من طابقين بشارع 11 امتداد الخرطوم بإيجار شهري قدره 150 جنيه في 24/10/1974م اشترى المدعي منزلين متجاورين بالقطعة رقم (1) 4/مربع 6- ز- غرب الخرطوم وأخطر الساكنين بحاجته للمنزلين لسكنه الخاص في 22/11/1975م أقام المدعي الدعوة المدنية رقم 2623/1975م بمحكمة الخرطوم الجزئية في مواجهة المدعى عليه الأول مطالبا باسترداد حيازة المنزل الذي يسكنه أو يستأجره المدعى عليه الأول لحاجته الماسة له لاستعماله الشخصي أقر المدعى عليه الأول بالملكية والإجارة وأنكر حاجة المدعي لمنزله وحددت المحكمة نقاط النزاع واستمعت لشهود المدعي
في 11/6/1978م قدم المدعى عليه طلبا لضمه في الدعوى وقبلت المحكمة طلبه وأمرت بضمه كمدعى عليه ثان وطلب المدعى عليه الثاني إعادة استجواب شهود المدعي وتم له ما أراد ثم استمعت المحكمة لشهود المدعى عليهما وقامت بمعاينة المنزل موضوع النزاع ثم أصدرت حكمها في 24/9/1979 قضت بموجبه للمدعي باسترداد حيازة منزله
لم يقبل المدعى عليهما بالحكم فتقدما باستئناف لقاضي المديرية وفي 5/11/1979 أصدر قاضي المديرية حكمه بشطب الاستئناف فاستأنف المدعى عليهما لمحكمة الاستئناف حيث صدر الحكم المطعون فيه بالنقض الحالي
يتحصل الطعن في سببين:-
أولهما: أن محكمة الاستئناف قد أخطأت بتأييدها حكم محكمة المديرية وحكم محكمة الموضوع اعتمادا على المعاينة الثانية التي أجراها قاضي الموضوع على المنزل المتنازع عليه في حين أن المعاينة لم تشمل منزل المدعي المجاور له ويقول محامي الطاعن شارحا وجهة نظره أننا ندفع بكل احترام أن هذا خطأ جوهري يعيب حكم محكمة الاستئناف برمته لأنه يمتد إلى جذور الوقائع الثابتة لأن المعاينة الأولى التي أجراها القاضي الأول بحضور الطرفين تتعارض تماما مع هذه المعاينة الثانية حيث أن المعاينة الأولى أثبتت أن المنزل الذي يسكنه المدعي فعلا الآن به خمسة غرف فكيف يمكن أن يشبه ذلك المنزل موضوع هذه الدعوى الذي ثبت (أيضاً) أن عدد غرفه أربعة فقط
ويمضى المحامي فيقول أن السيد القاضي الجزئي لم يعط هذه النقطة أي اعتبار في حكمه ولا محكمة المديرية ولا محكمة الاستئناف ولذلك فأننا ندفع بكل احترام بان حكم هذه المحاكم كلها جاء مخالفا لما هو ثابت في محضر المعاينة الأولى التي أجراها القاضي الأول الذي سمع كل بينات الدعوى
ويرد على ذلك محامي المطعون ضده ليقول ( يدحض هذا الزعم ويكذبه ما جاء بالفقرة (5) من نقطة النزاع في الحكم الذي أصدره قاضي المحكمة الابتدائية حيث قرر ما يلي:-
( من المعاينة التي قامت بها المحكمة اتضح أن بالمنزل أربعة غرف تفتح جميعها في صالة مقفلة ولكل حجرة بابين وأنه فعلا من يدخل بالباب الرئيسي يرى من في المطبخ وقد حدث هذا عند دخولنا للمنزل حيث كانت هناك امرأة داخل المطبخ رأيناها عند فتح الباب الخارجي وأشار المحامي أيضا إلى ما جاء في حكم محكمة الاستئناف من أن (القاضي الذي أصدر الحكم قد زار منزل المدعي خلافا لما ادعاه محامي المدعى عليهما) والنعي على الحكم المطعون فيه بهذا السبب مردود عليه بما أورده كل من حكم محكمة الموضوع وحكم محكمة الاستئناف الذي أشار إليهما محامي المطعون ضده وبما جاء في محضر الدعوى بتاريخ 6/9/1979م من أن المحكمة وبرفقتها السادة المحامين والمدعي شخصيا والمدعى عليه الثاني قد قامت بالمعاينة وعملت رسما كروكيا لمنزل المدعي وأوضحت أن المنزل موضوع النزاع شبيه لمنزل المدعي وان نفس الخريطة تنطبق عليه والرسم يوضح أن المنزل يتكون من أربعة غرف نوم وهو يطابق ما سبق أن رسمه الشاهد أمين المرضي بتاريخ 22/3/1979 عندما أدلى بشهادته للمرة الثانية وأرفق الرسم مع المستندات ويتفق أيضاً مع شهادة الشهود وليس هناك ما يؤيد مزاعم محامي الطاعنين بأن منزل المدعي يتكون من أربعة غرف ويبين من أقوال الشهود ومن الرسم الذي أرفقه المدعى عليه الأول كمستند (مستند مدعى عليه 1) ومن قرار المحكمة التي عاينت المنزل أنه بنفس الوضع الذي عليه المنزل الذي يسكنه المدعي حاليا
ولما كان ما جاء في حكم محكمة الموضوع ثم في حكم محكمة المديرية وأخيرا في حكم محكمة الاستئناف مطابقا لأقوال الشهود متمشيا مع ما هو ثابت في الأوراق فأن النعي على الحكم بهذا السبب لا يقوم على سند من الواقع أو القانون
السبب الثاني الذي استند إليه الطاعن هو أن محكمة الاستئناف قد أخطأت عندما أيدت حكم محكمة المديرية المؤيد لحكم المحكمة الابتدائية القاضي بثبوت الحاجة الماسة للمنزل موضوع النزاع للاستعمال الشخصي في حين أن الأدلة لا تؤدي إلى النتيجة التي انتهى إليها حكم محكمة الموضوع وان محكمة الاستئناف قد خالفت ما أرسته السوابق القضائية وما درجت عليه المحاكم في فهم مضمون الحاجة الماسة وتوسعت في تفسير معنى الحاجة الماسة بالشكل الذي يجهض كل أهداف وأغراض قانون تقييد الإيجارات وذلك بأنها أعطت للمالك حق استرداد عقاره متى ما أحتاج إليه لإيواء ضيوفه
وفي الرد على ذلك يقول محامي المطعون ضده أن السوابق القضائية قد طورت مفهوم الحاجة الماسة منذ أن أرسته قضية هيلين برياس ضد أحمد المهدي وان ( الاجتهادات المتجددة للمحكمة العليا قد أعادت للإنسان كرامته ونظرت إليه ككائن بشري تتسامى حاجياته الحياتية على مجرد كفاف العيش) وأشار المحامي إلى ما جاء في قضية نصري ديمتري ضد غالي أمين بصفحة 74 من نشرة الأحكام الشهرية أكتوبر – نوفمبر سنة 1977 – وحيث قالت المحكمة العليا ( لم تأخذ محكمة الموضوع ومن بعدها محكمة الاستئناف في اعتبارها الوضع المالي والاجتماعي المتغير للطاعن وهذا في رأيي خطأ لأن ما هو لازم وكاف يتغير بتغيير الظروف (وان ما يعتبر ترفا بالنسبة لشخص في وضع مالي واجتماعي معين قد يكون ضرورة لاغنى عنها بالنسبة لآخر في وضع مالي واجتماعي أفضل)
وأشار المحامي أيضا إلى ما جاء في أقوال الشهود من أن المنزل الذي يسكنه المدعي غير لائق لاستقبال الضيوف وانه يتضايق منه السوداني المحافظ الذي يسكن فيه وان الضيوف الذين عناهم المطعون ضده وشهوده هم نمط آخر من الأقارب والمعارف غير الذين عناهم الطاعنين وهم الذين يفدون العاصمة من الأقاليم لقضاء غرض أو مصلحة أو علاج ويحلون ضيوفا عند قريبهم لا لعسر أو ضيق ذات اليد وإنما لأنه وفقا لأحكام التقاليد الراسخة والأعراف الثابتة فإنهم يعيبهم ويعيب ذريتهم وذوي قرابتهم أن يحلوا بالفنادق ما دام لهم قريب له منزل بالعاصمة)
إن مسألة الحاجة الماسة- كما سبق أن قررت هذه المحكمة تتعلق بتكييف الوقائع الثابتة من الأدلة والبينات المطروحة وقد ناقشتها محاكمنا في قضايا عديدة وخلصت إلى أن مفهومها متجدد وأنه ليس في الإمكان وضع معيار ثابت لها لا يتغير إذ أن الحاجة تحكمها ظروف واعتبارات شتى وان تفسير الحاجة الماسة تفسيرا ضيقا بعيدا عن واقعنا وعاداتنا وتقاليدنا ومثلنا وقيمنا لا يتمشى مع ما عناه المشرع ولا يتلاءم مع ما نتطلع إليه من حياة كريمة وان قانون تقييد الإيجارات عندما نص على أن يسترد المالك عقاره في حالة احتياجه له إنما قصد أن تكون الحاجة الماسة قائمة حقيقة وإذا كان شهود المدعي في هذه الدعوى قد اجمعوا وأكدوا أن المنزل الذي يسكنه المدعي لا يليق بسكناه وإذا كان القاضي الذي زار المنزل وقام بالمعاينة وأعد رسما كروكيا بوصفه وما احتواه قد اقتنع بان المنزل الذي يسكنه المدعي حاليا لا يفي بحاجته ولا يكفي لسكنى أولاده وإيواء ضيوفه وان حاجته لمنزله المجاور قائمة وماسة وملحة فلا نرى ما يعيب حكم محكمة الاستئناف أن أيد هذا القرار
لقد كان المدعي يسكن في منزل من طابقين بالإيجار منذ مدة تزيد على الأربعة سنوات ثم اشترى منزلين متجاورين وضمهما في قطعة واحدة ليسكن فيها هو وأسرته ويأوي من يلجأ إليه من الضيوف واضطر إلى إخلاء المنزل الذي كان يستأجره ويطلب استرداد حيازة منزلية وأثبت أن واحد منهما دون الآخر لا يكفي لسكناه فلا يتأتى والحال هذه أن نجبره على البقاء في منزل يضيق به وبأسرته ولا يتسع لضيوفه ونضطره إلى الابتعاد عن أقاربه ومعارفه وأصدقائه ونقسره على حياة لم يألفها
وحيث أن الحكم المطعون فيه قد طبق القانون تطبيقا صحيحا وحيث أن الطعن لا أساس له يتعين شطبه على أن يرجى تنفيذ أمر الإخلاء لمدة ثلاثة أشهر من إعلان الحكم تحقيقا للعدالة بين الطرفين وإلزام الطاعنين بالرسوم
القاضي محمد محمود أبو قصيصة:
أوافق
القاضي هنري رياض سكلا:
وقائع هذه الدعوى المتميزة والخاصة تبدو لأول وهلة على غير المألوف الغالب الذي تعارف عليه الناس من إقامة عائلة بمنزل متوسط يتكون من أربعة أو خمسة غرف بيد أن ما أثبته المطعون ضده المالك من أنه كان يقيم في منزل بالدرجة الأولى مكون من طابقين وذي غرف كثيرة وبأجرة كبيرة وأنه رجل ميسور الحال وأشترى عمدا بيتين متلاصقين خصيصا للسكنى بل أقام في أحدهما ريثما يتم إخلاء المنزل الملاصق محل النزاع ليمد إقامته عليه أيضا يكفي القول بأن دعواه تقوم على سند من الجد والمعقولية بما يتفق والتفسير السليم لنصوص وروح قانون تقييد الإيجارات وللعدالة على ما انتهى إلى ذلك الزميلان العالمان ولكن إذا كان ذلك مقبولا وعادلا لأنصاف المالك وفقا لظروف هذه الدعوى وأدلتها وملابساتها الخاصة فلعله مما يتفق مع العدالة على وجه مماثل أن يرجى تنفيذ حكم الإخلاء لمدة ثلاثة أشهر سواء كان ذلك أعمالا لأحكام المادة 12 من قانون تقييد الإيجارات أو المادة 303 من قانون الإجراءات المدنية 1974 وذلك رغم تردد الخصومة السنوات الطوال أمام المحاكم إذ يتعذر وجود مسكن آخر للطاعنين في خلال فترة قصيرة بعد أن أقاموا بالمنزل محل النزاع عشرات السنين
لكل ذلك فأنني أوافق على رفض الطعن على أن يرجى تنفيذ أمر الإخلاء لمدة ثلاثة أشهر من إعلان الطاعنين بالحكم

