تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
  • دخول/تسجيل
07-04-2026
  • العربية
  • English

استمارة البحث

  • الرئيسية
  • من نحن
    • السلطة القضائية
    • الأجهزة القضائية
    • الرؤية و الرسالة
    • الخطط و الاستراتيجية
  • رؤساء القضاء
    • رئيس القضاء الحالي
    • رؤساء القضاء السابقين
  • القرارات
  • الادارات
    • إدارة التدريب
    • إدارة التفتيش القضائي
    • إدارة التوثيقات
    • إدارة تسجيلات الاراضي
    • ادارة خدمات القضاة
    • الأمانة العامة لشؤون القضاة
    • المكتب الفني
    • رئاسة ادارة المحاكم
    • شرطة المحاكم
  • الخدمات الإلكترونية
    • البريد الالكتروني
    • الدليل
    • المكتبة
    • خدمات التقاضي
    • خدمات التوثيقات
    • خدمات عامة
  • المكتبة التفاعلية
    • معرض الصور
    • معرض الفيديو
  • خدمات القضاة
  • اتصل بنا
    • اتصل بنا
    • تقديم طلب/شكوى
  • دخول/تسجيل

استمارة البحث

07-04-2026
  • العربية
  • English
    • الرئيسية
    • من نحن
      • السلطة القضائية
      • الأجهزة القضائية
      • الرؤية و الرسالة
      • الخطط و الاستراتيجية
    • رؤساء القضاء
      • رئيس القضاء الحالي
      • رؤساء القضاء السابقين
    • القرارات
    • الادارات
      • إدارة التدريب
      • إدارة التفتيش القضائي
      • إدارة التوثيقات
      • إدارة تسجيلات الاراضي
      • ادارة خدمات القضاة
      • الأمانة العامة لشؤون القضاة
      • المكتب الفني
      • رئاسة ادارة المحاكم
      • شرطة المحاكم
    • الخدمات الإلكترونية
      • البريد الالكتروني
      • الدليل
      • المكتبة
      • خدمات التقاضي
      • خدمات التوثيقات
      • خدمات عامة
    • المكتبة التفاعلية
      • معرض الصور
      • معرض الفيديو
    • خدمات القضاة
    • اتصل بنا
      • اتصل بنا
      • تقديم طلب/شكوى
  • دخول/تسجيل

استمارة البحث

07-04-2026
  • العربية
  • English
      • الرئيسية
      • من نحن
        • السلطة القضائية
        • الأجهزة القضائية
        • الرؤية و الرسالة
        • الخطط و الاستراتيجية
      • رؤساء القضاء
        • رئيس القضاء الحالي
        • رؤساء القضاء السابقين
      • القرارات
      • الادارات
        • إدارة التدريب
        • إدارة التفتيش القضائي
        • إدارة التوثيقات
        • إدارة تسجيلات الاراضي
        • ادارة خدمات القضاة
        • الأمانة العامة لشؤون القضاة
        • المكتب الفني
        • رئاسة ادارة المحاكم
        • شرطة المحاكم
      • الخدمات الإلكترونية
        • البريد الالكتروني
        • الدليل
        • المكتبة
        • خدمات التقاضي
        • خدمات التوثيقات
        • خدمات عامة
      • المكتبة التفاعلية
        • معرض الصور
        • معرض الفيديو
      • خدمات القضاة
      • اتصل بنا
        • اتصل بنا
        • تقديم طلب/شكوى

مجلة الاحكام

  • المجلات من 1900 إلي 1930
  • المجلات من 1931 إلي 1950
  • المجلات من 1956 إلي 1959
  • المجلات من 1960 إلي 1969
  • المجلات من 1970 إلي 1979
  • المجلات من 1980 إلي 1989
  • المجلات من 1990 إلي 1999
  • المجلات من 2000 إلي 2009
  • المجلات من 2010 الى 2019
  • المجلات من 2020 الى 2029
  1. مجلة الاحكام
  2. المجلات من 2010 الى 2019
  3. العدد 2018
  4. المدني 2018م
  5. ملاك الباخرة البركة (3) وآخر الطاعنون //ضد// ورثة/ محمد الحسن محمـد مطعون ضدهم الرقم م ع/ط م/ج/ح/7/2018م

ملاك الباخرة البركة (3) وآخر الطاعنون //ضد// ورثة/ محمد الحسن محمـد مطعون ضدهم الرقم م ع/ط م/ج/ح/7/2018م

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المحكمة القومية العليا

دائرة ولايتي البحر الأحمر وكسلا

ببورتسودان

 

القضاة:

سعادة السيد / طـارق الضــو أيـوب

قاضي المحكمة العليا

رئيساً

سعادة السيد / عبد القادر محمـد يوسـف

قاضي المحكمة العليا

عضواً

سعادة السيد / عبدالرؤوف حسب الله ملاسي

قاضي المحكمة العليا

عضواً

 

 

الأطراف:

ملاك الباخرة البركة (3) وآخر                                       الطاعنون

//ضد//

ورثة/ محمد الحسن محمـد                                     مطعون ضدهم

 

الرقم م ع/ط م/ج/ح/7/2018م

 

قانون النقل البحري السوداني لسنة 2010م - المادة 4(أ) منه- القانون الواجب التطبيق فـي حالة غياب النص- تفسير عبارة " الأحكام ذات الصلة ".

قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م - المادتان (8)،(9) منه - اختصاص المحاكم السودانية بنظر النزاع المتعلق بالسفن الأجنبية القادمة للسودان.

قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م - المادة (11) منه - الاختصاص عند تعدد المدعى عليهم الأجانب - يكفي أن يكون لأحدهم موطن أو محل اقامة بالسودان.

قانون النقل البحري السوداني لسنة 2010م – المواد 60 ، 61 ، 62 ، 63 ، 64، 65 منه - حقوق العامل البحري - منشؤها العقد - الاختصاص في حالة العقود البحرية.

 

المبادئ:

1-

2-

3-

4-

 

 

المحامون:

الأستاذ/ هاشــم كنــة                                     عن الطاعنين

                                    الحكــم

 

القاضي: عبد الرؤوف حسب الله ملاسي

التاريخ: 13/9/2018م

 

تقدم كلُُّ من طرفي الدعوى المدعين والمدعى عليهم بطلب طعن بالنقض منفصل في مواجهة قضاء محكمة الاستئناف دائرة البحر الأحمر الحكم            أ س م/11/2016م والقاضي بتاريخ 13/يناير/2018م بإلغاء الحكم الابتدائي الصادر من محكمة الموضوع وإعادة إجراءات الدعوى للسير فيها على ضوء موجهات الحكم ويتلخص طلبا الطعن بالنقض في التفصيل التالي:

أولاً : الطلب الأول والمقدم من الأستاذ/ هاشم كنه المحامي إنابة عن ملاك الباخرة البركة بتاريخ 11/فبراير/2018م ويدور محور حول المحاور التالية:

1- لا اختصاص للمحاكم السودانية بنظر النزاع موضوع الدعوى حيث لا ينعقد لها الاختصاص المحلي المكاني بحسب الفقرة (4) من عريضة الدعوى حيث وقع الحادث الذي أودى بحياة المرحوم مورث المدعين خارج نطاق حدود المياه الإقليمية السودانية على بعد 35 ميلاً بحرياً والتي يحددها قانون الجرف البحري السوداني 1962م في المادة (5) ب 12 ميلاً بحرياً من الساحل تجاه البحر وبالتالي وقع الحادث خارج المياه الإقليمية السودانية.

2- رفعت الدعوى سابقة لأوانها وفق المبدأ الذي أقره القضاء السوداني في السابقة /مؤسسة فائز للتجارة //ضد// خليل محمد علي أ س م/85/1406هـ ص 102 المنشورة في مؤلف أهم القضايا البحرية السودانية للقاضي محمد علي خليفة أن دعاوى العمل البحري تحال للتحكيم ابتداء للنظر أمام ناظر الميناء أو ضابط التفتيش البحري ولا يحال النزاع إلى المحكمة إلا في حالة فشل التحكيم ولا اختصاص لمكتب العمل الإقليمي بالنظر في منازعات العمل البحري.

3- بحسب واقع المحضر فالسفينة ( الباخرة البركة سفينة أجنبية ) ووفق أحكام المواد 10،11(2),16(1) إجراءات مدنية في حالة التنازع حول القانون الواجب التطبيق تكون المرجعية لقانون المعاملات المدنية لسنة 1984م ولا يسري القانون السوداني على النظام القانوني للشخصيات الاعتبارية الأجنبية إلا إذا باشرت هذه الشخصيات الاعتبارية نشاطها الرئيسي في السودان ولا يطبق من القانون الأجنبي إلا أحكامه الداخلية دون تلك التي تتعلق بالقانون الدولي الخاص وطالما لم يباشر ملاك السفينة إدارة مركزهم الرئيسي في السودان فلا تسري أحكام القانون السوداني على النزاع موضوع الدعوى كما أن المستقر قضاء هو أن الذي يحكم العلاقة العقدية بين مالك السفينة الأجنبية والبحارة قانون علم السفينة وبالتالي لا يحكم القانون السوداني قانون العمل لسنة 1997م عقد العمل البحري في سفينة أجنبية ولا سند لتصريح هذه الدعوى بدون رسوم وفق المادة 72(1) من قانون العمل السوداني لسنة 1997م وكان  الواجب إلزام المدعين بسداد رسوم الدعوى.

4- طالما أن العلاقة العقدية بين مورث المدعين وملاك الباخرة هو (عقد عمل بحري) فوفق قانون النقل البحري لسنة 2010م والذي نص في مواده من 55 إلى 66 وهو القانون الخاص وفق أحكام المادة 6(4) من قانون تفسير القوانين لسنة 1974م على عقود العمل البحري فإنها لا تسري على عقود العمل البحري في السفن الأجنبية مع مراعاة ما قررته السوابق السودانية البحرية الصادرة قبل القانون الجديد النقل البحري لسنة 2010م فإن قانون عقد النقل البحري لا تسري أحكامه على السفن الأجنبية ولا تسري على عقود العمل البحري في السفن الأجنبية وذلك لأن المتفق عليه وفق العرف البحري والاتفاقيات الدولية أنها قوانين إقليمية لا تسري إلا على السفن الوطنية دون الأجنبية المرجع كتاب محاضرات التشريع البحري للدكتور علي حسن ص (38) الطبعة الثالثة وكتاب محاضرات التشريع البحري د. كامل أمين نسخة 1959م ص 16.

5- ارتكز المدعون في تقدير مقدار التعويض المدعى به على الاتفاقيات والتعاهدات والمعمول به وفق قواعد نادي الحماية والتعويض الدولي ولم يقدموا أي دليل على ذلك الادعاء ومن جهة أخرى وبفرضية تطبيق القانون السوداني قانون النقل البحري لسنة 2010م فوفق أحكام المادة (65) منه فلا يستحق البحار الذي توفي بسبب الدفاع عن السفينة أو الشحنة أو المسافرين في السفينة إلا تعويض أجر ثلاثة أشهر أو مبلغاً يعادل أجرته خلال مدة الرحلة إذا كان معيناً بالرحلة وهذا تعويض على سبيل الحصر ولا اجتهاد مع صراحة النص.

6- لا سند من القانون أو الوقائع لمقاضاة جهتين مختلفتين في آن واحد باعتبارهما ملاك الباخرة فملاك الباخرة هم أصحاب الباخرة البركة (3) ولا علاقة بينهم والمدعى عليهم الثواني مؤسسة سليمان سعيد الجابري وطالما اختار الورثة مقاضاة مؤسسة سلمان فعليهم البحث عن باخرة المذكورين لمقاضاتهم.

ومن محصلة الأسباب السالفة يلتمس شطب الدعوى برسومها واحتياطيا تأييد الحكم الابتدائي الصادر من محكمة الموضوع الذي ألغته محكمة الاستئناف.

ومن جهة أخرى تقدم الأستاذ/ د. عبد الباقي جمعة علي المحامي إنابة عن الورثة: المدعين بطعن في حكم الاستئناف وفق الأسباب التالية:

1- أن مورث المدعين يعمل في وظيفة بحار على ظهر الباخرة البركة (3) براتب شهري وقدره 400 دولار أمريكي وتوفي نتيجة لصعقة كهربية أثناء عمله بداخل الباخرة بتاريخ 31/يناير/2013م ورفض المدعى عليهم الدخول في تسوية النزاع والتعويض الذي يطلبه الورثة هو مبلغ وقدره 250 ألف جنيه زائداً أتعاب المحاماة وذلك وفق العريضة المعدلة.

2- بناءً على قرار المحكمة بسماع شهود محكمة قررت ضم مؤسسة سليمان سعيد الجابري كمدعى عليه وتم تعديل عريضة الدعوى بذلك وقد أقرت المدعى عليها الثانية بالدعوى بواسطة محاميها معترفة بكل فقراتها عدا المطالبة وفق القانون البحري السوداني والاتفاقيات والمعاهدات الدولية والأعراف البحرية وأن المادة المنطبقة هي المادة (65) من قانون النقل البحري السوداني لسنة 2010م.

 

3- رغم اتفاق المدعين مع قرار محكمة الاستئناف القاضي بإلغاء حكم محكمة الموضوع وإعادة النظر في النزاع ووفق ما أوردته من موجهات إلا أن محكمة الاستئناف لم تسبب حكمها في الجزئية المتعلقة بشطب الدعوى في مواجهة المطعون ضدهم الأوائل ويطعن المدعون في هذه الجزئية من حكم الاستئناف على السند التالي:

(أ ) طالما توصلت محكمة الاستئناف إلى أن الذي يحكم الفصل في نزاع الدعوى هو قواعد العرف البحري والاتفاقيات والمعاهدات الدولية في تقدير التعويض موضوع الدعوى فإن التعويض يقدر وفق عملية حساب التعويض بالوحدات الحسابية الدولية وليس أحكام التعويض في قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م وهو ما يتفق معه الطاعنون المدعون في حكم الاستئناف إذ كان الواجب الإجرائي في هذه الجزئية على محكمة الاستئناف أن تحكم لصالح المدعين وفق هذه القواعد القانونية التي أقرتها ووفق سلطتها في قانون الإجراءات المدنية (يقصد المادة (205) سابقاً حالياً صارت الفقرة (1) من المادة 187 البند (ب) إجراءات مدنية لسنة 1983م تعديل سنة 2009م وهي القواعد التي أجازها قانون النقل البحري لسنة 2010م في المادة (4) منه في حالة غياب النص الذي يحكم النزاع في أحكامه وهي:

 

(أ ) أن تحكم المحكمة في حالة غياب النص وفق الأحكام القانونية ذات الصلة في أي قانون آخر سارٍ.

(ب‌)

(ج) أو تحكم وفق ما استقر عليه القضاء السوداني.

(د ) أو تحكم وفق أحكام العرف البحري الساري.

 

فبدلاً من أن تعيد محكمة الاستئناف إلى محكمة الموضوع لتطبيق هذه القواعد كان عليها أن تحكم هي بما استقر عليه العرف البحري السائد وفق ما حسمته اتفاقية أثينا وبرثكول سنة 2010م واتفاقية 1976م والوارد في ص 16 من الاتفاقية في حالة وفاة الراكب على السفينة (اتفاقية حدود المسؤولية في دعاوى التعويض):

LIMITATION OF LIABILITY FOR MAritiME CLAIMS 1976

 

 وهي الاتفاقية التي تنص على التعويض المستحق في حالة الوفاة بما يعادل 2 مليون وحده حسابية في الحوادث التي تقع في السفن البحرية التي لا يقل وزنها عن ألف طن وهو وزن الباخرة البركة (3) المدعى عليها وكان على محكمة الاستئناف الحكم بما أقرته هذه الاتفاقية في حالة وفاة مورث المدعين في الباخرة بالعملية الحسابية (235 ألف دولار على 175 ألف دولار وحدة حسابية يساوي 1.3 دولار للوحدة الحسابية مضروب في 2.600.000 دولار.

ويلتمس في المحصلة إعادة الإجراءات إلى محكمة الاستئناف

لإصدار الحكم وإلغاء قرارها بإعادة الإجراءات إلي المحكمـة.

وعلى ضوء ما تقدم قررت الدائرة قبول الطعنين مبدئياً وجاء رد كل طرف على طعن الآخر بنفس أسباب طعنه وبالتالي اكتملت الإجراءات للفصل فيها على الوجه التالي:

أولاً: نشير في البدء إلى أننا قد قمنا بتسجيل ما أورده الطرفان على وجه تفصيلي لأهمية ذلك التفصيل في المناقشة ونرى في ذات الوقت وللفائدة الإجرائية القانونية في المناقشة إيراد السند القانوني الذي استند عليه قضاء محكمة الاستئناف المطعون فيه على الوجه التالي:

1- لا خلاف حول  تعاقد المرحوم مورث المدعين بموجب عقد عمل بحري لدى المدعى عليه الثاني وهو مشغل السفينة.

2- ينحصر الخلاف في الدعوى في تحديد القانون الواجب التطبيق على النزاع وتوصلت محكمة الموضوع بأن القانون الواجب التطبيق هو قانون المعاملات المدنية رغم إقرارها بأنه وإن كان قانون عقد النقل البحري لسنة 2010م في الأصل هو القانون الواجب إلا أن نصوصه لم تنص على مقدار التعويض وعليه احتكمت المحكمة إلى قانون إصابات العمل السوداني لسنة 1981م وأيضاً ولعدم وجود نص قانوني يحكم قضايا تعويض العامل البحري في عمله خارج السودان لجأت المحكمة في حكمها إلى الاحتكام إلى نصوص التعويض في قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م وذلك إعمالاً لقاعدة الحكم فقط بمقدار الدية تحت المادة (156) من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م.

3- مسألة التعويض عن وفاة العامل البحري غير واضحة المعالم ولم يضع لها القانون السوداني قانون النقل البحري 2010م تنظيماً خاصاً ومن الظلم أن يقتصر التعويض فقط على مقدار الدية وبما يستوجب أن يكون حساب التعويض عن وفاة العامل البحري أثناء الخدمة وفق قواعد العرف البحري وما تقرره الاتفاقيات والمعاهدات الدولية في هذا الشأن والتي تنظم حساب مقدار التعويض وفق القواعد الدولية الحسابية.

ثانياً: نرى أيضاً ولمزيد من الفائدة في المناقشة الفقهية الإجرائية القانونية ولإثراء فقه المناقشة أن نورد السند القانوني الذي استندت عليه محكمة الموضوع في حكمها الذي ألغته محكمة الاستئناف ونلخصه في النقاط التالية:

1- لا خلاف حول واقعة أن المدعى عليهم الأوائل هم ملاك الباخرة البركة (3) وأن المدعى عليهم الثواني هم مستأجرو الباخرة ولا خلاف حول واقعة أن المرحوم متعاقد بعقد عمل بحري مع المدعى عليهم الثواني براتب شهري وقدره 400 دولار أمريكي وتوفي أثناء الخدمة بالباخرة جراء صعقة كهربائية بتاريخ 13/مارس/2013م ولم تكتمل تسوية النزاع مع الوكيل البحري للسفينة ويطالب الورثة كتعويض عن وفاة مورثهم بمبلغ وقدره 250 ألف دولار أمريكي زائداً (25) ألف دولار أتعاب محاماة اتفاقية.

2- الخلاف في دعوى التعويض قائم على أساس تحديد القانون الواجب التطبيق على النزاع وهل هو القانون السوداني والاتفاقيات والأعراف الدولية أو وفق ما قرره القانون البحري في المادة (65) من قانون النقل البحري لسنة 2010م كما يطالب الدفاع رغم أن هذه المادة تتحدث عن تعويض الركاب وليس البحارة العاملين بالبواخر.

3- لم يوقع السودان على الاتفاقيات الدولية التي يطالب الادعاء بتطبيق أحكامها كمرجعية حسابية لتقدير تعويض العامل البحري حال الوفاة أثناء الخدمة في السفينة.

4- تنازع القوانين الحادث في هذه القضية علته وسببه وجود طرف أجنبي في النزاع وهم المدعى عليهم.

5- وفق القواعد القانونية الواردة في قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م المواد (10, 11 , 13(أ) منه يسري على الالتزامات التعاقدية قانون الدولة التي بها الوطن المشترك للمتعاقدين وفي حالة اختلاف الوطن يسري قانون الدولة التي ابرم فيها العقد ما لم يتفق الأطراف على غير ذلك وحيث ابرم عقد العمل البحري بين مورث المدعين والمدعى عليه الثاني بمدينة بور تسودان فالقانون الواجب التطبيق على النزاع هو القانون السوداني قانون النقل البحري لسنة 2010م إلا أن هذا القانون قد خلا من أي نصوص تحكم مسألة التعويض في حالة وفاة البحار أثناء الخدمة وبالتالي تلجأ المحكمة في هذه الحالة إلى القواعد العامة التي نصت عليها المادة الرابعة من قانون النقل البحري في حالة غياب النص والقواعد هي:

فيما لم يرد بشأنه نص أو حكم في هذا القانون تطبق:

(أ ) تطبق الأحكام ذات الصلة في أي قانون آخر سارٍ.

(ب) تطبيق أحكام الاتفاقيات الدولية والإقليمية التي يصادق عليها السودان. (ج) ما استقرت عليه أحكام القضاء.

(د ) العرف البحري الساري.

ورأت المحكمة أنه ووفق الفقرة (أ) فالقانون ذو الصلة بموضوع النزاع حول التعويض هو قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م وأيضاً قانون إصابات العمل لسنة1981م السوداني وقد شمل تعريف العامل المستحق للتعويض عن إصابة العمل1/أي عامل في السودان عامل في سفينة سودانية والمرحوم عامل في سفينة أجنبية وبالتالي لا تسري عليه أحكام هذا القانون ولا تسري عليه أيضاً اتفاقية أثينا لنقل الركاب وأمتعتهم بحراً لسنة 1974م وبروتوكول 2002م لأنها لا تتعلق بالطاقم العامل بالسفن كما أن ملاحق أوذوا التي أصدرتها المنظمة العربية البحرية الدولية لا تعد اتفاقية دولية سارية واجبة التطبيق بل هي مجرد موجهات عامة حول مسؤولية ملاك السفن فيما يتعلق بالمطالبات التعاقدية بشأن إصابة البحارة ووفاتهم وأيضاً لا مجال لتطبيق أحكام المادة (65) من قانون النقل البحري لسنة 2010م لأنها لا تتعلق بحالة تعويض البحار عند وفاته أثناء الخدمة بالباخرة وتتعلق فقط بحالة وفاة البحار بسبب دفاعه عن السفينة أو الشحنة والمسافرين بالباخرة.

6- وترى المحكمة أيضاً أنه لا مسؤولية على أصحاب الباخرة البركة (3) عن تعويض ورثة المرحوم بسبب وفاته بحادث أثناء الخدمة في الباخرة فالسفينة مستأجره بعقد إجارة والمدعى عليها المستأجرة هي التي قامت بالتعاقد مع  طاقم الباخرة وتعيينه وبالتالي فقد تعاقدت مع المرحوم بعقد عمل بحري في السفينة المستأجرة وبالتالي فالمدعى عليها الثانية مؤسسة سلمان سعيد الجابري هي المسؤولة عن التعويض عن وفاة المرحوم بحادث صعق الكهرباء أثناء خدمته بالباخرة المستأجرة.

7- ترى المحكمة أن تعويض الورثة عن وفاة مورثهم تحكمه المادة (156) فقرة (1) من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م وفق الدية الشرعية في المعاملات وقد أقرت المدعى عليها الثانية بالحادث وسبب وفاة المرحوم وبالتالي فإن المحكمة أصدرت حكمها لصالح الورثة بالدية المقدرة قانوناً بـ 30 ألف جنيه , 5 آلاف أتعاب محاماة وشطب الدعوى في مواجهة ملاك الباخرة البركة 3 لانتفاء المسؤولية العقدية أو التقصيرية عن التعويض عن وفاة المرحوم.

ويتضح من السرد التفصيلي الذي أوردناه أن الخلاف الحادث بين الأطراف في هذه القضية والإشكالية التي واجهت المحكمة في إصدار حكمها تتمثل في النقاط والتساؤلات التالية:

(س1)

أولاً: ما هي المرجعية القانونية التي تحكم مسألة تعويض البحار المتعاقد بعقد عمل بحري مع مالك السفينة أو مستأجرها بحسب الحال متى حدثت وفاته بحادث أثناء عمله في خدمة الباخرة ؟؟

(س2)

ثانياً: هل المرجعية القانونية في مثل هذه الدعاوى تكون بتطبيق أحكام قانون المعاملات المدنية السوداني لسنة 1984م ؟؟ في شأن التعويض لعلة غياب نص في قانون النقل البحري لسنة 2010م يحكم حالة التعويض عن وفاة البحار وأيضاً لعدم توقيع السودان على الاتفاقيات أو المعاهدات الدولية أو الإقليمية التي تحكم هذه المسألة وبما يستوجب الرجوع إلى الأحكام العامة للتعويض في قانون المعاملات أو أحكام القضاء السوداني حول المسألة ؟؟

 

(س3)

ثالثاً: أم أن المرجعية القانونية في حكم هذه المسألة يكون بالرجوع إلى أحكام العرف البحري الذي أقره قانون النقل البحري السوداني لسنة 2010م في حالة غياب النص أو أن العدالة في الحكم تستوجب تطبيق أحكام الاتفاقيات والمعاهدات الدولية والإقليمية في شأن العملية الحسابية لتقدير التعويض عن وفاة العامل البحري بحادث أثناء الخدمة في الرحلة البحرية محل إبرام عقد العمل البحري ؟؟

(س4)

رابعاً: إذا تم تأجير السفينة بعقد مشارطه إيجار غير مجهزة أو عارية وقام المستأجر بتجهيز السفينة مادياً وتعيين الطاقم البحري وتشغيل السفينة فنياً وملاحياً بواسطة الربان والبحارة الذي قام بتعيينهم وأصبحت له الإدارة الملاحية وأيضاً الإدارة التجارية فهل تنتفي عن المؤجر مالك الباخرة أي مسؤولية عن الحوادث البحرية أثناء الرحلة للباخرة المستأجرة والتي قد يترتب عليها وفاة أحد البحارة أو أحد من الطاقم أثناء خدمته في الباخرة المستأجرة وبسبب أداء هذه الخدمة أو أثناء أداء هذه الخدمة ؟؟

وفي تقديرنا أنه وقبل البدء والدخول في المناقشة التفصيلية لكل ما أثير من إشكاليات قانونية وفقهية وجدل بين أطراف الدعوى وما توصلت إليه كلُُّ من المحكمة الابتدائية والاستئناف من رؤية قانونية حول المرجعية القانونية للفصل أو الحكم في النزاع فإنه من الضروري البدء بمقدمة ومدخل قانوني وإجرائي وتاريخي لمراحل ما قرره القضاء البحري السوداني في شأن أحكام النقل البحري وعقود العمل البحري وما قرره في شأن المنازعات البحرية الناشئة من عملية النقل البحري بالسفن وإلى مرحلة إصدار تشريع القانون البحري السوداني الجديد والذي أصبح عنوانه قانون النقل البحري لسنة 2010م والنظر في التطور التاريخي الفقهي الذي صاحب فصل القضاء السوداني في مدى تاريخه العدلي في شأن المنازعات البحرية المختلفة وما ترتب عليه من قواعد فقهية صارت مرجعية في أحكام القضايا البحرية في السودان .. ونفصل هذه المقدمة وهذا المدخل التاريخي العدلي على الوجه التفصيلي التالي:

أولاً: المعلوم فقهاً وقانوناً وكما كان يقول أساتذتنا وفقهاؤنا وعلماؤنا الأجلاء من القضاة أصحاب الفكر القانوني المستنير ونذكر منهم على سيبل المثال فقط مولانا/ عثمان الطيب ومولانا/ محمد الحسن شقاق ومولانا/ دفع الرضي ومولانا/ مهدي الفحل ومولانا/ طمبل ومولانا/ هنري رياض ومولانا/ أحمد أمين ومولانا/ مهدي محمد ومولانا/ أحمد جعفر حامد أصحاب المقولة المشهورة التي كانت تتردد أصداؤها كرمزية لعدالة القضاء السوداني أن (القضاء السوداني هو الذي صنع القانون البحري السوداني بما أقره من مبادئ في أحكامه البحرية).

ثانياً: فقد رسخت هذه المقولة بين القضاة وعلى وجه خاص كل من عمل قاضياً في مدينة بور تسودان حاضرة البحر الأحمر مركز مينائه البحري الساحلي وبوابة السودان البحري نحو العالم وباب تجارته وصادره .. فالمعلوم أن السودان من البلاد البحرية الساحلية الممتدة على طول امتداد ساحل البحر الأحمر والجرف القارئ السوداني ومعلوم أيضاً أن أول قانون صدر تحت مسمى القانون البحري كان القانون البحري 1961م في الستينيات من القرن الماضي مع بدء دخول السودان مجال النقل البحري بالسفن السودانية مشاركة مع دولة يوغسلافيا التي صنعت عدداً من السفن البحرية السودانية العاملة تحت راية شركة الخطوط البحرية السودانية سودان لاين فقد صدر القانون البحري سنة 1961م تحت مسمى القانون البحري 1961م وهو وفق المادة (3) تطبيق يطبق على جميع السفن السودانية للملاحة في أعلى البحار التي لا تقل حمولتها القائمة عن 100 طن أينما وجدت وعلى السفن الأجنبية التي تكون راسية داخل المياه الإقليمية السودانية أو مبحرة فيها (مع استثناء السفن غير التجارية لأي دولة أجنبية مثال (السفن الحربية) وهذا القانون يقوم أساسه حول تسجيل السفن والرقابة البحرية والتفتيش البحري عليها وكل ما يتعلق بالسفينة وملكيتها ورهنها وجنسيتها والشهادات الخاصة بالأطقم البحرية وبأهلية ومؤهلات العاملين في السفن البحرية من بحارة طاقم ملاحي وفني وهندسي وضباط وبحرية وضباط إرشاد السفن ... الخ وإصدار شهادات السلامة البحرية واعتمادها والصلاحية الملاحية وإجراءات التحقيق في الحوادث البحرية والإنقاذ البحري وتحديد المسؤولية عن حوادث الوفاة على ظهر أي سفينة أو تلف للأموال والتحقيق في الحوادث السالفة .. وبالتالي لا يشمل أي مسائل أخرى يحكمها القانون البحري العام أو الخاص في الدول الأخرى مثال النقل البحري وإشكالياته مع مراعاة أن القانون البحري للبضائع لسنة 1953م ومأخوذة أحكامه في أساسها من اتفاقية بروكسيل 1924م إلا أنه قانون يقتصر سريان أحكامه على النقل البحري الصادر من السودان إلى خارج السودان ولا يشمل النقل الوارد من خارج السودان إلى داخل السودان (انظر المواد في القانون) ولم يكن أمام القضاء السوداني المستنير سوى هذه القوانين والتي لا تحكم نصوصها منازعات النقل البحري أو منازعات البحر بصورة عامة شاملة كالتأمين البحري والتصادم البحري والرهن البحري والإنقاذ البحري ... الخ فتصدى القضاء السوداني المستنير للفصل العادل في شأن ما عرض عليه من منازعات بحرية ولحسم المنازعات البحرية المختلفة ولم يكن أمامه من سبيل عند التطبيق سوى الاستنارة والإرشاد بالفقه البحري العام والاتفاقيات الدولية الصادرة في هذا المجال وذلك باعتبار وسند أن القوانين البحرية في كل العالم البحري ما هي إلا القواعد التي استقرت عرفاً ثم صارت مقننة في اتفاقيات ومعاهدات دولية وتطورات حسب تطور الأعراف البحرية وصارت قوانين محلية وإقليمية لكل الدول البحرية أو المستغلة أو المستغلة لتجارة البحر وذلك لعلة وحدة القواعد البحرية الدولية بحيث أصبح أنه لا مجال ولا فرضية للقول بتعدد القوانين البحرية انجليزي فرنسي أمريكي ... الخ فكلها تحمل ذات السمات وذات القواعد ولكنها قننت بتشريعات داخليه لكل دولة مع بعض المسائل الإجرائية المعنية بكل دولة ... فظهرت أحكام القضاء السوداني مقتبسة من تلك الأعراف البحرية العامة المتضمنة في تشريعات دول مجاورة أو أخرى أقدم في التقنين البحري وأيضاً بالرجوع إلى المبادئ البحرية العامة التي قننت في اتفاقيات دولية وإقليمية وبناءً عليها كانت ثمرة هذا الاجتهاد المعرفي الفقهي أن قيل أن (القضاء السوداني العادل المستنير هو الذي صنع ووضع لبنة القانون البحري السوداني) ومن أمثلة هذا الاجتهاد ومنه الكثير الذي لم ينشر ما قام بتجميعه وأعده القاضي المجتهد المحقق محمد علي خليفة قاضي المحكمة العليا في كتاب أهم القضايا البحرية الصادرة من المحاكم السودانية والذي أصبح من أهم المراجع في تطبيقات وأحكام القضاء السوداني في شأن فروع المنازعات البحرية حول الحجز البحري وبيع السفينة وعقد العمل البحري والتأمين البحري ومنازعات النقل البحري ومسؤولية الموانئ عند فقد البضائع ومنازعات مشارطة إيجار السفن ومنازعات التحكيم البحري وغيرها من المنازعات البحرية ... واستمر العطاء الفقهي للقضاء السوداني على هذا المنوال وأيضاً بالرجوع إلى المراجع الفقهية البحرية من شراح القانون البحري والقضاء البحري المصري إذ المعلوم أن السودان ومصر كانتا تحت التاج المصري والحكم الثنائي المصري البريطاني وكان الفقه التفسيري المصري والانجليزي بالتبعية هما أقرب المصادر في الاقتباس الفقهي من أحكام من أمثلة شراح القانون المصري المستشار الدكتور كمال حمدي والدكتور أحمد حسني والفقيه مختار السويفي وهاني دوويدار وغيرهم بلا إحصاء ومن شراح وفقهاء القانون الانجليزي الفقهية ( CARVER كارفر ) صاحب المرجع الفقهي الانجليزي في القانون البحري الانجليزي مثال المرجع مؤلف Maritime law وانظر أيضاً المؤلف الفقهي (ARNOULD Carrige by sra  ) صاحـب مؤلف  Marine INSurNCe  والمرجع القانوني  ChRiSTOPHEr Hill كتاب مطبعة اللويدز لندن  MaritIme Law والكثير من المراجع بلا إحصاء ثم استقرت رحلة القانون البحري السوداني في مرسى مشروع قانون النقل البحري الذي صدر أخيراً كآخر تشريع بحري سوداني قانون النقل البحري السوداني لسنة 2010م بعد عدة محاولات إجرائية تشريعية وإشكاليات عملية لإصداره مصحوباً بسلبيات تشريعية وسلبيات في الصياغة في إطار قواعد الصياغة القانونية وبعدم تغطيته كل جوانب المنازعات البحرية وبضرورة تشريعية كانت تستوجب بأن يبدأ إصدار التشريع البحري السوداني بما انتهى إليه التطور التشريعي الحديث في مجال القانون والفقه البحري العام والخاص إلا أنه وبلا شك ورغم كل ذلك كان من اللازم إصداره كأول لبنة حقيقية لقانون نقل بحري وقانون بحري سوداني يمكن تطويره وتعديله وإعادة صياغته وصياغة ما نقص في أحكامه ولقد أدرك المشرع البحري السوداني حقيقة ما شاب أحكام التشريع من نقص وقصور في أحكامه والتي صاحبت ظروف إصداره بأن أورد نصاً تشريعياً مكملاً في المادة (4) منه تحت عنوان:

الأحكام الواجبة التطبيق في غياب النص

فيما لم يرد بشأنه حكم في هذا القانون تطبق:

(أ ) الأحكام ذات الصلة في أي قانون آخر سارٍ.

(ب) أحكام الاتفاقيات الدولية والإقليمية التي تصادق عليها السودان.

(ج) ما استقرت عليه أحكام القضاء السوداني.

(د ) العرف البحري الساري.

وهنا نشير بالضرورة إلى أن عبارة الفقرة (أ) من المادة (4) : تطبق:

الأحكام ذات الصلة في أي قانون آخر سارٍ

قد أثارت إشكالية تفسيرية إلى وجهتي نظر تفسيرية وهي:

وجهة النظر التفسيرية الأولى ترى:

أن هذا البند قد ورد بصياغة عامة وبالتالي وبحسب عمومه لا يشترط خصوصية أن القانون ذا الصلة الجائز تطبيقه في حالة غياب النص أن يكون قانوناً مرتبطاً بقوانين البحار بل يشمل بهذه العمومية جواز تطبيق الأحكام العامة في القوانين التي تحكم المنازعات غير البحرية الشبيهة من حيث الموضوع والطبيعة والأثر والمعالجة كقانون العقود والضرر والتعويض في المعاملات المدنية بما يجوز في حال غياب النص الذي يحكم أي مسألة ذات صلة تطبيق أحكام قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م وهذا ما أخذت به محكمة الموضوع في إصدار حكمها الابتدائي الذي ألغته محكمة الاستئناف بحكمها محل الطعن الآن.

وجهة النظر التفسيرية الثانية:

تخالف وجهة النظر التفسيرية الأولى وترى أن تفسير مقصد المشرع وفق أحكام المادة (6) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م بأن المقصود من عبارة الأحكام ذات الصلة مقصود بها التقيد بالقواعد والأحكام الواردة في قواعد وقوانين المعاملات البحرية فقصد المشرع البحري يجب أن يفسر بمقصد تحقيق أحكام القانون البحري وقواعد وأحكام الأعراف البحرية في حسم المنازعات البحرية المرتبطة باختلاف طبيعة المنازعة البحرية عن المنازعات الأخرى بحسب البيئة التي تحدث فيها المنازعات البحرية والمرتبطة بالبحار والسفن البحرية السودانية والأجنبية على السواء والتي تشترك في ذات القواعد العرفية البحرية والمخاطر البحرية ومدى خطورتها ومدى ارتباطها بالتزامات دولية وإقليمية في الغالب المرتبطة بأطراف أجنبية في المعاملات الدولية تحكمها قواعد عرفية وعقدية ومعاهدات مشتركة لا علاقة لها بقواعد المعاملات غير البحرية .. فطبيعة العمل البحري وبيئته وأعرافه هي التي تحدد عبارة القوانين ذات الصلة السارية في الفقرة (أ) من المادة الرابعة من القانون في حالة غياب النص وبما يوجب فرضية أن تكون عبارة قوانين أو أحكام ذات صلة بالضرورة مرتبطة بالمعاملات البحرية مثل قوانين ولوائح الموانئ البحرية وقانون الجرف القاري السوداني وقانون حماية البيئة البحرية والقوانين الاستثمارية للبيئة البحرية واقتصاديات الاستغلال الأمثل والمشترك للبحار وقاع البحار والمحيطات والقوانين المنظمة للبيئة البحرية والحدودية والقوانين الجمركية المرتبطة بالتجارة البحرية الصادر والوارد وقوانين التجارة البحرية الساحلية.

  أما بالنسبة للحالة الثانية التي نصت عليها المادة (4) في شأن المرجعية القانونية في حالة غياب النص الذي يحكم أي مسألة لم ينص عليها القانون قانون النقل البحري لسنة 2010م وهي:

أحكام الاتفاقيات الدولية أو الإقليمية التي صادق عليها السودان

ومن المعلوم بالنسبة لهذه المرجعية أن السودان لم يوقع على معظم الاتفاقيات الدولية والإقليمية وعلى وجه الخصوص لم يوقع السودان على أي اتفاقيات دولية بحرية أو إقليمية مثال اتفاقيتي بروكسيل أو هامبورج ولم يصادق على اتفاقيات بحرية أو معاهدات بحرية بعينها وبالتالي فلا وجود لهذه المرجعية التي نصت عليها المادة (4) للتطبيق في حالة غياب النص.

أما بالنسبة للحالة الثالثة للمرجعية القانونية في حالة غياب النص في قانون النقل البحري لسنة 2010م والمتمثلة في الحالين:

(ج) ما استقرت عليه أحكام القضاء السوداني.

(د ) العرف البحري السوداني.

فقد وفق المشرع البحري السوداني في اختيار هذه المرجعيات للتطبيق في أي منازعة لم يرد بشأنها نص في القانون فكما أسلفنا فالقضاء السوداني بأحكامه العادلة المستنيرة قد رسخ مبادئ القانون البحري السوداني وفق السرد التاريخي السالف ذكره بما يجعل أهم مرجعية قانونية في حال غياب النص التشريعي للمبادئ القانونية التي أقرها واستقرت في أحكام القضاء السودانية في أي مسألة والعرف البحري الساري باعتباره أصل أحكام القانون البحري وهنا وقبل التفصيل في المناقشة يدور في الذهن التساؤل القانوني التالي:

(س)

هل جاءت بنصوص قانون النقل البحري السوداني لسنة 2010م أي نصوص تشريعية تحكم حالة وفاة البحار أثناء الخدمة في السفينة أو تعويض ورثته أو تحديد الأساس العقـدي والقانوني للتعويض في حالة الوفاة أثناء الخدمة ؟؟

والواضح أمامنا أن المحكمة قد رأت أن قانون النقل البحري السوداني لسنة 2010م قد جاءت نصوصه خالية من أي نص تشريعي يحكم كيفية تعويض وفاة العامل البحري أثناء سريان الخدمة وبسبب الخدمة ونخالف المحكمة العليا في هذه الجزئية والمتعلقة بالرأي التفسيري للنصوص ولما يلي من أسباب:

أولاً: نص المشرع السوداني في المادتين 64,65 من قانون النقل البحري لسنة 2010م صراحة على حالة التزامات مجهز السفينة أي مالكها أو مستأجر السفينة غير المجهز بوصفه مالكاً مؤقتاً يقوم بتعيين طاقم السفينة من البحارة والملاحين ويمارس على الباخرة السلطة الملاحية والتجارية تجاه البحار في حالة وفاته أثناء تأدية عمله في السفينة وقد جاءت النصوص الحاكمة لهذه الحالة على الوجه التالي تحت عنوان:

التزامات مجهز السفينة تجاه البحار المتوفي

(المادة 64)

1- يلتزم مجهز السفينة في حالة وفاة البحار أثناء تأدية عمله بدفع نفقات دفنه أو نفقات نقل الجثمان إلي موطنه بناءً على طلب ورثته.

2- إذا توفي البحار أثناء تأدية عمله على السفينة وتعذر الاتصال بورثته وجب على مجهز السفينة دفع نفقات دفنه في أول ميناء مقصود تصل إليه السفينة .

3- يودع مجهز السفينة لدى خزانة المحكمة في موطن البحار المتوفي الأجر النقدي وكافة المبالغ المستحقة للبحار.

ويلاحظ أن نص المادة (64) قد جاء بنص صياغة عامة يشمل وفاة العامل البحري أثناء الخدمة في السفينة وقد اقتصرت هذه المادة على إيداع الأجر النقدي وكافة المبالغ المستحقة للبحار المتوفي في خزينة المحكمة في موطنه خلال فترة شهرين من تاريخ الوفاة وبحسب سياق النص فإن عبارة يودع كافة المبالغ المستحقة للبحار المتوفي قد جاءت عامة دون تحديد لماهية هذه المبالغ المستحقة وبمفهوم ذلك العموم يمكن تفسير العبارة وفق القواعد العامة أن الذي يحدد كافة المبالغ المستحقة للبحار المتوفي هو الفقه من جهة وأحكام العرف البحري المستقر في مثل هذه الحالات:

وهل يستحق البحار وورثته التعويض عن الوفاة بسبب العمل أو أثناء العمل أسوة بحالة العامل في عقود العمل البري المحكومة بنص قانون تعويض إصابة العمل فإن كان مستحقاً فعلى أساس يحسب مقدار هذا التعويض ؟؟

والغريب والملاحظ في هذا النص التشريعي أنه يتحدث عن التعويض في المادة (65) لورثته فقط في حالات محددة وهي حالة وفاة العامل البحري وهو يدافع عن السفينة أو الشحنة أو المسافرين في السفينة ودون أي ذكر لحالة التعويض عن إصابة العمل التي تحدث أثناء العمل أو بسبب أدائه وبالتالي نتفق مع المحكمة في قرارها بأن حالة وفاة البحار بسبب العمل أو أثناء الخدمة واستحقاق ورثته للتعويض تستوجب الحكم بالدية في حال أن المسألة لا يحكمها أي نص تشريعي وبالتالي فقد لجأت المحكمة إلى الأحكام العامة في التعويض في المعاملات فحكمت بالدية الشرعية وبالتالي أصبحت الحالة المعروضة أمام المحكمة محكومة بما نصت عليه المادة (4) من القانون قانون النقل البحري في حالة غياب النص التشريعي.

وبالتالي فوفق المناقشة السالفة يتضح أن المرجعية التي يحتكم إليها في هذه الحالة حالتان:

(أ ) ما أقره القضاء السوداني في أحكامه وسوابقه.

(ب) وما تقرر في أي عرف بحري ساري.

وبالتالي فإن المحاكم عند التطبيق تلتزم بما قـرره الفقـه القضائي السوداني سابقاً ولاحقاً من مبادئ فقهية قانونية قبل صدوره وما سيقرره القضاء السوداني لاحقاً من مبادئ لمعالجة أي مسائل لم يضع لها قانون النقل البحري لسنة 2010م مستقبلاً في أحكامه أي حكم تشريعي يمكن تطبيقه.

 

وعلى ضوء ذلك نقرر الآتي:

أن المرجعية القانونية والفقهية عند الحكم في شــأن أي مسألة متعلقة بمنازعة بحرية لم يرد بشأنها نص خاص في قانون النقل البحري لسنة 2010م هي ما أقره القضاء السوداني التفسيري في سوابقه من أحكام ومبادئ فقهية وما أقره من أعراف بحرية سارية في فقه القانون البحري العام والخاص.

وبالتالي فهذه الإحالة التشريعية لأحكام القضاء السودانية بمثابة إدراك من المشرع البحري لمقولة أن القضاء السوداني هو الذي صنع ووضع مبادئ القانون البحري السوداني في مرحلة تاريخية عدلية غاب فيها أي تشريع سوداني خاص بالمنازعات البحرية رغم أنه من الدول البحرية الساحلية الممتدة في ساحل البحر الأحمر وعلى ضوء ذلك نعود إلى المناقشة على الوجه التالي:

أولاً: هنالك مسألة مهمة أثارها الطعن المقدم من الأستاذ/ هاشم كنه المحامي تتعلق باختصاص المحاكم السودانية بنظر النزاع المتعلق بالسفن الأجنبية القادمة إلى السودان في رحلة ملاحية أو تجارية أو التي تكون راسية داخل المياه الإقليمية السودانية أو مبحرة في هذه المياه الإقليمية ونرى أن الاختصاص المحلي والمكاني وحتى النوعي هي المسائل التي تحدد متى ينعقد للمحاكم السودانية الاختصاص لأنها مسألة من قواعد النظام العام الإجرائي التي تجوز إثارتها في أي مرحلة من مراحل التقاضي وبناءً عليه وللفصل في هذه المسألة نقرر التالي:

أولاً: استند الطعن في هذه الجزئية على النصوص الموضوعية العامة في المعاملات المدنية والمتعلقة بالقانون الموضوعي الواجب التطبيق على النزاع وقوع الحادث موضوع الدعوى خارج المياه الإقليمية السودانية وواضح أن الطاعن لم يتطرق إلى النصوص الإجرائية التي تنظم إجراءات التقاضي أمام القضاء السوداني في الفصل الثاني من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م في باب الاختصاص الدولي ونقصانها في الأتي:

المادة (8) الدعاوى التي ترفع على الأجنبي الذي له موطن أو محل إقامة في السودان.

تختص المحاكم السودانية بنظر الدعاوى التي ترفع على الأجنبي الذي له موطن في السودان أو محل إقامة في السودان فيما عدا الدعاوى المتعلقة بعقار خارج السودان.

المادة (9):

تختص المحاكم السودانية بنظر الدعاوى التي ترفع على الأجنبي الذي ليس له موطن في أو محل إقامة في السودان إذا كانت الدعوى متعلقة:

(أ ) بعقار أو منقول موجود في السودان وقد وردت الصيغة عقار أو منزل بخطأ في الترجمة في ترجمة قانون القضاء المدني لسنة 1929م عند تعريبه سنة 1974م ثم تكرر الخطأ عند إلغاء قانون 1974م وإصداره في تشريع سنة 1983م ومعلوم أن نصوص قانون 1983م هي ذات نصوص قانون الإجراءات لسنة 1974م مع تعديل طفيف في بعض الحالات القليلة وبالتالي فالعبارة الصحيحة عند قراءة الفقرة (أ) من المادة (9) إجراءات مدنية أن تقرأ:

تختص المحاكم السودانية بنظر الدعاوى التي ترفع على الأجنبي الذي ليس له موطن أو محل إقامة في السودان إذا كانت الدعوى متعلقة:

بعقار أو منقول وليس عقار أو منزل

وذلك لأن النص الأصلي الذي أخذ منه قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م هو نص المادة (9) فقرة (أ) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م والذي جاءت صياغته:

تختص المحاكم السودانية بنظر الدعاوى التي ترفع على الأجنبي الذي ليس له موطن أو محل إقامة في السودان.

1- إذا كان موضوع النزاع متعلقاً بعقار أو منقول موجود في السودان.

أما حالة الفقرة (ب) من المادة (9) إجراءات مدنية لسنة 1983م فتنص على:   

تختص المحاكم السودانية بنظر الدعاوى التي ترفع على الأجنبي الذي ليس له موطن أو محل إقامة في السودان إذا كانت الدعوى متعلقة بالتزام نشأ أو نفذ أو واجب التنفيذ في السودان.. الخ.

أما حالة المادة (11) إجراءات مدنية فتنص على اختصاص المحاكم السودانية بنظر الدعوى المقامة على عدد من الأجانب إذا كان لأي منهم موطن أو محل إقامة في السودان.

ويبدو أن المشرع السوداني في هذا النص قد قصد أن يفرق بين حالين:

1- حالة الدعوى المرفوعة على مدعى عليه أجنبي واحد.

2- حالة الدعوى المرفوعة على عدة مدعى عليهم أجانب.

3- في حالة تعدد المدعى عليهم الأجانب يكفي لانعقاد اختصاص المحكمة أن يكون لأحدهم موطن أو محل إقامة في السودان حتى لو لم يكن للآخرين موطن أو إقامة في السودان.

وقد أراد المشرع حسم الاختصاص في حالة التعدد للطرف المدعى عليه الأجنبي لمنع أي ادعاء بالنسبة للآخرين بأنه ليس لهم أي موطن أو محل إقامة وفق حالة المادة (9) فقرة (ب) وبما يفترض تفسيرياً أن نص المادة (11) هي حالة اختصاص استثنائي عن الحالة الواردة في المادة (9) (أ ).

وهنا نشير إلى أنه قد سبق أن نوقشت مسألة الاختصاص في حالة تعدد المدعى عليهم الأجانب في الدعوى باعتبار التعدد (عددي اثنين) فما فوق وقد أثيرت حول هذه المسألة وجهتي نظر تفسيرية نوردها للفائدة التفسيرية في هذه المناقشة التفصيلية على الوجه التالي:

وجهة النظر التفسيرية الأولى:

ترى أنه لا يكفي لانعقاد الاختصاص المبدئي للمحكمة السودانية على مجرد واقعة (العدد) من الأطراف الأجنبية المرفوعة عليهم الدعوى ولا بد لنشوء قاعدة اختصاص المحكمة السودانية ارتباط الدعوى ابتداء في مواجهة هذا العدد المذكور بسبب تقاضٍ واحد ولا ينشأ الاختصاص متى كان سبب التقاضي لكل طرف أجنبي بسبب مختلف مثال إخلال طرف بالعقد والأخر المسؤولية التقصيرية.

وجهة النظر الثانية:

تخالف وجهة النظر الأولى التفسيرية وترى أن النص قد جاء عاماً بحالة تعدد المدعى عليهم الأجانب وبغض النظر عن تعدد سبب تقاضٍ لكل طرف أو اتحاد أو اشتراك في سبب تقاضٍ واحد فقصد المشرع هو سيادة اختصاص المحكمة السودانية نظر النزاع ويكفي نظر المحكمة السودانية وجود عدد من المدعى عليهم الأجانب ويكفي أن يكون لأحدهم محل إقامة أو موطن في السودان.

ونرى تفسيرياً اتفاقنا مع وجهة النظر الثانية لأنها تفسر النص بما يحقق المقصد الإجرائي التشريعي من النص وهو تحقيق سيادة واختصاص القضاء السوداني والمحاكم السودانية في الحالة المعروضة.

والسؤال التبعي لذلك هو:

هل أصابت المحكمة الابتدائية صحيح القانون بتقريرها شطب الدعوى في مواجهة المدعى عليها الأولى الباخرة البركة (36)؟؟

وعلة هذا التساؤل أن محكمة الاستئناف لم تتطرق إلى هذه الجزئية الإجرائية في حكم المحكمة وألغت الحكم جملة بالتركيز على مسألة موضوع التعويض وما كان جائزاً لمحكمة الاستئناف أن تتجاوز هذه الجزئية وخاصة أنها تتعلق بانعدام أي سبب للتقاضي في مواجهة الباخرة الذي استندت فيه المحكمة على أسباب محددة تتمثل في:

1- أنه لا علاقة لملاك الباخرة بعقد العمل البحري المبرم مع البحار المتوفي.

2- أن المدعى عليها الثانية هي مستأجرة السفينة وهي المتعاقدة مع المدعي المرحوم بعقد العمل البحري لأنها المستأجرة المجهزة للباخرة بمعيناتها وطاقمها البحري وما ذهبت إليه المحكمة الاستئنافية غير موافق للقانون والأحكام العامة للقانون البحري وقانون عقد النقل البحري ولما يلي:

1- المتفق عليه والمعلوم قانوناً أنه في حالة استئجار السفينة غير مجهزة قيام المستأجر بإدارة السفينة إدارة ملاحية وتجارية بتجهيز السفينة بمستلزمات قيامها بالرحلة البحرية وبتعيين الطاقم البحري الملاحي للسفينة فيعتبر المستأجر المجهز في هذه الحالة بمثابة (مالك مؤقت) لفترة السفينة وبالتبعية لا مسؤولية ملاحية أو تجارية للمؤجر مالك السفينة.

2- وهذا ما نصت عليه المادة 77 فقرة (1) و(2) من قانون النقل البحري لسنة 2010م والتي تقرر في الفقرات التالية الآتي:

3- يكون تأجير السفينة غير المجهزة بموجب عقد يلزم بمقتضاه المالك بتمكين المستأجر من الانتفاع بسفينة معينة.

4- يلزم مستأجر السفينة غير المجهزة بإدارتها فنياً وتجارياً.

 

ومعلوم قانوناً أن عقد العمل البحري هو عقد يلزم بمقتضاه شخص بالعمل على ظهر السفينة مقابل أجر يقوم بدفعه مجهز السفينة (المالك) أو(مستأجر السفينة غير المجهزة) بحسب الحال والطرف الذي أبرم معه العقد للعمل في السفينة.

وفي هذه القضية واضح أن عقد عمل المرحوم كان عقد عمل بحري في السفينة المستأجرة من المدعى عليهم الثواني مؤسسة سليمان سعيد الجابري ووقع عقد العمل بمدينة وميناء بورتسودان حيث تعمل السفينة المستأجرة في نقل المواشي من ميناء سواكن إلى السعودية ... وبالتالي فوفق المادة (9) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م ينعقد الاختصاص ابتداءً للمحكمة السودانية وفق القواعد الإجرائية:

(أ ) أن الدعوى متعلقة بالتزام نشأ في السودان وأيضاً واجب التنفيذ في السودان وفق المادتين 64 , 65 من قانون النقل البحري وبالتالي فإن حالة وفاة العامل البحري أو إصابته أثناء عمل وإعادته إلى موطنه وهي مسائل عقدية كفلها القانون.

3- وبناء عليه نقرر أن المحكمة السودانية مختصة حتى ولو لم يكن للطرف المرفوعة عليه الدعوى موطن أو محل إقامة في السودان كالحالة المعروضة.

وفي ذات السياق يكون التزام المستأجر المتعاقد وهو الطرف في عقد العمل ويقع عليه كرب عمل تبعة أي إخلال بالعقد من جانبه بالإضافة إلى المسؤولية وفق قواعد المسؤولية التقصيرية متى ترتب على إصابة العامل أو وفاته أحكام هذه المسؤولية وفي القضية المعروضة الآن فواضح أن المرحوم قد توفي بصعقة كهربائية أثناء خدمته في الباخرة وبحسب سياق وصياغة عناصر الدعوى فهي قائمة على قاعدة المسؤولية التقصيرية متى توافر في الحادث الذي أدى إلى الوفاة عناصر الخطأ والضرر ورابطة السببية وبالتالي تندرج حالة الوفاة هنا تحت أحكام وقواعد المسؤولية التقصيرية .. ولقد توقفنا في إجراءات هذا المحضر كثيراً ولما يلي من أسباب:

1- رفعت الدعوى ابتداءً في مواجهة أصحاب الباخرة واستمر الجدل القانوني بين طرفي الدعوى حول مسؤولية أصحاب الباخرة رغم أن واقع المحضر فيه إشارة إلى أن هنالك طرفاً ثانياً وهو مؤسسة سعيد الجابري المستأجر للسفينة وهو المتعاقد مع المرحوم بعقد عمل في السفينة المستأجرة وظل أصحاب السفينة ومحاميهم يكررون دفاع عدم مسؤوليتهم التقصيرية لأن الباخرة أجرت غير مجهزة وأن المستأجر هو الذي قام بتجهيزها وتعيين طاقمها بمن فيهم المرحوم وأن المستأجر هو الطرف المباشر.

2- استمر محضر الدعوى في هذه المجادلة القانونية حول اختصاص المحكمة وحول علاقة أصحاب الباخرة بالحادث وتحديد القانون والمرجعية القانونية الواجبة التطبيق على النزاع بدفوع مبدئية رفضتها المحكمة وبعد سماع الطرفين تبين للمحكمة أن مؤسسة سعيد لم تضم للدعوى أو تقدم دفاعها (ص 160-163) حيث الدعوى كانت قائمة ولم ترفع ابتداءً سوى في مواجهة ملاك الباخرة ورغم أن مؤسسة سعيد هي الطرف المستأجر للباخرة.

3- بناءً على ذلك تقدم المدعون ص 170 في جلسة 6/اكتوبر/2015م بعريضة دعوى معدلة وفق قرار المحكمة وأضيفت المدعى عليها الثانية مؤسسة سعيد في الفقرات 2, 3, 4 بأن المذكورة هي مستأجرة الباخرة غير المجهزة وهي التي تعاقدت مع المرحوم بعقد العمل البحري.

4- في 12/اكتوبر/2015م ظهر الأستاذ/ هاشم كنة إنابة عن المدعى عليهم ملاك الباخرة ومؤسسة سعيد وكرر ذات سببه السابق بأنه لا علاقة بين أصحاب الباخرة والمرحوم وكرر أيضاً ذات دفوعه السابقة التي رفضتها المحكمة بأن عريضة الدعوى تنفي أي مسؤولية عقدية أو تقصيرية عن أصحاب الباخرة وأن المسؤولية العقدية هي بين المرحوم والمدعى عليها الثانية وطالب بالتبعية بشطب الدعوى في مواجهة أصحاب (ص 183 إلى 184) وفي ذات الوقت جاء دفاعه عن المدعى عليها الثانية على الوجه التالي:

1- إقرار بكل فقرات الدعوى المتعلقة بالعلاقة العقدية بين المرحوم والمدعى عليها الثانية وبالحادث الذي أدى إلى وفاة المرحوم بصعقة كهربائية أثناء أداء عمله في الباخرة.

2- نازعت المدعى عليها الثانية في تحديد المرجعية القانونية التي تستحق بها الورثة التعويض وأن القانون البحري قانون النقل البحري السوداني لسنة 2010م غاب عنه النص على حالة تعويض البحار العامل في السفينة في حالة الوفاة أثناء الخدمة أو بسببها واقتصر النص على تعويض ورثة الراكب أو المسافر في حالة وفاته ونص على حالة البحار الذي يتوفى أثناء دفاعه عن السفينة أو المسافرين أو البضاعة خلال الرحلة البحرية.

3- ويرى الدفاع ولانعدام السند القانوني للمقاضاة لعدم وجود نص تشريعي ينص على تعويض العامل أثناء الخدمة وبما يستوجب انعدام سبب التقاضي وبالتالي يلتمس شطب الدعوى في مواجهة المدعى عليها الثانية.

وبالرجوع إلى قضاء المحكمة فقد استندت في حكمها على:

1- لا مسؤولية عقدية على أصحاب الباخرة أو أي مسؤولية تقتصيرية عن الحادث وقررت شطب الدعوى في مواجهته.

2- أن المدعى عليها الثانية هي المسؤولة عقدياً أو تقصيرياً لأنها استأجرت الباخرة غير مجهزة وفق أحكام قانون النقل البحري لسنة 2010م واستأجرت جسم السفينة وقامت بإعدادها وتعيين كل طاقمها بمن فيهم المرحوم بعقد العمل وأصبحت صاحبة المسؤولية كاملة على الباخرة (المسؤولية الملاحية والتجارية).

3- بما أن المدعى عليها الثانية أقرت بكل فقرات الدعوى العقدية والحادث الذي أدى إلى وفاة المرحوم أثناء خدمته بصعقة كهربائية وقد افترضت المحكمة من هذا الإقرار الكامل أنه إقرار من المدعى عليها الثانية بالمسؤولية التقصيرية عن وفاة المرحوم وفق قواعد المسؤولية التقصيرية (وقوع الخطأ من جانب المستأجرة والتي لم تدفع بمسؤولية المرحوم عن الخطأ) وبالتالي نتجت من هذا الإقرار علاقة السببية بين الخطأ المفترض والضرر (وفاة المرحوم).

4- وأن المحكمة تبعاً لفرضية المسؤولية التقصيرية في وقوع الحادث في مواجهة مؤسسة سعيد وضرورة ولزوم الحكم عليها بالتعويض إلا أنها رأت أن القانون قانون النقل البحري لم يورد نصاً يحكم حالة التعويض عن المسؤولية التقصيرية في حالة وفاة البحار كما أن قواعد التعويض الواردة في قانون تعويض العمال البري لسنة 1981م لا تسري أحكامه على القضاء بالتعويض البحري ولا يسري أيضاً قانون العمل البري لسنة 1997م على النزاع وأن أقرب قانون يعتمد عليه في غياب أي نصوص أخرى أن تلجأ إلى التعويض وفق أحكام القواعد القانونية العامة للمعاملات المدنية لسنة 1984م وفق أحكام المادة (156) فقرة (من قانون المعاملات لسنة 1984م) والذي ينص على:

الحكم بالدية الشرعية وفق وجوبية الدية في حالة الوفاة ومسؤولية المدعى عليها الثانية في تسببه وأن تحديد مقدار الدية يجب وفق أحكام الجداول الواردة بالقانون الجنائي لسنة 1991م وفق أحكام قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1984م .

وبالتالي جاء الحكم على الوجه التالي:

1- الدية ثلاثون ألف جنيه تعويضاً عن وفاة المرحوم.

2- زائداً رسوم الدعوى في حدود المبلغ المحكوم به , 5 آلاف جنيه أتعاب محاماة.

وكما أسلفنا فواضح من حكم الاستئناف المطعون فيه أنه قد ألغى الحكم الابتدائي السالف ذكره على السند الأتي:

1- لا تكفي الدية وحدها كتعويض ولا بد من التعويض وفق أحكام العرف البحري والاتفاقيات المنظمة لحساب التعويض.

2- إلغاء الحكم وإعادة الإجراء لمزيد من السماع حول مقدار التعويض في حالة وفاة العامل البحري وفق أحكام الأعراف البحرية والاتفاقيات الدولية.

3- ولم تناقش محكمة الاستئناف في حكمها الجزئية الواردة في حكم المحكمة الابتدائية المتعلقة بشطب الدعوى في مواجهة المدعى عليهم الأوائل (أصحاب الباخرة) رغم أن واقع المحضر ينفي أي مسؤولية عنهم عقدية أم تقصيرية ولم تسبب حكمها في هذه الجزئية وألغت الحكم كله بما فيه حكم شطب الدعوى في مواجهة أصحاب الباخرة البركة (3) المدعى عليهم الأوائل.

ومن ثم نرى في البدء تقرير عدم صحة حكم محكمة الاستئناف في جزئية إلغائها الحكم الابتدائي والقاضي بشطب الدعوى في مواجهة المدعى عليم الأوائل ودون تسبيب لهذا الإلغاء وتجاوز مسألة شطب الدعوى في مواجهة أصحاب الباخرة بما يجعل الحكم معيباً وغير مسبب في سندها في هذه الجزئية ويبدو أنه قد سها عليها الأمر إذ الثابت من كل واقع المحضر أنه لا سند لتقرير مسؤولية أصحاب الباخرة عن الحادث الذي أدى إلى وفاة المرحوم سواءً إن أكانت مسؤولية عقدية أم تقصيرية و بناءً عليه نقرر ابتداءً:

1- عدم صحة قضاء محكمة الاستئناف في هذه الجزئية ونقرر بالتبعية صحة قضاء المحكمة الابتدائية في هذه الجزئية وبالتبعية تأييد قضاء المحكمة الابتدائية القاضي بشطب الدعوى في مواجهة أصحاب الباخرة المدعى عليهم الأوائل.

2- إلغاء حكم الاستئناف في جزئية إعادة الدعوى في مواجهة المدعى عليهم الأوائل.

وعلى ضوء ما تقدم فالسؤال الذي يطرح نفسه هو هل:

(س 1)

غاب النص التشريعي في قانون النقل البحري لسنة 2010م والذي يحكم مسألة تقدير التعويض في حالة وفاة العامل البحري أثناء الخدمة أو بسببها وفق أحكام المسؤولية التقصيرية وهل أصابت المحكمة الابتدائية في تطبيق أحكام الدية كتعويض في الحالة المعروضة ووفق قواعد وأحكام تقدير الدية وفق الجداول الملحقة بتقدير الدية في القانون الجنائي لسنة 1991م؟؟

 

 

(س 2)

وبالتبعية فهل كان لحكم محكمة الاستئناف في تقريرها بضرورة عدم اقتصار الحكم على الدية مقدار التعويض وبأنه يجب أن يحسب مقدار التعويض في هذه الحالة وفق أحكام العرف البحري والاتفاقيات الدولية له سنده أو ما يبرره قانوناً؟؟

ونرى الآتي:

أولاً: لا خلاف حول وجود جدلية فقهية وتفسيرية في المحاكم حول واقعة ومسألة غياب نص خاص في قانون النقل البحري لسنة 2010م يحكم مسألة التعويض عند وفاة البحار أثناء الخدمة أو بسببها وفق قواعد المسؤولية التقصيرية أو وجود نص يحكم مسألة وفاة العامل البحري أثناء العمل أو بسببه أسوة بقانون إصابات العمل البري لسنة 1981م.

ثانياً: وتبعاً لذلك الجدل التفسيري حول فرضية غياب نص تشريعي يحكم الحالة المعروضة فقد أصبحت المرجعية القانونية بالنسبة لتطبيقات المحاكم هي مرجعية ما قررته المادة (4) من قانون النقل البحري لسنة 2010م والسالف مناقشتها في هذه المذكرة على وجه مفصل.

وفي تقديرنا أن الإجابة على هذه التساؤلات السالف ذكرها حول مسألة غياب النص التشريعي الذي يحكم مسألة وفاة العامل البحري أثناء الخدمة بسببها  فإنها تكون على الوجه التفصيلي التالي:

1- في البدء نشير إلى أن نصوص قانون النقل البحري لسنة 2010م قد نصت صراحة على حقوق العامل البحري (العقدية) أي الحقوق التي منشؤها عقد العمل البحري والتي تتمثل في:

(أ ) من استقراء النصوص الواردة في قانون النقل البحري لسنة 2010م م 60-61-62-63-64-65 نجد أنها تتعلق بحقوق البحار البحري العقدية وهي على وجه الحصر بأن يلتزم المجهز (مالك) السفينة أو مستأجرها غير مجهزة بتعيين طاقمها باعتباره المسؤول الملاحي والتجاري أثناء فترة إبحار السفينة.

1- توفير الإقامة والإعاشة والعلاج والترحيل مجاناً بأن يتخذ التدابير اللازمة لعلاجه دون مقابل إذا أصيب بجروح أو مرض أثناء تأدية واجبه ولا يشمل العلاج حالات الإصابة أو المرض الناشئين من حالة العصيان أو السكر أو تعاطي المخدرات أو غير ذلك من حالات سوء السلوك وأن يكون العلاج في حدود ما يستحق من أجر.

2- يستحق البحار أجره كاملاً أثناء الرحلة البحرية في حال الإصابة أو المرض وأثناء تأدية الوظيفة أو بسببها.

3- إعادة البحار إلى وطنه وتشمل هذه الإعادة نفقات العودة والإقامة خصماً على استحقاقه الواردة في (حالة م (63).

4- يستحق البحار تعويضاً مقداره مرتب شهرين في حالة تخلي مجهز السفينة عن السفينة وتركها أو نقل ملكيتها لآخرين.

5- إذا حالت قوة قاهرة دون بدء سفر السفينة بعد إبرام عقد العمل أو قوة قاهرة حالت دون مواصلة السفينة للرحلة البحرية يستحق العامل المعين بالرحلة أجرة عن الفترة التي قضاها فعلاً في خدمة السفينة ولا يحق له في حالة القوة القاهرة طلب أي مكافأة أو تعويض آخر بخلاف هذا الأجر.

6- يحق للبحار طلب تعويض يعادل أجر شهرين إذا فقد البحار أمتعته الشخصية بسبب هلاك الباخرة.

7- في حالة وفاة البحار أثناء تأدية عمله يلزم المجهز مالك السفينة أو المجهز المستأجر نفقات نقل الجثمان إلى موطنه بناءً على طلب ورثته ويدفع نفقات دفنه وإذا تعذر الاتصال بورثته وجب على المجهز دفع نفقات نزوله في أول ميناء مقصود تصل إليه السفينة ويلزم المجهز بأن يودع لدى خزينة المحكمة في موطن البحار المتوفي الأجراء النقدي وكافة النفقات العقدية المستحقة للبحار المتوفي خلال فترة أقصاها شهران من تاريخ وفاته.

8- في حالة كان سبب وفاة البحار في السفينة بسبب دفاعه عن السفينة أو دفاعه عن الشحنة أو المسافرين في السفينة يستحق ورثته تعويضاً يعادل أجر ثلاثة أشهر أو مبلغاً يعادل أجرته خلال مدة الرحلة إذا كان معيناً بالرحلة ويضاف إلى كليهما التعويضات التي يقررها هذا القانون والقوانين الأخرى.

 

فهذه الحقوق تتعلق بحقوق العامل البحري الناشئة عن:

(عقد العمل البحري في السفينة).

ولم يتطرق قانون النقل البحري 2010م إلى حالة النزاع الحالي حالة:

(التعويض عن المسؤولية التقصيرية في حالة إصابة ووفاة العامل البحري).

أثناء الخدمة أو بسببها)

1- إلا أنه قد نص فقط على حالة المسؤولية التقصيرية بالنسبة لتعويض المسافر على السفينة في حال خطأ أو إهمال الناقل أو أحد تابعيه ويشمل فترة تعويض المسافر العشرة من أثناء صعوده إلى السفينة أو نزوله منها أو أثناء السفر أو نزوله منها أو في ميناء الوصول أو في أي ميناء آخر ترسو فيه السفينة لحين مواصلة السفر.

2- تحدد مسؤولية الناقل عن وفاة المسافر أو إصابته بمقدار الدية وفق القانون الجنائي الساري والمنشورات المنظمة للدية ويجوز للأطراف الاتفاق على تحديد المسؤولية إذا كان التحديد يزيد على مقدار الدية.

 

وهنا نلاحظ أن المحكمة الابتدائية قد لجأت إلى تحكيم التعويض بالدية في حالة الإصابة والوفاة نتيجة المسؤولية التقصيرية في قانون المعاملات المدنية 1984م ويبدو لنا أن المحكمة عند اطلاعها على نصوص قانون النقل البحري لسنة 2010م واستناداً على ما توصلت إليه بعدم وجود نص تشريعي يحكم مسألة تعويض العامل البحري عند الوفاة أثناء الخدمة وبسببها لم تلاحظ وجود نص المادة 168 فقرة (1) ، (2) من قانون النقل البحري لسنة 2010م التي تتحدث عن حالة التعويض بسبب المسؤولية التقصيرية فالنص يقرر:

68 فقرة (1):

يكون مجهز السفينة مسؤولاً عن أخطاء الطاقم البحري أو أي شخص آخر في خدمة السفينة إذا وقعت الأخطاء أثناء تأدية عملهم أو بسببها.

وتفسيرياً فهذه الفقرة تتحدث عن المسؤولية التقصيرية الواقعة من طاقم الباخرة أو المرشد أو أي شخص آخر في خدمة السفينة ترتب عليها ضرر على أي شخص بخلاف المذكورين أي مسؤولية أعمال الطاقم والعاملين بالسفينة عن الأخطاء المرتكبة أثناء عملهم أو بسببه وترتب بها ضرر للغير.

المادة 68(2):

في حالة حدوث وفاة أي شخص أو إصابته نتيجة خطأ في الملاحة يكون مجهز السفينة ملزماً بأحكام الديات في الوفاة والإصابة وفقاً لأحكام القانون الجنائي 1991م مع احتفاظ هذا الشخص بحقه في المطالبة بالتعويض وفقاً لأي قانون آخر.

وتفسيرياً في هذا النص فقد وردت عبارة (شخص) عامة دون تحديد إن كان هذا (الشخص المعني راكباً أم مسافراً أم بحاراً أو عاملاً بحرياً في السفينة)  ووفق قواعد التفسير العامة للنصوص تظل عبارة (شخص) سارية على عمومها ما لم تخصص وبالتالي تشمل عبارة (شخص) الوارد في الفقرة (2) من المادة (68) من قانون النقل البحري لسنة 2010م أي شخص حدثت وفاته أو إصابته نتيجة لخطأ ملاحي مرتبط بالعملية الفنية الملاحية خلال رحلة الباخرة ويشمل بالتبعية أياً من طاقم الباخرة نفسه أو ملاحيه في حالة وفاته نتيجة لخطأ في الملاحة وفق قواعد المسؤولية التقصيرية المعلومة أثناء خدمته أو بسببها وفق قاعدة  كل فعل ضار يستوجب التعويض.

وقد ثار خلاف وجدل فقهي في بعض القضايا حول تفسير عبارة:

(خطأ ملاحي الموجبة للتعويض باعتباره قاعدة المسؤولية التقصيرية)

وترتب على الخلاف التفسيري وجهتا نظر نوردهما للفائدة التفسيرية في المناقشة على الوجه التالي:

وجهة النظر التفسيرية الأولى:

ترى التفسير الآتي:

لم يعرف قانون النقل البحري 2010 عبارة (خطأ ملاحي) وجاءت عبارة الخطأ الملاحي عامة والمعلوم من استقراء القانون جملة أن عبارة خطأ ملاحي مرتبطة ارتباطاً جازماً (بالإدارة الملاحية للسفينة) وهو ما يعرف (بالإدارة الفنية) وقد وردت هذه العبارة كمثال في المادة 77(2) يلتزم مستأجر السفينة غير المجهزة بإداراتها فنياً والمادة (83) فقرة (ب) يكون مالك السفينة المجهزة مسؤولاً عن الإدارة الفنية ووفق الأصل يلتزم مالك السفينة ومجهزها كل مستلزمات لإدارة أعماله التجارية الخاصة بالنقل البحري وبداهة وبالتبعية يكون المجهز مسؤولاً عن الإدارة (الفنية) المتعلقة بتشغيل الباخرة وسلامتها . وبالتالي تذهب وجهة النظر الأولى أن عبارة (الأخطاء الملاحية الواردة في المادة 68 فقرة (1) ، (2) أي خطأ (فني) يتعلق بسلامة السفينة كمخدم بحري وصلاحية كل الأجهزة والمعدات والمرافق والمعدات المتعلقة بتشغيل السفينة وسلامة أجهزتها الداخلية وصلاحياتها بما يمنع أي أضرار تقع على أي شخص راكب أو بحار وتشمل الأخطاء الفنية في مباشرة أي من الطاقم البحري أو أي شخص آخر في خدمة السفينة بأي واجب وظيفي يرتب ضرر أو وفاة أي شخص بهذا الخطأ الوظيفي وترى وجهة النظر الأولى أن ذلك يشمل الخطأ الملاحي الفني في صيانة وسلامة معدات الرحلة قبل الرحلة وأثناءها بما فيها المعدات الكهربائية والمعدات الميكانيكية وبما يجعل وفاة أي شخص بسبب أي خلل في هذه المعدات وهذه الأخطاء الفنية هو خطأ (ملاحي) في مقاصد المادة 68 (1 – 2) من القانون وبالتبعية يسأل مجهز السفينة ومالكها أو المستأجر لسفينة غير مجهزة عن أي أخطاء فنية في معدات السفينة تؤدي إلى وفاة أي

شخص راكب أو بحار على السواء.

وجهة النظر التفسيرية الثانية:

إن كانت متفقة مع وجهة النظر الأولى في تفسير عبارة خطأ ملاحي الواردة في المادة 68 فقرة (1)و(2) من قانون النقل البحري 2010م إلا أنها تضيف بضرورة التفرقة بين أخطاء الطاقم البحري التي تسبب في الضرر أو الوفاة أثناء تأدية عملهم أو بسببه في إطار الأداء الفني للوظيفة وبين عدم صلاحية المعدات الملاحية الفنية للسفينة والتي يمارس طاقم السفينة أعمالهم الملاحية والفنية في أداء واجباتهم من خلالها فهنا الخطأ الفني من جانب المجهز نفسه وليس الطاقم البحري نتيجة لعدم صلاحية المعدات الملاحية للسفينة وتجهيزاتها للعمل أو السلامة وهنا يكون خطأ الملاحة الفني هو(خطأ المجهز) نفسه وتشمل عبارة (شخص) في النص وفاة البحار أو أيٍ من الطاقم بسبب عدم سلامة المعدات أو سلامتها الملاحية الفنية وبما يستوجب تعويض البحار في هذه الحالة وفق الفقرة (2) من المادة (68) من قانون النقل البحري لسنة 2010م.

وقد أضاف رأي عرضي آخر إضافة تفسيرية تفيد تفسيرياً بأن مفهوم عبارة السلامة الفنية الملاحية أنها وردت كنص تشريعي عام يشمل معنى ومقصداً تشريعياً بأن تكون السفينة مجهزة بالأدوات والأجهزة والوسائل اللازمة لحفظ وسلامة (السفينة كمنقول عائم) وأيضاً أن تكون مجهزة بالأدوات والمعدات التي تحفظ البضاعة المحمولة عليها والمحافظة على سلامتها من أي تلف أو ضرر وأيضاً أن تكون مجهزة بأدوات ومعدات السلامة وبأجهزة صالحة وبكافة الوسائل التي تمكن من المحافظة على سلامة الركاب والعاملين على ظهر السفينة على (سواء) قبل الرحلة البحرية وأثناء هذه الرحلة البحرية.

ونتفق مع وجهات النظر التفسيرية السالفة جميعاً في أن قانون النقل البحري قد نص في المادة (68) فقرة 1 ، 2 على حالة تعويض العامل البحري في حالة الإصابة أو الوفاة وفق أحكام المسؤولية التقصيرية وهو ما يسري على أحكام هذه الدعوى الحالية فالمجهز المستأجر (مؤسسة سليمان سعيد) قد أقرت بالمسؤولية التقصيرية عن وفاة المرحوم بسبب عمله في الباخرة نتيجة صعقة كهربائية ولم تدفع بخطأ المرحوم أو مشاركته في هذا الخطأ الذي أدى إلى وفاته أثناء قيامه بعمله وبما يضع قرينة وقائعية بأن سبب وفاة المرحوم كان بسبب وعلة خلل فني كهربائي وبسبب أخطاء فنية تتعلق بسلامة السفينة ومعداتها والتي أدت إلى هذه الوفاة والتي تندرج تحت بند الأخطاء الفنية الملاحية في نهاية المطاف.

وهنا وفي إطار المناقشة القانونية التفسيرية لنص المادة 68 (1 و 2) من قانون النقل البحري 2010م فقد ورد في عجز الفقرة (2) العبارة التالية:

(مع الاحتفاظ بحقه في المطالبة بالتعويض وفقاً لأي قانون آخر)

وقد أثارت هذه الفقرة في المناقشة التفسيرية جدلاً حول عبارة:        

(وفقاً لأي قانون آخر)

وانقسمت إلى وجهتي نظر تفسيرية:

وجهة النظر التفسيرية الأولى:

ترى أن فقرة وعبارة الاحتفاظ بالإضافة إلى الدية حق المصاب أو الورثة عن المتوفى في أي تعويض آخر أو المطالبة بأي تعويض آخر خلاف الدية عن الوفاة أو الجرح وفقاً لأي قانون آخر ينص على تعويض آخر فلفظ وعبارة النص أنها عبارة تشريعية عامة تشمل أي قانون آخر بحري أو حتى قانون آخر يرى ويقرر حق تعويض آخر وهذه الإحالة إلى قانون آخر تعني قانونية الأخذ بأي قانون آخر يعطي تعويضاً بخلاف الدية وبالتالي يجوز الرجوع إلى أي قانون آخر سواء كان قانوناً بحرياً أو برياً سارياً يحكم الحالة المعروضة مثل قانون المعاملات 84 و قانون العمل 97 ، وقانون تعويض العمال 1981م وترى وجهة النظر الأولى مخالفة ما قررته بعض السوابق السابقة وترى أنه لا سند لما قررته السوابق القضائية السابقة الصادرة قبل إصدار تشريع قانون النقل البحري لسنة 2010م والتي قررت مبدأ عدم انطباق القوانين البرية إذ لم يكن في ذلك الوقت قانون بحري ينص على الحكم بالتعويض عن أي أضرار أخرى مثال ما نص عليه القانون الحالي إذ كان الحكم في السوابق السابقة مبنياً على الاجتهاد الفقهي البحت لعدم وجود نص تشريعي:

مثــال:

السابقة:

مؤسسة فائز للتجارة والملاحة

//ضد//

خليل محمــد علــي

م أ/أ س م/5/1406هـ

مؤلف محمد علي خليفة: قاضي المحكمة العليا ص 102 أهم القضايا البحرية الصادرة من المحاكم السودانية.

والفرق التفسيري الآن وبين ما قررته السابقة السالفة اجتهاداً فقهياً أن الوضع التفسيري حالياً قائم على قاعدة أن هنالك قانوناً للنقل البحري ينص صراحة على حالة التعويض عن حالة المسؤولية التفسيرية في المادة 68(1) و (2) وقد أجاز المشرع صراحة الإحالة للنظر في أي مطالبة أخرى بالتعويض إلى أي قانون آخر بنص عام وبما يخالف المذهب الفقهي الاجتهادي في السابقة السالفة وبما يجيز متى كان هنالك إمكانية في المطالبة بتعويض آخر وتم إثبات الحق في أي تعويض آخر غير الدية فإنه يجوز الرجوع والنظر في التعويض الآخر في ظل تلك القوانين واقتبس هذا الرأي من خلال وجهة نظر المستشار الدكتور كمال حمدي من مؤلفه القانون البحري 207 ص 317 والذي يرى:

مطالبة البحار بحقوقه الناشئة عن عقد العمل البحري أو تلك التي يقررها له القانون سواء أكانت المسؤولية في الأحوال العقدية أو التقصيرية فإن الدعوى التي ترفع بصددها هي دعاوى مدنية تطبق بشأن الاختصاص القضائي بنظرها أحكام قانون المرافعات المدنية والتجارية إذ يعتبر شأن العامل البحري في ذلك الوضع القانوني شأنه شأن باقي فئة العمال بحساب أن المشرع المصري لم يضع تنظيماً إجرائياً خاصاً لمنازعة عمال البحر (البحارة) منفصلة عن أي عمالة أخرى.

وجهة النظر التفسيرية الثانية:

تخالف وجهة النظر التفسيرية الثانية وجهة النظر التفسيرية الأولى وترى أن تفسير عبارة الاحتفاظ بالحق في المطالبة بالتعويض وفقاً لأي قانون آخر       لا تفسر بما يخالف ما ذهبت إليه السابقة المذكورة فالفقرة (4) من (قانون النقل البحري 2010م وضعت قاعدة تجعل أنه في حالة غياب النص يكون الرجوع في التطبيق إلى مرجعية المستقر من أحكام القضاء السوداني وليس مخالفة ما قرره القضاء السوداني فعبارة الفقرة (أ) من المادة (4) التي تقرر: تطبق الأحكام ذات الصلة في أي قانون آخر ، وعبارة وفقاً لأي قانون آخر الواردة في المادة 68(2) من قانون النقل البحري لا تعني الرجوع إلى القوانين البرية بل تعني أي قوانين أخرى بحرية تحكم الحالة المعروضة.

وواضح أن لكل وجهة نظر تفسيرية وجاهتها التعليلية التفسيرية فالملاحظ هنا أيضاً أن قانون المعاملات المدنية 1984م الذي أخذت به المحكمة فإنه ينص في المادة (165) منه على ذات القاعدة التي نصت عليها المادة 68 فقرة (2) على وجه التفصيلي التالي:

 

المادة 156 معاملات 1984م:

1- الدية حق مالي يثبت بإحداث الموت أو الجرح.

2- وتسري على المسائل التفصيلية المتعلقة بوجوب الدية ومقاديرها ومن تجب عليه الأحكام الواردة في القانون الجنائي وفق أصولها الشرعية ووفق أحكام قانون أصول الأحكام القضائية 1983م.

وأضافت المادة (157) معاملات:   

يجوز للمضرور فوق ما يجب له في حالة الدية

أن يطالب بالتعويض من أي ضرر آخر يلحق به.

 

المادة (68) من قانون النقل البحري 2010م:

فقرة (2) تنص على أنه في حالة حدوث وفاة أي (شخص) أو إصابته نتيجة لخطأ في الملاحة يكون مجهز السفينة ملزماً بأحكام الديات في الوفاة والإصابة  وفقاً لأحكام القانون الجنائي لسنة 1991م مع الاحتفاظ بحق المصاب أو ورثته في حالة وفاة المطالب بالتعويض وفقاً لأي قانون آخر.

ولقد توصل القاضي المجتهد المحقق المدقق قاضي المحكمة العامة مولانا/       (فيصل طه أحمد) باستقرائه العدلي إلى تطبيق أحكام الدية الواردة في المادة (42) من القانون الجنائي لسنة 1991م والتي تنص على (التعويض: فقرة (1) الدية مائة من الإبل (أو) وفق ما يقدره من حين لأخر رئيس القضاء بعد التشاور مع الجهات المختصة) فهذا عهدنا به التميز في الأداء الإجرائي والموضوعي والذي دعاه إلى الاسترشاد وتطبيق أحكام الدية وقد جاء حكمه مطابقاً لما نص عليه قانون النقل البحري 2010م في المادة 68 (1) و (2) منه بحالة التعويض عن المسؤولية التقصيرية وإن كان قد استند على قانون المعاملات المدنية 1984م ولم يستند على المادة (68) من قانون النقل البحري إلا أنه في النتيجة قد توصل إلى ذات الحكم وذات النتيجة.

أما بالنسبة لحكم محكمة الاستئناف المطعون فيه فإنه وفي تقديرنا وفي تفسيرنا لحكمها فإننا نجد أن عبارة وصياغة حكمها قد جاءت على نحو:

أولاً: أن مسألة وفاة العامل البحري غير مضمنة في القانون السوداني.

ثانياً: أنه من الظلم الحكم بالتعويض في حالة وفاة العامل البحري بعوض الدية وأن الواجب في هذه المسألة الرجوع إلى قواعد التعويض في العرف البحري الدولي والاتفاقيات الدولية التي تحكم حالة التعويض عن وفاة العامل البحري.

ويبـدو لنا أن محكمة الاستئناف لم تطلع على نص المادة (68) الفقرة (1) ، (2) من قانون النقل البحري 2010م والسالف مناقشتها والتي تنص على حالة التعويض عن وفاة العامل البحار وفق قواعد المسؤولية التقصيرية المدنية ولا نلوم المحكمة الابتدائية أو محكمة الاستئناف في ذلك فقانون النقل البحري 2010م صاحبته العديد من السلبيات في الصياغة والقصور في كثير من أحكامه وفي ترتيب أحكام مواده التشريعية القانونية فقد أكدت التجربة العملية التطبيقية للقضاء في تطبيق أحكام هذا القانون وجود هذا القصور التشريعي والسلبيات المصاحبة لسياق متنه وفي صياغة نصوصه كالحالة الحالية المعروضة في النزاع حول تعويض العامل البحري عن الوفاة أو تعويض ورثته في حالة الوفاة نتيجة لعمل من أعمال المسؤولية التقصيرية مدنياً فالمشرع (أورد هذه المسألة) في الفصل الثاني عشر في باب مسؤولية مجهز السفينة بدلاً من أن ترد في النصوص الخاصة المتعلقة بحالات انتهاء خدمة البحار أو في باب مسؤولية الناقل في حالة الحوادث البحرية التي أوردها في المادتين 124 ، 125 الواردة في الفصل التاسع عشر والتي تنص على الضرر الناشئ عن وفاة أو إصابة المسافر إذا وقع الحادث أثناء السفر بتنفيذ لعقد النقل بسبب خطأ أو إهمال الناقل أو أحد تابعيه أو حالة التعويض عن التصادم البحري أو حتى في سياق المواد 60 ، 61 ، 62 من القانون البحري قانون النقل البحري المتعلقة باستحقاق البحار في حال القوة القاهرة أو تخلي المجهز عن ملكية السفينة أو تركها أو فقد البحار لأمتعته الشخصية بسبب هلاك السفينة وقد ترتب على إيراد حالة وفاة العامل البحري أثناء الخدمة في نص المادة 68 فقرة (1و2) والمتعلقة بمسؤولية الناقل البحري إن ساد اعتقاد وفرضية لدى المحاكم المطبقة للقانون عند قراءة النصوص المتعلقة بعقد العمل البحري والمتعلقة بحقوق العامل البحري وانتهاء عقد العمل البحري وأثاره (أن المشرع قد اغفل) حالة التعويض عن وفاة العامل البحري بسبب المسؤولية التقصيرية أو العقدية ولم ينص عليها تشريعياً.

ونعود إلى ما ذهبت إليه محكمة الاستئناف في قولها إن التعويض بالدية عن وفاة العامل البحري (فيه ظلم) ونقول إنه لا يوصف تعويض الدية بالظلم فهذه مبالغة وتجاوز لفظي نعتقد أنه غير مقصود فالدية حكم شرعي وفق أحكام الشريعة الإسلامية ولا توصف بالظلم ولكن خان التعبير الزملاء في دائرة الاستئناف فقد ناقشنا ذلك الأمر وكان المقصود ليس ظلم الحكم بالدية بل الظلم مرتبط بتقدير موت أو وفاة أو مقتل إنسان بدية تعادل (30 ألف جنيه) فالشريعة أكدت وترك القانون تقدير الدية أن الأصل هو الحكم بمائة من الإبل أو بقيمة العملة أو قيمة المقابل التي يجب أن تقابل قيمة حياة الإنسان التي لا تقدر بثمن بحيث إن مقصد محكمة الاستئناف عدم عدالة قيمة الدية المقدرة وبما يستوجب أن يعدل منشور الدية إلى (300 ألف جنيه) على أقل تقدير.

وفي معلومنا أن الدية هي مقابل النفس في حالة الوفاة بحسب الحال عمداً أو خطأ أو شبه خطأ وفق الأحكام الشرعية التي أخذ بها القانون الجنائي 1991م والمعاملات 1984م والقانون البحري قانون النقل البحري 2010م وقد أورد القانون الجنائي في المادة 42 فقرة (4):

أنه لا يجوز مع الدية انقضاء أي تعويض آخر عن القتل أو الجراح.

وواضح الصيغ التشريعية حول الحكم بالدية بمقصدها الشرعي والتشريعي ومدى جواز الحكم بتعويض آخر بالإضافة إلى الدية قد تبدو متعارضة السياق والصياغة التشريعية إلا أنه وبالنظر التفسيري الدقيق في هذه النصوص مجتمعة فلا تعارض بينها ونوضح ذلك على الوجه التالي:

أولاً: نص المادة 42 فقرة (4) من القانون الجنائي 1991م يقرر:

(لا يجوز مع الدية انقضاء أي تعويض آخر عن القتل أو الجراح).

وعبارة لا يجوز تعويض آخر عن ذات القتل وذات الجراح تعني أن الدية تعويض كامل مقابل النفس أو الجراح ولا يجوز اقتضاء تعويض آخر عن النفس والجراح بخلاف الدية إلا إن كان هنالك مبرر آخر للتعويض ناشئ من غير الجراح أو فقد النفس كالمطالبة بأي أضرار أخرى كالعلاج ونفقات العلاج والسفر وفقد الكسب وما فات من كسب وما لحق الإنسان من خسارة بسبب الموت أو الجراح .

ثانياً: نص المادة 157 معاملات مدنية 1984م قد عبر عن المقصد السالف ذكره حول التعويض الأخر بتقريره:

يجوز للمضرور فوق ما يجب له في حالة الدية أن يطالب بالتعويض (عن أي ضرر آخر لحق به).

ثالثاً: المادة 68 فقرة (2) من قانون النقل البحري 2010م تنص على:

في حالة وفاة أي شخص أو إصابته نتيجة لخطأ في الملاحة يكون مجهز السفينة (وأيضاً المستأجر مجهز السفينة) ملزماً بأحكام الديات في حال الوفاة أو الإصابة وفقاً لأحكام القانون الجنائي 1991م مع الاحتفاظ بحقه في المطالبة بالتعويض وفقاً لأي قانون آخر.

وفي تقديرنا أن هذه النصوص مجتمعة يتعين أن تفسر بالتفسير الأتي:

أولاً: الدية الشرعية في القانون هي عوض عن فقد النفس أو الجراح وهي عوض مقابل النفس ولا يجوز الحكم بعوض آخر من ذات النفس أو ذات الجرح.

ثانياً: التعويض الذي عنته المادة (157) ، معاملات مدنية لسنة 1984م ، والفقرة (2) من المادة (68) من قانون النقل البحري لسنة 2010م المقصود منه أي تعويض عن أضرار أخرى غير فقد ذات النفس أو ذات الجراح وفق المثال الذي ذكرناه آنفاً الحكم بالتعويض عن نفقات العلاج أو أي نفقات أخرى وهو ما نصت عليه المادة (152) معاملات مدنية 1984م والتي تقرر مقروءة مع الفقرة (2) من المادة (153):

1- تقدر المحكمة التعويض بقدر ما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب مراعية في ذلك الظروف الملابسة وبشرط أن يكون ما أصاب المضرور نتيجة طبيعية للفعل الضار فإذا لم يتيسر لها أن تعين مقدار التعويض تعييناً نهائياً فلها أن تحتفظ للمضرور بالحق في أن يطالب خلال مدة معينة بإعادة النظر في التقدير.

2- ينتقل الحق في التعويض إلى الورثة.

 

وبالتالي فالدية ولأنها عوض عن فقد النفس أو الجراح فهي عوض كامل عن فقد النفس في القتل عمد أم خطأ أم شبه عمد وعوض من الجراح بحسب نوع الجراح وفق الجدول الثاني من القانون الجنائي 1991م ولا يجوز أي تعويض آخر عن ذات النفس أو ذات الجراح التي عوضت بمقدار الدية وبما يعني تفسيرياً وفق ما سبق وأسلفنا أن عبارة أي تعويض آخر لا تشمل (ذات النفس أو ذات الجراح) وفق ما عبرت عنه المادة (157) معاملات مدنية 1984م بعبارة (المطالبة بتعويض آخر) وعبارة آخر تعني:

 

(غير ذات النفس أو ذات الجراح التي سبق أن عوض مقابلها بالدية).

 

وللفائدة العامة:

انظر السابقة : م ع/ط ج/223/2011م مجلة 2012م حكومة السودان //ضد// ح.ب.أ مجلة 2012م ص 45

 

انظر السابقة:

م أ س/أ س م/40/1989م مجلة 1990م  مصطفي محمد نور الدين //ضد// ورثة: فاطمة مجلة 1990م ص 168

 

انظر السوابق:

م ع/ط م/609/2003م مصنع جواد //ضد// بهاء الدين مجلة الأحكام 2003م ص 179

 

م ع/ط م/102/2000م محاكمة: الرشيد فيصل مجلة الأحكام 2000 ص 34

م ع/عليا/مراجعة/136/2000م مؤسسة النيل //ضد// أخلاص مجلة الأحكام 2000 ص 129

 

 

وأيضاً للفائدة التفسيرية انظر ص 183 من مؤلف شرح قانون المعاملات المدنية السوداني 1984م للقاضي: د . محمد صالح علي.

وبناءً على ما سلف من مناقشة تفصيلية حول المرجعية القانونية الواجبة التطبيق في شأن دعاوى التعويض من وفاة العامل البحري أثناء الخدمة في السفينة وفق قواعد وأحكام المسؤولية التقصيرية المدنية فإننا:

نقرر:

أولاً: أن القانون الواجب التطبيق على النزاع هو قانون النقل البحري 2010م ولا سند لمرجعية قاعدة غياب النص الواردة في المادة (4) من قانون النقل البحري 2012م حيث أورد المشرع صراحة قواعد التعويض عن المسؤولية التقصيرية في حالة وفاة البحار أو إصابته أثناء الخدمة في السفينة في نص المادة 68 الفقرة (2) من قانون النقل البحري 2010م على الوجه التالي:

في حالة وفاة أي شخص أو إصابته نتيجة خطأ في الملاحة يكون مجهز السفينة (أو مجهزها المستأجر) ملزماً بأحكام الديات في الوفاة والإصابة وفقاً لأحكام القانون الجنائي 1991م مع الاحتفاظ بحقه في المطالبة بالتعويض وفق أي قانون آخر

وطالما وجد نص تشريعي في قانون النقل البحري السوداني 2010م بحكم حالة تعويض وفاة أو إصابة البحار أثناء الخدمة أو بسببها في السفينة بموجب عقد عمل بحري وفقاً لقواعد وأحكام التعويض في أحوال المسؤولية التقصيرية فلا سند يبرر مناقشة الأحوال الاستثنائية الواردة في المادة (4) فقرات (أ) و(ب) و (ج) و (د) في حال غياب النص التشريعي الحاكم.

ثانياً: وفق واقع المحضر فقد توفي المرحوم جراء حادث صعقة كهربائية أثناء خدمته في الباخرة خلال الرحلة البحرية وقد أقرت المدعى عليها الثانية مؤسسة سليمان سعيد الجابري بكل فقرات الدعوى دون أي ادعاء أو دفع من جانبها ينفي مسؤوليتها من الحادث أو نفي أي خطا أو إهمال من جانبها في وقوع الحادث أو الادعاء بوقوع الحادث بخطأ وإهمال المرحوم أو الخطأ المشترك وبالتالي فالدعوى قائمة على المسؤولية التقصيرية المفترضة في مواجهة المدعى عليها وواضح أن المدعى عليها تنازع فقط في استحقاق مقدار التعويض المدعى به أو مقداره كتعويض وطالما أنه قد حددت المادة 68(2) من قانون النقل البحري 2010م وهو النص القانوني وبالتالي فإن مرجعية الحكم بالتعويض وفق القانون أنها صارت معلومة قانوناً وفق قواعد الدية في القتل الخطأ ووفق قواعد المسؤولية التقصيرية المدنية أو الجنائية وهي الحاكمة في تقدير مقدار التعويض في هذه الحالة.

فهي محكومة بالقواعد الواردة في المواد 42 ، 43 ،132(من القانون الجنائي 1991م)

ويكون تقدير الدية الأصل أن يحكم عيناً بمائة من الإبل (أو) الاستثناء تقدر الدية بواسطة منشور رئيس القضاء بالتشاور مع الجهات المختصة.

ثالثاً: ونرى ورغم أن مسألة غياب النص غير واردة في المناقشة في هذه القضية كما أسلفنا إلا أنه من الضروري لنا تفسيريا التأكيد على مبدأ مهم سبق أن أقره القضاء السوداني في أحكامه وهو مبدأ عدلي قائم على:

ضرورة تطبيق المحاكم لأحكام الاتفاقيات الإقليمية والدولية حتى تلك التي لم  يصادق عليها السودان.

فقد أثارت هذه المسألة جدلاً فقهياً وقانونياً حول سريان قواعد وأحكام هذه الاتفاقيات وهل يجوز للمحاكم تطبيق أحكامها أو ما قررته من قواعد في شأن أي نزاع معروض ورغم عدم مصادقة السودان على هذه الاتفاقيات لتصبح قانوناً سارياً في السودان وهو ما يعرف تشريعاً بـ (قانون التصديق على الاتفاقيات الإقليمية والدولية) والتي نص عليها الدستور 2005م المؤقت وفق المادة (27) منه أن الاتفاقيات الدولية والإقليمية التي صادق عليها السودان تعتبر جزءاً لا يتجزأ من أحكام القانون الساري في السودان وهنا نشير إلى أنه من المعلوم أنه وفي عدة أحكام قضائية سابقة واجهت المحاكم السودانية والقضاء السوداني إشكالية و مسألة اللجوء إلى أحكام الاتفاقيات المذكورة التي لم يوقع عليها السودان وإشكالية أخرى في كيفية حسم أي مسألة خلافية أو حقوقية لم يرد بشأنها نص تشريعي وهو ما نص عليه قانون النقل البحري 2010م في المادة (4) فقرة (ب) بأنه يجوز للمحكمة في أحوال غياب النص التشريعي:

(أن تطبق أحكام الاتفاقيات الدولية والإقليمية التي يصادق عليها السودان).

 

وقد قيد هذا النص التطبيق لأحكام الاتفاقيات بشرط ( التصديق على الاتفاقية ) وقد ترتب على هذه الفقرة جدل فقهي وتفسيري حول إمكانية لجوء المحاكم إلى أحكام هذه الاتفاقيات حتى ولو لم يصادق عليها السودان وقد تمثل الجدل الفقهي  في وجهتي نظر نرى إيرادها للفائدة الفقهية القانونية على الوجه التالي:

وجهة النظر التفسيرية الأولى:

ترى أن المبدأ الذي أقرته السوابق الصادرة (بجواز اللجوء إلى أحكام هذه الاتفاقيات عند القضاء في أي مسألة) كان أمراً مقبولاً في السابق لعدم وجود قانون بحري سوداني يحكم المنازعات البحرية فحالة غياب القانون كان له الأثر العدلي في لجوء المحاكم إلى المادة (6) من قانون الإجراءات المدنية 1983م والذي ينص على:

1- إذا لم يوجد نص يمكن تطبيقه على الإجراءات في المسألة المعروضة. تطبق المحكمة من القواعد ما من شأنه تحقيق العدالة.

2- في المسائل التي لا يحكمها أي نص تشريعي تطبق المحاكم الشريعة الإسلامية والمبادئ التي استقرت قضاء في السودان والعرف والعدالة والوجدان السليم.

وترى وجهة النظر هذه أنه لا مجال للأخذ بقواعد أو أحكام الاتفاقيات الدولية التي لم يوقع عليها السودان بعد إصدار قانون النقل البحري 2010م الذي قيد تطبيق أحكام الاتفاقيات الدولية والإقليمية بشرط قانوني هو (التصديق على هذه الاتفاقيات) وطالما لم يوقع أو يصادق على أي اتفاقيات دولية أو إقليمية بعينها فلا يجوز للمحاكم السودانية الأخذ بأحكام وقواعد هذه الاتفاقيات عند الحكم

وجهة النظر التفسيرية الثانية:

وهذه النظرة التفسيرية الثانية تخالف تماماً وجهة النظر التفسيرية الأولى وترى أن المحاكم السودانية يجوز لها تطبيق أحكام الاتفاقيات التي لم يوقع عليها السودان في أي مسألة معروضة فـي حالة غياب النص ولما يلـي مـن

أسباب:

1- طالما أن نص المادة (6) فقرة (1) ، (2) إجراءات مدنية 1980م ساري المفعول فقد خول المحاكم تطبيق قواعد العدالة الإجرائية في أي مسألة إجرائية لم يحكمها أي نص تشريعي كما أجاز النص الساري أنه إذا لم يوجد أي نص يحكم أي مسألة موضوعية فقد جعل المشرع أساس الفصل في هذه المسألة الموضوعية بالرجوع إلى أحكام الشريعة الإسلامية والمبادئ التي استقرت قضاء في السودان والعرف والعدالة والوجدان السليم وبالتالي فمن العدالة والوجدان السليم تطبيق أحكام هذه الاتفاقيات وما أقرته من قواعد في حالة غياب النص التشريعي الإجرائي أو الموضوعي.

2- أكد المشرع في قانون النقل البحري 2010م على اعتماد أحكام السوابق وأحكام القضاء المستقر في الفقرة (ج) من المادة (4) كما أقر اعتماد العرف البحري الساري في حسم النزاع حول أي مسألة معروضة لم يرد بشأنها نص مؤكداً ذات المبادئ التشريعية التي أقرها نص المادة (6) فقرة (1) ، (2) إجراءات مدنية 1983م.

3- وفق أحكام السوابق القضائية السودانية المستقرة المتواترة والتي جعلها المشرع مرجعية تشريعية في حالة غياب النص التشريعي فقد أقرت السوابق القضائية تطبيق هذه الاتفاقيات التي لم يصادق عليها السودان وفق قواعد العدالة والوجدان السليم والمتمثل في اعتبار هذه الاتفاقيات (بمثابة عرف بحري مستقر) لأنها في الأساس مجرد تقنين لما استقر وتواتر من أعراف بحرية في مجال النقل البحري وتظل هذه الاتفاقيات الدولية أو الإقليمية في أصلها كأعراف بحرية استقرت يجيز القانون السوداني تطبيق أحكامها كعرف بحري سارٍ وهو ما استقر عليه الفقه التفسيري للقضاء السوداني ومازال على مبدأ:

أن تطبيق أحكام وقواعد الاتفاقيات الدولية والإقليمية حتى ولو لم يوقع عليها أو يصادق عليها السودان في أي مسألة بحرية بمثابة عرف بحري واجب التطبيق.

مثال السوابق الرائدة في التفسير القانوني البحري:

1- أصحاب الباخرة أوليميوس //ضد// سيد إسماعيل خليل

              م أ/أ س م/86/1406هـ

2- الشركة السودانية للاستثمار //ضد// أصحاب الباخرة كيرتي

              م ع/ط م/165/1998م

3- شركة الباسفيك التجارية //ضد// أصحاب الباخرة كورتيا دي اوقس

                 أ س م/50/1999م

4- مؤسسة فائز أحمد //ضد// ملاك الباخرة آماند

               م ع/ط م/17/1999م

والتي قررت جملة المبادئ التالية:

(أ ) خلو قانون بحري سوداني من نصوص تحكم المنازعات البحرية يدعو إلى اللجوء إلى الاتفاقيات والمعاهدات الدولية حتى ولو لم يوقع عليها السودان لأن هذه المعاهدات والاتفاقيات تعد بمثابة التطبيق للعرف البحري السائد الذي قنن في شكل اتفاقيات دولية وإقليمية.

(ب‌)

(ت‌)

(ث‌)

(ج‌)

وعلى ضوء وجهة النظر الثانية أقر الفقه القضائي السوداني في أحكام سوابقه مبدأ:

           تطبيق أحكام الاتفاقيات الدولية والإقليميـــة 

           كعرف بحري سارٍ لأنها تقنين للعرف البحري   

          المستقر دولياً حتى ولو لم يصادق عليها السودان.

وبناء عليه نرى اتفاقنا مع هذه المبادئ التي أقرها القضاء السوداني واستقرت وبالتالي نتفق ونؤيد ما ذهبت إليه وجهة النظر الثانية ونخالف ما ذهبت إليه وجهة النظر الأولى وعليه نقرر:

أن المبدأ المستقر قضاء جواز تطبيق أحكام الاتفاقيات الدولية والإقليمية التي لم يوقع عليها أو يصادق عليها السودان باعتبار تطبيق أحكامها تطبيقاً لأحكام أعراف بحرية مستقرة ومتواترة ومع مراعاة خصوصية كل اتفاقية بحرية عند التطبيق كعرف بحري على أي حالة معروضة بحسب الحال.

رابعاً: ونرى أيضاً ومن الوجهة التفسيرية القانونية البحتة ضرورة التعرض بالمناقشة لما أثاره الطعن حول مدى جواز جزئية إعفاء قضايا عقود العمل البحري من الرسوم أسوة بقضايا عقود العمل البري فقد وردت بشأنها وجهات نظر نوردها فيما يلي:

1- ذهبت وجهة نظر إلا أنه في حالة انحصرت المنازعة البحرية في نطاق النزاع حول عقد العمل البحري وحقوق العامل البحري العقدية ففي حالة غياب النص في القانون البحري قانون النقل البحري 2010م لأي نص يتحدث عن إعفاء المنازعات البحرية حول عقد العمل البحري من الرسوم أسوة بقضايا عقد العمل البحري تكون المرجعية في هذه الحالة للفقرة (1) من المادة (6) إجراءات مدنية 1983م.

    إذا لم يوجد نص يمكن تطبيقه على الإجراءات في المسألـــة

   المعروضة تطبق المحكمة من القواعد ما من شأنه تحقيق العدالة.

وبالتالي يجوز أن يعامل العامل البحري في إجراءات التقاضي المرتبطة بالنزاع حول عقد العمل البحري وحقوقه أسوة بإجراءات منازعات عقد العمل في قانون العمل البري 1997م بإعفاء هذه الدعاوى من الرسوم.

2- أما إ كان النزاع ليس حول (منازعات عقد العمل البحري) بل حول دعاوى المسؤولية التقصيرية والمطالبة بالتعويض المدني عن الأضرار المترتبة على هذه المسؤولية فيكون تحصيل الرسم في هذه الحالة واجباً بالنسبة لدعوى المسؤولية التقصيرية ولا تعتبر الدعوى مرفوعة إلا بعد أداء الرسم أو الإعفاء منه وفق قواعد المواد 14 إلى 21 من (الأمر السادس الخاص بالرسوم إجراءات مدنية 1983م).  

تذهب وجهة النظر الثانية إلى:

أن الإعفاء من الرسوم لا يكون إلا بنص في القانون أو الإعفاء وفق الأمر السادس للرسوم ولا تملك المحاكم سلطة إجرائية للاستناد على نص المادة (6) إجراءات مدنية 1983م كمبرر لإعفاء دعاوى العمل البحري أسوة بدعاوى العمل البري من الرسوم تحت بند العدالة أو العرف أو الوجدان السليم.

 

ونرى أن العامل البحري بحسب الأداء الوظيفي يماثل العامل البري بل العامل البحري يستحق الحماية في شأن رفع قضايا حقوق العمل البحري ومعلوم طبيعة العمل البحري ومخاطره وظروفه الاستثنائية وبالتالي نرى اتفاقنا مع وجهة النظر الأولى أنه في حالة غياب النص الإجرائي فإن نص المادة (6) فقرة (1) إجراءات مدنية 1983م يخول للمحكمة وفق قواعد العدالة الإجرائية عدم تحصيل الرسم في دعاوى منازعات عقد العمل البحري وبالتالي نتفق مع وجهة النظر الأولى أما المنازعات الأخرى كدعوى التعويض من المسؤولية التقصيرية أو المنازعات البحرية الأخرى حول عقد النقل البحري وغيرها من المنازعات الأخرى فيسري عليها قيد أداء الرسم وطلب الإعفاء من الرسم وفق أحكام الأمر السادس في المواد (9) ، (14) إلى (23) إجراءات مدنية عام 1983م.

وبناءً على ما تقدم من مناقشة سالفة نرى أن دعوى التعويض عن وفاة العامل البحري وفق قواعد المسؤولية التقصيرية أنها مسألة قد حسمها المشرع في المادة (68) فقرة (1) و (2) من قانون النقل البحري 2010م وذلك بأن يكون التعويض وفق أحكام الديات الشرعية ووفقاً لأحكام القانون الجنائي 1991م وقد وفقت المحكمة القاضي المجتهد المحقق المدقق فيصل طه أحمد قاضي المحكمة العامة كما سبق وأسلفنا في التوصل إلى ذات النتيجة وإن كانت بناء على قانون المعاملات وليس تحت فقرتي 1،2 من المادة (68) من قانون النقل البحري إلا أن النتيجة التي توصل إليها باجتهاده قد وافقت ما أقره القانون قانون النقل البحري ونسجل له هذا الأداء المتميز فهذا عهدنا به ولمزيد من الأداء والعطاء القانوني العادل لأنه أداء يستحق الإشادة والتقدير ونوصي بإحالة هذا الثناء والتقدير ليودع في ملف خدمته لدى الأمانة العامة كما يقول سبحانه وتعالي في محكم التنزيل:

(هل جزاء الإحسان إلا الإحسان)

مسألة أخيره لا بد من التعرض لها أثارت جدلاً فقهياً وقانونياً وعدلياً حول مقدار الدية التي قضت بها المحكمة والتي قررتها وفق المنشور الجنائي 3/2009م ووفق الجدول الملحق بالقانون الجنائي1991م (الدية ثلاثون ألف جنيه) عن وفاة المرحوم ومعلوم أنه قد صدر المنشور الجديد الصادر بتاريخ 16/مارس/2016م من رئيس القضاء بالرقم: منشور جنائي/4/2016م معدلاً مقدار الدية لتكون ثلاثمائة وثلاثين ألف جنيه سوداني وقد ثار تساؤل جدلي حول انطباق هذا التعديل على النزاع في هذه الدعوى ؟؟ وقد أدت المناقشة الجدلية في المناقشة بين الزملاء في المحكمة العليا إلى وجهتي نظر نوردهما للفائدة القانونية البحتة على الوجه التالي:

وجهة النظر التفسيرية الأولى:

ترى أن الدية في حالة الخطأ أو الإهمال أو قلة الاحتراز أو أي فعل غير مشروع لا ينشأ الحق في استحقاقها إلا بالحكم القضائي باستحقاق هذه الدية فالحكم كاشف لاستحقاق الدية من تاريخه وبالتالي فالذي يحكم مقدار الدية هو المنشور الجنائي الساري وقت الحكم بالتعويض وطالما أن الحكم في هذه الدعوى قد صدر في 8/مارس/2016م فيسري على مقدار الدية المقدرة في  المنشور 3/2009م وليس الدية المقدرة في المنشور الجديد 4/2016م لأنه صدر بعد تاريخ الحكم في 16/مارس/2016م ولا مجال لتطبيق هذا المنشور ورغم عدالة تعديل الدية لأن قيمة الدية السابقة أصبحت لا تحقق الغرض التشريعي الشرعي منها ولكن يجب الالتزام بحرفية النص القانوني المحدد للدية وقت إصدار الحكم.

 

وجهة النظر التفسيرية الثانية:

ترى أنه وعلى الرغم من أن الحكم بالدية في هذه الدعوى قد صدر بتاريخ: 8/مارس/2016م وأن تاريخ إصدار المنشور الجديد 4/2016م بتقدير جديد للدية كان بتاريخ لاحق في 16/مارس/2016م إلا أن الحكمة الشرعية والتشريعية تكون في عدالة مقدار الدية معادلاً للأصل مائة من الإبل وهي الحكمة العدلية التي كانت المبرر الأساسي لإعادة النظر في تقدير مقدار الدية ويستفاد من المبررات التي أوردها منشور رئيس القضاء أن العلة في إعادة التقدير هو أن التقدير السابق في منشور 3/2009م لم يعد مواكباً للتقدير الحقيقي العدلي حالياً ليستحق كدية شرعية وأن العدالة تستوجب إعادة التقدير وقد استند المنشور في مبرراته على القواعد العدلية التالية:

 

مراعاة للظروف الاقتصادية وما طــرأ على الأسعار من

زيادة لا تخفي على أحد وبعد التشاور والتفاكر مع الجهات

المختصة ومسح أسعـار الإبل بمناطق الإنتاج باعتبار أنها

الثمن الذي نص القانون على اعتباره في تقدير الدية وهـو

على التفصيل الوارد بالمنشور.

 

ويستفاد من مبررات المنشور أن التقدير السابق للدية يخالف التقدير الحقيقي الشرعي الواقعي للدية والمقررة شرعاً وقانوناً وكما يستفاد تفسيرياً عدلياً للمنشور أن التقدير الجديد الذي تم تقديره كان تقديراً سابقاً على إصدار المنشور من لجنة اختصاص وبمشاورة مع جهات الاختصاص المذكورة وليكون التقدير الجديد وفق التقدير الحقيقي للدية الشرعية وقت تحديد جهة الاختصاص لهذه الدية وبما يعني أن التقدير الجديد قد حددته الجهات المختصة قبل 16/مارس/2016م الذي صدر فيه المنشور وبما يفترض أنه هو التقدير الحقيقي للدية كعوض عن النفس وقت الحكم وكان هو التقدير الجديد وأن العوض السابق وقت صدور الحكم لم يكن دية حقيقية عادلة شرعية وبما يقتضي تقدير أن الدية الحقيقية الشرعية العادلة هي التقدير الشرعي للدية وقت صدور الحكم وبما يبرر أن تكون الدية تبعاً لذلك معادلة للمقدار الحقيقي الذي يجب أن يصدر به الحكم وهو ثلاثمائة ألف وثلاثون ألف جنيه سوداني وليس هو ثلاثين ألف جنيه سوداني ويستفاد من نص المادة (4) من القانون الجنائي 1991م الفقرة (4) على جواز تطبيق (قاعدة الأثر الرجعي لتقدير الدية) باعتبارها مسألة (متغيرة ومتبدلة) بحسب قيمة الإبل الأصل في الدية وليس ثابتة فالنص يقرر:

             يراجع أي حكم نهائي بالدية صدر قبل العمل بهذا

            القانون وفق أحكامه في استيفائها.  

 

وطالما أن (تقدير الدية) مسألة متغيرة متبدلة وليس تشريعاً ثابتاً فالنص يجيز المراجعة لتقدير الدية المتغيرة المتبدلة حتى إذا صدر حكم نهائي بالدية وحتى يكون التقدير بدلاً منطقياً وعقلياً وشرعياً فعبارة الأحكام النهائية تعني صدور حكم نهائي من المحكمة بالدية وأن التقدير يجوز مراجعته رغم نهائية هـذا الحكم بوصف الدية حـقاً شرعياً قبل أن يكون نصاً وحقاً قانونياً وبالتالي فطالما أن تقدير الدية الجديد قد تم بواسطة لجنـة مختصـة قبل إصدار رئيس القضاء منشوره في 16/3/2016م فيسري الأثر الرجعي لهذا التقدير علـى الحكم في الدعوى كإجراء عدلي شرعي يجيزه العدل الشرعي والقانون.

 

وفي تقديرنا أن وجهة النظر الثانية التفسيرية هي الأعدل والأقرب لحكم الشرع والشريعة ونرى الأخذ بها عدلياً في هذه الدعوى فالدية في منشور : 3/2009م كانت عادلة في حينها إلا أنه بمرور الوقت والزمن فقدت صفة عدالتها الشرعية وأصبحت موضع تندر بأن قيمة الإنسان قد انخفضت رغم أنها من الضرورات الخمس الواجب حمايتها والعدالة في العوض عن فقدها وبالتالي نرى بناءً عليه وجوب مراجعة الحكم في تقدير الدية ليعادل التقدير الحقيقي الشرعي للدية وخاصة أن الجدل كله يدور حول عدالة التعويض وكيفيـة تقديره

 

وبناءً على ذلك نقرر الآتي:

أولاً: لا سند لمقاضاة أصحاب الباخرة البركة 3 إذ لا علاقة لهم بعقد العمل البحري موضوع النزاع في الدعوى.

 

ثانياً: مسؤولية والتزامات عقد العمل البحري تقع على عاتق المدعى عليها الثانية أن مؤسسة سليمان سعيد الجابري هي الطرف المتعاقد مع مورث المدعين بعقد العمل البحري موضوع النزاع في هذه الدعوى.

 

وبناءً عليه ووفق تفاصيل هذه المذكرة نقرر الآتي:

 

أولاً: ينقض حكم الاستئناف المطعون فيه.

 

ثانياً: نؤيد حكم محكمة الموضوع الابتدائي ونعدل مقدار الحكم بالدية لتكون مبلغاً وقدره ثلاثمائة وثلاثون ألف جنيه سوداني بدلاً عن ثلاثين ألف جنيه سوداني ونؤيد الحكم بالرسوم وأتعاب المحاماة في مواجهة المدعى عليه الثاني.

 

ثالثاً: تشطب الدعوى في مواجهة المدعى عليهم الأوائل ملاك الباخرة البركة (3) ويفك الحجز عن الباخرة.

 

رابعاً: لا أمر بشأن الرسوم.

 

القاضي: طارق الضو الطيب

التاريخ: 30/9/2018م

 

الرأي الثاني:

أتفق مع أخي العالم في كل ما ذهب إليه ما عدا تعديل قيمة الدية فإنني أتفق مع قرار محكمة الموضوع لأن المنشور: 4/2016م حدد تاريخ سريان الدية من 1/5/2016م.

القاضي: عبد القادر محمد يوسف

التاريخ: 25/11/2018م

 

الرأي الثالث:

أوافق صاحب الرأي الأول وأضيف بأنه قد ثبت أن المرحوم قد توفي إلى رحمة مولاه نتيجة صعقة كهربائية أثناء تأديته لعمله ورفع ورثته هذه الدعوى للمطالبة بالتعويض عن وفاته وذلك وفقاً لقواعد المسؤولية التقصيرية في القانون المدني وقد توصلت محكمة الموضوع إلى استحقاق الورثة للتعويض عن وفاة مورثهم وقد أقرت المدعى عليها بهذه المسؤولية وباستحقاق الورثة للتعويض ولم تدفع بالخطأ أو الإهمال المشترك ، وقد استندت محكمة الموضوع على المادة (156) من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م وحكمت بالدية كتعويض مدني على سند من القول بأنها لم تجد في قانون النقل البحري نصاً يحكم التعويض وقدرت التعويض كدية بمبلغ 30.000 جنيه وقد تأيد هذا الحكم من المحاكم الأدنى . عندما عرض الأمر على المحكمة العليا ذهب عالمنا الجليل مولانا/ ملاسي إلى أن القانون البحري قد نص على أنه في حال المسؤولية التقصيرية عن وفاة البحار في السفينة نتيجة الخطأ أو المسؤولية التقصيرية – فإن الدية تكون بموجب المادة (42) من القانون الجنائي لأن القانون البحري لم ينص على الدية أو مقدارها بتعويض مدني وأحالها إلى القانون الجنائي وذلك لأن التعويض في القانون البحري منشأ المسؤولية التقصيرية في حين أن منشأ التعويض كدية في الجنايات يأتي بسبب الإدانة بجريمة جنائية سواء أكانت الجريمة عمديه أو غير عمديه أو شبه عمد وبالتالي لا بد أن نفرق بين الدية كتعويض مدني مبني على المسؤولية التقصيرية وبين الدية بناءً على الإدانة بجريمة جنائية.

 

وبالتالي فإن قانون النقل البحري عندما أحال الحكم بمقدار الدية للقانون الجنائي لم يقصد أن يكون الحكم بها بالنظر الجنائي بل قصد أن يحكم بها كتعويض بالنظر المدني وبالتالي فإن الدعوى المدنية يقتصر الحكم فيها ليس كدية جنائية بل تعويض مدني بحت ومن الناحية القانونية أصبحت مسألة التعويض مربوطة بالدية كقيمة يقدر بها التعويض إعمالاً لنص المادة (42) من القانون الجنائي لسنة 1991م وهنا نلاحظ أن هناك خطأً شائعاً في تفسير المادة

(42) ق . ج والتي تنص على الأتي:

 

الدية مائة من الإبل (أو) ما يعادل قيمتها من النقود وفقاً لما يقدره السيد/ رئيس القضاء بالتشاور مع الجهات المختصة ، وقد جعل المشرع الأصل الشرعي هو الحكم بالإبل وقد استعمل لفظاً يميز بين الحالين مائة من الإبل أو وفقاً للمنشور الذي يحدده رئيس القضاء وكلمة (أو) المشار إليها في المادة (42) ق . ج تعني أن الأصل هو الحكم بالإبل (أو) وفقاً للمنشور الذي يحدده رئيس القضاء وعبارة أو تعني أن الأصل هو الحكم بالإبل أما حالة المنشور هي حالة أخرى لأن كلمة أو تعني إما كذا وإما كذا وطالما أن النص جعل الحكم بالدية مدنياً بناءً على المسؤولية التقصيرية فيجوز للمحكمة أن تحكم بمائة من الإبل كتعويض مدني وطالما أن هناك لجنة مختصة وضعت تقريرها للسيد/ رئيس القضاء بأن قيمة مائة من الإبل تساوي مبلغاً وقدره 300.000 جنيه فيجوز لنا أن نأخذ بهذا التقدير ونحكم به كتعويض مدني بناءً على المسؤولية التقصيرية التي أقر بها المطعون ضدهم وهذا من وجهة نظرنا هو عين العدل الشرعي الذي أقرته الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي وبالتالي أتفق مع عالمنا الجليل مولانا ملاسي فيما ذهب إليه تسبيباً ونتيجة.

 

الأمر النهائي:

1- نقض حكم محكمة الاستئناف المطعون فيه.

2- نؤيد حكم محكمة الموضوع الابتدائي ونعدل مقدار الحكم بالدية لتكون مبلغاً وقدره ثلاثمائة وثلاثون ألف جنيه سوداني.

3- نؤيد الحكم بالرسوم وأتعاب المحاماة في مواجهة المدعى عليه الثاني.

4- تشطب الدعوى في مواجهة المدعى عليهم الأوائل ملاك الباخرة البركة (3) ويفك الحجز عن الباخرة.

5- لا أمر بشأن الرسوم. 

 

 

طـارق الضـو أيــوب

قاضي المحكمة العليا

ورئيس الدائرة

28/11/2018م

▸ عبد المنعم عبد الله موسى الطاعن // ضد // موسـى عبد الله موسـى المطعون ضده الرقم م ع/ط م/775/2018م فوق هيئة التحكيم الطاعنة // ضد // شركة كونكس العالمية للتسويق شركة جمعة للاستثمار المطعون ضدهما الرقم م ع/ط م/1797/2017م ◂

مجلة الاحكام

  • المجلات من 1900 إلي 1930
  • المجلات من 1931 إلي 1950
  • المجلات من 1956 إلي 1959
  • المجلات من 1960 إلي 1969
  • المجلات من 1970 إلي 1979
  • المجلات من 1980 إلي 1989
  • المجلات من 1990 إلي 1999
  • المجلات من 2000 إلي 2009
  • المجلات من 2010 الى 2019
  • المجلات من 2020 الى 2029
  1. مجلة الاحكام
  2. المجلات من 2010 الى 2019
  3. العدد 2018
  4. المدني 2018م
  5. ملاك الباخرة البركة (3) وآخر الطاعنون //ضد// ورثة/ محمد الحسن محمـد مطعون ضدهم الرقم م ع/ط م/ج/ح/7/2018م

ملاك الباخرة البركة (3) وآخر الطاعنون //ضد// ورثة/ محمد الحسن محمـد مطعون ضدهم الرقم م ع/ط م/ج/ح/7/2018م

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المحكمة القومية العليا

دائرة ولايتي البحر الأحمر وكسلا

ببورتسودان

 

القضاة:

سعادة السيد / طـارق الضــو أيـوب

قاضي المحكمة العليا

رئيساً

سعادة السيد / عبد القادر محمـد يوسـف

قاضي المحكمة العليا

عضواً

سعادة السيد / عبدالرؤوف حسب الله ملاسي

قاضي المحكمة العليا

عضواً

 

 

الأطراف:

ملاك الباخرة البركة (3) وآخر                                       الطاعنون

//ضد//

ورثة/ محمد الحسن محمـد                                     مطعون ضدهم

 

الرقم م ع/ط م/ج/ح/7/2018م

 

قانون النقل البحري السوداني لسنة 2010م - المادة 4(أ) منه- القانون الواجب التطبيق فـي حالة غياب النص- تفسير عبارة " الأحكام ذات الصلة ".

قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م - المادتان (8)،(9) منه - اختصاص المحاكم السودانية بنظر النزاع المتعلق بالسفن الأجنبية القادمة للسودان.

قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م - المادة (11) منه - الاختصاص عند تعدد المدعى عليهم الأجانب - يكفي أن يكون لأحدهم موطن أو محل اقامة بالسودان.

قانون النقل البحري السوداني لسنة 2010م – المواد 60 ، 61 ، 62 ، 63 ، 64، 65 منه - حقوق العامل البحري - منشؤها العقد - الاختصاص في حالة العقود البحرية.

 

المبادئ:

1-

2-

3-

4-

 

 

المحامون:

الأستاذ/ هاشــم كنــة                                     عن الطاعنين

                                    الحكــم

 

القاضي: عبد الرؤوف حسب الله ملاسي

التاريخ: 13/9/2018م

 

تقدم كلُُّ من طرفي الدعوى المدعين والمدعى عليهم بطلب طعن بالنقض منفصل في مواجهة قضاء محكمة الاستئناف دائرة البحر الأحمر الحكم            أ س م/11/2016م والقاضي بتاريخ 13/يناير/2018م بإلغاء الحكم الابتدائي الصادر من محكمة الموضوع وإعادة إجراءات الدعوى للسير فيها على ضوء موجهات الحكم ويتلخص طلبا الطعن بالنقض في التفصيل التالي:

أولاً : الطلب الأول والمقدم من الأستاذ/ هاشم كنه المحامي إنابة عن ملاك الباخرة البركة بتاريخ 11/فبراير/2018م ويدور محور حول المحاور التالية:

1- لا اختصاص للمحاكم السودانية بنظر النزاع موضوع الدعوى حيث لا ينعقد لها الاختصاص المحلي المكاني بحسب الفقرة (4) من عريضة الدعوى حيث وقع الحادث الذي أودى بحياة المرحوم مورث المدعين خارج نطاق حدود المياه الإقليمية السودانية على بعد 35 ميلاً بحرياً والتي يحددها قانون الجرف البحري السوداني 1962م في المادة (5) ب 12 ميلاً بحرياً من الساحل تجاه البحر وبالتالي وقع الحادث خارج المياه الإقليمية السودانية.

2- رفعت الدعوى سابقة لأوانها وفق المبدأ الذي أقره القضاء السوداني في السابقة /مؤسسة فائز للتجارة //ضد// خليل محمد علي أ س م/85/1406هـ ص 102 المنشورة في مؤلف أهم القضايا البحرية السودانية للقاضي محمد علي خليفة أن دعاوى العمل البحري تحال للتحكيم ابتداء للنظر أمام ناظر الميناء أو ضابط التفتيش البحري ولا يحال النزاع إلى المحكمة إلا في حالة فشل التحكيم ولا اختصاص لمكتب العمل الإقليمي بالنظر في منازعات العمل البحري.

3- بحسب واقع المحضر فالسفينة ( الباخرة البركة سفينة أجنبية ) ووفق أحكام المواد 10،11(2),16(1) إجراءات مدنية في حالة التنازع حول القانون الواجب التطبيق تكون المرجعية لقانون المعاملات المدنية لسنة 1984م ولا يسري القانون السوداني على النظام القانوني للشخصيات الاعتبارية الأجنبية إلا إذا باشرت هذه الشخصيات الاعتبارية نشاطها الرئيسي في السودان ولا يطبق من القانون الأجنبي إلا أحكامه الداخلية دون تلك التي تتعلق بالقانون الدولي الخاص وطالما لم يباشر ملاك السفينة إدارة مركزهم الرئيسي في السودان فلا تسري أحكام القانون السوداني على النزاع موضوع الدعوى كما أن المستقر قضاء هو أن الذي يحكم العلاقة العقدية بين مالك السفينة الأجنبية والبحارة قانون علم السفينة وبالتالي لا يحكم القانون السوداني قانون العمل لسنة 1997م عقد العمل البحري في سفينة أجنبية ولا سند لتصريح هذه الدعوى بدون رسوم وفق المادة 72(1) من قانون العمل السوداني لسنة 1997م وكان  الواجب إلزام المدعين بسداد رسوم الدعوى.

4- طالما أن العلاقة العقدية بين مورث المدعين وملاك الباخرة هو (عقد عمل بحري) فوفق قانون النقل البحري لسنة 2010م والذي نص في مواده من 55 إلى 66 وهو القانون الخاص وفق أحكام المادة 6(4) من قانون تفسير القوانين لسنة 1974م على عقود العمل البحري فإنها لا تسري على عقود العمل البحري في السفن الأجنبية مع مراعاة ما قررته السوابق السودانية البحرية الصادرة قبل القانون الجديد النقل البحري لسنة 2010م فإن قانون عقد النقل البحري لا تسري أحكامه على السفن الأجنبية ولا تسري على عقود العمل البحري في السفن الأجنبية وذلك لأن المتفق عليه وفق العرف البحري والاتفاقيات الدولية أنها قوانين إقليمية لا تسري إلا على السفن الوطنية دون الأجنبية المرجع كتاب محاضرات التشريع البحري للدكتور علي حسن ص (38) الطبعة الثالثة وكتاب محاضرات التشريع البحري د. كامل أمين نسخة 1959م ص 16.

5- ارتكز المدعون في تقدير مقدار التعويض المدعى به على الاتفاقيات والتعاهدات والمعمول به وفق قواعد نادي الحماية والتعويض الدولي ولم يقدموا أي دليل على ذلك الادعاء ومن جهة أخرى وبفرضية تطبيق القانون السوداني قانون النقل البحري لسنة 2010م فوفق أحكام المادة (65) منه فلا يستحق البحار الذي توفي بسبب الدفاع عن السفينة أو الشحنة أو المسافرين في السفينة إلا تعويض أجر ثلاثة أشهر أو مبلغاً يعادل أجرته خلال مدة الرحلة إذا كان معيناً بالرحلة وهذا تعويض على سبيل الحصر ولا اجتهاد مع صراحة النص.

6- لا سند من القانون أو الوقائع لمقاضاة جهتين مختلفتين في آن واحد باعتبارهما ملاك الباخرة فملاك الباخرة هم أصحاب الباخرة البركة (3) ولا علاقة بينهم والمدعى عليهم الثواني مؤسسة سليمان سعيد الجابري وطالما اختار الورثة مقاضاة مؤسسة سلمان فعليهم البحث عن باخرة المذكورين لمقاضاتهم.

ومن محصلة الأسباب السالفة يلتمس شطب الدعوى برسومها واحتياطيا تأييد الحكم الابتدائي الصادر من محكمة الموضوع الذي ألغته محكمة الاستئناف.

ومن جهة أخرى تقدم الأستاذ/ د. عبد الباقي جمعة علي المحامي إنابة عن الورثة: المدعين بطعن في حكم الاستئناف وفق الأسباب التالية:

1- أن مورث المدعين يعمل في وظيفة بحار على ظهر الباخرة البركة (3) براتب شهري وقدره 400 دولار أمريكي وتوفي نتيجة لصعقة كهربية أثناء عمله بداخل الباخرة بتاريخ 31/يناير/2013م ورفض المدعى عليهم الدخول في تسوية النزاع والتعويض الذي يطلبه الورثة هو مبلغ وقدره 250 ألف جنيه زائداً أتعاب المحاماة وذلك وفق العريضة المعدلة.

2- بناءً على قرار المحكمة بسماع شهود محكمة قررت ضم مؤسسة سليمان سعيد الجابري كمدعى عليه وتم تعديل عريضة الدعوى بذلك وقد أقرت المدعى عليها الثانية بالدعوى بواسطة محاميها معترفة بكل فقراتها عدا المطالبة وفق القانون البحري السوداني والاتفاقيات والمعاهدات الدولية والأعراف البحرية وأن المادة المنطبقة هي المادة (65) من قانون النقل البحري السوداني لسنة 2010م.

 

3- رغم اتفاق المدعين مع قرار محكمة الاستئناف القاضي بإلغاء حكم محكمة الموضوع وإعادة النظر في النزاع ووفق ما أوردته من موجهات إلا أن محكمة الاستئناف لم تسبب حكمها في الجزئية المتعلقة بشطب الدعوى في مواجهة المطعون ضدهم الأوائل ويطعن المدعون في هذه الجزئية من حكم الاستئناف على السند التالي:

(أ ) طالما توصلت محكمة الاستئناف إلى أن الذي يحكم الفصل في نزاع الدعوى هو قواعد العرف البحري والاتفاقيات والمعاهدات الدولية في تقدير التعويض موضوع الدعوى فإن التعويض يقدر وفق عملية حساب التعويض بالوحدات الحسابية الدولية وليس أحكام التعويض في قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م وهو ما يتفق معه الطاعنون المدعون في حكم الاستئناف إذ كان الواجب الإجرائي في هذه الجزئية على محكمة الاستئناف أن تحكم لصالح المدعين وفق هذه القواعد القانونية التي أقرتها ووفق سلطتها في قانون الإجراءات المدنية (يقصد المادة (205) سابقاً حالياً صارت الفقرة (1) من المادة 187 البند (ب) إجراءات مدنية لسنة 1983م تعديل سنة 2009م وهي القواعد التي أجازها قانون النقل البحري لسنة 2010م في المادة (4) منه في حالة غياب النص الذي يحكم النزاع في أحكامه وهي:

 

(أ ) أن تحكم المحكمة في حالة غياب النص وفق الأحكام القانونية ذات الصلة في أي قانون آخر سارٍ.

(ب‌)

(ج) أو تحكم وفق ما استقر عليه القضاء السوداني.

(د ) أو تحكم وفق أحكام العرف البحري الساري.

 

فبدلاً من أن تعيد محكمة الاستئناف إلى محكمة الموضوع لتطبيق هذه القواعد كان عليها أن تحكم هي بما استقر عليه العرف البحري السائد وفق ما حسمته اتفاقية أثينا وبرثكول سنة 2010م واتفاقية 1976م والوارد في ص 16 من الاتفاقية في حالة وفاة الراكب على السفينة (اتفاقية حدود المسؤولية في دعاوى التعويض):

LIMITATION OF LIABILITY FOR MAritiME CLAIMS 1976

 

 وهي الاتفاقية التي تنص على التعويض المستحق في حالة الوفاة بما يعادل 2 مليون وحده حسابية في الحوادث التي تقع في السفن البحرية التي لا يقل وزنها عن ألف طن وهو وزن الباخرة البركة (3) المدعى عليها وكان على محكمة الاستئناف الحكم بما أقرته هذه الاتفاقية في حالة وفاة مورث المدعين في الباخرة بالعملية الحسابية (235 ألف دولار على 175 ألف دولار وحدة حسابية يساوي 1.3 دولار للوحدة الحسابية مضروب في 2.600.000 دولار.

ويلتمس في المحصلة إعادة الإجراءات إلى محكمة الاستئناف

لإصدار الحكم وإلغاء قرارها بإعادة الإجراءات إلي المحكمـة.

وعلى ضوء ما تقدم قررت الدائرة قبول الطعنين مبدئياً وجاء رد كل طرف على طعن الآخر بنفس أسباب طعنه وبالتالي اكتملت الإجراءات للفصل فيها على الوجه التالي:

أولاً: نشير في البدء إلى أننا قد قمنا بتسجيل ما أورده الطرفان على وجه تفصيلي لأهمية ذلك التفصيل في المناقشة ونرى في ذات الوقت وللفائدة الإجرائية القانونية في المناقشة إيراد السند القانوني الذي استند عليه قضاء محكمة الاستئناف المطعون فيه على الوجه التالي:

1- لا خلاف حول  تعاقد المرحوم مورث المدعين بموجب عقد عمل بحري لدى المدعى عليه الثاني وهو مشغل السفينة.

2- ينحصر الخلاف في الدعوى في تحديد القانون الواجب التطبيق على النزاع وتوصلت محكمة الموضوع بأن القانون الواجب التطبيق هو قانون المعاملات المدنية رغم إقرارها بأنه وإن كان قانون عقد النقل البحري لسنة 2010م في الأصل هو القانون الواجب إلا أن نصوصه لم تنص على مقدار التعويض وعليه احتكمت المحكمة إلى قانون إصابات العمل السوداني لسنة 1981م وأيضاً ولعدم وجود نص قانوني يحكم قضايا تعويض العامل البحري في عمله خارج السودان لجأت المحكمة في حكمها إلى الاحتكام إلى نصوص التعويض في قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م وذلك إعمالاً لقاعدة الحكم فقط بمقدار الدية تحت المادة (156) من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م.

3- مسألة التعويض عن وفاة العامل البحري غير واضحة المعالم ولم يضع لها القانون السوداني قانون النقل البحري 2010م تنظيماً خاصاً ومن الظلم أن يقتصر التعويض فقط على مقدار الدية وبما يستوجب أن يكون حساب التعويض عن وفاة العامل البحري أثناء الخدمة وفق قواعد العرف البحري وما تقرره الاتفاقيات والمعاهدات الدولية في هذا الشأن والتي تنظم حساب مقدار التعويض وفق القواعد الدولية الحسابية.

ثانياً: نرى أيضاً ولمزيد من الفائدة في المناقشة الفقهية الإجرائية القانونية ولإثراء فقه المناقشة أن نورد السند القانوني الذي استندت عليه محكمة الموضوع في حكمها الذي ألغته محكمة الاستئناف ونلخصه في النقاط التالية:

1- لا خلاف حول واقعة أن المدعى عليهم الأوائل هم ملاك الباخرة البركة (3) وأن المدعى عليهم الثواني هم مستأجرو الباخرة ولا خلاف حول واقعة أن المرحوم متعاقد بعقد عمل بحري مع المدعى عليهم الثواني براتب شهري وقدره 400 دولار أمريكي وتوفي أثناء الخدمة بالباخرة جراء صعقة كهربائية بتاريخ 13/مارس/2013م ولم تكتمل تسوية النزاع مع الوكيل البحري للسفينة ويطالب الورثة كتعويض عن وفاة مورثهم بمبلغ وقدره 250 ألف دولار أمريكي زائداً (25) ألف دولار أتعاب محاماة اتفاقية.

2- الخلاف في دعوى التعويض قائم على أساس تحديد القانون الواجب التطبيق على النزاع وهل هو القانون السوداني والاتفاقيات والأعراف الدولية أو وفق ما قرره القانون البحري في المادة (65) من قانون النقل البحري لسنة 2010م كما يطالب الدفاع رغم أن هذه المادة تتحدث عن تعويض الركاب وليس البحارة العاملين بالبواخر.

3- لم يوقع السودان على الاتفاقيات الدولية التي يطالب الادعاء بتطبيق أحكامها كمرجعية حسابية لتقدير تعويض العامل البحري حال الوفاة أثناء الخدمة في السفينة.

4- تنازع القوانين الحادث في هذه القضية علته وسببه وجود طرف أجنبي في النزاع وهم المدعى عليهم.

5- وفق القواعد القانونية الواردة في قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م المواد (10, 11 , 13(أ) منه يسري على الالتزامات التعاقدية قانون الدولة التي بها الوطن المشترك للمتعاقدين وفي حالة اختلاف الوطن يسري قانون الدولة التي ابرم فيها العقد ما لم يتفق الأطراف على غير ذلك وحيث ابرم عقد العمل البحري بين مورث المدعين والمدعى عليه الثاني بمدينة بور تسودان فالقانون الواجب التطبيق على النزاع هو القانون السوداني قانون النقل البحري لسنة 2010م إلا أن هذا القانون قد خلا من أي نصوص تحكم مسألة التعويض في حالة وفاة البحار أثناء الخدمة وبالتالي تلجأ المحكمة في هذه الحالة إلى القواعد العامة التي نصت عليها المادة الرابعة من قانون النقل البحري في حالة غياب النص والقواعد هي:

فيما لم يرد بشأنه نص أو حكم في هذا القانون تطبق:

(أ ) تطبق الأحكام ذات الصلة في أي قانون آخر سارٍ.

(ب) تطبيق أحكام الاتفاقيات الدولية والإقليمية التي يصادق عليها السودان. (ج) ما استقرت عليه أحكام القضاء.

(د ) العرف البحري الساري.

ورأت المحكمة أنه ووفق الفقرة (أ) فالقانون ذو الصلة بموضوع النزاع حول التعويض هو قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م وأيضاً قانون إصابات العمل لسنة1981م السوداني وقد شمل تعريف العامل المستحق للتعويض عن إصابة العمل1/أي عامل في السودان عامل في سفينة سودانية والمرحوم عامل في سفينة أجنبية وبالتالي لا تسري عليه أحكام هذا القانون ولا تسري عليه أيضاً اتفاقية أثينا لنقل الركاب وأمتعتهم بحراً لسنة 1974م وبروتوكول 2002م لأنها لا تتعلق بالطاقم العامل بالسفن كما أن ملاحق أوذوا التي أصدرتها المنظمة العربية البحرية الدولية لا تعد اتفاقية دولية سارية واجبة التطبيق بل هي مجرد موجهات عامة حول مسؤولية ملاك السفن فيما يتعلق بالمطالبات التعاقدية بشأن إصابة البحارة ووفاتهم وأيضاً لا مجال لتطبيق أحكام المادة (65) من قانون النقل البحري لسنة 2010م لأنها لا تتعلق بحالة تعويض البحار عند وفاته أثناء الخدمة بالباخرة وتتعلق فقط بحالة وفاة البحار بسبب دفاعه عن السفينة أو الشحنة والمسافرين بالباخرة.

6- وترى المحكمة أيضاً أنه لا مسؤولية على أصحاب الباخرة البركة (3) عن تعويض ورثة المرحوم بسبب وفاته بحادث أثناء الخدمة في الباخرة فالسفينة مستأجره بعقد إجارة والمدعى عليها المستأجرة هي التي قامت بالتعاقد مع  طاقم الباخرة وتعيينه وبالتالي فقد تعاقدت مع المرحوم بعقد عمل بحري في السفينة المستأجرة وبالتالي فالمدعى عليها الثانية مؤسسة سلمان سعيد الجابري هي المسؤولة عن التعويض عن وفاة المرحوم بحادث صعق الكهرباء أثناء خدمته بالباخرة المستأجرة.

7- ترى المحكمة أن تعويض الورثة عن وفاة مورثهم تحكمه المادة (156) فقرة (1) من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م وفق الدية الشرعية في المعاملات وقد أقرت المدعى عليها الثانية بالحادث وسبب وفاة المرحوم وبالتالي فإن المحكمة أصدرت حكمها لصالح الورثة بالدية المقدرة قانوناً بـ 30 ألف جنيه , 5 آلاف أتعاب محاماة وشطب الدعوى في مواجهة ملاك الباخرة البركة 3 لانتفاء المسؤولية العقدية أو التقصيرية عن التعويض عن وفاة المرحوم.

ويتضح من السرد التفصيلي الذي أوردناه أن الخلاف الحادث بين الأطراف في هذه القضية والإشكالية التي واجهت المحكمة في إصدار حكمها تتمثل في النقاط والتساؤلات التالية:

(س1)

أولاً: ما هي المرجعية القانونية التي تحكم مسألة تعويض البحار المتعاقد بعقد عمل بحري مع مالك السفينة أو مستأجرها بحسب الحال متى حدثت وفاته بحادث أثناء عمله في خدمة الباخرة ؟؟

(س2)

ثانياً: هل المرجعية القانونية في مثل هذه الدعاوى تكون بتطبيق أحكام قانون المعاملات المدنية السوداني لسنة 1984م ؟؟ في شأن التعويض لعلة غياب نص في قانون النقل البحري لسنة 2010م يحكم حالة التعويض عن وفاة البحار وأيضاً لعدم توقيع السودان على الاتفاقيات أو المعاهدات الدولية أو الإقليمية التي تحكم هذه المسألة وبما يستوجب الرجوع إلى الأحكام العامة للتعويض في قانون المعاملات أو أحكام القضاء السوداني حول المسألة ؟؟

 

(س3)

ثالثاً: أم أن المرجعية القانونية في حكم هذه المسألة يكون بالرجوع إلى أحكام العرف البحري الذي أقره قانون النقل البحري السوداني لسنة 2010م في حالة غياب النص أو أن العدالة في الحكم تستوجب تطبيق أحكام الاتفاقيات والمعاهدات الدولية والإقليمية في شأن العملية الحسابية لتقدير التعويض عن وفاة العامل البحري بحادث أثناء الخدمة في الرحلة البحرية محل إبرام عقد العمل البحري ؟؟

(س4)

رابعاً: إذا تم تأجير السفينة بعقد مشارطه إيجار غير مجهزة أو عارية وقام المستأجر بتجهيز السفينة مادياً وتعيين الطاقم البحري وتشغيل السفينة فنياً وملاحياً بواسطة الربان والبحارة الذي قام بتعيينهم وأصبحت له الإدارة الملاحية وأيضاً الإدارة التجارية فهل تنتفي عن المؤجر مالك الباخرة أي مسؤولية عن الحوادث البحرية أثناء الرحلة للباخرة المستأجرة والتي قد يترتب عليها وفاة أحد البحارة أو أحد من الطاقم أثناء خدمته في الباخرة المستأجرة وبسبب أداء هذه الخدمة أو أثناء أداء هذه الخدمة ؟؟

وفي تقديرنا أنه وقبل البدء والدخول في المناقشة التفصيلية لكل ما أثير من إشكاليات قانونية وفقهية وجدل بين أطراف الدعوى وما توصلت إليه كلُُّ من المحكمة الابتدائية والاستئناف من رؤية قانونية حول المرجعية القانونية للفصل أو الحكم في النزاع فإنه من الضروري البدء بمقدمة ومدخل قانوني وإجرائي وتاريخي لمراحل ما قرره القضاء البحري السوداني في شأن أحكام النقل البحري وعقود العمل البحري وما قرره في شأن المنازعات البحرية الناشئة من عملية النقل البحري بالسفن وإلى مرحلة إصدار تشريع القانون البحري السوداني الجديد والذي أصبح عنوانه قانون النقل البحري لسنة 2010م والنظر في التطور التاريخي الفقهي الذي صاحب فصل القضاء السوداني في مدى تاريخه العدلي في شأن المنازعات البحرية المختلفة وما ترتب عليه من قواعد فقهية صارت مرجعية في أحكام القضايا البحرية في السودان .. ونفصل هذه المقدمة وهذا المدخل التاريخي العدلي على الوجه التفصيلي التالي:

أولاً: المعلوم فقهاً وقانوناً وكما كان يقول أساتذتنا وفقهاؤنا وعلماؤنا الأجلاء من القضاة أصحاب الفكر القانوني المستنير ونذكر منهم على سيبل المثال فقط مولانا/ عثمان الطيب ومولانا/ محمد الحسن شقاق ومولانا/ دفع الرضي ومولانا/ مهدي الفحل ومولانا/ طمبل ومولانا/ هنري رياض ومولانا/ أحمد أمين ومولانا/ مهدي محمد ومولانا/ أحمد جعفر حامد أصحاب المقولة المشهورة التي كانت تتردد أصداؤها كرمزية لعدالة القضاء السوداني أن (القضاء السوداني هو الذي صنع القانون البحري السوداني بما أقره من مبادئ في أحكامه البحرية).

ثانياً: فقد رسخت هذه المقولة بين القضاة وعلى وجه خاص كل من عمل قاضياً في مدينة بور تسودان حاضرة البحر الأحمر مركز مينائه البحري الساحلي وبوابة السودان البحري نحو العالم وباب تجارته وصادره .. فالمعلوم أن السودان من البلاد البحرية الساحلية الممتدة على طول امتداد ساحل البحر الأحمر والجرف القارئ السوداني ومعلوم أيضاً أن أول قانون صدر تحت مسمى القانون البحري كان القانون البحري 1961م في الستينيات من القرن الماضي مع بدء دخول السودان مجال النقل البحري بالسفن السودانية مشاركة مع دولة يوغسلافيا التي صنعت عدداً من السفن البحرية السودانية العاملة تحت راية شركة الخطوط البحرية السودانية سودان لاين فقد صدر القانون البحري سنة 1961م تحت مسمى القانون البحري 1961م وهو وفق المادة (3) تطبيق يطبق على جميع السفن السودانية للملاحة في أعلى البحار التي لا تقل حمولتها القائمة عن 100 طن أينما وجدت وعلى السفن الأجنبية التي تكون راسية داخل المياه الإقليمية السودانية أو مبحرة فيها (مع استثناء السفن غير التجارية لأي دولة أجنبية مثال (السفن الحربية) وهذا القانون يقوم أساسه حول تسجيل السفن والرقابة البحرية والتفتيش البحري عليها وكل ما يتعلق بالسفينة وملكيتها ورهنها وجنسيتها والشهادات الخاصة بالأطقم البحرية وبأهلية ومؤهلات العاملين في السفن البحرية من بحارة طاقم ملاحي وفني وهندسي وضباط وبحرية وضباط إرشاد السفن ... الخ وإصدار شهادات السلامة البحرية واعتمادها والصلاحية الملاحية وإجراءات التحقيق في الحوادث البحرية والإنقاذ البحري وتحديد المسؤولية عن حوادث الوفاة على ظهر أي سفينة أو تلف للأموال والتحقيق في الحوادث السالفة .. وبالتالي لا يشمل أي مسائل أخرى يحكمها القانون البحري العام أو الخاص في الدول الأخرى مثال النقل البحري وإشكالياته مع مراعاة أن القانون البحري للبضائع لسنة 1953م ومأخوذة أحكامه في أساسها من اتفاقية بروكسيل 1924م إلا أنه قانون يقتصر سريان أحكامه على النقل البحري الصادر من السودان إلى خارج السودان ولا يشمل النقل الوارد من خارج السودان إلى داخل السودان (انظر المواد في القانون) ولم يكن أمام القضاء السوداني المستنير سوى هذه القوانين والتي لا تحكم نصوصها منازعات النقل البحري أو منازعات البحر بصورة عامة شاملة كالتأمين البحري والتصادم البحري والرهن البحري والإنقاذ البحري ... الخ فتصدى القضاء السوداني المستنير للفصل العادل في شأن ما عرض عليه من منازعات بحرية ولحسم المنازعات البحرية المختلفة ولم يكن أمامه من سبيل عند التطبيق سوى الاستنارة والإرشاد بالفقه البحري العام والاتفاقيات الدولية الصادرة في هذا المجال وذلك باعتبار وسند أن القوانين البحرية في كل العالم البحري ما هي إلا القواعد التي استقرت عرفاً ثم صارت مقننة في اتفاقيات ومعاهدات دولية وتطورات حسب تطور الأعراف البحرية وصارت قوانين محلية وإقليمية لكل الدول البحرية أو المستغلة أو المستغلة لتجارة البحر وذلك لعلة وحدة القواعد البحرية الدولية بحيث أصبح أنه لا مجال ولا فرضية للقول بتعدد القوانين البحرية انجليزي فرنسي أمريكي ... الخ فكلها تحمل ذات السمات وذات القواعد ولكنها قننت بتشريعات داخليه لكل دولة مع بعض المسائل الإجرائية المعنية بكل دولة ... فظهرت أحكام القضاء السوداني مقتبسة من تلك الأعراف البحرية العامة المتضمنة في تشريعات دول مجاورة أو أخرى أقدم في التقنين البحري وأيضاً بالرجوع إلى المبادئ البحرية العامة التي قننت في اتفاقيات دولية وإقليمية وبناءً عليها كانت ثمرة هذا الاجتهاد المعرفي الفقهي أن قيل أن (القضاء السوداني العادل المستنير هو الذي صنع ووضع لبنة القانون البحري السوداني) ومن أمثلة هذا الاجتهاد ومنه الكثير الذي لم ينشر ما قام بتجميعه وأعده القاضي المجتهد المحقق محمد علي خليفة قاضي المحكمة العليا في كتاب أهم القضايا البحرية الصادرة من المحاكم السودانية والذي أصبح من أهم المراجع في تطبيقات وأحكام القضاء السوداني في شأن فروع المنازعات البحرية حول الحجز البحري وبيع السفينة وعقد العمل البحري والتأمين البحري ومنازعات النقل البحري ومسؤولية الموانئ عند فقد البضائع ومنازعات مشارطة إيجار السفن ومنازعات التحكيم البحري وغيرها من المنازعات البحرية ... واستمر العطاء الفقهي للقضاء السوداني على هذا المنوال وأيضاً بالرجوع إلى المراجع الفقهية البحرية من شراح القانون البحري والقضاء البحري المصري إذ المعلوم أن السودان ومصر كانتا تحت التاج المصري والحكم الثنائي المصري البريطاني وكان الفقه التفسيري المصري والانجليزي بالتبعية هما أقرب المصادر في الاقتباس الفقهي من أحكام من أمثلة شراح القانون المصري المستشار الدكتور كمال حمدي والدكتور أحمد حسني والفقيه مختار السويفي وهاني دوويدار وغيرهم بلا إحصاء ومن شراح وفقهاء القانون الانجليزي الفقهية ( CARVER كارفر ) صاحب المرجع الفقهي الانجليزي في القانون البحري الانجليزي مثال المرجع مؤلف Maritime law وانظر أيضاً المؤلف الفقهي (ARNOULD Carrige by sra  ) صاحـب مؤلف  Marine INSurNCe  والمرجع القانوني  ChRiSTOPHEr Hill كتاب مطبعة اللويدز لندن  MaritIme Law والكثير من المراجع بلا إحصاء ثم استقرت رحلة القانون البحري السوداني في مرسى مشروع قانون النقل البحري الذي صدر أخيراً كآخر تشريع بحري سوداني قانون النقل البحري السوداني لسنة 2010م بعد عدة محاولات إجرائية تشريعية وإشكاليات عملية لإصداره مصحوباً بسلبيات تشريعية وسلبيات في الصياغة في إطار قواعد الصياغة القانونية وبعدم تغطيته كل جوانب المنازعات البحرية وبضرورة تشريعية كانت تستوجب بأن يبدأ إصدار التشريع البحري السوداني بما انتهى إليه التطور التشريعي الحديث في مجال القانون والفقه البحري العام والخاص إلا أنه وبلا شك ورغم كل ذلك كان من اللازم إصداره كأول لبنة حقيقية لقانون نقل بحري وقانون بحري سوداني يمكن تطويره وتعديله وإعادة صياغته وصياغة ما نقص في أحكامه ولقد أدرك المشرع البحري السوداني حقيقة ما شاب أحكام التشريع من نقص وقصور في أحكامه والتي صاحبت ظروف إصداره بأن أورد نصاً تشريعياً مكملاً في المادة (4) منه تحت عنوان:

الأحكام الواجبة التطبيق في غياب النص

فيما لم يرد بشأنه حكم في هذا القانون تطبق:

(أ ) الأحكام ذات الصلة في أي قانون آخر سارٍ.

(ب) أحكام الاتفاقيات الدولية والإقليمية التي تصادق عليها السودان.

(ج) ما استقرت عليه أحكام القضاء السوداني.

(د ) العرف البحري الساري.

وهنا نشير بالضرورة إلى أن عبارة الفقرة (أ) من المادة (4) : تطبق:

الأحكام ذات الصلة في أي قانون آخر سارٍ

قد أثارت إشكالية تفسيرية إلى وجهتي نظر تفسيرية وهي:

وجهة النظر التفسيرية الأولى ترى:

أن هذا البند قد ورد بصياغة عامة وبالتالي وبحسب عمومه لا يشترط خصوصية أن القانون ذا الصلة الجائز تطبيقه في حالة غياب النص أن يكون قانوناً مرتبطاً بقوانين البحار بل يشمل بهذه العمومية جواز تطبيق الأحكام العامة في القوانين التي تحكم المنازعات غير البحرية الشبيهة من حيث الموضوع والطبيعة والأثر والمعالجة كقانون العقود والضرر والتعويض في المعاملات المدنية بما يجوز في حال غياب النص الذي يحكم أي مسألة ذات صلة تطبيق أحكام قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م وهذا ما أخذت به محكمة الموضوع في إصدار حكمها الابتدائي الذي ألغته محكمة الاستئناف بحكمها محل الطعن الآن.

وجهة النظر التفسيرية الثانية:

تخالف وجهة النظر التفسيرية الأولى وترى أن تفسير مقصد المشرع وفق أحكام المادة (6) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م بأن المقصود من عبارة الأحكام ذات الصلة مقصود بها التقيد بالقواعد والأحكام الواردة في قواعد وقوانين المعاملات البحرية فقصد المشرع البحري يجب أن يفسر بمقصد تحقيق أحكام القانون البحري وقواعد وأحكام الأعراف البحرية في حسم المنازعات البحرية المرتبطة باختلاف طبيعة المنازعة البحرية عن المنازعات الأخرى بحسب البيئة التي تحدث فيها المنازعات البحرية والمرتبطة بالبحار والسفن البحرية السودانية والأجنبية على السواء والتي تشترك في ذات القواعد العرفية البحرية والمخاطر البحرية ومدى خطورتها ومدى ارتباطها بالتزامات دولية وإقليمية في الغالب المرتبطة بأطراف أجنبية في المعاملات الدولية تحكمها قواعد عرفية وعقدية ومعاهدات مشتركة لا علاقة لها بقواعد المعاملات غير البحرية .. فطبيعة العمل البحري وبيئته وأعرافه هي التي تحدد عبارة القوانين ذات الصلة السارية في الفقرة (أ) من المادة الرابعة من القانون في حالة غياب النص وبما يوجب فرضية أن تكون عبارة قوانين أو أحكام ذات صلة بالضرورة مرتبطة بالمعاملات البحرية مثل قوانين ولوائح الموانئ البحرية وقانون الجرف القاري السوداني وقانون حماية البيئة البحرية والقوانين الاستثمارية للبيئة البحرية واقتصاديات الاستغلال الأمثل والمشترك للبحار وقاع البحار والمحيطات والقوانين المنظمة للبيئة البحرية والحدودية والقوانين الجمركية المرتبطة بالتجارة البحرية الصادر والوارد وقوانين التجارة البحرية الساحلية.

  أما بالنسبة للحالة الثانية التي نصت عليها المادة (4) في شأن المرجعية القانونية في حالة غياب النص الذي يحكم أي مسألة لم ينص عليها القانون قانون النقل البحري لسنة 2010م وهي:

أحكام الاتفاقيات الدولية أو الإقليمية التي صادق عليها السودان

ومن المعلوم بالنسبة لهذه المرجعية أن السودان لم يوقع على معظم الاتفاقيات الدولية والإقليمية وعلى وجه الخصوص لم يوقع السودان على أي اتفاقيات دولية بحرية أو إقليمية مثال اتفاقيتي بروكسيل أو هامبورج ولم يصادق على اتفاقيات بحرية أو معاهدات بحرية بعينها وبالتالي فلا وجود لهذه المرجعية التي نصت عليها المادة (4) للتطبيق في حالة غياب النص.

أما بالنسبة للحالة الثالثة للمرجعية القانونية في حالة غياب النص في قانون النقل البحري لسنة 2010م والمتمثلة في الحالين:

(ج) ما استقرت عليه أحكام القضاء السوداني.

(د ) العرف البحري السوداني.

فقد وفق المشرع البحري السوداني في اختيار هذه المرجعيات للتطبيق في أي منازعة لم يرد بشأنها نص في القانون فكما أسلفنا فالقضاء السوداني بأحكامه العادلة المستنيرة قد رسخ مبادئ القانون البحري السوداني وفق السرد التاريخي السالف ذكره بما يجعل أهم مرجعية قانونية في حال غياب النص التشريعي للمبادئ القانونية التي أقرها واستقرت في أحكام القضاء السودانية في أي مسألة والعرف البحري الساري باعتباره أصل أحكام القانون البحري وهنا وقبل التفصيل في المناقشة يدور في الذهن التساؤل القانوني التالي:

(س)

هل جاءت بنصوص قانون النقل البحري السوداني لسنة 2010م أي نصوص تشريعية تحكم حالة وفاة البحار أثناء الخدمة في السفينة أو تعويض ورثته أو تحديد الأساس العقـدي والقانوني للتعويض في حالة الوفاة أثناء الخدمة ؟؟

والواضح أمامنا أن المحكمة قد رأت أن قانون النقل البحري السوداني لسنة 2010م قد جاءت نصوصه خالية من أي نص تشريعي يحكم كيفية تعويض وفاة العامل البحري أثناء سريان الخدمة وبسبب الخدمة ونخالف المحكمة العليا في هذه الجزئية والمتعلقة بالرأي التفسيري للنصوص ولما يلي من أسباب:

أولاً: نص المشرع السوداني في المادتين 64,65 من قانون النقل البحري لسنة 2010م صراحة على حالة التزامات مجهز السفينة أي مالكها أو مستأجر السفينة غير المجهز بوصفه مالكاً مؤقتاً يقوم بتعيين طاقم السفينة من البحارة والملاحين ويمارس على الباخرة السلطة الملاحية والتجارية تجاه البحار في حالة وفاته أثناء تأدية عمله في السفينة وقد جاءت النصوص الحاكمة لهذه الحالة على الوجه التالي تحت عنوان:

التزامات مجهز السفينة تجاه البحار المتوفي

(المادة 64)

1- يلتزم مجهز السفينة في حالة وفاة البحار أثناء تأدية عمله بدفع نفقات دفنه أو نفقات نقل الجثمان إلي موطنه بناءً على طلب ورثته.

2- إذا توفي البحار أثناء تأدية عمله على السفينة وتعذر الاتصال بورثته وجب على مجهز السفينة دفع نفقات دفنه في أول ميناء مقصود تصل إليه السفينة .

3- يودع مجهز السفينة لدى خزانة المحكمة في موطن البحار المتوفي الأجر النقدي وكافة المبالغ المستحقة للبحار.

ويلاحظ أن نص المادة (64) قد جاء بنص صياغة عامة يشمل وفاة العامل البحري أثناء الخدمة في السفينة وقد اقتصرت هذه المادة على إيداع الأجر النقدي وكافة المبالغ المستحقة للبحار المتوفي في خزينة المحكمة في موطنه خلال فترة شهرين من تاريخ الوفاة وبحسب سياق النص فإن عبارة يودع كافة المبالغ المستحقة للبحار المتوفي قد جاءت عامة دون تحديد لماهية هذه المبالغ المستحقة وبمفهوم ذلك العموم يمكن تفسير العبارة وفق القواعد العامة أن الذي يحدد كافة المبالغ المستحقة للبحار المتوفي هو الفقه من جهة وأحكام العرف البحري المستقر في مثل هذه الحالات:

وهل يستحق البحار وورثته التعويض عن الوفاة بسبب العمل أو أثناء العمل أسوة بحالة العامل في عقود العمل البري المحكومة بنص قانون تعويض إصابة العمل فإن كان مستحقاً فعلى أساس يحسب مقدار هذا التعويض ؟؟

والغريب والملاحظ في هذا النص التشريعي أنه يتحدث عن التعويض في المادة (65) لورثته فقط في حالات محددة وهي حالة وفاة العامل البحري وهو يدافع عن السفينة أو الشحنة أو المسافرين في السفينة ودون أي ذكر لحالة التعويض عن إصابة العمل التي تحدث أثناء العمل أو بسبب أدائه وبالتالي نتفق مع المحكمة في قرارها بأن حالة وفاة البحار بسبب العمل أو أثناء الخدمة واستحقاق ورثته للتعويض تستوجب الحكم بالدية في حال أن المسألة لا يحكمها أي نص تشريعي وبالتالي فقد لجأت المحكمة إلى الأحكام العامة في التعويض في المعاملات فحكمت بالدية الشرعية وبالتالي أصبحت الحالة المعروضة أمام المحكمة محكومة بما نصت عليه المادة (4) من القانون قانون النقل البحري في حالة غياب النص التشريعي.

وبالتالي فوفق المناقشة السالفة يتضح أن المرجعية التي يحتكم إليها في هذه الحالة حالتان:

(أ ) ما أقره القضاء السوداني في أحكامه وسوابقه.

(ب) وما تقرر في أي عرف بحري ساري.

وبالتالي فإن المحاكم عند التطبيق تلتزم بما قـرره الفقـه القضائي السوداني سابقاً ولاحقاً من مبادئ فقهية قانونية قبل صدوره وما سيقرره القضاء السوداني لاحقاً من مبادئ لمعالجة أي مسائل لم يضع لها قانون النقل البحري لسنة 2010م مستقبلاً في أحكامه أي حكم تشريعي يمكن تطبيقه.

 

وعلى ضوء ذلك نقرر الآتي:

أن المرجعية القانونية والفقهية عند الحكم في شــأن أي مسألة متعلقة بمنازعة بحرية لم يرد بشأنها نص خاص في قانون النقل البحري لسنة 2010م هي ما أقره القضاء السوداني التفسيري في سوابقه من أحكام ومبادئ فقهية وما أقره من أعراف بحرية سارية في فقه القانون البحري العام والخاص.

وبالتالي فهذه الإحالة التشريعية لأحكام القضاء السودانية بمثابة إدراك من المشرع البحري لمقولة أن القضاء السوداني هو الذي صنع ووضع مبادئ القانون البحري السوداني في مرحلة تاريخية عدلية غاب فيها أي تشريع سوداني خاص بالمنازعات البحرية رغم أنه من الدول البحرية الساحلية الممتدة في ساحل البحر الأحمر وعلى ضوء ذلك نعود إلى المناقشة على الوجه التالي:

أولاً: هنالك مسألة مهمة أثارها الطعن المقدم من الأستاذ/ هاشم كنه المحامي تتعلق باختصاص المحاكم السودانية بنظر النزاع المتعلق بالسفن الأجنبية القادمة إلى السودان في رحلة ملاحية أو تجارية أو التي تكون راسية داخل المياه الإقليمية السودانية أو مبحرة في هذه المياه الإقليمية ونرى أن الاختصاص المحلي والمكاني وحتى النوعي هي المسائل التي تحدد متى ينعقد للمحاكم السودانية الاختصاص لأنها مسألة من قواعد النظام العام الإجرائي التي تجوز إثارتها في أي مرحلة من مراحل التقاضي وبناءً عليه وللفصل في هذه المسألة نقرر التالي:

أولاً: استند الطعن في هذه الجزئية على النصوص الموضوعية العامة في المعاملات المدنية والمتعلقة بالقانون الموضوعي الواجب التطبيق على النزاع وقوع الحادث موضوع الدعوى خارج المياه الإقليمية السودانية وواضح أن الطاعن لم يتطرق إلى النصوص الإجرائية التي تنظم إجراءات التقاضي أمام القضاء السوداني في الفصل الثاني من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م في باب الاختصاص الدولي ونقصانها في الأتي:

المادة (8) الدعاوى التي ترفع على الأجنبي الذي له موطن أو محل إقامة في السودان.

تختص المحاكم السودانية بنظر الدعاوى التي ترفع على الأجنبي الذي له موطن في السودان أو محل إقامة في السودان فيما عدا الدعاوى المتعلقة بعقار خارج السودان.

المادة (9):

تختص المحاكم السودانية بنظر الدعاوى التي ترفع على الأجنبي الذي ليس له موطن في أو محل إقامة في السودان إذا كانت الدعوى متعلقة:

(أ ) بعقار أو منقول موجود في السودان وقد وردت الصيغة عقار أو منزل بخطأ في الترجمة في ترجمة قانون القضاء المدني لسنة 1929م عند تعريبه سنة 1974م ثم تكرر الخطأ عند إلغاء قانون 1974م وإصداره في تشريع سنة 1983م ومعلوم أن نصوص قانون 1983م هي ذات نصوص قانون الإجراءات لسنة 1974م مع تعديل طفيف في بعض الحالات القليلة وبالتالي فالعبارة الصحيحة عند قراءة الفقرة (أ) من المادة (9) إجراءات مدنية أن تقرأ:

تختص المحاكم السودانية بنظر الدعاوى التي ترفع على الأجنبي الذي ليس له موطن أو محل إقامة في السودان إذا كانت الدعوى متعلقة:

بعقار أو منقول وليس عقار أو منزل

وذلك لأن النص الأصلي الذي أخذ منه قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م هو نص المادة (9) فقرة (أ) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م والذي جاءت صياغته:

تختص المحاكم السودانية بنظر الدعاوى التي ترفع على الأجنبي الذي ليس له موطن أو محل إقامة في السودان.

1- إذا كان موضوع النزاع متعلقاً بعقار أو منقول موجود في السودان.

أما حالة الفقرة (ب) من المادة (9) إجراءات مدنية لسنة 1983م فتنص على:   

تختص المحاكم السودانية بنظر الدعاوى التي ترفع على الأجنبي الذي ليس له موطن أو محل إقامة في السودان إذا كانت الدعوى متعلقة بالتزام نشأ أو نفذ أو واجب التنفيذ في السودان.. الخ.

أما حالة المادة (11) إجراءات مدنية فتنص على اختصاص المحاكم السودانية بنظر الدعوى المقامة على عدد من الأجانب إذا كان لأي منهم موطن أو محل إقامة في السودان.

ويبدو أن المشرع السوداني في هذا النص قد قصد أن يفرق بين حالين:

1- حالة الدعوى المرفوعة على مدعى عليه أجنبي واحد.

2- حالة الدعوى المرفوعة على عدة مدعى عليهم أجانب.

3- في حالة تعدد المدعى عليهم الأجانب يكفي لانعقاد اختصاص المحكمة أن يكون لأحدهم موطن أو محل إقامة في السودان حتى لو لم يكن للآخرين موطن أو إقامة في السودان.

وقد أراد المشرع حسم الاختصاص في حالة التعدد للطرف المدعى عليه الأجنبي لمنع أي ادعاء بالنسبة للآخرين بأنه ليس لهم أي موطن أو محل إقامة وفق حالة المادة (9) فقرة (ب) وبما يفترض تفسيرياً أن نص المادة (11) هي حالة اختصاص استثنائي عن الحالة الواردة في المادة (9) (أ ).

وهنا نشير إلى أنه قد سبق أن نوقشت مسألة الاختصاص في حالة تعدد المدعى عليهم الأجانب في الدعوى باعتبار التعدد (عددي اثنين) فما فوق وقد أثيرت حول هذه المسألة وجهتي نظر تفسيرية نوردها للفائدة التفسيرية في هذه المناقشة التفصيلية على الوجه التالي:

وجهة النظر التفسيرية الأولى:

ترى أنه لا يكفي لانعقاد الاختصاص المبدئي للمحكمة السودانية على مجرد واقعة (العدد) من الأطراف الأجنبية المرفوعة عليهم الدعوى ولا بد لنشوء قاعدة اختصاص المحكمة السودانية ارتباط الدعوى ابتداء في مواجهة هذا العدد المذكور بسبب تقاضٍ واحد ولا ينشأ الاختصاص متى كان سبب التقاضي لكل طرف أجنبي بسبب مختلف مثال إخلال طرف بالعقد والأخر المسؤولية التقصيرية.

وجهة النظر الثانية:

تخالف وجهة النظر الأولى التفسيرية وترى أن النص قد جاء عاماً بحالة تعدد المدعى عليهم الأجانب وبغض النظر عن تعدد سبب تقاضٍ لكل طرف أو اتحاد أو اشتراك في سبب تقاضٍ واحد فقصد المشرع هو سيادة اختصاص المحكمة السودانية نظر النزاع ويكفي نظر المحكمة السودانية وجود عدد من المدعى عليهم الأجانب ويكفي أن يكون لأحدهم محل إقامة أو موطن في السودان.

ونرى تفسيرياً اتفاقنا مع وجهة النظر الثانية لأنها تفسر النص بما يحقق المقصد الإجرائي التشريعي من النص وهو تحقيق سيادة واختصاص القضاء السوداني والمحاكم السودانية في الحالة المعروضة.

والسؤال التبعي لذلك هو:

هل أصابت المحكمة الابتدائية صحيح القانون بتقريرها شطب الدعوى في مواجهة المدعى عليها الأولى الباخرة البركة (36)؟؟

وعلة هذا التساؤل أن محكمة الاستئناف لم تتطرق إلى هذه الجزئية الإجرائية في حكم المحكمة وألغت الحكم جملة بالتركيز على مسألة موضوع التعويض وما كان جائزاً لمحكمة الاستئناف أن تتجاوز هذه الجزئية وخاصة أنها تتعلق بانعدام أي سبب للتقاضي في مواجهة الباخرة الذي استندت فيه المحكمة على أسباب محددة تتمثل في:

1- أنه لا علاقة لملاك الباخرة بعقد العمل البحري المبرم مع البحار المتوفي.

2- أن المدعى عليها الثانية هي مستأجرة السفينة وهي المتعاقدة مع المدعي المرحوم بعقد العمل البحري لأنها المستأجرة المجهزة للباخرة بمعيناتها وطاقمها البحري وما ذهبت إليه المحكمة الاستئنافية غير موافق للقانون والأحكام العامة للقانون البحري وقانون عقد النقل البحري ولما يلي:

1- المتفق عليه والمعلوم قانوناً أنه في حالة استئجار السفينة غير مجهزة قيام المستأجر بإدارة السفينة إدارة ملاحية وتجارية بتجهيز السفينة بمستلزمات قيامها بالرحلة البحرية وبتعيين الطاقم البحري الملاحي للسفينة فيعتبر المستأجر المجهز في هذه الحالة بمثابة (مالك مؤقت) لفترة السفينة وبالتبعية لا مسؤولية ملاحية أو تجارية للمؤجر مالك السفينة.

2- وهذا ما نصت عليه المادة 77 فقرة (1) و(2) من قانون النقل البحري لسنة 2010م والتي تقرر في الفقرات التالية الآتي:

3- يكون تأجير السفينة غير المجهزة بموجب عقد يلزم بمقتضاه المالك بتمكين المستأجر من الانتفاع بسفينة معينة.

4- يلزم مستأجر السفينة غير المجهزة بإدارتها فنياً وتجارياً.

 

ومعلوم قانوناً أن عقد العمل البحري هو عقد يلزم بمقتضاه شخص بالعمل على ظهر السفينة مقابل أجر يقوم بدفعه مجهز السفينة (المالك) أو(مستأجر السفينة غير المجهزة) بحسب الحال والطرف الذي أبرم معه العقد للعمل في السفينة.

وفي هذه القضية واضح أن عقد عمل المرحوم كان عقد عمل بحري في السفينة المستأجرة من المدعى عليهم الثواني مؤسسة سليمان سعيد الجابري ووقع عقد العمل بمدينة وميناء بورتسودان حيث تعمل السفينة المستأجرة في نقل المواشي من ميناء سواكن إلى السعودية ... وبالتالي فوفق المادة (9) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م ينعقد الاختصاص ابتداءً للمحكمة السودانية وفق القواعد الإجرائية:

(أ ) أن الدعوى متعلقة بالتزام نشأ في السودان وأيضاً واجب التنفيذ في السودان وفق المادتين 64 , 65 من قانون النقل البحري وبالتالي فإن حالة وفاة العامل البحري أو إصابته أثناء عمل وإعادته إلى موطنه وهي مسائل عقدية كفلها القانون.

3- وبناء عليه نقرر أن المحكمة السودانية مختصة حتى ولو لم يكن للطرف المرفوعة عليه الدعوى موطن أو محل إقامة في السودان كالحالة المعروضة.

وفي ذات السياق يكون التزام المستأجر المتعاقد وهو الطرف في عقد العمل ويقع عليه كرب عمل تبعة أي إخلال بالعقد من جانبه بالإضافة إلى المسؤولية وفق قواعد المسؤولية التقصيرية متى ترتب على إصابة العامل أو وفاته أحكام هذه المسؤولية وفي القضية المعروضة الآن فواضح أن المرحوم قد توفي بصعقة كهربائية أثناء خدمته في الباخرة وبحسب سياق وصياغة عناصر الدعوى فهي قائمة على قاعدة المسؤولية التقصيرية متى توافر في الحادث الذي أدى إلى الوفاة عناصر الخطأ والضرر ورابطة السببية وبالتالي تندرج حالة الوفاة هنا تحت أحكام وقواعد المسؤولية التقصيرية .. ولقد توقفنا في إجراءات هذا المحضر كثيراً ولما يلي من أسباب:

1- رفعت الدعوى ابتداءً في مواجهة أصحاب الباخرة واستمر الجدل القانوني بين طرفي الدعوى حول مسؤولية أصحاب الباخرة رغم أن واقع المحضر فيه إشارة إلى أن هنالك طرفاً ثانياً وهو مؤسسة سعيد الجابري المستأجر للسفينة وهو المتعاقد مع المرحوم بعقد عمل في السفينة المستأجرة وظل أصحاب السفينة ومحاميهم يكررون دفاع عدم مسؤوليتهم التقصيرية لأن الباخرة أجرت غير مجهزة وأن المستأجر هو الذي قام بتجهيزها وتعيين طاقمها بمن فيهم المرحوم وأن المستأجر هو الطرف المباشر.

2- استمر محضر الدعوى في هذه المجادلة القانونية حول اختصاص المحكمة وحول علاقة أصحاب الباخرة بالحادث وتحديد القانون والمرجعية القانونية الواجبة التطبيق على النزاع بدفوع مبدئية رفضتها المحكمة وبعد سماع الطرفين تبين للمحكمة أن مؤسسة سعيد لم تضم للدعوى أو تقدم دفاعها (ص 160-163) حيث الدعوى كانت قائمة ولم ترفع ابتداءً سوى في مواجهة ملاك الباخرة ورغم أن مؤسسة سعيد هي الطرف المستأجر للباخرة.

3- بناءً على ذلك تقدم المدعون ص 170 في جلسة 6/اكتوبر/2015م بعريضة دعوى معدلة وفق قرار المحكمة وأضيفت المدعى عليها الثانية مؤسسة سعيد في الفقرات 2, 3, 4 بأن المذكورة هي مستأجرة الباخرة غير المجهزة وهي التي تعاقدت مع المرحوم بعقد العمل البحري.

4- في 12/اكتوبر/2015م ظهر الأستاذ/ هاشم كنة إنابة عن المدعى عليهم ملاك الباخرة ومؤسسة سعيد وكرر ذات سببه السابق بأنه لا علاقة بين أصحاب الباخرة والمرحوم وكرر أيضاً ذات دفوعه السابقة التي رفضتها المحكمة بأن عريضة الدعوى تنفي أي مسؤولية عقدية أو تقصيرية عن أصحاب الباخرة وأن المسؤولية العقدية هي بين المرحوم والمدعى عليها الثانية وطالب بالتبعية بشطب الدعوى في مواجهة أصحاب (ص 183 إلى 184) وفي ذات الوقت جاء دفاعه عن المدعى عليها الثانية على الوجه التالي:

1- إقرار بكل فقرات الدعوى المتعلقة بالعلاقة العقدية بين المرحوم والمدعى عليها الثانية وبالحادث الذي أدى إلى وفاة المرحوم بصعقة كهربائية أثناء أداء عمله في الباخرة.

2- نازعت المدعى عليها الثانية في تحديد المرجعية القانونية التي تستحق بها الورثة التعويض وأن القانون البحري قانون النقل البحري السوداني لسنة 2010م غاب عنه النص على حالة تعويض البحار العامل في السفينة في حالة الوفاة أثناء الخدمة أو بسببها واقتصر النص على تعويض ورثة الراكب أو المسافر في حالة وفاته ونص على حالة البحار الذي يتوفى أثناء دفاعه عن السفينة أو المسافرين أو البضاعة خلال الرحلة البحرية.

3- ويرى الدفاع ولانعدام السند القانوني للمقاضاة لعدم وجود نص تشريعي ينص على تعويض العامل أثناء الخدمة وبما يستوجب انعدام سبب التقاضي وبالتالي يلتمس شطب الدعوى في مواجهة المدعى عليها الثانية.

وبالرجوع إلى قضاء المحكمة فقد استندت في حكمها على:

1- لا مسؤولية عقدية على أصحاب الباخرة أو أي مسؤولية تقتصيرية عن الحادث وقررت شطب الدعوى في مواجهته.

2- أن المدعى عليها الثانية هي المسؤولة عقدياً أو تقصيرياً لأنها استأجرت الباخرة غير مجهزة وفق أحكام قانون النقل البحري لسنة 2010م واستأجرت جسم السفينة وقامت بإعدادها وتعيين كل طاقمها بمن فيهم المرحوم بعقد العمل وأصبحت صاحبة المسؤولية كاملة على الباخرة (المسؤولية الملاحية والتجارية).

3- بما أن المدعى عليها الثانية أقرت بكل فقرات الدعوى العقدية والحادث الذي أدى إلى وفاة المرحوم أثناء خدمته بصعقة كهربائية وقد افترضت المحكمة من هذا الإقرار الكامل أنه إقرار من المدعى عليها الثانية بالمسؤولية التقصيرية عن وفاة المرحوم وفق قواعد المسؤولية التقصيرية (وقوع الخطأ من جانب المستأجرة والتي لم تدفع بمسؤولية المرحوم عن الخطأ) وبالتالي نتجت من هذا الإقرار علاقة السببية بين الخطأ المفترض والضرر (وفاة المرحوم).

4- وأن المحكمة تبعاً لفرضية المسؤولية التقصيرية في وقوع الحادث في مواجهة مؤسسة سعيد وضرورة ولزوم الحكم عليها بالتعويض إلا أنها رأت أن القانون قانون النقل البحري لم يورد نصاً يحكم حالة التعويض عن المسؤولية التقصيرية في حالة وفاة البحار كما أن قواعد التعويض الواردة في قانون تعويض العمال البري لسنة 1981م لا تسري أحكامه على القضاء بالتعويض البحري ولا يسري أيضاً قانون العمل البري لسنة 1997م على النزاع وأن أقرب قانون يعتمد عليه في غياب أي نصوص أخرى أن تلجأ إلى التعويض وفق أحكام القواعد القانونية العامة للمعاملات المدنية لسنة 1984م وفق أحكام المادة (156) فقرة (من قانون المعاملات لسنة 1984م) والذي ينص على:

الحكم بالدية الشرعية وفق وجوبية الدية في حالة الوفاة ومسؤولية المدعى عليها الثانية في تسببه وأن تحديد مقدار الدية يجب وفق أحكام الجداول الواردة بالقانون الجنائي لسنة 1991م وفق أحكام قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1984م .

وبالتالي جاء الحكم على الوجه التالي:

1- الدية ثلاثون ألف جنيه تعويضاً عن وفاة المرحوم.

2- زائداً رسوم الدعوى في حدود المبلغ المحكوم به , 5 آلاف جنيه أتعاب محاماة.

وكما أسلفنا فواضح من حكم الاستئناف المطعون فيه أنه قد ألغى الحكم الابتدائي السالف ذكره على السند الأتي:

1- لا تكفي الدية وحدها كتعويض ولا بد من التعويض وفق أحكام العرف البحري والاتفاقيات المنظمة لحساب التعويض.

2- إلغاء الحكم وإعادة الإجراء لمزيد من السماع حول مقدار التعويض في حالة وفاة العامل البحري وفق أحكام الأعراف البحرية والاتفاقيات الدولية.

3- ولم تناقش محكمة الاستئناف في حكمها الجزئية الواردة في حكم المحكمة الابتدائية المتعلقة بشطب الدعوى في مواجهة المدعى عليهم الأوائل (أصحاب الباخرة) رغم أن واقع المحضر ينفي أي مسؤولية عنهم عقدية أم تقصيرية ولم تسبب حكمها في هذه الجزئية وألغت الحكم كله بما فيه حكم شطب الدعوى في مواجهة أصحاب الباخرة البركة (3) المدعى عليهم الأوائل.

ومن ثم نرى في البدء تقرير عدم صحة حكم محكمة الاستئناف في جزئية إلغائها الحكم الابتدائي والقاضي بشطب الدعوى في مواجهة المدعى عليم الأوائل ودون تسبيب لهذا الإلغاء وتجاوز مسألة شطب الدعوى في مواجهة أصحاب الباخرة بما يجعل الحكم معيباً وغير مسبب في سندها في هذه الجزئية ويبدو أنه قد سها عليها الأمر إذ الثابت من كل واقع المحضر أنه لا سند لتقرير مسؤولية أصحاب الباخرة عن الحادث الذي أدى إلى وفاة المرحوم سواءً إن أكانت مسؤولية عقدية أم تقصيرية و بناءً عليه نقرر ابتداءً:

1- عدم صحة قضاء محكمة الاستئناف في هذه الجزئية ونقرر بالتبعية صحة قضاء المحكمة الابتدائية في هذه الجزئية وبالتبعية تأييد قضاء المحكمة الابتدائية القاضي بشطب الدعوى في مواجهة أصحاب الباخرة المدعى عليهم الأوائل.

2- إلغاء حكم الاستئناف في جزئية إعادة الدعوى في مواجهة المدعى عليهم الأوائل.

وعلى ضوء ما تقدم فالسؤال الذي يطرح نفسه هو هل:

(س 1)

غاب النص التشريعي في قانون النقل البحري لسنة 2010م والذي يحكم مسألة تقدير التعويض في حالة وفاة العامل البحري أثناء الخدمة أو بسببها وفق أحكام المسؤولية التقصيرية وهل أصابت المحكمة الابتدائية في تطبيق أحكام الدية كتعويض في الحالة المعروضة ووفق قواعد وأحكام تقدير الدية وفق الجداول الملحقة بتقدير الدية في القانون الجنائي لسنة 1991م؟؟

 

 

(س 2)

وبالتبعية فهل كان لحكم محكمة الاستئناف في تقريرها بضرورة عدم اقتصار الحكم على الدية مقدار التعويض وبأنه يجب أن يحسب مقدار التعويض في هذه الحالة وفق أحكام العرف البحري والاتفاقيات الدولية له سنده أو ما يبرره قانوناً؟؟

ونرى الآتي:

أولاً: لا خلاف حول وجود جدلية فقهية وتفسيرية في المحاكم حول واقعة ومسألة غياب نص خاص في قانون النقل البحري لسنة 2010م يحكم مسألة التعويض عند وفاة البحار أثناء الخدمة أو بسببها وفق قواعد المسؤولية التقصيرية أو وجود نص يحكم مسألة وفاة العامل البحري أثناء العمل أو بسببه أسوة بقانون إصابات العمل البري لسنة 1981م.

ثانياً: وتبعاً لذلك الجدل التفسيري حول فرضية غياب نص تشريعي يحكم الحالة المعروضة فقد أصبحت المرجعية القانونية بالنسبة لتطبيقات المحاكم هي مرجعية ما قررته المادة (4) من قانون النقل البحري لسنة 2010م والسالف مناقشتها في هذه المذكرة على وجه مفصل.

وفي تقديرنا أن الإجابة على هذه التساؤلات السالف ذكرها حول مسألة غياب النص التشريعي الذي يحكم مسألة وفاة العامل البحري أثناء الخدمة بسببها  فإنها تكون على الوجه التفصيلي التالي:

1- في البدء نشير إلى أن نصوص قانون النقل البحري لسنة 2010م قد نصت صراحة على حقوق العامل البحري (العقدية) أي الحقوق التي منشؤها عقد العمل البحري والتي تتمثل في:

(أ ) من استقراء النصوص الواردة في قانون النقل البحري لسنة 2010م م 60-61-62-63-64-65 نجد أنها تتعلق بحقوق البحار البحري العقدية وهي على وجه الحصر بأن يلتزم المجهز (مالك) السفينة أو مستأجرها غير مجهزة بتعيين طاقمها باعتباره المسؤول الملاحي والتجاري أثناء فترة إبحار السفينة.

1- توفير الإقامة والإعاشة والعلاج والترحيل مجاناً بأن يتخذ التدابير اللازمة لعلاجه دون مقابل إذا أصيب بجروح أو مرض أثناء تأدية واجبه ولا يشمل العلاج حالات الإصابة أو المرض الناشئين من حالة العصيان أو السكر أو تعاطي المخدرات أو غير ذلك من حالات سوء السلوك وأن يكون العلاج في حدود ما يستحق من أجر.

2- يستحق البحار أجره كاملاً أثناء الرحلة البحرية في حال الإصابة أو المرض وأثناء تأدية الوظيفة أو بسببها.

3- إعادة البحار إلى وطنه وتشمل هذه الإعادة نفقات العودة والإقامة خصماً على استحقاقه الواردة في (حالة م (63).

4- يستحق البحار تعويضاً مقداره مرتب شهرين في حالة تخلي مجهز السفينة عن السفينة وتركها أو نقل ملكيتها لآخرين.

5- إذا حالت قوة قاهرة دون بدء سفر السفينة بعد إبرام عقد العمل أو قوة قاهرة حالت دون مواصلة السفينة للرحلة البحرية يستحق العامل المعين بالرحلة أجرة عن الفترة التي قضاها فعلاً في خدمة السفينة ولا يحق له في حالة القوة القاهرة طلب أي مكافأة أو تعويض آخر بخلاف هذا الأجر.

6- يحق للبحار طلب تعويض يعادل أجر شهرين إذا فقد البحار أمتعته الشخصية بسبب هلاك الباخرة.

7- في حالة وفاة البحار أثناء تأدية عمله يلزم المجهز مالك السفينة أو المجهز المستأجر نفقات نقل الجثمان إلى موطنه بناءً على طلب ورثته ويدفع نفقات دفنه وإذا تعذر الاتصال بورثته وجب على المجهز دفع نفقات نزوله في أول ميناء مقصود تصل إليه السفينة ويلزم المجهز بأن يودع لدى خزينة المحكمة في موطن البحار المتوفي الأجراء النقدي وكافة النفقات العقدية المستحقة للبحار المتوفي خلال فترة أقصاها شهران من تاريخ وفاته.

8- في حالة كان سبب وفاة البحار في السفينة بسبب دفاعه عن السفينة أو دفاعه عن الشحنة أو المسافرين في السفينة يستحق ورثته تعويضاً يعادل أجر ثلاثة أشهر أو مبلغاً يعادل أجرته خلال مدة الرحلة إذا كان معيناً بالرحلة ويضاف إلى كليهما التعويضات التي يقررها هذا القانون والقوانين الأخرى.

 

فهذه الحقوق تتعلق بحقوق العامل البحري الناشئة عن:

(عقد العمل البحري في السفينة).

ولم يتطرق قانون النقل البحري 2010م إلى حالة النزاع الحالي حالة:

(التعويض عن المسؤولية التقصيرية في حالة إصابة ووفاة العامل البحري).

أثناء الخدمة أو بسببها)

1- إلا أنه قد نص فقط على حالة المسؤولية التقصيرية بالنسبة لتعويض المسافر على السفينة في حال خطأ أو إهمال الناقل أو أحد تابعيه ويشمل فترة تعويض المسافر العشرة من أثناء صعوده إلى السفينة أو نزوله منها أو أثناء السفر أو نزوله منها أو في ميناء الوصول أو في أي ميناء آخر ترسو فيه السفينة لحين مواصلة السفر.

2- تحدد مسؤولية الناقل عن وفاة المسافر أو إصابته بمقدار الدية وفق القانون الجنائي الساري والمنشورات المنظمة للدية ويجوز للأطراف الاتفاق على تحديد المسؤولية إذا كان التحديد يزيد على مقدار الدية.

 

وهنا نلاحظ أن المحكمة الابتدائية قد لجأت إلى تحكيم التعويض بالدية في حالة الإصابة والوفاة نتيجة المسؤولية التقصيرية في قانون المعاملات المدنية 1984م ويبدو لنا أن المحكمة عند اطلاعها على نصوص قانون النقل البحري لسنة 2010م واستناداً على ما توصلت إليه بعدم وجود نص تشريعي يحكم مسألة تعويض العامل البحري عند الوفاة أثناء الخدمة وبسببها لم تلاحظ وجود نص المادة 168 فقرة (1) ، (2) من قانون النقل البحري لسنة 2010م التي تتحدث عن حالة التعويض بسبب المسؤولية التقصيرية فالنص يقرر:

68 فقرة (1):

يكون مجهز السفينة مسؤولاً عن أخطاء الطاقم البحري أو أي شخص آخر في خدمة السفينة إذا وقعت الأخطاء أثناء تأدية عملهم أو بسببها.

وتفسيرياً فهذه الفقرة تتحدث عن المسؤولية التقصيرية الواقعة من طاقم الباخرة أو المرشد أو أي شخص آخر في خدمة السفينة ترتب عليها ضرر على أي شخص بخلاف المذكورين أي مسؤولية أعمال الطاقم والعاملين بالسفينة عن الأخطاء المرتكبة أثناء عملهم أو بسببه وترتب بها ضرر للغير.

المادة 68(2):

في حالة حدوث وفاة أي شخص أو إصابته نتيجة خطأ في الملاحة يكون مجهز السفينة ملزماً بأحكام الديات في الوفاة والإصابة وفقاً لأحكام القانون الجنائي 1991م مع احتفاظ هذا الشخص بحقه في المطالبة بالتعويض وفقاً لأي قانون آخر.

وتفسيرياً في هذا النص فقد وردت عبارة (شخص) عامة دون تحديد إن كان هذا (الشخص المعني راكباً أم مسافراً أم بحاراً أو عاملاً بحرياً في السفينة)  ووفق قواعد التفسير العامة للنصوص تظل عبارة (شخص) سارية على عمومها ما لم تخصص وبالتالي تشمل عبارة (شخص) الوارد في الفقرة (2) من المادة (68) من قانون النقل البحري لسنة 2010م أي شخص حدثت وفاته أو إصابته نتيجة لخطأ ملاحي مرتبط بالعملية الفنية الملاحية خلال رحلة الباخرة ويشمل بالتبعية أياً من طاقم الباخرة نفسه أو ملاحيه في حالة وفاته نتيجة لخطأ في الملاحة وفق قواعد المسؤولية التقصيرية المعلومة أثناء خدمته أو بسببها وفق قاعدة  كل فعل ضار يستوجب التعويض.

وقد ثار خلاف وجدل فقهي في بعض القضايا حول تفسير عبارة:

(خطأ ملاحي الموجبة للتعويض باعتباره قاعدة المسؤولية التقصيرية)

وترتب على الخلاف التفسيري وجهتا نظر نوردهما للفائدة التفسيرية في المناقشة على الوجه التالي:

وجهة النظر التفسيرية الأولى:

ترى التفسير الآتي:

لم يعرف قانون النقل البحري 2010 عبارة (خطأ ملاحي) وجاءت عبارة الخطأ الملاحي عامة والمعلوم من استقراء القانون جملة أن عبارة خطأ ملاحي مرتبطة ارتباطاً جازماً (بالإدارة الملاحية للسفينة) وهو ما يعرف (بالإدارة الفنية) وقد وردت هذه العبارة كمثال في المادة 77(2) يلتزم مستأجر السفينة غير المجهزة بإداراتها فنياً والمادة (83) فقرة (ب) يكون مالك السفينة المجهزة مسؤولاً عن الإدارة الفنية ووفق الأصل يلتزم مالك السفينة ومجهزها كل مستلزمات لإدارة أعماله التجارية الخاصة بالنقل البحري وبداهة وبالتبعية يكون المجهز مسؤولاً عن الإدارة (الفنية) المتعلقة بتشغيل الباخرة وسلامتها . وبالتالي تذهب وجهة النظر الأولى أن عبارة (الأخطاء الملاحية الواردة في المادة 68 فقرة (1) ، (2) أي خطأ (فني) يتعلق بسلامة السفينة كمخدم بحري وصلاحية كل الأجهزة والمعدات والمرافق والمعدات المتعلقة بتشغيل السفينة وسلامة أجهزتها الداخلية وصلاحياتها بما يمنع أي أضرار تقع على أي شخص راكب أو بحار وتشمل الأخطاء الفنية في مباشرة أي من الطاقم البحري أو أي شخص آخر في خدمة السفينة بأي واجب وظيفي يرتب ضرر أو وفاة أي شخص بهذا الخطأ الوظيفي وترى وجهة النظر الأولى أن ذلك يشمل الخطأ الملاحي الفني في صيانة وسلامة معدات الرحلة قبل الرحلة وأثناءها بما فيها المعدات الكهربائية والمعدات الميكانيكية وبما يجعل وفاة أي شخص بسبب أي خلل في هذه المعدات وهذه الأخطاء الفنية هو خطأ (ملاحي) في مقاصد المادة 68 (1 – 2) من القانون وبالتبعية يسأل مجهز السفينة ومالكها أو المستأجر لسفينة غير مجهزة عن أي أخطاء فنية في معدات السفينة تؤدي إلى وفاة أي

شخص راكب أو بحار على السواء.

وجهة النظر التفسيرية الثانية:

إن كانت متفقة مع وجهة النظر الأولى في تفسير عبارة خطأ ملاحي الواردة في المادة 68 فقرة (1)و(2) من قانون النقل البحري 2010م إلا أنها تضيف بضرورة التفرقة بين أخطاء الطاقم البحري التي تسبب في الضرر أو الوفاة أثناء تأدية عملهم أو بسببه في إطار الأداء الفني للوظيفة وبين عدم صلاحية المعدات الملاحية الفنية للسفينة والتي يمارس طاقم السفينة أعمالهم الملاحية والفنية في أداء واجباتهم من خلالها فهنا الخطأ الفني من جانب المجهز نفسه وليس الطاقم البحري نتيجة لعدم صلاحية المعدات الملاحية للسفينة وتجهيزاتها للعمل أو السلامة وهنا يكون خطأ الملاحة الفني هو(خطأ المجهز) نفسه وتشمل عبارة (شخص) في النص وفاة البحار أو أيٍ من الطاقم بسبب عدم سلامة المعدات أو سلامتها الملاحية الفنية وبما يستوجب تعويض البحار في هذه الحالة وفق الفقرة (2) من المادة (68) من قانون النقل البحري لسنة 2010م.

وقد أضاف رأي عرضي آخر إضافة تفسيرية تفيد تفسيرياً بأن مفهوم عبارة السلامة الفنية الملاحية أنها وردت كنص تشريعي عام يشمل معنى ومقصداً تشريعياً بأن تكون السفينة مجهزة بالأدوات والأجهزة والوسائل اللازمة لحفظ وسلامة (السفينة كمنقول عائم) وأيضاً أن تكون مجهزة بالأدوات والمعدات التي تحفظ البضاعة المحمولة عليها والمحافظة على سلامتها من أي تلف أو ضرر وأيضاً أن تكون مجهزة بأدوات ومعدات السلامة وبأجهزة صالحة وبكافة الوسائل التي تمكن من المحافظة على سلامة الركاب والعاملين على ظهر السفينة على (سواء) قبل الرحلة البحرية وأثناء هذه الرحلة البحرية.

ونتفق مع وجهات النظر التفسيرية السالفة جميعاً في أن قانون النقل البحري قد نص في المادة (68) فقرة 1 ، 2 على حالة تعويض العامل البحري في حالة الإصابة أو الوفاة وفق أحكام المسؤولية التقصيرية وهو ما يسري على أحكام هذه الدعوى الحالية فالمجهز المستأجر (مؤسسة سليمان سعيد) قد أقرت بالمسؤولية التقصيرية عن وفاة المرحوم بسبب عمله في الباخرة نتيجة صعقة كهربائية ولم تدفع بخطأ المرحوم أو مشاركته في هذا الخطأ الذي أدى إلى وفاته أثناء قيامه بعمله وبما يضع قرينة وقائعية بأن سبب وفاة المرحوم كان بسبب وعلة خلل فني كهربائي وبسبب أخطاء فنية تتعلق بسلامة السفينة ومعداتها والتي أدت إلى هذه الوفاة والتي تندرج تحت بند الأخطاء الفنية الملاحية في نهاية المطاف.

وهنا وفي إطار المناقشة القانونية التفسيرية لنص المادة 68 (1 و 2) من قانون النقل البحري 2010م فقد ورد في عجز الفقرة (2) العبارة التالية:

(مع الاحتفاظ بحقه في المطالبة بالتعويض وفقاً لأي قانون آخر)

وقد أثارت هذه الفقرة في المناقشة التفسيرية جدلاً حول عبارة:        

(وفقاً لأي قانون آخر)

وانقسمت إلى وجهتي نظر تفسيرية:

وجهة النظر التفسيرية الأولى:

ترى أن فقرة وعبارة الاحتفاظ بالإضافة إلى الدية حق المصاب أو الورثة عن المتوفى في أي تعويض آخر أو المطالبة بأي تعويض آخر خلاف الدية عن الوفاة أو الجرح وفقاً لأي قانون آخر ينص على تعويض آخر فلفظ وعبارة النص أنها عبارة تشريعية عامة تشمل أي قانون آخر بحري أو حتى قانون آخر يرى ويقرر حق تعويض آخر وهذه الإحالة إلى قانون آخر تعني قانونية الأخذ بأي قانون آخر يعطي تعويضاً بخلاف الدية وبالتالي يجوز الرجوع إلى أي قانون آخر سواء كان قانوناً بحرياً أو برياً سارياً يحكم الحالة المعروضة مثل قانون المعاملات 84 و قانون العمل 97 ، وقانون تعويض العمال 1981م وترى وجهة النظر الأولى مخالفة ما قررته بعض السوابق السابقة وترى أنه لا سند لما قررته السوابق القضائية السابقة الصادرة قبل إصدار تشريع قانون النقل البحري لسنة 2010م والتي قررت مبدأ عدم انطباق القوانين البرية إذ لم يكن في ذلك الوقت قانون بحري ينص على الحكم بالتعويض عن أي أضرار أخرى مثال ما نص عليه القانون الحالي إذ كان الحكم في السوابق السابقة مبنياً على الاجتهاد الفقهي البحت لعدم وجود نص تشريعي:

مثــال:

السابقة:

مؤسسة فائز للتجارة والملاحة

//ضد//

خليل محمــد علــي

م أ/أ س م/5/1406هـ

مؤلف محمد علي خليفة: قاضي المحكمة العليا ص 102 أهم القضايا البحرية الصادرة من المحاكم السودانية.

والفرق التفسيري الآن وبين ما قررته السابقة السالفة اجتهاداً فقهياً أن الوضع التفسيري حالياً قائم على قاعدة أن هنالك قانوناً للنقل البحري ينص صراحة على حالة التعويض عن حالة المسؤولية التفسيرية في المادة 68(1) و (2) وقد أجاز المشرع صراحة الإحالة للنظر في أي مطالبة أخرى بالتعويض إلى أي قانون آخر بنص عام وبما يخالف المذهب الفقهي الاجتهادي في السابقة السالفة وبما يجيز متى كان هنالك إمكانية في المطالبة بتعويض آخر وتم إثبات الحق في أي تعويض آخر غير الدية فإنه يجوز الرجوع والنظر في التعويض الآخر في ظل تلك القوانين واقتبس هذا الرأي من خلال وجهة نظر المستشار الدكتور كمال حمدي من مؤلفه القانون البحري 207 ص 317 والذي يرى:

مطالبة البحار بحقوقه الناشئة عن عقد العمل البحري أو تلك التي يقررها له القانون سواء أكانت المسؤولية في الأحوال العقدية أو التقصيرية فإن الدعوى التي ترفع بصددها هي دعاوى مدنية تطبق بشأن الاختصاص القضائي بنظرها أحكام قانون المرافعات المدنية والتجارية إذ يعتبر شأن العامل البحري في ذلك الوضع القانوني شأنه شأن باقي فئة العمال بحساب أن المشرع المصري لم يضع تنظيماً إجرائياً خاصاً لمنازعة عمال البحر (البحارة) منفصلة عن أي عمالة أخرى.

وجهة النظر التفسيرية الثانية:

تخالف وجهة النظر التفسيرية الثانية وجهة النظر التفسيرية الأولى وترى أن تفسير عبارة الاحتفاظ بالحق في المطالبة بالتعويض وفقاً لأي قانون آخر       لا تفسر بما يخالف ما ذهبت إليه السابقة المذكورة فالفقرة (4) من (قانون النقل البحري 2010م وضعت قاعدة تجعل أنه في حالة غياب النص يكون الرجوع في التطبيق إلى مرجعية المستقر من أحكام القضاء السوداني وليس مخالفة ما قرره القضاء السوداني فعبارة الفقرة (أ) من المادة (4) التي تقرر: تطبق الأحكام ذات الصلة في أي قانون آخر ، وعبارة وفقاً لأي قانون آخر الواردة في المادة 68(2) من قانون النقل البحري لا تعني الرجوع إلى القوانين البرية بل تعني أي قوانين أخرى بحرية تحكم الحالة المعروضة.

وواضح أن لكل وجهة نظر تفسيرية وجاهتها التعليلية التفسيرية فالملاحظ هنا أيضاً أن قانون المعاملات المدنية 1984م الذي أخذت به المحكمة فإنه ينص في المادة (165) منه على ذات القاعدة التي نصت عليها المادة 68 فقرة (2) على وجه التفصيلي التالي:

 

المادة 156 معاملات 1984م:

1- الدية حق مالي يثبت بإحداث الموت أو الجرح.

2- وتسري على المسائل التفصيلية المتعلقة بوجوب الدية ومقاديرها ومن تجب عليه الأحكام الواردة في القانون الجنائي وفق أصولها الشرعية ووفق أحكام قانون أصول الأحكام القضائية 1983م.

وأضافت المادة (157) معاملات:   

يجوز للمضرور فوق ما يجب له في حالة الدية

أن يطالب بالتعويض من أي ضرر آخر يلحق به.

 

المادة (68) من قانون النقل البحري 2010م:

فقرة (2) تنص على أنه في حالة حدوث وفاة أي (شخص) أو إصابته نتيجة لخطأ في الملاحة يكون مجهز السفينة ملزماً بأحكام الديات في الوفاة والإصابة  وفقاً لأحكام القانون الجنائي لسنة 1991م مع الاحتفاظ بحق المصاب أو ورثته في حالة وفاة المطالب بالتعويض وفقاً لأي قانون آخر.

ولقد توصل القاضي المجتهد المحقق المدقق قاضي المحكمة العامة مولانا/       (فيصل طه أحمد) باستقرائه العدلي إلى تطبيق أحكام الدية الواردة في المادة (42) من القانون الجنائي لسنة 1991م والتي تنص على (التعويض: فقرة (1) الدية مائة من الإبل (أو) وفق ما يقدره من حين لأخر رئيس القضاء بعد التشاور مع الجهات المختصة) فهذا عهدنا به التميز في الأداء الإجرائي والموضوعي والذي دعاه إلى الاسترشاد وتطبيق أحكام الدية وقد جاء حكمه مطابقاً لما نص عليه قانون النقل البحري 2010م في المادة 68 (1) و (2) منه بحالة التعويض عن المسؤولية التقصيرية وإن كان قد استند على قانون المعاملات المدنية 1984م ولم يستند على المادة (68) من قانون النقل البحري إلا أنه في النتيجة قد توصل إلى ذات الحكم وذات النتيجة.

أما بالنسبة لحكم محكمة الاستئناف المطعون فيه فإنه وفي تقديرنا وفي تفسيرنا لحكمها فإننا نجد أن عبارة وصياغة حكمها قد جاءت على نحو:

أولاً: أن مسألة وفاة العامل البحري غير مضمنة في القانون السوداني.

ثانياً: أنه من الظلم الحكم بالتعويض في حالة وفاة العامل البحري بعوض الدية وأن الواجب في هذه المسألة الرجوع إلى قواعد التعويض في العرف البحري الدولي والاتفاقيات الدولية التي تحكم حالة التعويض عن وفاة العامل البحري.

ويبـدو لنا أن محكمة الاستئناف لم تطلع على نص المادة (68) الفقرة (1) ، (2) من قانون النقل البحري 2010م والسالف مناقشتها والتي تنص على حالة التعويض عن وفاة العامل البحار وفق قواعد المسؤولية التقصيرية المدنية ولا نلوم المحكمة الابتدائية أو محكمة الاستئناف في ذلك فقانون النقل البحري 2010م صاحبته العديد من السلبيات في الصياغة والقصور في كثير من أحكامه وفي ترتيب أحكام مواده التشريعية القانونية فقد أكدت التجربة العملية التطبيقية للقضاء في تطبيق أحكام هذا القانون وجود هذا القصور التشريعي والسلبيات المصاحبة لسياق متنه وفي صياغة نصوصه كالحالة الحالية المعروضة في النزاع حول تعويض العامل البحري عن الوفاة أو تعويض ورثته في حالة الوفاة نتيجة لعمل من أعمال المسؤولية التقصيرية مدنياً فالمشرع (أورد هذه المسألة) في الفصل الثاني عشر في باب مسؤولية مجهز السفينة بدلاً من أن ترد في النصوص الخاصة المتعلقة بحالات انتهاء خدمة البحار أو في باب مسؤولية الناقل في حالة الحوادث البحرية التي أوردها في المادتين 124 ، 125 الواردة في الفصل التاسع عشر والتي تنص على الضرر الناشئ عن وفاة أو إصابة المسافر إذا وقع الحادث أثناء السفر بتنفيذ لعقد النقل بسبب خطأ أو إهمال الناقل أو أحد تابعيه أو حالة التعويض عن التصادم البحري أو حتى في سياق المواد 60 ، 61 ، 62 من القانون البحري قانون النقل البحري المتعلقة باستحقاق البحار في حال القوة القاهرة أو تخلي المجهز عن ملكية السفينة أو تركها أو فقد البحار لأمتعته الشخصية بسبب هلاك السفينة وقد ترتب على إيراد حالة وفاة العامل البحري أثناء الخدمة في نص المادة 68 فقرة (1و2) والمتعلقة بمسؤولية الناقل البحري إن ساد اعتقاد وفرضية لدى المحاكم المطبقة للقانون عند قراءة النصوص المتعلقة بعقد العمل البحري والمتعلقة بحقوق العامل البحري وانتهاء عقد العمل البحري وأثاره (أن المشرع قد اغفل) حالة التعويض عن وفاة العامل البحري بسبب المسؤولية التقصيرية أو العقدية ولم ينص عليها تشريعياً.

ونعود إلى ما ذهبت إليه محكمة الاستئناف في قولها إن التعويض بالدية عن وفاة العامل البحري (فيه ظلم) ونقول إنه لا يوصف تعويض الدية بالظلم فهذه مبالغة وتجاوز لفظي نعتقد أنه غير مقصود فالدية حكم شرعي وفق أحكام الشريعة الإسلامية ولا توصف بالظلم ولكن خان التعبير الزملاء في دائرة الاستئناف فقد ناقشنا ذلك الأمر وكان المقصود ليس ظلم الحكم بالدية بل الظلم مرتبط بتقدير موت أو وفاة أو مقتل إنسان بدية تعادل (30 ألف جنيه) فالشريعة أكدت وترك القانون تقدير الدية أن الأصل هو الحكم بمائة من الإبل أو بقيمة العملة أو قيمة المقابل التي يجب أن تقابل قيمة حياة الإنسان التي لا تقدر بثمن بحيث إن مقصد محكمة الاستئناف عدم عدالة قيمة الدية المقدرة وبما يستوجب أن يعدل منشور الدية إلى (300 ألف جنيه) على أقل تقدير.

وفي معلومنا أن الدية هي مقابل النفس في حالة الوفاة بحسب الحال عمداً أو خطأ أو شبه خطأ وفق الأحكام الشرعية التي أخذ بها القانون الجنائي 1991م والمعاملات 1984م والقانون البحري قانون النقل البحري 2010م وقد أورد القانون الجنائي في المادة 42 فقرة (4):

أنه لا يجوز مع الدية انقضاء أي تعويض آخر عن القتل أو الجراح.

وواضح الصيغ التشريعية حول الحكم بالدية بمقصدها الشرعي والتشريعي ومدى جواز الحكم بتعويض آخر بالإضافة إلى الدية قد تبدو متعارضة السياق والصياغة التشريعية إلا أنه وبالنظر التفسيري الدقيق في هذه النصوص مجتمعة فلا تعارض بينها ونوضح ذلك على الوجه التالي:

أولاً: نص المادة 42 فقرة (4) من القانون الجنائي 1991م يقرر:

(لا يجوز مع الدية انقضاء أي تعويض آخر عن القتل أو الجراح).

وعبارة لا يجوز تعويض آخر عن ذات القتل وذات الجراح تعني أن الدية تعويض كامل مقابل النفس أو الجراح ولا يجوز اقتضاء تعويض آخر عن النفس والجراح بخلاف الدية إلا إن كان هنالك مبرر آخر للتعويض ناشئ من غير الجراح أو فقد النفس كالمطالبة بأي أضرار أخرى كالعلاج ونفقات العلاج والسفر وفقد الكسب وما فات من كسب وما لحق الإنسان من خسارة بسبب الموت أو الجراح .

ثانياً: نص المادة 157 معاملات مدنية 1984م قد عبر عن المقصد السالف ذكره حول التعويض الأخر بتقريره:

يجوز للمضرور فوق ما يجب له في حالة الدية أن يطالب بالتعويض (عن أي ضرر آخر لحق به).

ثالثاً: المادة 68 فقرة (2) من قانون النقل البحري 2010م تنص على:

في حالة وفاة أي شخص أو إصابته نتيجة لخطأ في الملاحة يكون مجهز السفينة (وأيضاً المستأجر مجهز السفينة) ملزماً بأحكام الديات في حال الوفاة أو الإصابة وفقاً لأحكام القانون الجنائي 1991م مع الاحتفاظ بحقه في المطالبة بالتعويض وفقاً لأي قانون آخر.

وفي تقديرنا أن هذه النصوص مجتمعة يتعين أن تفسر بالتفسير الأتي:

أولاً: الدية الشرعية في القانون هي عوض عن فقد النفس أو الجراح وهي عوض مقابل النفس ولا يجوز الحكم بعوض آخر من ذات النفس أو ذات الجرح.

ثانياً: التعويض الذي عنته المادة (157) ، معاملات مدنية لسنة 1984م ، والفقرة (2) من المادة (68) من قانون النقل البحري لسنة 2010م المقصود منه أي تعويض عن أضرار أخرى غير فقد ذات النفس أو ذات الجراح وفق المثال الذي ذكرناه آنفاً الحكم بالتعويض عن نفقات العلاج أو أي نفقات أخرى وهو ما نصت عليه المادة (152) معاملات مدنية 1984م والتي تقرر مقروءة مع الفقرة (2) من المادة (153):

1- تقدر المحكمة التعويض بقدر ما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب مراعية في ذلك الظروف الملابسة وبشرط أن يكون ما أصاب المضرور نتيجة طبيعية للفعل الضار فإذا لم يتيسر لها أن تعين مقدار التعويض تعييناً نهائياً فلها أن تحتفظ للمضرور بالحق في أن يطالب خلال مدة معينة بإعادة النظر في التقدير.

2- ينتقل الحق في التعويض إلى الورثة.

 

وبالتالي فالدية ولأنها عوض عن فقد النفس أو الجراح فهي عوض كامل عن فقد النفس في القتل عمد أم خطأ أم شبه عمد وعوض من الجراح بحسب نوع الجراح وفق الجدول الثاني من القانون الجنائي 1991م ولا يجوز أي تعويض آخر عن ذات النفس أو ذات الجراح التي عوضت بمقدار الدية وبما يعني تفسيرياً وفق ما سبق وأسلفنا أن عبارة أي تعويض آخر لا تشمل (ذات النفس أو ذات الجراح) وفق ما عبرت عنه المادة (157) معاملات مدنية 1984م بعبارة (المطالبة بتعويض آخر) وعبارة آخر تعني:

 

(غير ذات النفس أو ذات الجراح التي سبق أن عوض مقابلها بالدية).

 

وللفائدة العامة:

انظر السابقة : م ع/ط ج/223/2011م مجلة 2012م حكومة السودان //ضد// ح.ب.أ مجلة 2012م ص 45

 

انظر السابقة:

م أ س/أ س م/40/1989م مجلة 1990م  مصطفي محمد نور الدين //ضد// ورثة: فاطمة مجلة 1990م ص 168

 

انظر السوابق:

م ع/ط م/609/2003م مصنع جواد //ضد// بهاء الدين مجلة الأحكام 2003م ص 179

 

م ع/ط م/102/2000م محاكمة: الرشيد فيصل مجلة الأحكام 2000 ص 34

م ع/عليا/مراجعة/136/2000م مؤسسة النيل //ضد// أخلاص مجلة الأحكام 2000 ص 129

 

 

وأيضاً للفائدة التفسيرية انظر ص 183 من مؤلف شرح قانون المعاملات المدنية السوداني 1984م للقاضي: د . محمد صالح علي.

وبناءً على ما سلف من مناقشة تفصيلية حول المرجعية القانونية الواجبة التطبيق في شأن دعاوى التعويض من وفاة العامل البحري أثناء الخدمة في السفينة وفق قواعد وأحكام المسؤولية التقصيرية المدنية فإننا:

نقرر:

أولاً: أن القانون الواجب التطبيق على النزاع هو قانون النقل البحري 2010م ولا سند لمرجعية قاعدة غياب النص الواردة في المادة (4) من قانون النقل البحري 2012م حيث أورد المشرع صراحة قواعد التعويض عن المسؤولية التقصيرية في حالة وفاة البحار أو إصابته أثناء الخدمة في السفينة في نص المادة 68 الفقرة (2) من قانون النقل البحري 2010م على الوجه التالي:

في حالة وفاة أي شخص أو إصابته نتيجة خطأ في الملاحة يكون مجهز السفينة (أو مجهزها المستأجر) ملزماً بأحكام الديات في الوفاة والإصابة وفقاً لأحكام القانون الجنائي 1991م مع الاحتفاظ بحقه في المطالبة بالتعويض وفق أي قانون آخر

وطالما وجد نص تشريعي في قانون النقل البحري السوداني 2010م بحكم حالة تعويض وفاة أو إصابة البحار أثناء الخدمة أو بسببها في السفينة بموجب عقد عمل بحري وفقاً لقواعد وأحكام التعويض في أحوال المسؤولية التقصيرية فلا سند يبرر مناقشة الأحوال الاستثنائية الواردة في المادة (4) فقرات (أ) و(ب) و (ج) و (د) في حال غياب النص التشريعي الحاكم.

ثانياً: وفق واقع المحضر فقد توفي المرحوم جراء حادث صعقة كهربائية أثناء خدمته في الباخرة خلال الرحلة البحرية وقد أقرت المدعى عليها الثانية مؤسسة سليمان سعيد الجابري بكل فقرات الدعوى دون أي ادعاء أو دفع من جانبها ينفي مسؤوليتها من الحادث أو نفي أي خطا أو إهمال من جانبها في وقوع الحادث أو الادعاء بوقوع الحادث بخطأ وإهمال المرحوم أو الخطأ المشترك وبالتالي فالدعوى قائمة على المسؤولية التقصيرية المفترضة في مواجهة المدعى عليها وواضح أن المدعى عليها تنازع فقط في استحقاق مقدار التعويض المدعى به أو مقداره كتعويض وطالما أنه قد حددت المادة 68(2) من قانون النقل البحري 2010م وهو النص القانوني وبالتالي فإن مرجعية الحكم بالتعويض وفق القانون أنها صارت معلومة قانوناً وفق قواعد الدية في القتل الخطأ ووفق قواعد المسؤولية التقصيرية المدنية أو الجنائية وهي الحاكمة في تقدير مقدار التعويض في هذه الحالة.

فهي محكومة بالقواعد الواردة في المواد 42 ، 43 ،132(من القانون الجنائي 1991م)

ويكون تقدير الدية الأصل أن يحكم عيناً بمائة من الإبل (أو) الاستثناء تقدر الدية بواسطة منشور رئيس القضاء بالتشاور مع الجهات المختصة.

ثالثاً: ونرى ورغم أن مسألة غياب النص غير واردة في المناقشة في هذه القضية كما أسلفنا إلا أنه من الضروري لنا تفسيريا التأكيد على مبدأ مهم سبق أن أقره القضاء السوداني في أحكامه وهو مبدأ عدلي قائم على:

ضرورة تطبيق المحاكم لأحكام الاتفاقيات الإقليمية والدولية حتى تلك التي لم  يصادق عليها السودان.

فقد أثارت هذه المسألة جدلاً فقهياً وقانونياً حول سريان قواعد وأحكام هذه الاتفاقيات وهل يجوز للمحاكم تطبيق أحكامها أو ما قررته من قواعد في شأن أي نزاع معروض ورغم عدم مصادقة السودان على هذه الاتفاقيات لتصبح قانوناً سارياً في السودان وهو ما يعرف تشريعاً بـ (قانون التصديق على الاتفاقيات الإقليمية والدولية) والتي نص عليها الدستور 2005م المؤقت وفق المادة (27) منه أن الاتفاقيات الدولية والإقليمية التي صادق عليها السودان تعتبر جزءاً لا يتجزأ من أحكام القانون الساري في السودان وهنا نشير إلى أنه من المعلوم أنه وفي عدة أحكام قضائية سابقة واجهت المحاكم السودانية والقضاء السوداني إشكالية و مسألة اللجوء إلى أحكام الاتفاقيات المذكورة التي لم يوقع عليها السودان وإشكالية أخرى في كيفية حسم أي مسألة خلافية أو حقوقية لم يرد بشأنها نص تشريعي وهو ما نص عليه قانون النقل البحري 2010م في المادة (4) فقرة (ب) بأنه يجوز للمحكمة في أحوال غياب النص التشريعي:

(أن تطبق أحكام الاتفاقيات الدولية والإقليمية التي يصادق عليها السودان).

 

وقد قيد هذا النص التطبيق لأحكام الاتفاقيات بشرط ( التصديق على الاتفاقية ) وقد ترتب على هذه الفقرة جدل فقهي وتفسيري حول إمكانية لجوء المحاكم إلى أحكام هذه الاتفاقيات حتى ولو لم يصادق عليها السودان وقد تمثل الجدل الفقهي  في وجهتي نظر نرى إيرادها للفائدة الفقهية القانونية على الوجه التالي:

وجهة النظر التفسيرية الأولى:

ترى أن المبدأ الذي أقرته السوابق الصادرة (بجواز اللجوء إلى أحكام هذه الاتفاقيات عند القضاء في أي مسألة) كان أمراً مقبولاً في السابق لعدم وجود قانون بحري سوداني يحكم المنازعات البحرية فحالة غياب القانون كان له الأثر العدلي في لجوء المحاكم إلى المادة (6) من قانون الإجراءات المدنية 1983م والذي ينص على:

1- إذا لم يوجد نص يمكن تطبيقه على الإجراءات في المسألة المعروضة. تطبق المحكمة من القواعد ما من شأنه تحقيق العدالة.

2- في المسائل التي لا يحكمها أي نص تشريعي تطبق المحاكم الشريعة الإسلامية والمبادئ التي استقرت قضاء في السودان والعرف والعدالة والوجدان السليم.

وترى وجهة النظر هذه أنه لا مجال للأخذ بقواعد أو أحكام الاتفاقيات الدولية التي لم يوقع عليها السودان بعد إصدار قانون النقل البحري 2010م الذي قيد تطبيق أحكام الاتفاقيات الدولية والإقليمية بشرط قانوني هو (التصديق على هذه الاتفاقيات) وطالما لم يوقع أو يصادق على أي اتفاقيات دولية أو إقليمية بعينها فلا يجوز للمحاكم السودانية الأخذ بأحكام وقواعد هذه الاتفاقيات عند الحكم

وجهة النظر التفسيرية الثانية:

وهذه النظرة التفسيرية الثانية تخالف تماماً وجهة النظر التفسيرية الأولى وترى أن المحاكم السودانية يجوز لها تطبيق أحكام الاتفاقيات التي لم يوقع عليها السودان في أي مسألة معروضة فـي حالة غياب النص ولما يلـي مـن

أسباب:

1- طالما أن نص المادة (6) فقرة (1) ، (2) إجراءات مدنية 1980م ساري المفعول فقد خول المحاكم تطبيق قواعد العدالة الإجرائية في أي مسألة إجرائية لم يحكمها أي نص تشريعي كما أجاز النص الساري أنه إذا لم يوجد أي نص يحكم أي مسألة موضوعية فقد جعل المشرع أساس الفصل في هذه المسألة الموضوعية بالرجوع إلى أحكام الشريعة الإسلامية والمبادئ التي استقرت قضاء في السودان والعرف والعدالة والوجدان السليم وبالتالي فمن العدالة والوجدان السليم تطبيق أحكام هذه الاتفاقيات وما أقرته من قواعد في حالة غياب النص التشريعي الإجرائي أو الموضوعي.

2- أكد المشرع في قانون النقل البحري 2010م على اعتماد أحكام السوابق وأحكام القضاء المستقر في الفقرة (ج) من المادة (4) كما أقر اعتماد العرف البحري الساري في حسم النزاع حول أي مسألة معروضة لم يرد بشأنها نص مؤكداً ذات المبادئ التشريعية التي أقرها نص المادة (6) فقرة (1) ، (2) إجراءات مدنية 1983م.

3- وفق أحكام السوابق القضائية السودانية المستقرة المتواترة والتي جعلها المشرع مرجعية تشريعية في حالة غياب النص التشريعي فقد أقرت السوابق القضائية تطبيق هذه الاتفاقيات التي لم يصادق عليها السودان وفق قواعد العدالة والوجدان السليم والمتمثل في اعتبار هذه الاتفاقيات (بمثابة عرف بحري مستقر) لأنها في الأساس مجرد تقنين لما استقر وتواتر من أعراف بحرية في مجال النقل البحري وتظل هذه الاتفاقيات الدولية أو الإقليمية في أصلها كأعراف بحرية استقرت يجيز القانون السوداني تطبيق أحكامها كعرف بحري سارٍ وهو ما استقر عليه الفقه التفسيري للقضاء السوداني ومازال على مبدأ:

أن تطبيق أحكام وقواعد الاتفاقيات الدولية والإقليمية حتى ولو لم يوقع عليها أو يصادق عليها السودان في أي مسألة بحرية بمثابة عرف بحري واجب التطبيق.

مثال السوابق الرائدة في التفسير القانوني البحري:

1- أصحاب الباخرة أوليميوس //ضد// سيد إسماعيل خليل

              م أ/أ س م/86/1406هـ

2- الشركة السودانية للاستثمار //ضد// أصحاب الباخرة كيرتي

              م ع/ط م/165/1998م

3- شركة الباسفيك التجارية //ضد// أصحاب الباخرة كورتيا دي اوقس

                 أ س م/50/1999م

4- مؤسسة فائز أحمد //ضد// ملاك الباخرة آماند

               م ع/ط م/17/1999م

والتي قررت جملة المبادئ التالية:

(أ ) خلو قانون بحري سوداني من نصوص تحكم المنازعات البحرية يدعو إلى اللجوء إلى الاتفاقيات والمعاهدات الدولية حتى ولو لم يوقع عليها السودان لأن هذه المعاهدات والاتفاقيات تعد بمثابة التطبيق للعرف البحري السائد الذي قنن في شكل اتفاقيات دولية وإقليمية.

(ب‌)

(ت‌)

(ث‌)

(ج‌)

وعلى ضوء وجهة النظر الثانية أقر الفقه القضائي السوداني في أحكام سوابقه مبدأ:

           تطبيق أحكام الاتفاقيات الدولية والإقليميـــة 

           كعرف بحري سارٍ لأنها تقنين للعرف البحري   

          المستقر دولياً حتى ولو لم يصادق عليها السودان.

وبناء عليه نرى اتفاقنا مع هذه المبادئ التي أقرها القضاء السوداني واستقرت وبالتالي نتفق ونؤيد ما ذهبت إليه وجهة النظر الثانية ونخالف ما ذهبت إليه وجهة النظر الأولى وعليه نقرر:

أن المبدأ المستقر قضاء جواز تطبيق أحكام الاتفاقيات الدولية والإقليمية التي لم يوقع عليها أو يصادق عليها السودان باعتبار تطبيق أحكامها تطبيقاً لأحكام أعراف بحرية مستقرة ومتواترة ومع مراعاة خصوصية كل اتفاقية بحرية عند التطبيق كعرف بحري على أي حالة معروضة بحسب الحال.

رابعاً: ونرى أيضاً ومن الوجهة التفسيرية القانونية البحتة ضرورة التعرض بالمناقشة لما أثاره الطعن حول مدى جواز جزئية إعفاء قضايا عقود العمل البحري من الرسوم أسوة بقضايا عقود العمل البري فقد وردت بشأنها وجهات نظر نوردها فيما يلي:

1- ذهبت وجهة نظر إلا أنه في حالة انحصرت المنازعة البحرية في نطاق النزاع حول عقد العمل البحري وحقوق العامل البحري العقدية ففي حالة غياب النص في القانون البحري قانون النقل البحري 2010م لأي نص يتحدث عن إعفاء المنازعات البحرية حول عقد العمل البحري من الرسوم أسوة بقضايا عقد العمل البحري تكون المرجعية في هذه الحالة للفقرة (1) من المادة (6) إجراءات مدنية 1983م.

    إذا لم يوجد نص يمكن تطبيقه على الإجراءات في المسألـــة

   المعروضة تطبق المحكمة من القواعد ما من شأنه تحقيق العدالة.

وبالتالي يجوز أن يعامل العامل البحري في إجراءات التقاضي المرتبطة بالنزاع حول عقد العمل البحري وحقوقه أسوة بإجراءات منازعات عقد العمل في قانون العمل البري 1997م بإعفاء هذه الدعاوى من الرسوم.

2- أما إ كان النزاع ليس حول (منازعات عقد العمل البحري) بل حول دعاوى المسؤولية التقصيرية والمطالبة بالتعويض المدني عن الأضرار المترتبة على هذه المسؤولية فيكون تحصيل الرسم في هذه الحالة واجباً بالنسبة لدعوى المسؤولية التقصيرية ولا تعتبر الدعوى مرفوعة إلا بعد أداء الرسم أو الإعفاء منه وفق قواعد المواد 14 إلى 21 من (الأمر السادس الخاص بالرسوم إجراءات مدنية 1983م).  

تذهب وجهة النظر الثانية إلى:

أن الإعفاء من الرسوم لا يكون إلا بنص في القانون أو الإعفاء وفق الأمر السادس للرسوم ولا تملك المحاكم سلطة إجرائية للاستناد على نص المادة (6) إجراءات مدنية 1983م كمبرر لإعفاء دعاوى العمل البحري أسوة بدعاوى العمل البري من الرسوم تحت بند العدالة أو العرف أو الوجدان السليم.

 

ونرى أن العامل البحري بحسب الأداء الوظيفي يماثل العامل البري بل العامل البحري يستحق الحماية في شأن رفع قضايا حقوق العمل البحري ومعلوم طبيعة العمل البحري ومخاطره وظروفه الاستثنائية وبالتالي نرى اتفاقنا مع وجهة النظر الأولى أنه في حالة غياب النص الإجرائي فإن نص المادة (6) فقرة (1) إجراءات مدنية 1983م يخول للمحكمة وفق قواعد العدالة الإجرائية عدم تحصيل الرسم في دعاوى منازعات عقد العمل البحري وبالتالي نتفق مع وجهة النظر الأولى أما المنازعات الأخرى كدعوى التعويض من المسؤولية التقصيرية أو المنازعات البحرية الأخرى حول عقد النقل البحري وغيرها من المنازعات الأخرى فيسري عليها قيد أداء الرسم وطلب الإعفاء من الرسم وفق أحكام الأمر السادس في المواد (9) ، (14) إلى (23) إجراءات مدنية عام 1983م.

وبناءً على ما تقدم من مناقشة سالفة نرى أن دعوى التعويض عن وفاة العامل البحري وفق قواعد المسؤولية التقصيرية أنها مسألة قد حسمها المشرع في المادة (68) فقرة (1) و (2) من قانون النقل البحري 2010م وذلك بأن يكون التعويض وفق أحكام الديات الشرعية ووفقاً لأحكام القانون الجنائي 1991م وقد وفقت المحكمة القاضي المجتهد المحقق المدقق فيصل طه أحمد قاضي المحكمة العامة كما سبق وأسلفنا في التوصل إلى ذات النتيجة وإن كانت بناء على قانون المعاملات وليس تحت فقرتي 1،2 من المادة (68) من قانون النقل البحري إلا أن النتيجة التي توصل إليها باجتهاده قد وافقت ما أقره القانون قانون النقل البحري ونسجل له هذا الأداء المتميز فهذا عهدنا به ولمزيد من الأداء والعطاء القانوني العادل لأنه أداء يستحق الإشادة والتقدير ونوصي بإحالة هذا الثناء والتقدير ليودع في ملف خدمته لدى الأمانة العامة كما يقول سبحانه وتعالي في محكم التنزيل:

(هل جزاء الإحسان إلا الإحسان)

مسألة أخيره لا بد من التعرض لها أثارت جدلاً فقهياً وقانونياً وعدلياً حول مقدار الدية التي قضت بها المحكمة والتي قررتها وفق المنشور الجنائي 3/2009م ووفق الجدول الملحق بالقانون الجنائي1991م (الدية ثلاثون ألف جنيه) عن وفاة المرحوم ومعلوم أنه قد صدر المنشور الجديد الصادر بتاريخ 16/مارس/2016م من رئيس القضاء بالرقم: منشور جنائي/4/2016م معدلاً مقدار الدية لتكون ثلاثمائة وثلاثين ألف جنيه سوداني وقد ثار تساؤل جدلي حول انطباق هذا التعديل على النزاع في هذه الدعوى ؟؟ وقد أدت المناقشة الجدلية في المناقشة بين الزملاء في المحكمة العليا إلى وجهتي نظر نوردهما للفائدة القانونية البحتة على الوجه التالي:

وجهة النظر التفسيرية الأولى:

ترى أن الدية في حالة الخطأ أو الإهمال أو قلة الاحتراز أو أي فعل غير مشروع لا ينشأ الحق في استحقاقها إلا بالحكم القضائي باستحقاق هذه الدية فالحكم كاشف لاستحقاق الدية من تاريخه وبالتالي فالذي يحكم مقدار الدية هو المنشور الجنائي الساري وقت الحكم بالتعويض وطالما أن الحكم في هذه الدعوى قد صدر في 8/مارس/2016م فيسري على مقدار الدية المقدرة في  المنشور 3/2009م وليس الدية المقدرة في المنشور الجديد 4/2016م لأنه صدر بعد تاريخ الحكم في 16/مارس/2016م ولا مجال لتطبيق هذا المنشور ورغم عدالة تعديل الدية لأن قيمة الدية السابقة أصبحت لا تحقق الغرض التشريعي الشرعي منها ولكن يجب الالتزام بحرفية النص القانوني المحدد للدية وقت إصدار الحكم.

 

وجهة النظر التفسيرية الثانية:

ترى أنه وعلى الرغم من أن الحكم بالدية في هذه الدعوى قد صدر بتاريخ: 8/مارس/2016م وأن تاريخ إصدار المنشور الجديد 4/2016م بتقدير جديد للدية كان بتاريخ لاحق في 16/مارس/2016م إلا أن الحكمة الشرعية والتشريعية تكون في عدالة مقدار الدية معادلاً للأصل مائة من الإبل وهي الحكمة العدلية التي كانت المبرر الأساسي لإعادة النظر في تقدير مقدار الدية ويستفاد من المبررات التي أوردها منشور رئيس القضاء أن العلة في إعادة التقدير هو أن التقدير السابق في منشور 3/2009م لم يعد مواكباً للتقدير الحقيقي العدلي حالياً ليستحق كدية شرعية وأن العدالة تستوجب إعادة التقدير وقد استند المنشور في مبرراته على القواعد العدلية التالية:

 

مراعاة للظروف الاقتصادية وما طــرأ على الأسعار من

زيادة لا تخفي على أحد وبعد التشاور والتفاكر مع الجهات

المختصة ومسح أسعـار الإبل بمناطق الإنتاج باعتبار أنها

الثمن الذي نص القانون على اعتباره في تقدير الدية وهـو

على التفصيل الوارد بالمنشور.

 

ويستفاد من مبررات المنشور أن التقدير السابق للدية يخالف التقدير الحقيقي الشرعي الواقعي للدية والمقررة شرعاً وقانوناً وكما يستفاد تفسيرياً عدلياً للمنشور أن التقدير الجديد الذي تم تقديره كان تقديراً سابقاً على إصدار المنشور من لجنة اختصاص وبمشاورة مع جهات الاختصاص المذكورة وليكون التقدير الجديد وفق التقدير الحقيقي للدية الشرعية وقت تحديد جهة الاختصاص لهذه الدية وبما يعني أن التقدير الجديد قد حددته الجهات المختصة قبل 16/مارس/2016م الذي صدر فيه المنشور وبما يفترض أنه هو التقدير الحقيقي للدية كعوض عن النفس وقت الحكم وكان هو التقدير الجديد وأن العوض السابق وقت صدور الحكم لم يكن دية حقيقية عادلة شرعية وبما يقتضي تقدير أن الدية الحقيقية الشرعية العادلة هي التقدير الشرعي للدية وقت صدور الحكم وبما يبرر أن تكون الدية تبعاً لذلك معادلة للمقدار الحقيقي الذي يجب أن يصدر به الحكم وهو ثلاثمائة ألف وثلاثون ألف جنيه سوداني وليس هو ثلاثين ألف جنيه سوداني ويستفاد من نص المادة (4) من القانون الجنائي 1991م الفقرة (4) على جواز تطبيق (قاعدة الأثر الرجعي لتقدير الدية) باعتبارها مسألة (متغيرة ومتبدلة) بحسب قيمة الإبل الأصل في الدية وليس ثابتة فالنص يقرر:

             يراجع أي حكم نهائي بالدية صدر قبل العمل بهذا

            القانون وفق أحكامه في استيفائها.  

 

وطالما أن (تقدير الدية) مسألة متغيرة متبدلة وليس تشريعاً ثابتاً فالنص يجيز المراجعة لتقدير الدية المتغيرة المتبدلة حتى إذا صدر حكم نهائي بالدية وحتى يكون التقدير بدلاً منطقياً وعقلياً وشرعياً فعبارة الأحكام النهائية تعني صدور حكم نهائي من المحكمة بالدية وأن التقدير يجوز مراجعته رغم نهائية هـذا الحكم بوصف الدية حـقاً شرعياً قبل أن يكون نصاً وحقاً قانونياً وبالتالي فطالما أن تقدير الدية الجديد قد تم بواسطة لجنـة مختصـة قبل إصدار رئيس القضاء منشوره في 16/3/2016م فيسري الأثر الرجعي لهذا التقدير علـى الحكم في الدعوى كإجراء عدلي شرعي يجيزه العدل الشرعي والقانون.

 

وفي تقديرنا أن وجهة النظر الثانية التفسيرية هي الأعدل والأقرب لحكم الشرع والشريعة ونرى الأخذ بها عدلياً في هذه الدعوى فالدية في منشور : 3/2009م كانت عادلة في حينها إلا أنه بمرور الوقت والزمن فقدت صفة عدالتها الشرعية وأصبحت موضع تندر بأن قيمة الإنسان قد انخفضت رغم أنها من الضرورات الخمس الواجب حمايتها والعدالة في العوض عن فقدها وبالتالي نرى بناءً عليه وجوب مراجعة الحكم في تقدير الدية ليعادل التقدير الحقيقي الشرعي للدية وخاصة أن الجدل كله يدور حول عدالة التعويض وكيفيـة تقديره

 

وبناءً على ذلك نقرر الآتي:

أولاً: لا سند لمقاضاة أصحاب الباخرة البركة 3 إذ لا علاقة لهم بعقد العمل البحري موضوع النزاع في الدعوى.

 

ثانياً: مسؤولية والتزامات عقد العمل البحري تقع على عاتق المدعى عليها الثانية أن مؤسسة سليمان سعيد الجابري هي الطرف المتعاقد مع مورث المدعين بعقد العمل البحري موضوع النزاع في هذه الدعوى.

 

وبناءً عليه ووفق تفاصيل هذه المذكرة نقرر الآتي:

 

أولاً: ينقض حكم الاستئناف المطعون فيه.

 

ثانياً: نؤيد حكم محكمة الموضوع الابتدائي ونعدل مقدار الحكم بالدية لتكون مبلغاً وقدره ثلاثمائة وثلاثون ألف جنيه سوداني بدلاً عن ثلاثين ألف جنيه سوداني ونؤيد الحكم بالرسوم وأتعاب المحاماة في مواجهة المدعى عليه الثاني.

 

ثالثاً: تشطب الدعوى في مواجهة المدعى عليهم الأوائل ملاك الباخرة البركة (3) ويفك الحجز عن الباخرة.

 

رابعاً: لا أمر بشأن الرسوم.

 

القاضي: طارق الضو الطيب

التاريخ: 30/9/2018م

 

الرأي الثاني:

أتفق مع أخي العالم في كل ما ذهب إليه ما عدا تعديل قيمة الدية فإنني أتفق مع قرار محكمة الموضوع لأن المنشور: 4/2016م حدد تاريخ سريان الدية من 1/5/2016م.

القاضي: عبد القادر محمد يوسف

التاريخ: 25/11/2018م

 

الرأي الثالث:

أوافق صاحب الرأي الأول وأضيف بأنه قد ثبت أن المرحوم قد توفي إلى رحمة مولاه نتيجة صعقة كهربائية أثناء تأديته لعمله ورفع ورثته هذه الدعوى للمطالبة بالتعويض عن وفاته وذلك وفقاً لقواعد المسؤولية التقصيرية في القانون المدني وقد توصلت محكمة الموضوع إلى استحقاق الورثة للتعويض عن وفاة مورثهم وقد أقرت المدعى عليها بهذه المسؤولية وباستحقاق الورثة للتعويض ولم تدفع بالخطأ أو الإهمال المشترك ، وقد استندت محكمة الموضوع على المادة (156) من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م وحكمت بالدية كتعويض مدني على سند من القول بأنها لم تجد في قانون النقل البحري نصاً يحكم التعويض وقدرت التعويض كدية بمبلغ 30.000 جنيه وقد تأيد هذا الحكم من المحاكم الأدنى . عندما عرض الأمر على المحكمة العليا ذهب عالمنا الجليل مولانا/ ملاسي إلى أن القانون البحري قد نص على أنه في حال المسؤولية التقصيرية عن وفاة البحار في السفينة نتيجة الخطأ أو المسؤولية التقصيرية – فإن الدية تكون بموجب المادة (42) من القانون الجنائي لأن القانون البحري لم ينص على الدية أو مقدارها بتعويض مدني وأحالها إلى القانون الجنائي وذلك لأن التعويض في القانون البحري منشأ المسؤولية التقصيرية في حين أن منشأ التعويض كدية في الجنايات يأتي بسبب الإدانة بجريمة جنائية سواء أكانت الجريمة عمديه أو غير عمديه أو شبه عمد وبالتالي لا بد أن نفرق بين الدية كتعويض مدني مبني على المسؤولية التقصيرية وبين الدية بناءً على الإدانة بجريمة جنائية.

 

وبالتالي فإن قانون النقل البحري عندما أحال الحكم بمقدار الدية للقانون الجنائي لم يقصد أن يكون الحكم بها بالنظر الجنائي بل قصد أن يحكم بها كتعويض بالنظر المدني وبالتالي فإن الدعوى المدنية يقتصر الحكم فيها ليس كدية جنائية بل تعويض مدني بحت ومن الناحية القانونية أصبحت مسألة التعويض مربوطة بالدية كقيمة يقدر بها التعويض إعمالاً لنص المادة (42) من القانون الجنائي لسنة 1991م وهنا نلاحظ أن هناك خطأً شائعاً في تفسير المادة

(42) ق . ج والتي تنص على الأتي:

 

الدية مائة من الإبل (أو) ما يعادل قيمتها من النقود وفقاً لما يقدره السيد/ رئيس القضاء بالتشاور مع الجهات المختصة ، وقد جعل المشرع الأصل الشرعي هو الحكم بالإبل وقد استعمل لفظاً يميز بين الحالين مائة من الإبل أو وفقاً للمنشور الذي يحدده رئيس القضاء وكلمة (أو) المشار إليها في المادة (42) ق . ج تعني أن الأصل هو الحكم بالإبل (أو) وفقاً للمنشور الذي يحدده رئيس القضاء وعبارة أو تعني أن الأصل هو الحكم بالإبل أما حالة المنشور هي حالة أخرى لأن كلمة أو تعني إما كذا وإما كذا وطالما أن النص جعل الحكم بالدية مدنياً بناءً على المسؤولية التقصيرية فيجوز للمحكمة أن تحكم بمائة من الإبل كتعويض مدني وطالما أن هناك لجنة مختصة وضعت تقريرها للسيد/ رئيس القضاء بأن قيمة مائة من الإبل تساوي مبلغاً وقدره 300.000 جنيه فيجوز لنا أن نأخذ بهذا التقدير ونحكم به كتعويض مدني بناءً على المسؤولية التقصيرية التي أقر بها المطعون ضدهم وهذا من وجهة نظرنا هو عين العدل الشرعي الذي أقرته الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي وبالتالي أتفق مع عالمنا الجليل مولانا ملاسي فيما ذهب إليه تسبيباً ونتيجة.

 

الأمر النهائي:

1- نقض حكم محكمة الاستئناف المطعون فيه.

2- نؤيد حكم محكمة الموضوع الابتدائي ونعدل مقدار الحكم بالدية لتكون مبلغاً وقدره ثلاثمائة وثلاثون ألف جنيه سوداني.

3- نؤيد الحكم بالرسوم وأتعاب المحاماة في مواجهة المدعى عليه الثاني.

4- تشطب الدعوى في مواجهة المدعى عليهم الأوائل ملاك الباخرة البركة (3) ويفك الحجز عن الباخرة.

5- لا أمر بشأن الرسوم. 

 

 

طـارق الضـو أيــوب

قاضي المحكمة العليا

ورئيس الدائرة

28/11/2018م

▸ عبد المنعم عبد الله موسى الطاعن // ضد // موسـى عبد الله موسـى المطعون ضده الرقم م ع/ط م/775/2018م فوق هيئة التحكيم الطاعنة // ضد // شركة كونكس العالمية للتسويق شركة جمعة للاستثمار المطعون ضدهما الرقم م ع/ط م/1797/2017م ◂

مجلة الاحكام

  • المجلات من 1900 إلي 1930
  • المجلات من 1931 إلي 1950
  • المجلات من 1956 إلي 1959
  • المجلات من 1960 إلي 1969
  • المجلات من 1970 إلي 1979
  • المجلات من 1980 إلي 1989
  • المجلات من 1990 إلي 1999
  • المجلات من 2000 إلي 2009
  • المجلات من 2010 الى 2019
  • المجلات من 2020 الى 2029
  1. مجلة الاحكام
  2. المجلات من 2010 الى 2019
  3. العدد 2018
  4. المدني 2018م
  5. ملاك الباخرة البركة (3) وآخر الطاعنون //ضد// ورثة/ محمد الحسن محمـد مطعون ضدهم الرقم م ع/ط م/ج/ح/7/2018م

ملاك الباخرة البركة (3) وآخر الطاعنون //ضد// ورثة/ محمد الحسن محمـد مطعون ضدهم الرقم م ع/ط م/ج/ح/7/2018م

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المحكمة القومية العليا

دائرة ولايتي البحر الأحمر وكسلا

ببورتسودان

 

القضاة:

سعادة السيد / طـارق الضــو أيـوب

قاضي المحكمة العليا

رئيساً

سعادة السيد / عبد القادر محمـد يوسـف

قاضي المحكمة العليا

عضواً

سعادة السيد / عبدالرؤوف حسب الله ملاسي

قاضي المحكمة العليا

عضواً

 

 

الأطراف:

ملاك الباخرة البركة (3) وآخر                                       الطاعنون

//ضد//

ورثة/ محمد الحسن محمـد                                     مطعون ضدهم

 

الرقم م ع/ط م/ج/ح/7/2018م

 

قانون النقل البحري السوداني لسنة 2010م - المادة 4(أ) منه- القانون الواجب التطبيق فـي حالة غياب النص- تفسير عبارة " الأحكام ذات الصلة ".

قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م - المادتان (8)،(9) منه - اختصاص المحاكم السودانية بنظر النزاع المتعلق بالسفن الأجنبية القادمة للسودان.

قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م - المادة (11) منه - الاختصاص عند تعدد المدعى عليهم الأجانب - يكفي أن يكون لأحدهم موطن أو محل اقامة بالسودان.

قانون النقل البحري السوداني لسنة 2010م – المواد 60 ، 61 ، 62 ، 63 ، 64، 65 منه - حقوق العامل البحري - منشؤها العقد - الاختصاص في حالة العقود البحرية.

 

المبادئ:

1-

2-

3-

4-

 

 

المحامون:

الأستاذ/ هاشــم كنــة                                     عن الطاعنين

                                    الحكــم

 

القاضي: عبد الرؤوف حسب الله ملاسي

التاريخ: 13/9/2018م

 

تقدم كلُُّ من طرفي الدعوى المدعين والمدعى عليهم بطلب طعن بالنقض منفصل في مواجهة قضاء محكمة الاستئناف دائرة البحر الأحمر الحكم            أ س م/11/2016م والقاضي بتاريخ 13/يناير/2018م بإلغاء الحكم الابتدائي الصادر من محكمة الموضوع وإعادة إجراءات الدعوى للسير فيها على ضوء موجهات الحكم ويتلخص طلبا الطعن بالنقض في التفصيل التالي:

أولاً : الطلب الأول والمقدم من الأستاذ/ هاشم كنه المحامي إنابة عن ملاك الباخرة البركة بتاريخ 11/فبراير/2018م ويدور محور حول المحاور التالية:

1- لا اختصاص للمحاكم السودانية بنظر النزاع موضوع الدعوى حيث لا ينعقد لها الاختصاص المحلي المكاني بحسب الفقرة (4) من عريضة الدعوى حيث وقع الحادث الذي أودى بحياة المرحوم مورث المدعين خارج نطاق حدود المياه الإقليمية السودانية على بعد 35 ميلاً بحرياً والتي يحددها قانون الجرف البحري السوداني 1962م في المادة (5) ب 12 ميلاً بحرياً من الساحل تجاه البحر وبالتالي وقع الحادث خارج المياه الإقليمية السودانية.

2- رفعت الدعوى سابقة لأوانها وفق المبدأ الذي أقره القضاء السوداني في السابقة /مؤسسة فائز للتجارة //ضد// خليل محمد علي أ س م/85/1406هـ ص 102 المنشورة في مؤلف أهم القضايا البحرية السودانية للقاضي محمد علي خليفة أن دعاوى العمل البحري تحال للتحكيم ابتداء للنظر أمام ناظر الميناء أو ضابط التفتيش البحري ولا يحال النزاع إلى المحكمة إلا في حالة فشل التحكيم ولا اختصاص لمكتب العمل الإقليمي بالنظر في منازعات العمل البحري.

3- بحسب واقع المحضر فالسفينة ( الباخرة البركة سفينة أجنبية ) ووفق أحكام المواد 10،11(2),16(1) إجراءات مدنية في حالة التنازع حول القانون الواجب التطبيق تكون المرجعية لقانون المعاملات المدنية لسنة 1984م ولا يسري القانون السوداني على النظام القانوني للشخصيات الاعتبارية الأجنبية إلا إذا باشرت هذه الشخصيات الاعتبارية نشاطها الرئيسي في السودان ولا يطبق من القانون الأجنبي إلا أحكامه الداخلية دون تلك التي تتعلق بالقانون الدولي الخاص وطالما لم يباشر ملاك السفينة إدارة مركزهم الرئيسي في السودان فلا تسري أحكام القانون السوداني على النزاع موضوع الدعوى كما أن المستقر قضاء هو أن الذي يحكم العلاقة العقدية بين مالك السفينة الأجنبية والبحارة قانون علم السفينة وبالتالي لا يحكم القانون السوداني قانون العمل لسنة 1997م عقد العمل البحري في سفينة أجنبية ولا سند لتصريح هذه الدعوى بدون رسوم وفق المادة 72(1) من قانون العمل السوداني لسنة 1997م وكان  الواجب إلزام المدعين بسداد رسوم الدعوى.

4- طالما أن العلاقة العقدية بين مورث المدعين وملاك الباخرة هو (عقد عمل بحري) فوفق قانون النقل البحري لسنة 2010م والذي نص في مواده من 55 إلى 66 وهو القانون الخاص وفق أحكام المادة 6(4) من قانون تفسير القوانين لسنة 1974م على عقود العمل البحري فإنها لا تسري على عقود العمل البحري في السفن الأجنبية مع مراعاة ما قررته السوابق السودانية البحرية الصادرة قبل القانون الجديد النقل البحري لسنة 2010م فإن قانون عقد النقل البحري لا تسري أحكامه على السفن الأجنبية ولا تسري على عقود العمل البحري في السفن الأجنبية وذلك لأن المتفق عليه وفق العرف البحري والاتفاقيات الدولية أنها قوانين إقليمية لا تسري إلا على السفن الوطنية دون الأجنبية المرجع كتاب محاضرات التشريع البحري للدكتور علي حسن ص (38) الطبعة الثالثة وكتاب محاضرات التشريع البحري د. كامل أمين نسخة 1959م ص 16.

5- ارتكز المدعون في تقدير مقدار التعويض المدعى به على الاتفاقيات والتعاهدات والمعمول به وفق قواعد نادي الحماية والتعويض الدولي ولم يقدموا أي دليل على ذلك الادعاء ومن جهة أخرى وبفرضية تطبيق القانون السوداني قانون النقل البحري لسنة 2010م فوفق أحكام المادة (65) منه فلا يستحق البحار الذي توفي بسبب الدفاع عن السفينة أو الشحنة أو المسافرين في السفينة إلا تعويض أجر ثلاثة أشهر أو مبلغاً يعادل أجرته خلال مدة الرحلة إذا كان معيناً بالرحلة وهذا تعويض على سبيل الحصر ولا اجتهاد مع صراحة النص.

6- لا سند من القانون أو الوقائع لمقاضاة جهتين مختلفتين في آن واحد باعتبارهما ملاك الباخرة فملاك الباخرة هم أصحاب الباخرة البركة (3) ولا علاقة بينهم والمدعى عليهم الثواني مؤسسة سليمان سعيد الجابري وطالما اختار الورثة مقاضاة مؤسسة سلمان فعليهم البحث عن باخرة المذكورين لمقاضاتهم.

ومن محصلة الأسباب السالفة يلتمس شطب الدعوى برسومها واحتياطيا تأييد الحكم الابتدائي الصادر من محكمة الموضوع الذي ألغته محكمة الاستئناف.

ومن جهة أخرى تقدم الأستاذ/ د. عبد الباقي جمعة علي المحامي إنابة عن الورثة: المدعين بطعن في حكم الاستئناف وفق الأسباب التالية:

1- أن مورث المدعين يعمل في وظيفة بحار على ظهر الباخرة البركة (3) براتب شهري وقدره 400 دولار أمريكي وتوفي نتيجة لصعقة كهربية أثناء عمله بداخل الباخرة بتاريخ 31/يناير/2013م ورفض المدعى عليهم الدخول في تسوية النزاع والتعويض الذي يطلبه الورثة هو مبلغ وقدره 250 ألف جنيه زائداً أتعاب المحاماة وذلك وفق العريضة المعدلة.

2- بناءً على قرار المحكمة بسماع شهود محكمة قررت ضم مؤسسة سليمان سعيد الجابري كمدعى عليه وتم تعديل عريضة الدعوى بذلك وقد أقرت المدعى عليها الثانية بالدعوى بواسطة محاميها معترفة بكل فقراتها عدا المطالبة وفق القانون البحري السوداني والاتفاقيات والمعاهدات الدولية والأعراف البحرية وأن المادة المنطبقة هي المادة (65) من قانون النقل البحري السوداني لسنة 2010م.

 

3- رغم اتفاق المدعين مع قرار محكمة الاستئناف القاضي بإلغاء حكم محكمة الموضوع وإعادة النظر في النزاع ووفق ما أوردته من موجهات إلا أن محكمة الاستئناف لم تسبب حكمها في الجزئية المتعلقة بشطب الدعوى في مواجهة المطعون ضدهم الأوائل ويطعن المدعون في هذه الجزئية من حكم الاستئناف على السند التالي:

(أ ) طالما توصلت محكمة الاستئناف إلى أن الذي يحكم الفصل في نزاع الدعوى هو قواعد العرف البحري والاتفاقيات والمعاهدات الدولية في تقدير التعويض موضوع الدعوى فإن التعويض يقدر وفق عملية حساب التعويض بالوحدات الحسابية الدولية وليس أحكام التعويض في قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م وهو ما يتفق معه الطاعنون المدعون في حكم الاستئناف إذ كان الواجب الإجرائي في هذه الجزئية على محكمة الاستئناف أن تحكم لصالح المدعين وفق هذه القواعد القانونية التي أقرتها ووفق سلطتها في قانون الإجراءات المدنية (يقصد المادة (205) سابقاً حالياً صارت الفقرة (1) من المادة 187 البند (ب) إجراءات مدنية لسنة 1983م تعديل سنة 2009م وهي القواعد التي أجازها قانون النقل البحري لسنة 2010م في المادة (4) منه في حالة غياب النص الذي يحكم النزاع في أحكامه وهي:

 

(أ ) أن تحكم المحكمة في حالة غياب النص وفق الأحكام القانونية ذات الصلة في أي قانون آخر سارٍ.

(ب‌)

(ج) أو تحكم وفق ما استقر عليه القضاء السوداني.

(د ) أو تحكم وفق أحكام العرف البحري الساري.

 

فبدلاً من أن تعيد محكمة الاستئناف إلى محكمة الموضوع لتطبيق هذه القواعد كان عليها أن تحكم هي بما استقر عليه العرف البحري السائد وفق ما حسمته اتفاقية أثينا وبرثكول سنة 2010م واتفاقية 1976م والوارد في ص 16 من الاتفاقية في حالة وفاة الراكب على السفينة (اتفاقية حدود المسؤولية في دعاوى التعويض):

LIMITATION OF LIABILITY FOR MAritiME CLAIMS 1976

 

 وهي الاتفاقية التي تنص على التعويض المستحق في حالة الوفاة بما يعادل 2 مليون وحده حسابية في الحوادث التي تقع في السفن البحرية التي لا يقل وزنها عن ألف طن وهو وزن الباخرة البركة (3) المدعى عليها وكان على محكمة الاستئناف الحكم بما أقرته هذه الاتفاقية في حالة وفاة مورث المدعين في الباخرة بالعملية الحسابية (235 ألف دولار على 175 ألف دولار وحدة حسابية يساوي 1.3 دولار للوحدة الحسابية مضروب في 2.600.000 دولار.

ويلتمس في المحصلة إعادة الإجراءات إلى محكمة الاستئناف

لإصدار الحكم وإلغاء قرارها بإعادة الإجراءات إلي المحكمـة.

وعلى ضوء ما تقدم قررت الدائرة قبول الطعنين مبدئياً وجاء رد كل طرف على طعن الآخر بنفس أسباب طعنه وبالتالي اكتملت الإجراءات للفصل فيها على الوجه التالي:

أولاً: نشير في البدء إلى أننا قد قمنا بتسجيل ما أورده الطرفان على وجه تفصيلي لأهمية ذلك التفصيل في المناقشة ونرى في ذات الوقت وللفائدة الإجرائية القانونية في المناقشة إيراد السند القانوني الذي استند عليه قضاء محكمة الاستئناف المطعون فيه على الوجه التالي:

1- لا خلاف حول  تعاقد المرحوم مورث المدعين بموجب عقد عمل بحري لدى المدعى عليه الثاني وهو مشغل السفينة.

2- ينحصر الخلاف في الدعوى في تحديد القانون الواجب التطبيق على النزاع وتوصلت محكمة الموضوع بأن القانون الواجب التطبيق هو قانون المعاملات المدنية رغم إقرارها بأنه وإن كان قانون عقد النقل البحري لسنة 2010م في الأصل هو القانون الواجب إلا أن نصوصه لم تنص على مقدار التعويض وعليه احتكمت المحكمة إلى قانون إصابات العمل السوداني لسنة 1981م وأيضاً ولعدم وجود نص قانوني يحكم قضايا تعويض العامل البحري في عمله خارج السودان لجأت المحكمة في حكمها إلى الاحتكام إلى نصوص التعويض في قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م وذلك إعمالاً لقاعدة الحكم فقط بمقدار الدية تحت المادة (156) من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م.

3- مسألة التعويض عن وفاة العامل البحري غير واضحة المعالم ولم يضع لها القانون السوداني قانون النقل البحري 2010م تنظيماً خاصاً ومن الظلم أن يقتصر التعويض فقط على مقدار الدية وبما يستوجب أن يكون حساب التعويض عن وفاة العامل البحري أثناء الخدمة وفق قواعد العرف البحري وما تقرره الاتفاقيات والمعاهدات الدولية في هذا الشأن والتي تنظم حساب مقدار التعويض وفق القواعد الدولية الحسابية.

ثانياً: نرى أيضاً ولمزيد من الفائدة في المناقشة الفقهية الإجرائية القانونية ولإثراء فقه المناقشة أن نورد السند القانوني الذي استندت عليه محكمة الموضوع في حكمها الذي ألغته محكمة الاستئناف ونلخصه في النقاط التالية:

1- لا خلاف حول واقعة أن المدعى عليهم الأوائل هم ملاك الباخرة البركة (3) وأن المدعى عليهم الثواني هم مستأجرو الباخرة ولا خلاف حول واقعة أن المرحوم متعاقد بعقد عمل بحري مع المدعى عليهم الثواني براتب شهري وقدره 400 دولار أمريكي وتوفي أثناء الخدمة بالباخرة جراء صعقة كهربائية بتاريخ 13/مارس/2013م ولم تكتمل تسوية النزاع مع الوكيل البحري للسفينة ويطالب الورثة كتعويض عن وفاة مورثهم بمبلغ وقدره 250 ألف دولار أمريكي زائداً (25) ألف دولار أتعاب محاماة اتفاقية.

2- الخلاف في دعوى التعويض قائم على أساس تحديد القانون الواجب التطبيق على النزاع وهل هو القانون السوداني والاتفاقيات والأعراف الدولية أو وفق ما قرره القانون البحري في المادة (65) من قانون النقل البحري لسنة 2010م كما يطالب الدفاع رغم أن هذه المادة تتحدث عن تعويض الركاب وليس البحارة العاملين بالبواخر.

3- لم يوقع السودان على الاتفاقيات الدولية التي يطالب الادعاء بتطبيق أحكامها كمرجعية حسابية لتقدير تعويض العامل البحري حال الوفاة أثناء الخدمة في السفينة.

4- تنازع القوانين الحادث في هذه القضية علته وسببه وجود طرف أجنبي في النزاع وهم المدعى عليهم.

5- وفق القواعد القانونية الواردة في قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م المواد (10, 11 , 13(أ) منه يسري على الالتزامات التعاقدية قانون الدولة التي بها الوطن المشترك للمتعاقدين وفي حالة اختلاف الوطن يسري قانون الدولة التي ابرم فيها العقد ما لم يتفق الأطراف على غير ذلك وحيث ابرم عقد العمل البحري بين مورث المدعين والمدعى عليه الثاني بمدينة بور تسودان فالقانون الواجب التطبيق على النزاع هو القانون السوداني قانون النقل البحري لسنة 2010م إلا أن هذا القانون قد خلا من أي نصوص تحكم مسألة التعويض في حالة وفاة البحار أثناء الخدمة وبالتالي تلجأ المحكمة في هذه الحالة إلى القواعد العامة التي نصت عليها المادة الرابعة من قانون النقل البحري في حالة غياب النص والقواعد هي:

فيما لم يرد بشأنه نص أو حكم في هذا القانون تطبق:

(أ ) تطبق الأحكام ذات الصلة في أي قانون آخر سارٍ.

(ب) تطبيق أحكام الاتفاقيات الدولية والإقليمية التي يصادق عليها السودان. (ج) ما استقرت عليه أحكام القضاء.

(د ) العرف البحري الساري.

ورأت المحكمة أنه ووفق الفقرة (أ) فالقانون ذو الصلة بموضوع النزاع حول التعويض هو قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م وأيضاً قانون إصابات العمل لسنة1981م السوداني وقد شمل تعريف العامل المستحق للتعويض عن إصابة العمل1/أي عامل في السودان عامل في سفينة سودانية والمرحوم عامل في سفينة أجنبية وبالتالي لا تسري عليه أحكام هذا القانون ولا تسري عليه أيضاً اتفاقية أثينا لنقل الركاب وأمتعتهم بحراً لسنة 1974م وبروتوكول 2002م لأنها لا تتعلق بالطاقم العامل بالسفن كما أن ملاحق أوذوا التي أصدرتها المنظمة العربية البحرية الدولية لا تعد اتفاقية دولية سارية واجبة التطبيق بل هي مجرد موجهات عامة حول مسؤولية ملاك السفن فيما يتعلق بالمطالبات التعاقدية بشأن إصابة البحارة ووفاتهم وأيضاً لا مجال لتطبيق أحكام المادة (65) من قانون النقل البحري لسنة 2010م لأنها لا تتعلق بحالة تعويض البحار عند وفاته أثناء الخدمة بالباخرة وتتعلق فقط بحالة وفاة البحار بسبب دفاعه عن السفينة أو الشحنة والمسافرين بالباخرة.

6- وترى المحكمة أيضاً أنه لا مسؤولية على أصحاب الباخرة البركة (3) عن تعويض ورثة المرحوم بسبب وفاته بحادث أثناء الخدمة في الباخرة فالسفينة مستأجره بعقد إجارة والمدعى عليها المستأجرة هي التي قامت بالتعاقد مع  طاقم الباخرة وتعيينه وبالتالي فقد تعاقدت مع المرحوم بعقد عمل بحري في السفينة المستأجرة وبالتالي فالمدعى عليها الثانية مؤسسة سلمان سعيد الجابري هي المسؤولة عن التعويض عن وفاة المرحوم بحادث صعق الكهرباء أثناء خدمته بالباخرة المستأجرة.

7- ترى المحكمة أن تعويض الورثة عن وفاة مورثهم تحكمه المادة (156) فقرة (1) من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م وفق الدية الشرعية في المعاملات وقد أقرت المدعى عليها الثانية بالحادث وسبب وفاة المرحوم وبالتالي فإن المحكمة أصدرت حكمها لصالح الورثة بالدية المقدرة قانوناً بـ 30 ألف جنيه , 5 آلاف أتعاب محاماة وشطب الدعوى في مواجهة ملاك الباخرة البركة 3 لانتفاء المسؤولية العقدية أو التقصيرية عن التعويض عن وفاة المرحوم.

ويتضح من السرد التفصيلي الذي أوردناه أن الخلاف الحادث بين الأطراف في هذه القضية والإشكالية التي واجهت المحكمة في إصدار حكمها تتمثل في النقاط والتساؤلات التالية:

(س1)

أولاً: ما هي المرجعية القانونية التي تحكم مسألة تعويض البحار المتعاقد بعقد عمل بحري مع مالك السفينة أو مستأجرها بحسب الحال متى حدثت وفاته بحادث أثناء عمله في خدمة الباخرة ؟؟

(س2)

ثانياً: هل المرجعية القانونية في مثل هذه الدعاوى تكون بتطبيق أحكام قانون المعاملات المدنية السوداني لسنة 1984م ؟؟ في شأن التعويض لعلة غياب نص في قانون النقل البحري لسنة 2010م يحكم حالة التعويض عن وفاة البحار وأيضاً لعدم توقيع السودان على الاتفاقيات أو المعاهدات الدولية أو الإقليمية التي تحكم هذه المسألة وبما يستوجب الرجوع إلى الأحكام العامة للتعويض في قانون المعاملات أو أحكام القضاء السوداني حول المسألة ؟؟

 

(س3)

ثالثاً: أم أن المرجعية القانونية في حكم هذه المسألة يكون بالرجوع إلى أحكام العرف البحري الذي أقره قانون النقل البحري السوداني لسنة 2010م في حالة غياب النص أو أن العدالة في الحكم تستوجب تطبيق أحكام الاتفاقيات والمعاهدات الدولية والإقليمية في شأن العملية الحسابية لتقدير التعويض عن وفاة العامل البحري بحادث أثناء الخدمة في الرحلة البحرية محل إبرام عقد العمل البحري ؟؟

(س4)

رابعاً: إذا تم تأجير السفينة بعقد مشارطه إيجار غير مجهزة أو عارية وقام المستأجر بتجهيز السفينة مادياً وتعيين الطاقم البحري وتشغيل السفينة فنياً وملاحياً بواسطة الربان والبحارة الذي قام بتعيينهم وأصبحت له الإدارة الملاحية وأيضاً الإدارة التجارية فهل تنتفي عن المؤجر مالك الباخرة أي مسؤولية عن الحوادث البحرية أثناء الرحلة للباخرة المستأجرة والتي قد يترتب عليها وفاة أحد البحارة أو أحد من الطاقم أثناء خدمته في الباخرة المستأجرة وبسبب أداء هذه الخدمة أو أثناء أداء هذه الخدمة ؟؟

وفي تقديرنا أنه وقبل البدء والدخول في المناقشة التفصيلية لكل ما أثير من إشكاليات قانونية وفقهية وجدل بين أطراف الدعوى وما توصلت إليه كلُُّ من المحكمة الابتدائية والاستئناف من رؤية قانونية حول المرجعية القانونية للفصل أو الحكم في النزاع فإنه من الضروري البدء بمقدمة ومدخل قانوني وإجرائي وتاريخي لمراحل ما قرره القضاء البحري السوداني في شأن أحكام النقل البحري وعقود العمل البحري وما قرره في شأن المنازعات البحرية الناشئة من عملية النقل البحري بالسفن وإلى مرحلة إصدار تشريع القانون البحري السوداني الجديد والذي أصبح عنوانه قانون النقل البحري لسنة 2010م والنظر في التطور التاريخي الفقهي الذي صاحب فصل القضاء السوداني في مدى تاريخه العدلي في شأن المنازعات البحرية المختلفة وما ترتب عليه من قواعد فقهية صارت مرجعية في أحكام القضايا البحرية في السودان .. ونفصل هذه المقدمة وهذا المدخل التاريخي العدلي على الوجه التفصيلي التالي:

أولاً: المعلوم فقهاً وقانوناً وكما كان يقول أساتذتنا وفقهاؤنا وعلماؤنا الأجلاء من القضاة أصحاب الفكر القانوني المستنير ونذكر منهم على سيبل المثال فقط مولانا/ عثمان الطيب ومولانا/ محمد الحسن شقاق ومولانا/ دفع الرضي ومولانا/ مهدي الفحل ومولانا/ طمبل ومولانا/ هنري رياض ومولانا/ أحمد أمين ومولانا/ مهدي محمد ومولانا/ أحمد جعفر حامد أصحاب المقولة المشهورة التي كانت تتردد أصداؤها كرمزية لعدالة القضاء السوداني أن (القضاء السوداني هو الذي صنع القانون البحري السوداني بما أقره من مبادئ في أحكامه البحرية).

ثانياً: فقد رسخت هذه المقولة بين القضاة وعلى وجه خاص كل من عمل قاضياً في مدينة بور تسودان حاضرة البحر الأحمر مركز مينائه البحري الساحلي وبوابة السودان البحري نحو العالم وباب تجارته وصادره .. فالمعلوم أن السودان من البلاد البحرية الساحلية الممتدة على طول امتداد ساحل البحر الأحمر والجرف القارئ السوداني ومعلوم أيضاً أن أول قانون صدر تحت مسمى القانون البحري كان القانون البحري 1961م في الستينيات من القرن الماضي مع بدء دخول السودان مجال النقل البحري بالسفن السودانية مشاركة مع دولة يوغسلافيا التي صنعت عدداً من السفن البحرية السودانية العاملة تحت راية شركة الخطوط البحرية السودانية سودان لاين فقد صدر القانون البحري سنة 1961م تحت مسمى القانون البحري 1961م وهو وفق المادة (3) تطبيق يطبق على جميع السفن السودانية للملاحة في أعلى البحار التي لا تقل حمولتها القائمة عن 100 طن أينما وجدت وعلى السفن الأجنبية التي تكون راسية داخل المياه الإقليمية السودانية أو مبحرة فيها (مع استثناء السفن غير التجارية لأي دولة أجنبية مثال (السفن الحربية) وهذا القانون يقوم أساسه حول تسجيل السفن والرقابة البحرية والتفتيش البحري عليها وكل ما يتعلق بالسفينة وملكيتها ورهنها وجنسيتها والشهادات الخاصة بالأطقم البحرية وبأهلية ومؤهلات العاملين في السفن البحرية من بحارة طاقم ملاحي وفني وهندسي وضباط وبحرية وضباط إرشاد السفن ... الخ وإصدار شهادات السلامة البحرية واعتمادها والصلاحية الملاحية وإجراءات التحقيق في الحوادث البحرية والإنقاذ البحري وتحديد المسؤولية عن حوادث الوفاة على ظهر أي سفينة أو تلف للأموال والتحقيق في الحوادث السالفة .. وبالتالي لا يشمل أي مسائل أخرى يحكمها القانون البحري العام أو الخاص في الدول الأخرى مثال النقل البحري وإشكالياته مع مراعاة أن القانون البحري للبضائع لسنة 1953م ومأخوذة أحكامه في أساسها من اتفاقية بروكسيل 1924م إلا أنه قانون يقتصر سريان أحكامه على النقل البحري الصادر من السودان إلى خارج السودان ولا يشمل النقل الوارد من خارج السودان إلى داخل السودان (انظر المواد في القانون) ولم يكن أمام القضاء السوداني المستنير سوى هذه القوانين والتي لا تحكم نصوصها منازعات النقل البحري أو منازعات البحر بصورة عامة شاملة كالتأمين البحري والتصادم البحري والرهن البحري والإنقاذ البحري ... الخ فتصدى القضاء السوداني المستنير للفصل العادل في شأن ما عرض عليه من منازعات بحرية ولحسم المنازعات البحرية المختلفة ولم يكن أمامه من سبيل عند التطبيق سوى الاستنارة والإرشاد بالفقه البحري العام والاتفاقيات الدولية الصادرة في هذا المجال وذلك باعتبار وسند أن القوانين البحرية في كل العالم البحري ما هي إلا القواعد التي استقرت عرفاً ثم صارت مقننة في اتفاقيات ومعاهدات دولية وتطورات حسب تطور الأعراف البحرية وصارت قوانين محلية وإقليمية لكل الدول البحرية أو المستغلة أو المستغلة لتجارة البحر وذلك لعلة وحدة القواعد البحرية الدولية بحيث أصبح أنه لا مجال ولا فرضية للقول بتعدد القوانين البحرية انجليزي فرنسي أمريكي ... الخ فكلها تحمل ذات السمات وذات القواعد ولكنها قننت بتشريعات داخليه لكل دولة مع بعض المسائل الإجرائية المعنية بكل دولة ... فظهرت أحكام القضاء السوداني مقتبسة من تلك الأعراف البحرية العامة المتضمنة في تشريعات دول مجاورة أو أخرى أقدم في التقنين البحري وأيضاً بالرجوع إلى المبادئ البحرية العامة التي قننت في اتفاقيات دولية وإقليمية وبناءً عليها كانت ثمرة هذا الاجتهاد المعرفي الفقهي أن قيل أن (القضاء السوداني العادل المستنير هو الذي صنع ووضع لبنة القانون البحري السوداني) ومن أمثلة هذا الاجتهاد ومنه الكثير الذي لم ينشر ما قام بتجميعه وأعده القاضي المجتهد المحقق محمد علي خليفة قاضي المحكمة العليا في كتاب أهم القضايا البحرية الصادرة من المحاكم السودانية والذي أصبح من أهم المراجع في تطبيقات وأحكام القضاء السوداني في شأن فروع المنازعات البحرية حول الحجز البحري وبيع السفينة وعقد العمل البحري والتأمين البحري ومنازعات النقل البحري ومسؤولية الموانئ عند فقد البضائع ومنازعات مشارطة إيجار السفن ومنازعات التحكيم البحري وغيرها من المنازعات البحرية ... واستمر العطاء الفقهي للقضاء السوداني على هذا المنوال وأيضاً بالرجوع إلى المراجع الفقهية البحرية من شراح القانون البحري والقضاء البحري المصري إذ المعلوم أن السودان ومصر كانتا تحت التاج المصري والحكم الثنائي المصري البريطاني وكان الفقه التفسيري المصري والانجليزي بالتبعية هما أقرب المصادر في الاقتباس الفقهي من أحكام من أمثلة شراح القانون المصري المستشار الدكتور كمال حمدي والدكتور أحمد حسني والفقيه مختار السويفي وهاني دوويدار وغيرهم بلا إحصاء ومن شراح وفقهاء القانون الانجليزي الفقهية ( CARVER كارفر ) صاحب المرجع الفقهي الانجليزي في القانون البحري الانجليزي مثال المرجع مؤلف Maritime law وانظر أيضاً المؤلف الفقهي (ARNOULD Carrige by sra  ) صاحـب مؤلف  Marine INSurNCe  والمرجع القانوني  ChRiSTOPHEr Hill كتاب مطبعة اللويدز لندن  MaritIme Law والكثير من المراجع بلا إحصاء ثم استقرت رحلة القانون البحري السوداني في مرسى مشروع قانون النقل البحري الذي صدر أخيراً كآخر تشريع بحري سوداني قانون النقل البحري السوداني لسنة 2010م بعد عدة محاولات إجرائية تشريعية وإشكاليات عملية لإصداره مصحوباً بسلبيات تشريعية وسلبيات في الصياغة في إطار قواعد الصياغة القانونية وبعدم تغطيته كل جوانب المنازعات البحرية وبضرورة تشريعية كانت تستوجب بأن يبدأ إصدار التشريع البحري السوداني بما انتهى إليه التطور التشريعي الحديث في مجال القانون والفقه البحري العام والخاص إلا أنه وبلا شك ورغم كل ذلك كان من اللازم إصداره كأول لبنة حقيقية لقانون نقل بحري وقانون بحري سوداني يمكن تطويره وتعديله وإعادة صياغته وصياغة ما نقص في أحكامه ولقد أدرك المشرع البحري السوداني حقيقة ما شاب أحكام التشريع من نقص وقصور في أحكامه والتي صاحبت ظروف إصداره بأن أورد نصاً تشريعياً مكملاً في المادة (4) منه تحت عنوان:

الأحكام الواجبة التطبيق في غياب النص

فيما لم يرد بشأنه حكم في هذا القانون تطبق:

(أ ) الأحكام ذات الصلة في أي قانون آخر سارٍ.

(ب) أحكام الاتفاقيات الدولية والإقليمية التي تصادق عليها السودان.

(ج) ما استقرت عليه أحكام القضاء السوداني.

(د ) العرف البحري الساري.

وهنا نشير بالضرورة إلى أن عبارة الفقرة (أ) من المادة (4) : تطبق:

الأحكام ذات الصلة في أي قانون آخر سارٍ

قد أثارت إشكالية تفسيرية إلى وجهتي نظر تفسيرية وهي:

وجهة النظر التفسيرية الأولى ترى:

أن هذا البند قد ورد بصياغة عامة وبالتالي وبحسب عمومه لا يشترط خصوصية أن القانون ذا الصلة الجائز تطبيقه في حالة غياب النص أن يكون قانوناً مرتبطاً بقوانين البحار بل يشمل بهذه العمومية جواز تطبيق الأحكام العامة في القوانين التي تحكم المنازعات غير البحرية الشبيهة من حيث الموضوع والطبيعة والأثر والمعالجة كقانون العقود والضرر والتعويض في المعاملات المدنية بما يجوز في حال غياب النص الذي يحكم أي مسألة ذات صلة تطبيق أحكام قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م وهذا ما أخذت به محكمة الموضوع في إصدار حكمها الابتدائي الذي ألغته محكمة الاستئناف بحكمها محل الطعن الآن.

وجهة النظر التفسيرية الثانية:

تخالف وجهة النظر التفسيرية الأولى وترى أن تفسير مقصد المشرع وفق أحكام المادة (6) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م بأن المقصود من عبارة الأحكام ذات الصلة مقصود بها التقيد بالقواعد والأحكام الواردة في قواعد وقوانين المعاملات البحرية فقصد المشرع البحري يجب أن يفسر بمقصد تحقيق أحكام القانون البحري وقواعد وأحكام الأعراف البحرية في حسم المنازعات البحرية المرتبطة باختلاف طبيعة المنازعة البحرية عن المنازعات الأخرى بحسب البيئة التي تحدث فيها المنازعات البحرية والمرتبطة بالبحار والسفن البحرية السودانية والأجنبية على السواء والتي تشترك في ذات القواعد العرفية البحرية والمخاطر البحرية ومدى خطورتها ومدى ارتباطها بالتزامات دولية وإقليمية في الغالب المرتبطة بأطراف أجنبية في المعاملات الدولية تحكمها قواعد عرفية وعقدية ومعاهدات مشتركة لا علاقة لها بقواعد المعاملات غير البحرية .. فطبيعة العمل البحري وبيئته وأعرافه هي التي تحدد عبارة القوانين ذات الصلة السارية في الفقرة (أ) من المادة الرابعة من القانون في حالة غياب النص وبما يوجب فرضية أن تكون عبارة قوانين أو أحكام ذات صلة بالضرورة مرتبطة بالمعاملات البحرية مثل قوانين ولوائح الموانئ البحرية وقانون الجرف القاري السوداني وقانون حماية البيئة البحرية والقوانين الاستثمارية للبيئة البحرية واقتصاديات الاستغلال الأمثل والمشترك للبحار وقاع البحار والمحيطات والقوانين المنظمة للبيئة البحرية والحدودية والقوانين الجمركية المرتبطة بالتجارة البحرية الصادر والوارد وقوانين التجارة البحرية الساحلية.

  أما بالنسبة للحالة الثانية التي نصت عليها المادة (4) في شأن المرجعية القانونية في حالة غياب النص الذي يحكم أي مسألة لم ينص عليها القانون قانون النقل البحري لسنة 2010م وهي:

أحكام الاتفاقيات الدولية أو الإقليمية التي صادق عليها السودان

ومن المعلوم بالنسبة لهذه المرجعية أن السودان لم يوقع على معظم الاتفاقيات الدولية والإقليمية وعلى وجه الخصوص لم يوقع السودان على أي اتفاقيات دولية بحرية أو إقليمية مثال اتفاقيتي بروكسيل أو هامبورج ولم يصادق على اتفاقيات بحرية أو معاهدات بحرية بعينها وبالتالي فلا وجود لهذه المرجعية التي نصت عليها المادة (4) للتطبيق في حالة غياب النص.

أما بالنسبة للحالة الثالثة للمرجعية القانونية في حالة غياب النص في قانون النقل البحري لسنة 2010م والمتمثلة في الحالين:

(ج) ما استقرت عليه أحكام القضاء السوداني.

(د ) العرف البحري السوداني.

فقد وفق المشرع البحري السوداني في اختيار هذه المرجعيات للتطبيق في أي منازعة لم يرد بشأنها نص في القانون فكما أسلفنا فالقضاء السوداني بأحكامه العادلة المستنيرة قد رسخ مبادئ القانون البحري السوداني وفق السرد التاريخي السالف ذكره بما يجعل أهم مرجعية قانونية في حال غياب النص التشريعي للمبادئ القانونية التي أقرها واستقرت في أحكام القضاء السودانية في أي مسألة والعرف البحري الساري باعتباره أصل أحكام القانون البحري وهنا وقبل التفصيل في المناقشة يدور في الذهن التساؤل القانوني التالي:

(س)

هل جاءت بنصوص قانون النقل البحري السوداني لسنة 2010م أي نصوص تشريعية تحكم حالة وفاة البحار أثناء الخدمة في السفينة أو تعويض ورثته أو تحديد الأساس العقـدي والقانوني للتعويض في حالة الوفاة أثناء الخدمة ؟؟

والواضح أمامنا أن المحكمة قد رأت أن قانون النقل البحري السوداني لسنة 2010م قد جاءت نصوصه خالية من أي نص تشريعي يحكم كيفية تعويض وفاة العامل البحري أثناء سريان الخدمة وبسبب الخدمة ونخالف المحكمة العليا في هذه الجزئية والمتعلقة بالرأي التفسيري للنصوص ولما يلي من أسباب:

أولاً: نص المشرع السوداني في المادتين 64,65 من قانون النقل البحري لسنة 2010م صراحة على حالة التزامات مجهز السفينة أي مالكها أو مستأجر السفينة غير المجهز بوصفه مالكاً مؤقتاً يقوم بتعيين طاقم السفينة من البحارة والملاحين ويمارس على الباخرة السلطة الملاحية والتجارية تجاه البحار في حالة وفاته أثناء تأدية عمله في السفينة وقد جاءت النصوص الحاكمة لهذه الحالة على الوجه التالي تحت عنوان:

التزامات مجهز السفينة تجاه البحار المتوفي

(المادة 64)

1- يلتزم مجهز السفينة في حالة وفاة البحار أثناء تأدية عمله بدفع نفقات دفنه أو نفقات نقل الجثمان إلي موطنه بناءً على طلب ورثته.

2- إذا توفي البحار أثناء تأدية عمله على السفينة وتعذر الاتصال بورثته وجب على مجهز السفينة دفع نفقات دفنه في أول ميناء مقصود تصل إليه السفينة .

3- يودع مجهز السفينة لدى خزانة المحكمة في موطن البحار المتوفي الأجر النقدي وكافة المبالغ المستحقة للبحار.

ويلاحظ أن نص المادة (64) قد جاء بنص صياغة عامة يشمل وفاة العامل البحري أثناء الخدمة في السفينة وقد اقتصرت هذه المادة على إيداع الأجر النقدي وكافة المبالغ المستحقة للبحار المتوفي في خزينة المحكمة في موطنه خلال فترة شهرين من تاريخ الوفاة وبحسب سياق النص فإن عبارة يودع كافة المبالغ المستحقة للبحار المتوفي قد جاءت عامة دون تحديد لماهية هذه المبالغ المستحقة وبمفهوم ذلك العموم يمكن تفسير العبارة وفق القواعد العامة أن الذي يحدد كافة المبالغ المستحقة للبحار المتوفي هو الفقه من جهة وأحكام العرف البحري المستقر في مثل هذه الحالات:

وهل يستحق البحار وورثته التعويض عن الوفاة بسبب العمل أو أثناء العمل أسوة بحالة العامل في عقود العمل البري المحكومة بنص قانون تعويض إصابة العمل فإن كان مستحقاً فعلى أساس يحسب مقدار هذا التعويض ؟؟

والغريب والملاحظ في هذا النص التشريعي أنه يتحدث عن التعويض في المادة (65) لورثته فقط في حالات محددة وهي حالة وفاة العامل البحري وهو يدافع عن السفينة أو الشحنة أو المسافرين في السفينة ودون أي ذكر لحالة التعويض عن إصابة العمل التي تحدث أثناء العمل أو بسبب أدائه وبالتالي نتفق مع المحكمة في قرارها بأن حالة وفاة البحار بسبب العمل أو أثناء الخدمة واستحقاق ورثته للتعويض تستوجب الحكم بالدية في حال أن المسألة لا يحكمها أي نص تشريعي وبالتالي فقد لجأت المحكمة إلى الأحكام العامة في التعويض في المعاملات فحكمت بالدية الشرعية وبالتالي أصبحت الحالة المعروضة أمام المحكمة محكومة بما نصت عليه المادة (4) من القانون قانون النقل البحري في حالة غياب النص التشريعي.

وبالتالي فوفق المناقشة السالفة يتضح أن المرجعية التي يحتكم إليها في هذه الحالة حالتان:

(أ ) ما أقره القضاء السوداني في أحكامه وسوابقه.

(ب) وما تقرر في أي عرف بحري ساري.

وبالتالي فإن المحاكم عند التطبيق تلتزم بما قـرره الفقـه القضائي السوداني سابقاً ولاحقاً من مبادئ فقهية قانونية قبل صدوره وما سيقرره القضاء السوداني لاحقاً من مبادئ لمعالجة أي مسائل لم يضع لها قانون النقل البحري لسنة 2010م مستقبلاً في أحكامه أي حكم تشريعي يمكن تطبيقه.

 

وعلى ضوء ذلك نقرر الآتي:

أن المرجعية القانونية والفقهية عند الحكم في شــأن أي مسألة متعلقة بمنازعة بحرية لم يرد بشأنها نص خاص في قانون النقل البحري لسنة 2010م هي ما أقره القضاء السوداني التفسيري في سوابقه من أحكام ومبادئ فقهية وما أقره من أعراف بحرية سارية في فقه القانون البحري العام والخاص.

وبالتالي فهذه الإحالة التشريعية لأحكام القضاء السودانية بمثابة إدراك من المشرع البحري لمقولة أن القضاء السوداني هو الذي صنع ووضع مبادئ القانون البحري السوداني في مرحلة تاريخية عدلية غاب فيها أي تشريع سوداني خاص بالمنازعات البحرية رغم أنه من الدول البحرية الساحلية الممتدة في ساحل البحر الأحمر وعلى ضوء ذلك نعود إلى المناقشة على الوجه التالي:

أولاً: هنالك مسألة مهمة أثارها الطعن المقدم من الأستاذ/ هاشم كنه المحامي تتعلق باختصاص المحاكم السودانية بنظر النزاع المتعلق بالسفن الأجنبية القادمة إلى السودان في رحلة ملاحية أو تجارية أو التي تكون راسية داخل المياه الإقليمية السودانية أو مبحرة في هذه المياه الإقليمية ونرى أن الاختصاص المحلي والمكاني وحتى النوعي هي المسائل التي تحدد متى ينعقد للمحاكم السودانية الاختصاص لأنها مسألة من قواعد النظام العام الإجرائي التي تجوز إثارتها في أي مرحلة من مراحل التقاضي وبناءً عليه وللفصل في هذه المسألة نقرر التالي:

أولاً: استند الطعن في هذه الجزئية على النصوص الموضوعية العامة في المعاملات المدنية والمتعلقة بالقانون الموضوعي الواجب التطبيق على النزاع وقوع الحادث موضوع الدعوى خارج المياه الإقليمية السودانية وواضح أن الطاعن لم يتطرق إلى النصوص الإجرائية التي تنظم إجراءات التقاضي أمام القضاء السوداني في الفصل الثاني من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م في باب الاختصاص الدولي ونقصانها في الأتي:

المادة (8) الدعاوى التي ترفع على الأجنبي الذي له موطن أو محل إقامة في السودان.

تختص المحاكم السودانية بنظر الدعاوى التي ترفع على الأجنبي الذي له موطن في السودان أو محل إقامة في السودان فيما عدا الدعاوى المتعلقة بعقار خارج السودان.

المادة (9):

تختص المحاكم السودانية بنظر الدعاوى التي ترفع على الأجنبي الذي ليس له موطن في أو محل إقامة في السودان إذا كانت الدعوى متعلقة:

(أ ) بعقار أو منقول موجود في السودان وقد وردت الصيغة عقار أو منزل بخطأ في الترجمة في ترجمة قانون القضاء المدني لسنة 1929م عند تعريبه سنة 1974م ثم تكرر الخطأ عند إلغاء قانون 1974م وإصداره في تشريع سنة 1983م ومعلوم أن نصوص قانون 1983م هي ذات نصوص قانون الإجراءات لسنة 1974م مع تعديل طفيف في بعض الحالات القليلة وبالتالي فالعبارة الصحيحة عند قراءة الفقرة (أ) من المادة (9) إجراءات مدنية أن تقرأ:

تختص المحاكم السودانية بنظر الدعاوى التي ترفع على الأجنبي الذي ليس له موطن أو محل إقامة في السودان إذا كانت الدعوى متعلقة:

بعقار أو منقول وليس عقار أو منزل

وذلك لأن النص الأصلي الذي أخذ منه قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م هو نص المادة (9) فقرة (أ) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م والذي جاءت صياغته:

تختص المحاكم السودانية بنظر الدعاوى التي ترفع على الأجنبي الذي ليس له موطن أو محل إقامة في السودان.

1- إذا كان موضوع النزاع متعلقاً بعقار أو منقول موجود في السودان.

أما حالة الفقرة (ب) من المادة (9) إجراءات مدنية لسنة 1983م فتنص على:   

تختص المحاكم السودانية بنظر الدعاوى التي ترفع على الأجنبي الذي ليس له موطن أو محل إقامة في السودان إذا كانت الدعوى متعلقة بالتزام نشأ أو نفذ أو واجب التنفيذ في السودان.. الخ.

أما حالة المادة (11) إجراءات مدنية فتنص على اختصاص المحاكم السودانية بنظر الدعوى المقامة على عدد من الأجانب إذا كان لأي منهم موطن أو محل إقامة في السودان.

ويبدو أن المشرع السوداني في هذا النص قد قصد أن يفرق بين حالين:

1- حالة الدعوى المرفوعة على مدعى عليه أجنبي واحد.

2- حالة الدعوى المرفوعة على عدة مدعى عليهم أجانب.

3- في حالة تعدد المدعى عليهم الأجانب يكفي لانعقاد اختصاص المحكمة أن يكون لأحدهم موطن أو محل إقامة في السودان حتى لو لم يكن للآخرين موطن أو إقامة في السودان.

وقد أراد المشرع حسم الاختصاص في حالة التعدد للطرف المدعى عليه الأجنبي لمنع أي ادعاء بالنسبة للآخرين بأنه ليس لهم أي موطن أو محل إقامة وفق حالة المادة (9) فقرة (ب) وبما يفترض تفسيرياً أن نص المادة (11) هي حالة اختصاص استثنائي عن الحالة الواردة في المادة (9) (أ ).

وهنا نشير إلى أنه قد سبق أن نوقشت مسألة الاختصاص في حالة تعدد المدعى عليهم الأجانب في الدعوى باعتبار التعدد (عددي اثنين) فما فوق وقد أثيرت حول هذه المسألة وجهتي نظر تفسيرية نوردها للفائدة التفسيرية في هذه المناقشة التفصيلية على الوجه التالي:

وجهة النظر التفسيرية الأولى:

ترى أنه لا يكفي لانعقاد الاختصاص المبدئي للمحكمة السودانية على مجرد واقعة (العدد) من الأطراف الأجنبية المرفوعة عليهم الدعوى ولا بد لنشوء قاعدة اختصاص المحكمة السودانية ارتباط الدعوى ابتداء في مواجهة هذا العدد المذكور بسبب تقاضٍ واحد ولا ينشأ الاختصاص متى كان سبب التقاضي لكل طرف أجنبي بسبب مختلف مثال إخلال طرف بالعقد والأخر المسؤولية التقصيرية.

وجهة النظر الثانية:

تخالف وجهة النظر الأولى التفسيرية وترى أن النص قد جاء عاماً بحالة تعدد المدعى عليهم الأجانب وبغض النظر عن تعدد سبب تقاضٍ لكل طرف أو اتحاد أو اشتراك في سبب تقاضٍ واحد فقصد المشرع هو سيادة اختصاص المحكمة السودانية نظر النزاع ويكفي نظر المحكمة السودانية وجود عدد من المدعى عليهم الأجانب ويكفي أن يكون لأحدهم محل إقامة أو موطن في السودان.

ونرى تفسيرياً اتفاقنا مع وجهة النظر الثانية لأنها تفسر النص بما يحقق المقصد الإجرائي التشريعي من النص وهو تحقيق سيادة واختصاص القضاء السوداني والمحاكم السودانية في الحالة المعروضة.

والسؤال التبعي لذلك هو:

هل أصابت المحكمة الابتدائية صحيح القانون بتقريرها شطب الدعوى في مواجهة المدعى عليها الأولى الباخرة البركة (36)؟؟

وعلة هذا التساؤل أن محكمة الاستئناف لم تتطرق إلى هذه الجزئية الإجرائية في حكم المحكمة وألغت الحكم جملة بالتركيز على مسألة موضوع التعويض وما كان جائزاً لمحكمة الاستئناف أن تتجاوز هذه الجزئية وخاصة أنها تتعلق بانعدام أي سبب للتقاضي في مواجهة الباخرة الذي استندت فيه المحكمة على أسباب محددة تتمثل في:

1- أنه لا علاقة لملاك الباخرة بعقد العمل البحري المبرم مع البحار المتوفي.

2- أن المدعى عليها الثانية هي مستأجرة السفينة وهي المتعاقدة مع المدعي المرحوم بعقد العمل البحري لأنها المستأجرة المجهزة للباخرة بمعيناتها وطاقمها البحري وما ذهبت إليه المحكمة الاستئنافية غير موافق للقانون والأحكام العامة للقانون البحري وقانون عقد النقل البحري ولما يلي:

1- المتفق عليه والمعلوم قانوناً أنه في حالة استئجار السفينة غير مجهزة قيام المستأجر بإدارة السفينة إدارة ملاحية وتجارية بتجهيز السفينة بمستلزمات قيامها بالرحلة البحرية وبتعيين الطاقم البحري الملاحي للسفينة فيعتبر المستأجر المجهز في هذه الحالة بمثابة (مالك مؤقت) لفترة السفينة وبالتبعية لا مسؤولية ملاحية أو تجارية للمؤجر مالك السفينة.

2- وهذا ما نصت عليه المادة 77 فقرة (1) و(2) من قانون النقل البحري لسنة 2010م والتي تقرر في الفقرات التالية الآتي:

3- يكون تأجير السفينة غير المجهزة بموجب عقد يلزم بمقتضاه المالك بتمكين المستأجر من الانتفاع بسفينة معينة.

4- يلزم مستأجر السفينة غير المجهزة بإدارتها فنياً وتجارياً.

 

ومعلوم قانوناً أن عقد العمل البحري هو عقد يلزم بمقتضاه شخص بالعمل على ظهر السفينة مقابل أجر يقوم بدفعه مجهز السفينة (المالك) أو(مستأجر السفينة غير المجهزة) بحسب الحال والطرف الذي أبرم معه العقد للعمل في السفينة.

وفي هذه القضية واضح أن عقد عمل المرحوم كان عقد عمل بحري في السفينة المستأجرة من المدعى عليهم الثواني مؤسسة سليمان سعيد الجابري ووقع عقد العمل بمدينة وميناء بورتسودان حيث تعمل السفينة المستأجرة في نقل المواشي من ميناء سواكن إلى السعودية ... وبالتالي فوفق المادة (9) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م ينعقد الاختصاص ابتداءً للمحكمة السودانية وفق القواعد الإجرائية:

(أ ) أن الدعوى متعلقة بالتزام نشأ في السودان وأيضاً واجب التنفيذ في السودان وفق المادتين 64 , 65 من قانون النقل البحري وبالتالي فإن حالة وفاة العامل البحري أو إصابته أثناء عمل وإعادته إلى موطنه وهي مسائل عقدية كفلها القانون.

3- وبناء عليه نقرر أن المحكمة السودانية مختصة حتى ولو لم يكن للطرف المرفوعة عليه الدعوى موطن أو محل إقامة في السودان كالحالة المعروضة.

وفي ذات السياق يكون التزام المستأجر المتعاقد وهو الطرف في عقد العمل ويقع عليه كرب عمل تبعة أي إخلال بالعقد من جانبه بالإضافة إلى المسؤولية وفق قواعد المسؤولية التقصيرية متى ترتب على إصابة العامل أو وفاته أحكام هذه المسؤولية وفي القضية المعروضة الآن فواضح أن المرحوم قد توفي بصعقة كهربائية أثناء خدمته في الباخرة وبحسب سياق وصياغة عناصر الدعوى فهي قائمة على قاعدة المسؤولية التقصيرية متى توافر في الحادث الذي أدى إلى الوفاة عناصر الخطأ والضرر ورابطة السببية وبالتالي تندرج حالة الوفاة هنا تحت أحكام وقواعد المسؤولية التقصيرية .. ولقد توقفنا في إجراءات هذا المحضر كثيراً ولما يلي من أسباب:

1- رفعت الدعوى ابتداءً في مواجهة أصحاب الباخرة واستمر الجدل القانوني بين طرفي الدعوى حول مسؤولية أصحاب الباخرة رغم أن واقع المحضر فيه إشارة إلى أن هنالك طرفاً ثانياً وهو مؤسسة سعيد الجابري المستأجر للسفينة وهو المتعاقد مع المرحوم بعقد عمل في السفينة المستأجرة وظل أصحاب السفينة ومحاميهم يكررون دفاع عدم مسؤوليتهم التقصيرية لأن الباخرة أجرت غير مجهزة وأن المستأجر هو الذي قام بتجهيزها وتعيين طاقمها بمن فيهم المرحوم وأن المستأجر هو الطرف المباشر.

2- استمر محضر الدعوى في هذه المجادلة القانونية حول اختصاص المحكمة وحول علاقة أصحاب الباخرة بالحادث وتحديد القانون والمرجعية القانونية الواجبة التطبيق على النزاع بدفوع مبدئية رفضتها المحكمة وبعد سماع الطرفين تبين للمحكمة أن مؤسسة سعيد لم تضم للدعوى أو تقدم دفاعها (ص 160-163) حيث الدعوى كانت قائمة ولم ترفع ابتداءً سوى في مواجهة ملاك الباخرة ورغم أن مؤسسة سعيد هي الطرف المستأجر للباخرة.

3- بناءً على ذلك تقدم المدعون ص 170 في جلسة 6/اكتوبر/2015م بعريضة دعوى معدلة وفق قرار المحكمة وأضيفت المدعى عليها الثانية مؤسسة سعيد في الفقرات 2, 3, 4 بأن المذكورة هي مستأجرة الباخرة غير المجهزة وهي التي تعاقدت مع المرحوم بعقد العمل البحري.

4- في 12/اكتوبر/2015م ظهر الأستاذ/ هاشم كنة إنابة عن المدعى عليهم ملاك الباخرة ومؤسسة سعيد وكرر ذات سببه السابق بأنه لا علاقة بين أصحاب الباخرة والمرحوم وكرر أيضاً ذات دفوعه السابقة التي رفضتها المحكمة بأن عريضة الدعوى تنفي أي مسؤولية عقدية أو تقصيرية عن أصحاب الباخرة وأن المسؤولية العقدية هي بين المرحوم والمدعى عليها الثانية وطالب بالتبعية بشطب الدعوى في مواجهة أصحاب (ص 183 إلى 184) وفي ذات الوقت جاء دفاعه عن المدعى عليها الثانية على الوجه التالي:

1- إقرار بكل فقرات الدعوى المتعلقة بالعلاقة العقدية بين المرحوم والمدعى عليها الثانية وبالحادث الذي أدى إلى وفاة المرحوم بصعقة كهربائية أثناء أداء عمله في الباخرة.

2- نازعت المدعى عليها الثانية في تحديد المرجعية القانونية التي تستحق بها الورثة التعويض وأن القانون البحري قانون النقل البحري السوداني لسنة 2010م غاب عنه النص على حالة تعويض البحار العامل في السفينة في حالة الوفاة أثناء الخدمة أو بسببها واقتصر النص على تعويض ورثة الراكب أو المسافر في حالة وفاته ونص على حالة البحار الذي يتوفى أثناء دفاعه عن السفينة أو المسافرين أو البضاعة خلال الرحلة البحرية.

3- ويرى الدفاع ولانعدام السند القانوني للمقاضاة لعدم وجود نص تشريعي ينص على تعويض العامل أثناء الخدمة وبما يستوجب انعدام سبب التقاضي وبالتالي يلتمس شطب الدعوى في مواجهة المدعى عليها الثانية.

وبالرجوع إلى قضاء المحكمة فقد استندت في حكمها على:

1- لا مسؤولية عقدية على أصحاب الباخرة أو أي مسؤولية تقتصيرية عن الحادث وقررت شطب الدعوى في مواجهته.

2- أن المدعى عليها الثانية هي المسؤولة عقدياً أو تقصيرياً لأنها استأجرت الباخرة غير مجهزة وفق أحكام قانون النقل البحري لسنة 2010م واستأجرت جسم السفينة وقامت بإعدادها وتعيين كل طاقمها بمن فيهم المرحوم بعقد العمل وأصبحت صاحبة المسؤولية كاملة على الباخرة (المسؤولية الملاحية والتجارية).

3- بما أن المدعى عليها الثانية أقرت بكل فقرات الدعوى العقدية والحادث الذي أدى إلى وفاة المرحوم أثناء خدمته بصعقة كهربائية وقد افترضت المحكمة من هذا الإقرار الكامل أنه إقرار من المدعى عليها الثانية بالمسؤولية التقصيرية عن وفاة المرحوم وفق قواعد المسؤولية التقصيرية (وقوع الخطأ من جانب المستأجرة والتي لم تدفع بمسؤولية المرحوم عن الخطأ) وبالتالي نتجت من هذا الإقرار علاقة السببية بين الخطأ المفترض والضرر (وفاة المرحوم).

4- وأن المحكمة تبعاً لفرضية المسؤولية التقصيرية في وقوع الحادث في مواجهة مؤسسة سعيد وضرورة ولزوم الحكم عليها بالتعويض إلا أنها رأت أن القانون قانون النقل البحري لم يورد نصاً يحكم حالة التعويض عن المسؤولية التقصيرية في حالة وفاة البحار كما أن قواعد التعويض الواردة في قانون تعويض العمال البري لسنة 1981م لا تسري أحكامه على القضاء بالتعويض البحري ولا يسري أيضاً قانون العمل البري لسنة 1997م على النزاع وأن أقرب قانون يعتمد عليه في غياب أي نصوص أخرى أن تلجأ إلى التعويض وفق أحكام القواعد القانونية العامة للمعاملات المدنية لسنة 1984م وفق أحكام المادة (156) فقرة (من قانون المعاملات لسنة 1984م) والذي ينص على:

الحكم بالدية الشرعية وفق وجوبية الدية في حالة الوفاة ومسؤولية المدعى عليها الثانية في تسببه وأن تحديد مقدار الدية يجب وفق أحكام الجداول الواردة بالقانون الجنائي لسنة 1991م وفق أحكام قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1984م .

وبالتالي جاء الحكم على الوجه التالي:

1- الدية ثلاثون ألف جنيه تعويضاً عن وفاة المرحوم.

2- زائداً رسوم الدعوى في حدود المبلغ المحكوم به , 5 آلاف جنيه أتعاب محاماة.

وكما أسلفنا فواضح من حكم الاستئناف المطعون فيه أنه قد ألغى الحكم الابتدائي السالف ذكره على السند الأتي:

1- لا تكفي الدية وحدها كتعويض ولا بد من التعويض وفق أحكام العرف البحري والاتفاقيات المنظمة لحساب التعويض.

2- إلغاء الحكم وإعادة الإجراء لمزيد من السماع حول مقدار التعويض في حالة وفاة العامل البحري وفق أحكام الأعراف البحرية والاتفاقيات الدولية.

3- ولم تناقش محكمة الاستئناف في حكمها الجزئية الواردة في حكم المحكمة الابتدائية المتعلقة بشطب الدعوى في مواجهة المدعى عليهم الأوائل (أصحاب الباخرة) رغم أن واقع المحضر ينفي أي مسؤولية عنهم عقدية أم تقصيرية ولم تسبب حكمها في هذه الجزئية وألغت الحكم كله بما فيه حكم شطب الدعوى في مواجهة أصحاب الباخرة البركة (3) المدعى عليهم الأوائل.

ومن ثم نرى في البدء تقرير عدم صحة حكم محكمة الاستئناف في جزئية إلغائها الحكم الابتدائي والقاضي بشطب الدعوى في مواجهة المدعى عليم الأوائل ودون تسبيب لهذا الإلغاء وتجاوز مسألة شطب الدعوى في مواجهة أصحاب الباخرة بما يجعل الحكم معيباً وغير مسبب في سندها في هذه الجزئية ويبدو أنه قد سها عليها الأمر إذ الثابت من كل واقع المحضر أنه لا سند لتقرير مسؤولية أصحاب الباخرة عن الحادث الذي أدى إلى وفاة المرحوم سواءً إن أكانت مسؤولية عقدية أم تقصيرية و بناءً عليه نقرر ابتداءً:

1- عدم صحة قضاء محكمة الاستئناف في هذه الجزئية ونقرر بالتبعية صحة قضاء المحكمة الابتدائية في هذه الجزئية وبالتبعية تأييد قضاء المحكمة الابتدائية القاضي بشطب الدعوى في مواجهة أصحاب الباخرة المدعى عليهم الأوائل.

2- إلغاء حكم الاستئناف في جزئية إعادة الدعوى في مواجهة المدعى عليهم الأوائل.

وعلى ضوء ما تقدم فالسؤال الذي يطرح نفسه هو هل:

(س 1)

غاب النص التشريعي في قانون النقل البحري لسنة 2010م والذي يحكم مسألة تقدير التعويض في حالة وفاة العامل البحري أثناء الخدمة أو بسببها وفق أحكام المسؤولية التقصيرية وهل أصابت المحكمة الابتدائية في تطبيق أحكام الدية كتعويض في الحالة المعروضة ووفق قواعد وأحكام تقدير الدية وفق الجداول الملحقة بتقدير الدية في القانون الجنائي لسنة 1991م؟؟

 

 

(س 2)

وبالتبعية فهل كان لحكم محكمة الاستئناف في تقريرها بضرورة عدم اقتصار الحكم على الدية مقدار التعويض وبأنه يجب أن يحسب مقدار التعويض في هذه الحالة وفق أحكام العرف البحري والاتفاقيات الدولية له سنده أو ما يبرره قانوناً؟؟

ونرى الآتي:

أولاً: لا خلاف حول وجود جدلية فقهية وتفسيرية في المحاكم حول واقعة ومسألة غياب نص خاص في قانون النقل البحري لسنة 2010م يحكم مسألة التعويض عند وفاة البحار أثناء الخدمة أو بسببها وفق قواعد المسؤولية التقصيرية أو وجود نص يحكم مسألة وفاة العامل البحري أثناء العمل أو بسببه أسوة بقانون إصابات العمل البري لسنة 1981م.

ثانياً: وتبعاً لذلك الجدل التفسيري حول فرضية غياب نص تشريعي يحكم الحالة المعروضة فقد أصبحت المرجعية القانونية بالنسبة لتطبيقات المحاكم هي مرجعية ما قررته المادة (4) من قانون النقل البحري لسنة 2010م والسالف مناقشتها في هذه المذكرة على وجه مفصل.

وفي تقديرنا أن الإجابة على هذه التساؤلات السالف ذكرها حول مسألة غياب النص التشريعي الذي يحكم مسألة وفاة العامل البحري أثناء الخدمة بسببها  فإنها تكون على الوجه التفصيلي التالي:

1- في البدء نشير إلى أن نصوص قانون النقل البحري لسنة 2010م قد نصت صراحة على حقوق العامل البحري (العقدية) أي الحقوق التي منشؤها عقد العمل البحري والتي تتمثل في:

(أ ) من استقراء النصوص الواردة في قانون النقل البحري لسنة 2010م م 60-61-62-63-64-65 نجد أنها تتعلق بحقوق البحار البحري العقدية وهي على وجه الحصر بأن يلتزم المجهز (مالك) السفينة أو مستأجرها غير مجهزة بتعيين طاقمها باعتباره المسؤول الملاحي والتجاري أثناء فترة إبحار السفينة.

1- توفير الإقامة والإعاشة والعلاج والترحيل مجاناً بأن يتخذ التدابير اللازمة لعلاجه دون مقابل إذا أصيب بجروح أو مرض أثناء تأدية واجبه ولا يشمل العلاج حالات الإصابة أو المرض الناشئين من حالة العصيان أو السكر أو تعاطي المخدرات أو غير ذلك من حالات سوء السلوك وأن يكون العلاج في حدود ما يستحق من أجر.

2- يستحق البحار أجره كاملاً أثناء الرحلة البحرية في حال الإصابة أو المرض وأثناء تأدية الوظيفة أو بسببها.

3- إعادة البحار إلى وطنه وتشمل هذه الإعادة نفقات العودة والإقامة خصماً على استحقاقه الواردة في (حالة م (63).

4- يستحق البحار تعويضاً مقداره مرتب شهرين في حالة تخلي مجهز السفينة عن السفينة وتركها أو نقل ملكيتها لآخرين.

5- إذا حالت قوة قاهرة دون بدء سفر السفينة بعد إبرام عقد العمل أو قوة قاهرة حالت دون مواصلة السفينة للرحلة البحرية يستحق العامل المعين بالرحلة أجرة عن الفترة التي قضاها فعلاً في خدمة السفينة ولا يحق له في حالة القوة القاهرة طلب أي مكافأة أو تعويض آخر بخلاف هذا الأجر.

6- يحق للبحار طلب تعويض يعادل أجر شهرين إذا فقد البحار أمتعته الشخصية بسبب هلاك الباخرة.

7- في حالة وفاة البحار أثناء تأدية عمله يلزم المجهز مالك السفينة أو المجهز المستأجر نفقات نقل الجثمان إلى موطنه بناءً على طلب ورثته ويدفع نفقات دفنه وإذا تعذر الاتصال بورثته وجب على المجهز دفع نفقات نزوله في أول ميناء مقصود تصل إليه السفينة ويلزم المجهز بأن يودع لدى خزينة المحكمة في موطن البحار المتوفي الأجراء النقدي وكافة النفقات العقدية المستحقة للبحار المتوفي خلال فترة أقصاها شهران من تاريخ وفاته.

8- في حالة كان سبب وفاة البحار في السفينة بسبب دفاعه عن السفينة أو دفاعه عن الشحنة أو المسافرين في السفينة يستحق ورثته تعويضاً يعادل أجر ثلاثة أشهر أو مبلغاً يعادل أجرته خلال مدة الرحلة إذا كان معيناً بالرحلة ويضاف إلى كليهما التعويضات التي يقررها هذا القانون والقوانين الأخرى.

 

فهذه الحقوق تتعلق بحقوق العامل البحري الناشئة عن:

(عقد العمل البحري في السفينة).

ولم يتطرق قانون النقل البحري 2010م إلى حالة النزاع الحالي حالة:

(التعويض عن المسؤولية التقصيرية في حالة إصابة ووفاة العامل البحري).

أثناء الخدمة أو بسببها)

1- إلا أنه قد نص فقط على حالة المسؤولية التقصيرية بالنسبة لتعويض المسافر على السفينة في حال خطأ أو إهمال الناقل أو أحد تابعيه ويشمل فترة تعويض المسافر العشرة من أثناء صعوده إلى السفينة أو نزوله منها أو أثناء السفر أو نزوله منها أو في ميناء الوصول أو في أي ميناء آخر ترسو فيه السفينة لحين مواصلة السفر.

2- تحدد مسؤولية الناقل عن وفاة المسافر أو إصابته بمقدار الدية وفق القانون الجنائي الساري والمنشورات المنظمة للدية ويجوز للأطراف الاتفاق على تحديد المسؤولية إذا كان التحديد يزيد على مقدار الدية.

 

وهنا نلاحظ أن المحكمة الابتدائية قد لجأت إلى تحكيم التعويض بالدية في حالة الإصابة والوفاة نتيجة المسؤولية التقصيرية في قانون المعاملات المدنية 1984م ويبدو لنا أن المحكمة عند اطلاعها على نصوص قانون النقل البحري لسنة 2010م واستناداً على ما توصلت إليه بعدم وجود نص تشريعي يحكم مسألة تعويض العامل البحري عند الوفاة أثناء الخدمة وبسببها لم تلاحظ وجود نص المادة 168 فقرة (1) ، (2) من قانون النقل البحري لسنة 2010م التي تتحدث عن حالة التعويض بسبب المسؤولية التقصيرية فالنص يقرر:

68 فقرة (1):

يكون مجهز السفينة مسؤولاً عن أخطاء الطاقم البحري أو أي شخص آخر في خدمة السفينة إذا وقعت الأخطاء أثناء تأدية عملهم أو بسببها.

وتفسيرياً فهذه الفقرة تتحدث عن المسؤولية التقصيرية الواقعة من طاقم الباخرة أو المرشد أو أي شخص آخر في خدمة السفينة ترتب عليها ضرر على أي شخص بخلاف المذكورين أي مسؤولية أعمال الطاقم والعاملين بالسفينة عن الأخطاء المرتكبة أثناء عملهم أو بسببه وترتب بها ضرر للغير.

المادة 68(2):

في حالة حدوث وفاة أي شخص أو إصابته نتيجة خطأ في الملاحة يكون مجهز السفينة ملزماً بأحكام الديات في الوفاة والإصابة وفقاً لأحكام القانون الجنائي 1991م مع احتفاظ هذا الشخص بحقه في المطالبة بالتعويض وفقاً لأي قانون آخر.

وتفسيرياً في هذا النص فقد وردت عبارة (شخص) عامة دون تحديد إن كان هذا (الشخص المعني راكباً أم مسافراً أم بحاراً أو عاملاً بحرياً في السفينة)  ووفق قواعد التفسير العامة للنصوص تظل عبارة (شخص) سارية على عمومها ما لم تخصص وبالتالي تشمل عبارة (شخص) الوارد في الفقرة (2) من المادة (68) من قانون النقل البحري لسنة 2010م أي شخص حدثت وفاته أو إصابته نتيجة لخطأ ملاحي مرتبط بالعملية الفنية الملاحية خلال رحلة الباخرة ويشمل بالتبعية أياً من طاقم الباخرة نفسه أو ملاحيه في حالة وفاته نتيجة لخطأ في الملاحة وفق قواعد المسؤولية التقصيرية المعلومة أثناء خدمته أو بسببها وفق قاعدة  كل فعل ضار يستوجب التعويض.

وقد ثار خلاف وجدل فقهي في بعض القضايا حول تفسير عبارة:

(خطأ ملاحي الموجبة للتعويض باعتباره قاعدة المسؤولية التقصيرية)

وترتب على الخلاف التفسيري وجهتا نظر نوردهما للفائدة التفسيرية في المناقشة على الوجه التالي:

وجهة النظر التفسيرية الأولى:

ترى التفسير الآتي:

لم يعرف قانون النقل البحري 2010 عبارة (خطأ ملاحي) وجاءت عبارة الخطأ الملاحي عامة والمعلوم من استقراء القانون جملة أن عبارة خطأ ملاحي مرتبطة ارتباطاً جازماً (بالإدارة الملاحية للسفينة) وهو ما يعرف (بالإدارة الفنية) وقد وردت هذه العبارة كمثال في المادة 77(2) يلتزم مستأجر السفينة غير المجهزة بإداراتها فنياً والمادة (83) فقرة (ب) يكون مالك السفينة المجهزة مسؤولاً عن الإدارة الفنية ووفق الأصل يلتزم مالك السفينة ومجهزها كل مستلزمات لإدارة أعماله التجارية الخاصة بالنقل البحري وبداهة وبالتبعية يكون المجهز مسؤولاً عن الإدارة (الفنية) المتعلقة بتشغيل الباخرة وسلامتها . وبالتالي تذهب وجهة النظر الأولى أن عبارة (الأخطاء الملاحية الواردة في المادة 68 فقرة (1) ، (2) أي خطأ (فني) يتعلق بسلامة السفينة كمخدم بحري وصلاحية كل الأجهزة والمعدات والمرافق والمعدات المتعلقة بتشغيل السفينة وسلامة أجهزتها الداخلية وصلاحياتها بما يمنع أي أضرار تقع على أي شخص راكب أو بحار وتشمل الأخطاء الفنية في مباشرة أي من الطاقم البحري أو أي شخص آخر في خدمة السفينة بأي واجب وظيفي يرتب ضرر أو وفاة أي شخص بهذا الخطأ الوظيفي وترى وجهة النظر الأولى أن ذلك يشمل الخطأ الملاحي الفني في صيانة وسلامة معدات الرحلة قبل الرحلة وأثناءها بما فيها المعدات الكهربائية والمعدات الميكانيكية وبما يجعل وفاة أي شخص بسبب أي خلل في هذه المعدات وهذه الأخطاء الفنية هو خطأ (ملاحي) في مقاصد المادة 68 (1 – 2) من القانون وبالتبعية يسأل مجهز السفينة ومالكها أو المستأجر لسفينة غير مجهزة عن أي أخطاء فنية في معدات السفينة تؤدي إلى وفاة أي

شخص راكب أو بحار على السواء.

وجهة النظر التفسيرية الثانية:

إن كانت متفقة مع وجهة النظر الأولى في تفسير عبارة خطأ ملاحي الواردة في المادة 68 فقرة (1)و(2) من قانون النقل البحري 2010م إلا أنها تضيف بضرورة التفرقة بين أخطاء الطاقم البحري التي تسبب في الضرر أو الوفاة أثناء تأدية عملهم أو بسببه في إطار الأداء الفني للوظيفة وبين عدم صلاحية المعدات الملاحية الفنية للسفينة والتي يمارس طاقم السفينة أعمالهم الملاحية والفنية في أداء واجباتهم من خلالها فهنا الخطأ الفني من جانب المجهز نفسه وليس الطاقم البحري نتيجة لعدم صلاحية المعدات الملاحية للسفينة وتجهيزاتها للعمل أو السلامة وهنا يكون خطأ الملاحة الفني هو(خطأ المجهز) نفسه وتشمل عبارة (شخص) في النص وفاة البحار أو أيٍ من الطاقم بسبب عدم سلامة المعدات أو سلامتها الملاحية الفنية وبما يستوجب تعويض البحار في هذه الحالة وفق الفقرة (2) من المادة (68) من قانون النقل البحري لسنة 2010م.

وقد أضاف رأي عرضي آخر إضافة تفسيرية تفيد تفسيرياً بأن مفهوم عبارة السلامة الفنية الملاحية أنها وردت كنص تشريعي عام يشمل معنى ومقصداً تشريعياً بأن تكون السفينة مجهزة بالأدوات والأجهزة والوسائل اللازمة لحفظ وسلامة (السفينة كمنقول عائم) وأيضاً أن تكون مجهزة بالأدوات والمعدات التي تحفظ البضاعة المحمولة عليها والمحافظة على سلامتها من أي تلف أو ضرر وأيضاً أن تكون مجهزة بأدوات ومعدات السلامة وبأجهزة صالحة وبكافة الوسائل التي تمكن من المحافظة على سلامة الركاب والعاملين على ظهر السفينة على (سواء) قبل الرحلة البحرية وأثناء هذه الرحلة البحرية.

ونتفق مع وجهات النظر التفسيرية السالفة جميعاً في أن قانون النقل البحري قد نص في المادة (68) فقرة 1 ، 2 على حالة تعويض العامل البحري في حالة الإصابة أو الوفاة وفق أحكام المسؤولية التقصيرية وهو ما يسري على أحكام هذه الدعوى الحالية فالمجهز المستأجر (مؤسسة سليمان سعيد) قد أقرت بالمسؤولية التقصيرية عن وفاة المرحوم بسبب عمله في الباخرة نتيجة صعقة كهربائية ولم تدفع بخطأ المرحوم أو مشاركته في هذا الخطأ الذي أدى إلى وفاته أثناء قيامه بعمله وبما يضع قرينة وقائعية بأن سبب وفاة المرحوم كان بسبب وعلة خلل فني كهربائي وبسبب أخطاء فنية تتعلق بسلامة السفينة ومعداتها والتي أدت إلى هذه الوفاة والتي تندرج تحت بند الأخطاء الفنية الملاحية في نهاية المطاف.

وهنا وفي إطار المناقشة القانونية التفسيرية لنص المادة 68 (1 و 2) من قانون النقل البحري 2010م فقد ورد في عجز الفقرة (2) العبارة التالية:

(مع الاحتفاظ بحقه في المطالبة بالتعويض وفقاً لأي قانون آخر)

وقد أثارت هذه الفقرة في المناقشة التفسيرية جدلاً حول عبارة:        

(وفقاً لأي قانون آخر)

وانقسمت إلى وجهتي نظر تفسيرية:

وجهة النظر التفسيرية الأولى:

ترى أن فقرة وعبارة الاحتفاظ بالإضافة إلى الدية حق المصاب أو الورثة عن المتوفى في أي تعويض آخر أو المطالبة بأي تعويض آخر خلاف الدية عن الوفاة أو الجرح وفقاً لأي قانون آخر ينص على تعويض آخر فلفظ وعبارة النص أنها عبارة تشريعية عامة تشمل أي قانون آخر بحري أو حتى قانون آخر يرى ويقرر حق تعويض آخر وهذه الإحالة إلى قانون آخر تعني قانونية الأخذ بأي قانون آخر يعطي تعويضاً بخلاف الدية وبالتالي يجوز الرجوع إلى أي قانون آخر سواء كان قانوناً بحرياً أو برياً سارياً يحكم الحالة المعروضة مثل قانون المعاملات 84 و قانون العمل 97 ، وقانون تعويض العمال 1981م وترى وجهة النظر الأولى مخالفة ما قررته بعض السوابق السابقة وترى أنه لا سند لما قررته السوابق القضائية السابقة الصادرة قبل إصدار تشريع قانون النقل البحري لسنة 2010م والتي قررت مبدأ عدم انطباق القوانين البرية إذ لم يكن في ذلك الوقت قانون بحري ينص على الحكم بالتعويض عن أي أضرار أخرى مثال ما نص عليه القانون الحالي إذ كان الحكم في السوابق السابقة مبنياً على الاجتهاد الفقهي البحت لعدم وجود نص تشريعي:

مثــال:

السابقة:

مؤسسة فائز للتجارة والملاحة

//ضد//

خليل محمــد علــي

م أ/أ س م/5/1406هـ

مؤلف محمد علي خليفة: قاضي المحكمة العليا ص 102 أهم القضايا البحرية الصادرة من المحاكم السودانية.

والفرق التفسيري الآن وبين ما قررته السابقة السالفة اجتهاداً فقهياً أن الوضع التفسيري حالياً قائم على قاعدة أن هنالك قانوناً للنقل البحري ينص صراحة على حالة التعويض عن حالة المسؤولية التفسيرية في المادة 68(1) و (2) وقد أجاز المشرع صراحة الإحالة للنظر في أي مطالبة أخرى بالتعويض إلى أي قانون آخر بنص عام وبما يخالف المذهب الفقهي الاجتهادي في السابقة السالفة وبما يجيز متى كان هنالك إمكانية في المطالبة بتعويض آخر وتم إثبات الحق في أي تعويض آخر غير الدية فإنه يجوز الرجوع والنظر في التعويض الآخر في ظل تلك القوانين واقتبس هذا الرأي من خلال وجهة نظر المستشار الدكتور كمال حمدي من مؤلفه القانون البحري 207 ص 317 والذي يرى:

مطالبة البحار بحقوقه الناشئة عن عقد العمل البحري أو تلك التي يقررها له القانون سواء أكانت المسؤولية في الأحوال العقدية أو التقصيرية فإن الدعوى التي ترفع بصددها هي دعاوى مدنية تطبق بشأن الاختصاص القضائي بنظرها أحكام قانون المرافعات المدنية والتجارية إذ يعتبر شأن العامل البحري في ذلك الوضع القانوني شأنه شأن باقي فئة العمال بحساب أن المشرع المصري لم يضع تنظيماً إجرائياً خاصاً لمنازعة عمال البحر (البحارة) منفصلة عن أي عمالة أخرى.

وجهة النظر التفسيرية الثانية:

تخالف وجهة النظر التفسيرية الثانية وجهة النظر التفسيرية الأولى وترى أن تفسير عبارة الاحتفاظ بالحق في المطالبة بالتعويض وفقاً لأي قانون آخر       لا تفسر بما يخالف ما ذهبت إليه السابقة المذكورة فالفقرة (4) من (قانون النقل البحري 2010م وضعت قاعدة تجعل أنه في حالة غياب النص يكون الرجوع في التطبيق إلى مرجعية المستقر من أحكام القضاء السوداني وليس مخالفة ما قرره القضاء السوداني فعبارة الفقرة (أ) من المادة (4) التي تقرر: تطبق الأحكام ذات الصلة في أي قانون آخر ، وعبارة وفقاً لأي قانون آخر الواردة في المادة 68(2) من قانون النقل البحري لا تعني الرجوع إلى القوانين البرية بل تعني أي قوانين أخرى بحرية تحكم الحالة المعروضة.

وواضح أن لكل وجهة نظر تفسيرية وجاهتها التعليلية التفسيرية فالملاحظ هنا أيضاً أن قانون المعاملات المدنية 1984م الذي أخذت به المحكمة فإنه ينص في المادة (165) منه على ذات القاعدة التي نصت عليها المادة 68 فقرة (2) على وجه التفصيلي التالي:

 

المادة 156 معاملات 1984م:

1- الدية حق مالي يثبت بإحداث الموت أو الجرح.

2- وتسري على المسائل التفصيلية المتعلقة بوجوب الدية ومقاديرها ومن تجب عليه الأحكام الواردة في القانون الجنائي وفق أصولها الشرعية ووفق أحكام قانون أصول الأحكام القضائية 1983م.

وأضافت المادة (157) معاملات:   

يجوز للمضرور فوق ما يجب له في حالة الدية

أن يطالب بالتعويض من أي ضرر آخر يلحق به.

 

المادة (68) من قانون النقل البحري 2010م:

فقرة (2) تنص على أنه في حالة حدوث وفاة أي (شخص) أو إصابته نتيجة لخطأ في الملاحة يكون مجهز السفينة ملزماً بأحكام الديات في الوفاة والإصابة  وفقاً لأحكام القانون الجنائي لسنة 1991م مع الاحتفاظ بحق المصاب أو ورثته في حالة وفاة المطالب بالتعويض وفقاً لأي قانون آخر.

ولقد توصل القاضي المجتهد المحقق المدقق قاضي المحكمة العامة مولانا/       (فيصل طه أحمد) باستقرائه العدلي إلى تطبيق أحكام الدية الواردة في المادة (42) من القانون الجنائي لسنة 1991م والتي تنص على (التعويض: فقرة (1) الدية مائة من الإبل (أو) وفق ما يقدره من حين لأخر رئيس القضاء بعد التشاور مع الجهات المختصة) فهذا عهدنا به التميز في الأداء الإجرائي والموضوعي والذي دعاه إلى الاسترشاد وتطبيق أحكام الدية وقد جاء حكمه مطابقاً لما نص عليه قانون النقل البحري 2010م في المادة 68 (1) و (2) منه بحالة التعويض عن المسؤولية التقصيرية وإن كان قد استند على قانون المعاملات المدنية 1984م ولم يستند على المادة (68) من قانون النقل البحري إلا أنه في النتيجة قد توصل إلى ذات الحكم وذات النتيجة.

أما بالنسبة لحكم محكمة الاستئناف المطعون فيه فإنه وفي تقديرنا وفي تفسيرنا لحكمها فإننا نجد أن عبارة وصياغة حكمها قد جاءت على نحو:

أولاً: أن مسألة وفاة العامل البحري غير مضمنة في القانون السوداني.

ثانياً: أنه من الظلم الحكم بالتعويض في حالة وفاة العامل البحري بعوض الدية وأن الواجب في هذه المسألة الرجوع إلى قواعد التعويض في العرف البحري الدولي والاتفاقيات الدولية التي تحكم حالة التعويض عن وفاة العامل البحري.

ويبـدو لنا أن محكمة الاستئناف لم تطلع على نص المادة (68) الفقرة (1) ، (2) من قانون النقل البحري 2010م والسالف مناقشتها والتي تنص على حالة التعويض عن وفاة العامل البحار وفق قواعد المسؤولية التقصيرية المدنية ولا نلوم المحكمة الابتدائية أو محكمة الاستئناف في ذلك فقانون النقل البحري 2010م صاحبته العديد من السلبيات في الصياغة والقصور في كثير من أحكامه وفي ترتيب أحكام مواده التشريعية القانونية فقد أكدت التجربة العملية التطبيقية للقضاء في تطبيق أحكام هذا القانون وجود هذا القصور التشريعي والسلبيات المصاحبة لسياق متنه وفي صياغة نصوصه كالحالة الحالية المعروضة في النزاع حول تعويض العامل البحري عن الوفاة أو تعويض ورثته في حالة الوفاة نتيجة لعمل من أعمال المسؤولية التقصيرية مدنياً فالمشرع (أورد هذه المسألة) في الفصل الثاني عشر في باب مسؤولية مجهز السفينة بدلاً من أن ترد في النصوص الخاصة المتعلقة بحالات انتهاء خدمة البحار أو في باب مسؤولية الناقل في حالة الحوادث البحرية التي أوردها في المادتين 124 ، 125 الواردة في الفصل التاسع عشر والتي تنص على الضرر الناشئ عن وفاة أو إصابة المسافر إذا وقع الحادث أثناء السفر بتنفيذ لعقد النقل بسبب خطأ أو إهمال الناقل أو أحد تابعيه أو حالة التعويض عن التصادم البحري أو حتى في سياق المواد 60 ، 61 ، 62 من القانون البحري قانون النقل البحري المتعلقة باستحقاق البحار في حال القوة القاهرة أو تخلي المجهز عن ملكية السفينة أو تركها أو فقد البحار لأمتعته الشخصية بسبب هلاك السفينة وقد ترتب على إيراد حالة وفاة العامل البحري أثناء الخدمة في نص المادة 68 فقرة (1و2) والمتعلقة بمسؤولية الناقل البحري إن ساد اعتقاد وفرضية لدى المحاكم المطبقة للقانون عند قراءة النصوص المتعلقة بعقد العمل البحري والمتعلقة بحقوق العامل البحري وانتهاء عقد العمل البحري وأثاره (أن المشرع قد اغفل) حالة التعويض عن وفاة العامل البحري بسبب المسؤولية التقصيرية أو العقدية ولم ينص عليها تشريعياً.

ونعود إلى ما ذهبت إليه محكمة الاستئناف في قولها إن التعويض بالدية عن وفاة العامل البحري (فيه ظلم) ونقول إنه لا يوصف تعويض الدية بالظلم فهذه مبالغة وتجاوز لفظي نعتقد أنه غير مقصود فالدية حكم شرعي وفق أحكام الشريعة الإسلامية ولا توصف بالظلم ولكن خان التعبير الزملاء في دائرة الاستئناف فقد ناقشنا ذلك الأمر وكان المقصود ليس ظلم الحكم بالدية بل الظلم مرتبط بتقدير موت أو وفاة أو مقتل إنسان بدية تعادل (30 ألف جنيه) فالشريعة أكدت وترك القانون تقدير الدية أن الأصل هو الحكم بمائة من الإبل أو بقيمة العملة أو قيمة المقابل التي يجب أن تقابل قيمة حياة الإنسان التي لا تقدر بثمن بحيث إن مقصد محكمة الاستئناف عدم عدالة قيمة الدية المقدرة وبما يستوجب أن يعدل منشور الدية إلى (300 ألف جنيه) على أقل تقدير.

وفي معلومنا أن الدية هي مقابل النفس في حالة الوفاة بحسب الحال عمداً أو خطأ أو شبه خطأ وفق الأحكام الشرعية التي أخذ بها القانون الجنائي 1991م والمعاملات 1984م والقانون البحري قانون النقل البحري 2010م وقد أورد القانون الجنائي في المادة 42 فقرة (4):

أنه لا يجوز مع الدية انقضاء أي تعويض آخر عن القتل أو الجراح.

وواضح الصيغ التشريعية حول الحكم بالدية بمقصدها الشرعي والتشريعي ومدى جواز الحكم بتعويض آخر بالإضافة إلى الدية قد تبدو متعارضة السياق والصياغة التشريعية إلا أنه وبالنظر التفسيري الدقيق في هذه النصوص مجتمعة فلا تعارض بينها ونوضح ذلك على الوجه التالي:

أولاً: نص المادة 42 فقرة (4) من القانون الجنائي 1991م يقرر:

(لا يجوز مع الدية انقضاء أي تعويض آخر عن القتل أو الجراح).

وعبارة لا يجوز تعويض آخر عن ذات القتل وذات الجراح تعني أن الدية تعويض كامل مقابل النفس أو الجراح ولا يجوز اقتضاء تعويض آخر عن النفس والجراح بخلاف الدية إلا إن كان هنالك مبرر آخر للتعويض ناشئ من غير الجراح أو فقد النفس كالمطالبة بأي أضرار أخرى كالعلاج ونفقات العلاج والسفر وفقد الكسب وما فات من كسب وما لحق الإنسان من خسارة بسبب الموت أو الجراح .

ثانياً: نص المادة 157 معاملات مدنية 1984م قد عبر عن المقصد السالف ذكره حول التعويض الأخر بتقريره:

يجوز للمضرور فوق ما يجب له في حالة الدية أن يطالب بالتعويض (عن أي ضرر آخر لحق به).

ثالثاً: المادة 68 فقرة (2) من قانون النقل البحري 2010م تنص على:

في حالة وفاة أي شخص أو إصابته نتيجة لخطأ في الملاحة يكون مجهز السفينة (وأيضاً المستأجر مجهز السفينة) ملزماً بأحكام الديات في حال الوفاة أو الإصابة وفقاً لأحكام القانون الجنائي 1991م مع الاحتفاظ بحقه في المطالبة بالتعويض وفقاً لأي قانون آخر.

وفي تقديرنا أن هذه النصوص مجتمعة يتعين أن تفسر بالتفسير الأتي:

أولاً: الدية الشرعية في القانون هي عوض عن فقد النفس أو الجراح وهي عوض مقابل النفس ولا يجوز الحكم بعوض آخر من ذات النفس أو ذات الجرح.

ثانياً: التعويض الذي عنته المادة (157) ، معاملات مدنية لسنة 1984م ، والفقرة (2) من المادة (68) من قانون النقل البحري لسنة 2010م المقصود منه أي تعويض عن أضرار أخرى غير فقد ذات النفس أو ذات الجراح وفق المثال الذي ذكرناه آنفاً الحكم بالتعويض عن نفقات العلاج أو أي نفقات أخرى وهو ما نصت عليه المادة (152) معاملات مدنية 1984م والتي تقرر مقروءة مع الفقرة (2) من المادة (153):

1- تقدر المحكمة التعويض بقدر ما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب مراعية في ذلك الظروف الملابسة وبشرط أن يكون ما أصاب المضرور نتيجة طبيعية للفعل الضار فإذا لم يتيسر لها أن تعين مقدار التعويض تعييناً نهائياً فلها أن تحتفظ للمضرور بالحق في أن يطالب خلال مدة معينة بإعادة النظر في التقدير.

2- ينتقل الحق في التعويض إلى الورثة.

 

وبالتالي فالدية ولأنها عوض عن فقد النفس أو الجراح فهي عوض كامل عن فقد النفس في القتل عمد أم خطأ أم شبه عمد وعوض من الجراح بحسب نوع الجراح وفق الجدول الثاني من القانون الجنائي 1991م ولا يجوز أي تعويض آخر عن ذات النفس أو ذات الجراح التي عوضت بمقدار الدية وبما يعني تفسيرياً وفق ما سبق وأسلفنا أن عبارة أي تعويض آخر لا تشمل (ذات النفس أو ذات الجراح) وفق ما عبرت عنه المادة (157) معاملات مدنية 1984م بعبارة (المطالبة بتعويض آخر) وعبارة آخر تعني:

 

(غير ذات النفس أو ذات الجراح التي سبق أن عوض مقابلها بالدية).

 

وللفائدة العامة:

انظر السابقة : م ع/ط ج/223/2011م مجلة 2012م حكومة السودان //ضد// ح.ب.أ مجلة 2012م ص 45

 

انظر السابقة:

م أ س/أ س م/40/1989م مجلة 1990م  مصطفي محمد نور الدين //ضد// ورثة: فاطمة مجلة 1990م ص 168

 

انظر السوابق:

م ع/ط م/609/2003م مصنع جواد //ضد// بهاء الدين مجلة الأحكام 2003م ص 179

 

م ع/ط م/102/2000م محاكمة: الرشيد فيصل مجلة الأحكام 2000 ص 34

م ع/عليا/مراجعة/136/2000م مؤسسة النيل //ضد// أخلاص مجلة الأحكام 2000 ص 129

 

 

وأيضاً للفائدة التفسيرية انظر ص 183 من مؤلف شرح قانون المعاملات المدنية السوداني 1984م للقاضي: د . محمد صالح علي.

وبناءً على ما سلف من مناقشة تفصيلية حول المرجعية القانونية الواجبة التطبيق في شأن دعاوى التعويض من وفاة العامل البحري أثناء الخدمة في السفينة وفق قواعد وأحكام المسؤولية التقصيرية المدنية فإننا:

نقرر:

أولاً: أن القانون الواجب التطبيق على النزاع هو قانون النقل البحري 2010م ولا سند لمرجعية قاعدة غياب النص الواردة في المادة (4) من قانون النقل البحري 2012م حيث أورد المشرع صراحة قواعد التعويض عن المسؤولية التقصيرية في حالة وفاة البحار أو إصابته أثناء الخدمة في السفينة في نص المادة 68 الفقرة (2) من قانون النقل البحري 2010م على الوجه التالي:

في حالة وفاة أي شخص أو إصابته نتيجة خطأ في الملاحة يكون مجهز السفينة (أو مجهزها المستأجر) ملزماً بأحكام الديات في الوفاة والإصابة وفقاً لأحكام القانون الجنائي 1991م مع الاحتفاظ بحقه في المطالبة بالتعويض وفق أي قانون آخر

وطالما وجد نص تشريعي في قانون النقل البحري السوداني 2010م بحكم حالة تعويض وفاة أو إصابة البحار أثناء الخدمة أو بسببها في السفينة بموجب عقد عمل بحري وفقاً لقواعد وأحكام التعويض في أحوال المسؤولية التقصيرية فلا سند يبرر مناقشة الأحوال الاستثنائية الواردة في المادة (4) فقرات (أ) و(ب) و (ج) و (د) في حال غياب النص التشريعي الحاكم.

ثانياً: وفق واقع المحضر فقد توفي المرحوم جراء حادث صعقة كهربائية أثناء خدمته في الباخرة خلال الرحلة البحرية وقد أقرت المدعى عليها الثانية مؤسسة سليمان سعيد الجابري بكل فقرات الدعوى دون أي ادعاء أو دفع من جانبها ينفي مسؤوليتها من الحادث أو نفي أي خطا أو إهمال من جانبها في وقوع الحادث أو الادعاء بوقوع الحادث بخطأ وإهمال المرحوم أو الخطأ المشترك وبالتالي فالدعوى قائمة على المسؤولية التقصيرية المفترضة في مواجهة المدعى عليها وواضح أن المدعى عليها تنازع فقط في استحقاق مقدار التعويض المدعى به أو مقداره كتعويض وطالما أنه قد حددت المادة 68(2) من قانون النقل البحري 2010م وهو النص القانوني وبالتالي فإن مرجعية الحكم بالتعويض وفق القانون أنها صارت معلومة قانوناً وفق قواعد الدية في القتل الخطأ ووفق قواعد المسؤولية التقصيرية المدنية أو الجنائية وهي الحاكمة في تقدير مقدار التعويض في هذه الحالة.

فهي محكومة بالقواعد الواردة في المواد 42 ، 43 ،132(من القانون الجنائي 1991م)

ويكون تقدير الدية الأصل أن يحكم عيناً بمائة من الإبل (أو) الاستثناء تقدر الدية بواسطة منشور رئيس القضاء بالتشاور مع الجهات المختصة.

ثالثاً: ونرى ورغم أن مسألة غياب النص غير واردة في المناقشة في هذه القضية كما أسلفنا إلا أنه من الضروري لنا تفسيريا التأكيد على مبدأ مهم سبق أن أقره القضاء السوداني في أحكامه وهو مبدأ عدلي قائم على:

ضرورة تطبيق المحاكم لأحكام الاتفاقيات الإقليمية والدولية حتى تلك التي لم  يصادق عليها السودان.

فقد أثارت هذه المسألة جدلاً فقهياً وقانونياً حول سريان قواعد وأحكام هذه الاتفاقيات وهل يجوز للمحاكم تطبيق أحكامها أو ما قررته من قواعد في شأن أي نزاع معروض ورغم عدم مصادقة السودان على هذه الاتفاقيات لتصبح قانوناً سارياً في السودان وهو ما يعرف تشريعاً بـ (قانون التصديق على الاتفاقيات الإقليمية والدولية) والتي نص عليها الدستور 2005م المؤقت وفق المادة (27) منه أن الاتفاقيات الدولية والإقليمية التي صادق عليها السودان تعتبر جزءاً لا يتجزأ من أحكام القانون الساري في السودان وهنا نشير إلى أنه من المعلوم أنه وفي عدة أحكام قضائية سابقة واجهت المحاكم السودانية والقضاء السوداني إشكالية و مسألة اللجوء إلى أحكام الاتفاقيات المذكورة التي لم يوقع عليها السودان وإشكالية أخرى في كيفية حسم أي مسألة خلافية أو حقوقية لم يرد بشأنها نص تشريعي وهو ما نص عليه قانون النقل البحري 2010م في المادة (4) فقرة (ب) بأنه يجوز للمحكمة في أحوال غياب النص التشريعي:

(أن تطبق أحكام الاتفاقيات الدولية والإقليمية التي يصادق عليها السودان).

 

وقد قيد هذا النص التطبيق لأحكام الاتفاقيات بشرط ( التصديق على الاتفاقية ) وقد ترتب على هذه الفقرة جدل فقهي وتفسيري حول إمكانية لجوء المحاكم إلى أحكام هذه الاتفاقيات حتى ولو لم يصادق عليها السودان وقد تمثل الجدل الفقهي  في وجهتي نظر نرى إيرادها للفائدة الفقهية القانونية على الوجه التالي:

وجهة النظر التفسيرية الأولى:

ترى أن المبدأ الذي أقرته السوابق الصادرة (بجواز اللجوء إلى أحكام هذه الاتفاقيات عند القضاء في أي مسألة) كان أمراً مقبولاً في السابق لعدم وجود قانون بحري سوداني يحكم المنازعات البحرية فحالة غياب القانون كان له الأثر العدلي في لجوء المحاكم إلى المادة (6) من قانون الإجراءات المدنية 1983م والذي ينص على:

1- إذا لم يوجد نص يمكن تطبيقه على الإجراءات في المسألة المعروضة. تطبق المحكمة من القواعد ما من شأنه تحقيق العدالة.

2- في المسائل التي لا يحكمها أي نص تشريعي تطبق المحاكم الشريعة الإسلامية والمبادئ التي استقرت قضاء في السودان والعرف والعدالة والوجدان السليم.

وترى وجهة النظر هذه أنه لا مجال للأخذ بقواعد أو أحكام الاتفاقيات الدولية التي لم يوقع عليها السودان بعد إصدار قانون النقل البحري 2010م الذي قيد تطبيق أحكام الاتفاقيات الدولية والإقليمية بشرط قانوني هو (التصديق على هذه الاتفاقيات) وطالما لم يوقع أو يصادق على أي اتفاقيات دولية أو إقليمية بعينها فلا يجوز للمحاكم السودانية الأخذ بأحكام وقواعد هذه الاتفاقيات عند الحكم

وجهة النظر التفسيرية الثانية:

وهذه النظرة التفسيرية الثانية تخالف تماماً وجهة النظر التفسيرية الأولى وترى أن المحاكم السودانية يجوز لها تطبيق أحكام الاتفاقيات التي لم يوقع عليها السودان في أي مسألة معروضة فـي حالة غياب النص ولما يلـي مـن

أسباب:

1- طالما أن نص المادة (6) فقرة (1) ، (2) إجراءات مدنية 1980م ساري المفعول فقد خول المحاكم تطبيق قواعد العدالة الإجرائية في أي مسألة إجرائية لم يحكمها أي نص تشريعي كما أجاز النص الساري أنه إذا لم يوجد أي نص يحكم أي مسألة موضوعية فقد جعل المشرع أساس الفصل في هذه المسألة الموضوعية بالرجوع إلى أحكام الشريعة الإسلامية والمبادئ التي استقرت قضاء في السودان والعرف والعدالة والوجدان السليم وبالتالي فمن العدالة والوجدان السليم تطبيق أحكام هذه الاتفاقيات وما أقرته من قواعد في حالة غياب النص التشريعي الإجرائي أو الموضوعي.

2- أكد المشرع في قانون النقل البحري 2010م على اعتماد أحكام السوابق وأحكام القضاء المستقر في الفقرة (ج) من المادة (4) كما أقر اعتماد العرف البحري الساري في حسم النزاع حول أي مسألة معروضة لم يرد بشأنها نص مؤكداً ذات المبادئ التشريعية التي أقرها نص المادة (6) فقرة (1) ، (2) إجراءات مدنية 1983م.

3- وفق أحكام السوابق القضائية السودانية المستقرة المتواترة والتي جعلها المشرع مرجعية تشريعية في حالة غياب النص التشريعي فقد أقرت السوابق القضائية تطبيق هذه الاتفاقيات التي لم يصادق عليها السودان وفق قواعد العدالة والوجدان السليم والمتمثل في اعتبار هذه الاتفاقيات (بمثابة عرف بحري مستقر) لأنها في الأساس مجرد تقنين لما استقر وتواتر من أعراف بحرية في مجال النقل البحري وتظل هذه الاتفاقيات الدولية أو الإقليمية في أصلها كأعراف بحرية استقرت يجيز القانون السوداني تطبيق أحكامها كعرف بحري سارٍ وهو ما استقر عليه الفقه التفسيري للقضاء السوداني ومازال على مبدأ:

أن تطبيق أحكام وقواعد الاتفاقيات الدولية والإقليمية حتى ولو لم يوقع عليها أو يصادق عليها السودان في أي مسألة بحرية بمثابة عرف بحري واجب التطبيق.

مثال السوابق الرائدة في التفسير القانوني البحري:

1- أصحاب الباخرة أوليميوس //ضد// سيد إسماعيل خليل

              م أ/أ س م/86/1406هـ

2- الشركة السودانية للاستثمار //ضد// أصحاب الباخرة كيرتي

              م ع/ط م/165/1998م

3- شركة الباسفيك التجارية //ضد// أصحاب الباخرة كورتيا دي اوقس

                 أ س م/50/1999م

4- مؤسسة فائز أحمد //ضد// ملاك الباخرة آماند

               م ع/ط م/17/1999م

والتي قررت جملة المبادئ التالية:

(أ ) خلو قانون بحري سوداني من نصوص تحكم المنازعات البحرية يدعو إلى اللجوء إلى الاتفاقيات والمعاهدات الدولية حتى ولو لم يوقع عليها السودان لأن هذه المعاهدات والاتفاقيات تعد بمثابة التطبيق للعرف البحري السائد الذي قنن في شكل اتفاقيات دولية وإقليمية.

(ب‌)

(ت‌)

(ث‌)

(ج‌)

وعلى ضوء وجهة النظر الثانية أقر الفقه القضائي السوداني في أحكام سوابقه مبدأ:

           تطبيق أحكام الاتفاقيات الدولية والإقليميـــة 

           كعرف بحري سارٍ لأنها تقنين للعرف البحري   

          المستقر دولياً حتى ولو لم يصادق عليها السودان.

وبناء عليه نرى اتفاقنا مع هذه المبادئ التي أقرها القضاء السوداني واستقرت وبالتالي نتفق ونؤيد ما ذهبت إليه وجهة النظر الثانية ونخالف ما ذهبت إليه وجهة النظر الأولى وعليه نقرر:

أن المبدأ المستقر قضاء جواز تطبيق أحكام الاتفاقيات الدولية والإقليمية التي لم يوقع عليها أو يصادق عليها السودان باعتبار تطبيق أحكامها تطبيقاً لأحكام أعراف بحرية مستقرة ومتواترة ومع مراعاة خصوصية كل اتفاقية بحرية عند التطبيق كعرف بحري على أي حالة معروضة بحسب الحال.

رابعاً: ونرى أيضاً ومن الوجهة التفسيرية القانونية البحتة ضرورة التعرض بالمناقشة لما أثاره الطعن حول مدى جواز جزئية إعفاء قضايا عقود العمل البحري من الرسوم أسوة بقضايا عقود العمل البري فقد وردت بشأنها وجهات نظر نوردها فيما يلي:

1- ذهبت وجهة نظر إلا أنه في حالة انحصرت المنازعة البحرية في نطاق النزاع حول عقد العمل البحري وحقوق العامل البحري العقدية ففي حالة غياب النص في القانون البحري قانون النقل البحري 2010م لأي نص يتحدث عن إعفاء المنازعات البحرية حول عقد العمل البحري من الرسوم أسوة بقضايا عقد العمل البحري تكون المرجعية في هذه الحالة للفقرة (1) من المادة (6) إجراءات مدنية 1983م.

    إذا لم يوجد نص يمكن تطبيقه على الإجراءات في المسألـــة

   المعروضة تطبق المحكمة من القواعد ما من شأنه تحقيق العدالة.

وبالتالي يجوز أن يعامل العامل البحري في إجراءات التقاضي المرتبطة بالنزاع حول عقد العمل البحري وحقوقه أسوة بإجراءات منازعات عقد العمل في قانون العمل البري 1997م بإعفاء هذه الدعاوى من الرسوم.

2- أما إ كان النزاع ليس حول (منازعات عقد العمل البحري) بل حول دعاوى المسؤولية التقصيرية والمطالبة بالتعويض المدني عن الأضرار المترتبة على هذه المسؤولية فيكون تحصيل الرسم في هذه الحالة واجباً بالنسبة لدعوى المسؤولية التقصيرية ولا تعتبر الدعوى مرفوعة إلا بعد أداء الرسم أو الإعفاء منه وفق قواعد المواد 14 إلى 21 من (الأمر السادس الخاص بالرسوم إجراءات مدنية 1983م).  

تذهب وجهة النظر الثانية إلى:

أن الإعفاء من الرسوم لا يكون إلا بنص في القانون أو الإعفاء وفق الأمر السادس للرسوم ولا تملك المحاكم سلطة إجرائية للاستناد على نص المادة (6) إجراءات مدنية 1983م كمبرر لإعفاء دعاوى العمل البحري أسوة بدعاوى العمل البري من الرسوم تحت بند العدالة أو العرف أو الوجدان السليم.

 

ونرى أن العامل البحري بحسب الأداء الوظيفي يماثل العامل البري بل العامل البحري يستحق الحماية في شأن رفع قضايا حقوق العمل البحري ومعلوم طبيعة العمل البحري ومخاطره وظروفه الاستثنائية وبالتالي نرى اتفاقنا مع وجهة النظر الأولى أنه في حالة غياب النص الإجرائي فإن نص المادة (6) فقرة (1) إجراءات مدنية 1983م يخول للمحكمة وفق قواعد العدالة الإجرائية عدم تحصيل الرسم في دعاوى منازعات عقد العمل البحري وبالتالي نتفق مع وجهة النظر الأولى أما المنازعات الأخرى كدعوى التعويض من المسؤولية التقصيرية أو المنازعات البحرية الأخرى حول عقد النقل البحري وغيرها من المنازعات الأخرى فيسري عليها قيد أداء الرسم وطلب الإعفاء من الرسم وفق أحكام الأمر السادس في المواد (9) ، (14) إلى (23) إجراءات مدنية عام 1983م.

وبناءً على ما تقدم من مناقشة سالفة نرى أن دعوى التعويض عن وفاة العامل البحري وفق قواعد المسؤولية التقصيرية أنها مسألة قد حسمها المشرع في المادة (68) فقرة (1) و (2) من قانون النقل البحري 2010م وذلك بأن يكون التعويض وفق أحكام الديات الشرعية ووفقاً لأحكام القانون الجنائي 1991م وقد وفقت المحكمة القاضي المجتهد المحقق المدقق فيصل طه أحمد قاضي المحكمة العامة كما سبق وأسلفنا في التوصل إلى ذات النتيجة وإن كانت بناء على قانون المعاملات وليس تحت فقرتي 1،2 من المادة (68) من قانون النقل البحري إلا أن النتيجة التي توصل إليها باجتهاده قد وافقت ما أقره القانون قانون النقل البحري ونسجل له هذا الأداء المتميز فهذا عهدنا به ولمزيد من الأداء والعطاء القانوني العادل لأنه أداء يستحق الإشادة والتقدير ونوصي بإحالة هذا الثناء والتقدير ليودع في ملف خدمته لدى الأمانة العامة كما يقول سبحانه وتعالي في محكم التنزيل:

(هل جزاء الإحسان إلا الإحسان)

مسألة أخيره لا بد من التعرض لها أثارت جدلاً فقهياً وقانونياً وعدلياً حول مقدار الدية التي قضت بها المحكمة والتي قررتها وفق المنشور الجنائي 3/2009م ووفق الجدول الملحق بالقانون الجنائي1991م (الدية ثلاثون ألف جنيه) عن وفاة المرحوم ومعلوم أنه قد صدر المنشور الجديد الصادر بتاريخ 16/مارس/2016م من رئيس القضاء بالرقم: منشور جنائي/4/2016م معدلاً مقدار الدية لتكون ثلاثمائة وثلاثين ألف جنيه سوداني وقد ثار تساؤل جدلي حول انطباق هذا التعديل على النزاع في هذه الدعوى ؟؟ وقد أدت المناقشة الجدلية في المناقشة بين الزملاء في المحكمة العليا إلى وجهتي نظر نوردهما للفائدة القانونية البحتة على الوجه التالي:

وجهة النظر التفسيرية الأولى:

ترى أن الدية في حالة الخطأ أو الإهمال أو قلة الاحتراز أو أي فعل غير مشروع لا ينشأ الحق في استحقاقها إلا بالحكم القضائي باستحقاق هذه الدية فالحكم كاشف لاستحقاق الدية من تاريخه وبالتالي فالذي يحكم مقدار الدية هو المنشور الجنائي الساري وقت الحكم بالتعويض وطالما أن الحكم في هذه الدعوى قد صدر في 8/مارس/2016م فيسري على مقدار الدية المقدرة في  المنشور 3/2009م وليس الدية المقدرة في المنشور الجديد 4/2016م لأنه صدر بعد تاريخ الحكم في 16/مارس/2016م ولا مجال لتطبيق هذا المنشور ورغم عدالة تعديل الدية لأن قيمة الدية السابقة أصبحت لا تحقق الغرض التشريعي الشرعي منها ولكن يجب الالتزام بحرفية النص القانوني المحدد للدية وقت إصدار الحكم.

 

وجهة النظر التفسيرية الثانية:

ترى أنه وعلى الرغم من أن الحكم بالدية في هذه الدعوى قد صدر بتاريخ: 8/مارس/2016م وأن تاريخ إصدار المنشور الجديد 4/2016م بتقدير جديد للدية كان بتاريخ لاحق في 16/مارس/2016م إلا أن الحكمة الشرعية والتشريعية تكون في عدالة مقدار الدية معادلاً للأصل مائة من الإبل وهي الحكمة العدلية التي كانت المبرر الأساسي لإعادة النظر في تقدير مقدار الدية ويستفاد من المبررات التي أوردها منشور رئيس القضاء أن العلة في إعادة التقدير هو أن التقدير السابق في منشور 3/2009م لم يعد مواكباً للتقدير الحقيقي العدلي حالياً ليستحق كدية شرعية وأن العدالة تستوجب إعادة التقدير وقد استند المنشور في مبرراته على القواعد العدلية التالية:

 

مراعاة للظروف الاقتصادية وما طــرأ على الأسعار من

زيادة لا تخفي على أحد وبعد التشاور والتفاكر مع الجهات

المختصة ومسح أسعـار الإبل بمناطق الإنتاج باعتبار أنها

الثمن الذي نص القانون على اعتباره في تقدير الدية وهـو

على التفصيل الوارد بالمنشور.

 

ويستفاد من مبررات المنشور أن التقدير السابق للدية يخالف التقدير الحقيقي الشرعي الواقعي للدية والمقررة شرعاً وقانوناً وكما يستفاد تفسيرياً عدلياً للمنشور أن التقدير الجديد الذي تم تقديره كان تقديراً سابقاً على إصدار المنشور من لجنة اختصاص وبمشاورة مع جهات الاختصاص المذكورة وليكون التقدير الجديد وفق التقدير الحقيقي للدية الشرعية وقت تحديد جهة الاختصاص لهذه الدية وبما يعني أن التقدير الجديد قد حددته الجهات المختصة قبل 16/مارس/2016م الذي صدر فيه المنشور وبما يفترض أنه هو التقدير الحقيقي للدية كعوض عن النفس وقت الحكم وكان هو التقدير الجديد وأن العوض السابق وقت صدور الحكم لم يكن دية حقيقية عادلة شرعية وبما يقتضي تقدير أن الدية الحقيقية الشرعية العادلة هي التقدير الشرعي للدية وقت صدور الحكم وبما يبرر أن تكون الدية تبعاً لذلك معادلة للمقدار الحقيقي الذي يجب أن يصدر به الحكم وهو ثلاثمائة ألف وثلاثون ألف جنيه سوداني وليس هو ثلاثين ألف جنيه سوداني ويستفاد من نص المادة (4) من القانون الجنائي 1991م الفقرة (4) على جواز تطبيق (قاعدة الأثر الرجعي لتقدير الدية) باعتبارها مسألة (متغيرة ومتبدلة) بحسب قيمة الإبل الأصل في الدية وليس ثابتة فالنص يقرر:

             يراجع أي حكم نهائي بالدية صدر قبل العمل بهذا

            القانون وفق أحكامه في استيفائها.  

 

وطالما أن (تقدير الدية) مسألة متغيرة متبدلة وليس تشريعاً ثابتاً فالنص يجيز المراجعة لتقدير الدية المتغيرة المتبدلة حتى إذا صدر حكم نهائي بالدية وحتى يكون التقدير بدلاً منطقياً وعقلياً وشرعياً فعبارة الأحكام النهائية تعني صدور حكم نهائي من المحكمة بالدية وأن التقدير يجوز مراجعته رغم نهائية هـذا الحكم بوصف الدية حـقاً شرعياً قبل أن يكون نصاً وحقاً قانونياً وبالتالي فطالما أن تقدير الدية الجديد قد تم بواسطة لجنـة مختصـة قبل إصدار رئيس القضاء منشوره في 16/3/2016م فيسري الأثر الرجعي لهذا التقدير علـى الحكم في الدعوى كإجراء عدلي شرعي يجيزه العدل الشرعي والقانون.

 

وفي تقديرنا أن وجهة النظر الثانية التفسيرية هي الأعدل والأقرب لحكم الشرع والشريعة ونرى الأخذ بها عدلياً في هذه الدعوى فالدية في منشور : 3/2009م كانت عادلة في حينها إلا أنه بمرور الوقت والزمن فقدت صفة عدالتها الشرعية وأصبحت موضع تندر بأن قيمة الإنسان قد انخفضت رغم أنها من الضرورات الخمس الواجب حمايتها والعدالة في العوض عن فقدها وبالتالي نرى بناءً عليه وجوب مراجعة الحكم في تقدير الدية ليعادل التقدير الحقيقي الشرعي للدية وخاصة أن الجدل كله يدور حول عدالة التعويض وكيفيـة تقديره

 

وبناءً على ذلك نقرر الآتي:

أولاً: لا سند لمقاضاة أصحاب الباخرة البركة 3 إذ لا علاقة لهم بعقد العمل البحري موضوع النزاع في الدعوى.

 

ثانياً: مسؤولية والتزامات عقد العمل البحري تقع على عاتق المدعى عليها الثانية أن مؤسسة سليمان سعيد الجابري هي الطرف المتعاقد مع مورث المدعين بعقد العمل البحري موضوع النزاع في هذه الدعوى.

 

وبناءً عليه ووفق تفاصيل هذه المذكرة نقرر الآتي:

 

أولاً: ينقض حكم الاستئناف المطعون فيه.

 

ثانياً: نؤيد حكم محكمة الموضوع الابتدائي ونعدل مقدار الحكم بالدية لتكون مبلغاً وقدره ثلاثمائة وثلاثون ألف جنيه سوداني بدلاً عن ثلاثين ألف جنيه سوداني ونؤيد الحكم بالرسوم وأتعاب المحاماة في مواجهة المدعى عليه الثاني.

 

ثالثاً: تشطب الدعوى في مواجهة المدعى عليهم الأوائل ملاك الباخرة البركة (3) ويفك الحجز عن الباخرة.

 

رابعاً: لا أمر بشأن الرسوم.

 

القاضي: طارق الضو الطيب

التاريخ: 30/9/2018م

 

الرأي الثاني:

أتفق مع أخي العالم في كل ما ذهب إليه ما عدا تعديل قيمة الدية فإنني أتفق مع قرار محكمة الموضوع لأن المنشور: 4/2016م حدد تاريخ سريان الدية من 1/5/2016م.

القاضي: عبد القادر محمد يوسف

التاريخ: 25/11/2018م

 

الرأي الثالث:

أوافق صاحب الرأي الأول وأضيف بأنه قد ثبت أن المرحوم قد توفي إلى رحمة مولاه نتيجة صعقة كهربائية أثناء تأديته لعمله ورفع ورثته هذه الدعوى للمطالبة بالتعويض عن وفاته وذلك وفقاً لقواعد المسؤولية التقصيرية في القانون المدني وقد توصلت محكمة الموضوع إلى استحقاق الورثة للتعويض عن وفاة مورثهم وقد أقرت المدعى عليها بهذه المسؤولية وباستحقاق الورثة للتعويض ولم تدفع بالخطأ أو الإهمال المشترك ، وقد استندت محكمة الموضوع على المادة (156) من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م وحكمت بالدية كتعويض مدني على سند من القول بأنها لم تجد في قانون النقل البحري نصاً يحكم التعويض وقدرت التعويض كدية بمبلغ 30.000 جنيه وقد تأيد هذا الحكم من المحاكم الأدنى . عندما عرض الأمر على المحكمة العليا ذهب عالمنا الجليل مولانا/ ملاسي إلى أن القانون البحري قد نص على أنه في حال المسؤولية التقصيرية عن وفاة البحار في السفينة نتيجة الخطأ أو المسؤولية التقصيرية – فإن الدية تكون بموجب المادة (42) من القانون الجنائي لأن القانون البحري لم ينص على الدية أو مقدارها بتعويض مدني وأحالها إلى القانون الجنائي وذلك لأن التعويض في القانون البحري منشأ المسؤولية التقصيرية في حين أن منشأ التعويض كدية في الجنايات يأتي بسبب الإدانة بجريمة جنائية سواء أكانت الجريمة عمديه أو غير عمديه أو شبه عمد وبالتالي لا بد أن نفرق بين الدية كتعويض مدني مبني على المسؤولية التقصيرية وبين الدية بناءً على الإدانة بجريمة جنائية.

 

وبالتالي فإن قانون النقل البحري عندما أحال الحكم بمقدار الدية للقانون الجنائي لم يقصد أن يكون الحكم بها بالنظر الجنائي بل قصد أن يحكم بها كتعويض بالنظر المدني وبالتالي فإن الدعوى المدنية يقتصر الحكم فيها ليس كدية جنائية بل تعويض مدني بحت ومن الناحية القانونية أصبحت مسألة التعويض مربوطة بالدية كقيمة يقدر بها التعويض إعمالاً لنص المادة (42) من القانون الجنائي لسنة 1991م وهنا نلاحظ أن هناك خطأً شائعاً في تفسير المادة

(42) ق . ج والتي تنص على الأتي:

 

الدية مائة من الإبل (أو) ما يعادل قيمتها من النقود وفقاً لما يقدره السيد/ رئيس القضاء بالتشاور مع الجهات المختصة ، وقد جعل المشرع الأصل الشرعي هو الحكم بالإبل وقد استعمل لفظاً يميز بين الحالين مائة من الإبل أو وفقاً للمنشور الذي يحدده رئيس القضاء وكلمة (أو) المشار إليها في المادة (42) ق . ج تعني أن الأصل هو الحكم بالإبل (أو) وفقاً للمنشور الذي يحدده رئيس القضاء وعبارة أو تعني أن الأصل هو الحكم بالإبل أما حالة المنشور هي حالة أخرى لأن كلمة أو تعني إما كذا وإما كذا وطالما أن النص جعل الحكم بالدية مدنياً بناءً على المسؤولية التقصيرية فيجوز للمحكمة أن تحكم بمائة من الإبل كتعويض مدني وطالما أن هناك لجنة مختصة وضعت تقريرها للسيد/ رئيس القضاء بأن قيمة مائة من الإبل تساوي مبلغاً وقدره 300.000 جنيه فيجوز لنا أن نأخذ بهذا التقدير ونحكم به كتعويض مدني بناءً على المسؤولية التقصيرية التي أقر بها المطعون ضدهم وهذا من وجهة نظرنا هو عين العدل الشرعي الذي أقرته الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي وبالتالي أتفق مع عالمنا الجليل مولانا ملاسي فيما ذهب إليه تسبيباً ونتيجة.

 

الأمر النهائي:

1- نقض حكم محكمة الاستئناف المطعون فيه.

2- نؤيد حكم محكمة الموضوع الابتدائي ونعدل مقدار الحكم بالدية لتكون مبلغاً وقدره ثلاثمائة وثلاثون ألف جنيه سوداني.

3- نؤيد الحكم بالرسوم وأتعاب المحاماة في مواجهة المدعى عليه الثاني.

4- تشطب الدعوى في مواجهة المدعى عليهم الأوائل ملاك الباخرة البركة (3) ويفك الحجز عن الباخرة.

5- لا أمر بشأن الرسوم. 

 

 

طـارق الضـو أيــوب

قاضي المحكمة العليا

ورئيس الدائرة

28/11/2018م

▸ عبد المنعم عبد الله موسى الطاعن // ضد // موسـى عبد الله موسـى المطعون ضده الرقم م ع/ط م/775/2018م فوق هيئة التحكيم الطاعنة // ضد // شركة كونكس العالمية للتسويق شركة جمعة للاستثمار المطعون ضدهما الرقم م ع/ط م/1797/2017م ◂
  • الرئيسية
  • السلطة القضائية
  • رئيس القضاء
  • الأخبار
  • المكتبة التفاعلية
  • اتصل بنا
  • خريطة الموقع
جميع الحقوق للسلطة القضائية السودانية 2026 ©
  • الرئيسية
  • السلطة القضائية
  • رئيس القضاء
  • الأخبار
  • المكتبة التفاعلية
  • اتصل بنا
  • خريطة الموقع
جميع الحقوق للسلطة القضائية السودانية 2026 ©
  • الرئيسية
  • السلطة القضائية
  • رئيس القضاء
  • الأخبار
  • المكتبة التفاعلية
  • اتصل بنا
  • خريطة الموقع
جميع الحقوق للسلطة القضائية السودانية 2026 ©