مزارعو النشيشيبة /ضد/ حكومة الإقليم الأوسط
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد / محمد محمود أبو قصيصة قاضى المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد / مصطفى محمد بشار قاضى المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ على يوسف الولي قاضى المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ صلاح محمد الأمين قاضى المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / حسين عوض أبو القاسم قاضى المحكمة العليا عضواً
الأطراف :-
مزارعو النشيشيبة طاعنون
ضد
حكومة الإقليم الأوسط مطعون ضده
النمرة : م ع / ط م/ 233/1988م
م ع/ ط م/ 340/ 1989م
مراجعة 196/ 1992م
المبادئ:
إجراءات مدنية – مراجعة أحكام المحكمة العليا – مخالفة الحكم لقواعد تفسير القانون – تبرر المراجعة المادة 215 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م
قانون نزع ملكية الأراضي – تقدير التعويض – طرق الطعن فيه – عدم اختصاص المحكمة العليا بنظر الطعن في قرار المفوض المادة 23 (2) من قانون نزع ملكية الأراضي 1930م
يخضع حكم المحكمة العليا للمراجعة وفقاً للمادة 215 من قانون الإجراءات المدنية إذا خالف ما أورده المشرع من قواعد لتفسير القانون بموجب المادة 2 (أ) من قانون أصول الأحكام 1983م
وفقاً للمادة 23 (2) من قانون نزع ملكية الأراضي فإنه لا يجوز استئناف قرار لجنة التحكيم فيما يتعلق بتقدير التعويض لكن يخضع القرار لإعادة النظر أمام الشخص الذي تفوضه المحكمة العليا والذي ينظر الطلب كأنه استئناف بموجب قانون الإجراءات المدنية بمعنى نظره قضائياً لتحقيق العدل ولا يخضع قرار المفوض للطعن لدى المحكمة العليا
المحامون:-
الأستاذ / محمد أبو زيد أحمد عن الطاعنين
الأستاذ/ نمر إبراهيم – عن ديوان النائب العام عن المطعون ضدهم
الحكم
القاضي : محمد محمود أبو قصيصة
التاريخ: 7/8/1993م
صدر الأمر بنزع ملكية أرض بالنشيشيبة لتقام عليها جامعة الجزيرة وتقرر التعويض بواقع 125 جنيه للفدان رفع الأمر إلى لجنة تحكيم رفعت التقدير إلى 800 جنيه ثم رفع هذا التقدير إلى 3500 جنيه للفدان بقرار من القاضي المفوض من المحكمة العليا وهو ذو سلطات تماثل سلطات محكمة الاستئناف حسب ما نصت عليه المادة 23 (2) من قانون نزع ملكية الأراضي لسنة 1930م
رفع مزارعو النشيشيبة الطعن رقم 233/ 88 حينما لم يرضوا بمقدار التعويض ورفضت المحكمة العليا هذا الطعن إذ رأت أن لا اختصاص لها بالطعن في قرار القاضي المفوض لأن القانون الخاص قانون نزع ملكية الأراضي لسنة 1930م نص على عدم جواز استئناف القرار في المادة 23 (1) وإنما أعطى محكمة الاستئناف على سبيل الاستثناء أن تعيد النظر في القرار
ورفعت حكومة الإقليم الأوسط الطعن رقم 340/ 89 ضد سعد مهنا وقد استكثرت التعويض وقبلت المحكمة العليا هذا الطعن وأصدرت أمرها بإلغاء قرار التعويض وبإرجاع الأوراق لإعادة تقدير التعويض
وكان سبب قبول الاختصاص هو أن الشخص المفوض لا يكون بالضرورة قاضياً بالمحكمة العليا فلا يمنع شئ من الطعن في قراره كما أنه لا يوجد نص في المادة 23 (1) يمنع الطعن ثم إن المادة 23 (2) نصت على أن تكون إعادة النظر كأنها استئناف بمقتضى قانون الإجراءات المدنية بقدر ما أمكن ذلك ورأت الدائرة أنه بديهي أن تستأنف أحكام محكمة الاستئناف أمام المحكمة العليا فتعتبر الطلب المقدم للمحكمة العليا طلباً للطعن بالنقض
ومن الناحية الثالثة تقدمت حكومة الإقليم الأوسط بالطعن رقم 216/88 ضد مزارعي النشيشيبة ولم يفصل في هذا الطعن بعد
ولما كان هنالك حكمان متضاربان حول الاختصاص صادران من المحكمة العليا فقد أحيلت لنا أوراقهما للمراجعة بمقتضى المادة 215 من قانون الإجراءات المدنية المعدل في 15/4/1986م
أعلن الأطراف الثلاثة في الطعنين المذكورين لإبداء آرائهم في المراجعة وتقدم ثلاثتهم باسبابهم وكل منهم يتبنى وجهة نظر حكم من الحكمين الصادرين
ويضيف محامى سعد مهنا المطعون ضده في ط م/340/89 أن تعويضاً لاحقاً صدر لأشخاص آخرين بواقع خمسة وعشرين ألف جنيهاً للفدان ويطلب أن يعوض موكله بهذا المعدل
ويضيف محامى مزارعي النشيشيبة إن موكليه رضوا بهذا التعويض الضئيل نظير وعد بأن تعطيهم الحكومة أراضى في الخطة الإسكانية ولو تم ذلك لحصلوا على قطع تقدر قيمتها بالملايين وطلب أن ينظر في التعويض مرة أخرى على ضوء ذلك
على إننا نرى أن المسألة الأساسية هي الاختصاص فلنلتفت إليها تقول المادة 23 من قانون نزع ملكية الأراضي لسنة 1930م
1- لا يجوز استئناف القرار ولكن يجوز للحكومة أو لأي شخص ذى مصلحة يكون غير راض عن القرار أن يطلب من الشخص الذي تفوضه المحكمة العليا بموجب أمر ينشر في الجريدة الرسمية في هذا الصدد إعادة النظر فيه
2- ينظر في الطلب كما لو كان استئنافاً لمحكمة الاستئناف بمقتضى قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م وتنطبق أحكام ذلك القانون المتعلقة بتلك الاستئنافات بقدر ما أمكن ذلك
ويرى ممثل حكومة الولاية الوسطي أن للمحكمة العليا ولاية النظر في قرار الشخص المفوض وذلك للأسباب الآتية :-
1- أن ما ينظر فيه الشخص المفوض يعتبر استئنافاً بصرف النظر عن موقع ذلك الشخص المفوض
2- إن المحكمة العليا تختص بالنظر في أحكام محكمة الاستئناف بموجب المادة 207 من قانون الإجراءات المدنية
3- لم يرد في المادة 23 ما يفيد أن قرار الشخص المفوض يعتبر نهائياً بحيث لا يجوز الطعن فيه للمحكمة العليا
4- لا يتخذ نص المادة 207 (أ) تكأة لرد المحكمة عن واجبها في مراقبة الأحكام بغرض التحقق من موافقتها للقانون
ويرى محامى سعد مهنا أن ليس للمحكمة العليا اختصاص ويقدم الأسباب الآتية:-
1- أن المادة 23 (1) تقول بأنه لا يجوز استئناف القرار ولكن يجوز للحكومة أو لأي شخص ذى مصلحة يكون غير راض عن القرار
2- إن المادة 23 لا تشترط في الشخص المفوض أن يكون قاضياً والأحوال التي يجوز الطعن فيها بالنقض واردة على سبيل الحصر في المادة 207 من قانون الإجراءات المدنية
3- إن لم يرد في النص ما يمنع الطعن فإنه لم يقل صراحة بجواز الطعن بالنقض
4- إن الاختصاص لا يفترض وإنما يجب أن يكون هنالك نص يعطى الاختصاص بالطعن
5- قصد المشرع أن ينظر الشخص المفوض في الطلب كاستئناف بقدر الإمكان ويقصد المشرع أن يراعى الشخص المفوض تطبيق الفصل الثاني (المواد 190- 206) لأن تاريخ قانون نزع الملكية يشير إلى أن يكون النظر فيه على مرحلتين فقط
6- يرمى المشرع إلى اختزال إجراءات النزاع لأن تأخير النزاع يضر بأصحاب الأراضي التي قد تكون الوسيلة الوحيدة لمعيشتهم
ويرى محامى مزارعي النشيشيبة أن ليس للمحكمة العليا اختصاص متفقاً مع محامى سعد مهنا وأسبابه هي:-
1- ينعقد الاختصاص للمحكمة العليا بنص المادة 207 في حالة الأحكام الصادرة من محكمة الاستئناف والقرار هو من قاض فرد معين تحت المادة 23 (1) من قانون نزع ملكية الأراضي وهو بهذا الوضع ليس محكمة استئناف بأي حال من الأحوال
2- وعلى افتراض أنه محكمة استئناف فإنه مفوض من المحكمة العليا ولا يجوز للمحكمة العليا إعادة النظر في سلطة قد فرضتها
3- ينص القانون على أن محكمة الاستئناف هي المحكمة المكونة من ثلاثة قضاة
4- إذا وضع القانون الخاص طريقاً مرسوماً لنظر الاستئناف فليس للمحكمة العليا أو محكمة الاستئناف أن تتدخل ويكون القرار نهائياً
وواقع الأمر أن النزاع المطروح يحكمه قانون خاص هو قانون نزع ملكية الأراضي لسنة 1930م وحيث يكون هنالك قانون خاص فإن قانون الإجراءات المدنية لا ينطبق وإنما ينطبق القانون الخاص من ناحية الفصل في النزاع ومن ناحية الطعن فيه إذا رسم القانون الخاص طريقاً للطعن وقد أرست هذه القاعدة سابقة نقابة المعلمين السودانيين وآخرون ضد المسجل العام لتنظيمات العمل في ط م/246/82
في تلك السابقة رفضت المحكمة العليا قبول الطعن في حكم محكمة الاستئناف بسبب عدم اختصاص المحكمة العليا بنظره لأن القانون المنطبق هو قانون نقابات العاملين المعدل في سنة 1977م الذي أعطى محكمة الاستئناف ولاية النظر في استئناف قرارات المسجل العام وقدم القاضي صلاح شبيكة الأسباب الآتية :-
1- إن النزاع يحكمه قانون خاص هو قانون نقابات العاملين وهو الذي ينظم طرق الطعن في قرارات المسجل العام
2- الطعن بالنقض وفق الدستور يمنح وفقاً للقانون وهو في هذه الحالة قانون نقابات العاملين
3- قانون الإجراءات المدنية ينظم إجراءات الأقضية المدنية وليس النزاع الناشئ بين نقابة المعلمين والمسجل العام
4- ولما لم يكن النزاع ناشئاً في دعوى مدنية أو طعن إداري فإن المحكمة العليا لا تختص بالنظر بالطعن بالنقض فيه
والقاعدة واحدة فيما يتعلق بطرق الطعن في القوانين الخاصة والإجراءات التي تنطبق هي الإجراءات التي يرسمها القانون الخاص وليس قانون الإجراءات المدنية فيما يتعلق بالطعن أو غيره من الإجراءات والسند في ذلك هو المادة (3) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م التي تقول:-
3 (1) :يطبق هذا القانون على الإجراءات المتعلقة بالمسائل المدنية ومسائل الأحوال الشخصية وعلى الإجراءات المتعلقة بغيرها من المواد فيما لم يرد بشأنه نص في قوانين أخرى
وهذا النص فيما هو واضح يقصر تطبيق قانون الإجراءات المدنية على المسائل المدنية ومسائل الأحوال الشخصية ولا يمتد إلى غيرها إذا كانت هناك نصوص للإجراءات في قانون آخر والإجراءات تشمل طرق الطعن
ويحتج ممثل حكومة الولاية الوسطى بالمادتين 23 (2) من قانون نزع ملكية الأراضي و 207 من قانون الإجراءات المدنية فالمادة 207 تعطى المحكمة العليا الاختصاص بالطعن في حكم محكمة الاستئناف
والمادة 23 (2) من قانون نزع ملكية الأراضي تعتبر الطلب المقدم إلى الشخص المفوض كأنه استئناف ينطبق عليه قانون الإجراءات المدنية وبما أن المحكمة العليا تختص بالطعن في أحكام محكمة الاستئناف فيرى ممثل حكومة الولاية الوسطى أن المحكمة العليا تختص بالطعن في قرار الشخص المفوض لأنه معتبر كأنه حكم من محكمة الاستئناف وبهذا النظرة – إن صحت – يمكن القول بأن المادة (3) من قانون الإجراءات المدنية لا تمنع الطعن لأنها تقول بأن يطبق قانون الإجراءات المدنية فيما لم يرد بشأنه نص في القانون الخاص ولكن القانون الخاص نص على أن يعتبر الطلب كأنه استئناف بموجب قانون الإجراءات المدنية فتكون المحكمة العليا مختصة بالنظر في الطعن من خلال المادة (2) من قانون نزع ملكية الأراضي وهو القانون الخاص
وللقرار في الحجج المقدمة من الأطراف الثلاثة علينا أن نرجع إلى قانون نزع ملكية الأراضي لنرى ما هو غرضه ذلك لأن القاعدة في تفسير القانون بموجب المادة 6 (1) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة هي أن تفسر القوانين بما يحقق غرض المشرع
وقانون نزع ملكية الأراضي لسنة 1930م قانون يعطى الدولة سلطة نزع الملكية للأغراض العامة وتعويض أصحاب تلك الملكية ولا يسمح بالطعن في النزع لأنه يعتبر الإعلان الصادر تحت المادة 5 منه بينة قاطعة على أن الأرض المعنية مطلوبة لغرض عام ويبعد القانون المذكور المحاكم عن نظره لأنه يجعل النزاع الوحيد وهو التعويض في يد غير يد المحكمة وهي لجنة التحكيم ثم يجعل قرار لجنة التحكيم غير قابل للاستئناف ولكنه يخضعه لإعادة النظر أمام الشخص الذي تفوضه المحكمة العليا لينظر فيه كأنه استئناف بموجب قانون الإجراءات المدنية
ويظهر من ذلك أن هدف هذا القانون هو تقصير التنازع بحصره في التعويض ويجعله في يد لجنة تحكيم ويمنع الاستئناف في قرارها إلا عن طريق إعادة النظر وهو يبعد المحاكم عن الاختصاص رغم أنه يسمح للجنة التحكم ولجنة إعادة النظر باتباع إجراءات المحكمة المدنية حيث تنطبق وإذا هو لم يسمح بالدعوى المدنية ولا بالاستئناف فإنه في رأينا لا يسمح بالطعن أيضاً لأنه يرمى إلى أن يكون الفصل في النزاع في غير يد المحاكم ولكنه يلزم لجنة التحكيم وجهة إعادة النظر بالنظر فيه قضائياً بحيث تستمع إلى آراء الأطراف ثم تصدر قراراتها متوخياً أسلوب العدل في صدور الحكم
وإذا احتج ممثل حكومة الولاية الوسطى بأن تطبيق قانون الإجراءات المدنية من حيث الاستئناف يعنى خضوع القرار للطعن مثل ما تخضع قرارات محكمة الاستئناف فإن هذا الاحتجاج مردود عليه بأن الشخص المفوض ينظر في الطلب كأنه استئناف من حيث الاستماع إلى حجتى الطرفين ولا يمتد إلى ما بعد الفصل في الاستئناف لأن القانون الخاص لم يخضع قرار الشخص المفوض للطعن أمام المحكمة العليا بل أن القانون الخاص قد حظر صراحة الاستئناف حين نص على عدم جوازه ولكنه أجاز استثناء إعادة النظر في القرار ويرمى القانون في ذلك إلى إخضاع قرار لجنة التحكيم للفحص مرة واحدة فقط وليس أكثر من أجل تقصير التنازع
وهذا هو غرض المشرع فيما استعرضناه من نظرنا إلى قانون نزع ملكية الأراضي فهو يتوخى العدل في سماع الطرفين ولكن ليس أمام المحاكم وإنما أمام التحكيم وهو يمنع الاستئناف ولكنه يعطى فرصة الرقابة القضائية للشخص المفوض ولكنه يقصر هذه الفرصة على مرحلة واحدة فقط حين نص على عدم جواز الاستئناف في المادة 23 (2) وعلى ذلك فإن يبين لنا أن حكم المحكمة العليا في الطعن رقم 233/88 قد اتفق مع القانون حين رفض الطعن ونرى تأييده ولنفس الأسباب نرى إلغاء حكم المحكمة العليا في الطعن رقم 340/89 لمخالفته للتفسير الصحيح للقانون الوارد قواعده في قانون تفسير القوانين والنصوص العامة
لقد أحيلت لنا هذه الأوراق للمراجعة بموجب المادة (215) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م وتكون المراجعة بموجب هذه المادة إذا انطوى الحكم على مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية وعندما نرجع إلى قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983م نجده ينص في المادة 2 (أ) منه على أن يستصحب القاضي أن المشرع لا يقصد مخالفة الشريعة الإسلامية وإذا ما وجدنا أن الحكم في الطعن رقم 340/89 يخالف ما أورده المشرع من قاعدة لتفسير القانون فأنا نرى أنه خاضع للمراجعة
لهذه الأسباب نرى أن يكون قرارنا كالآتي :
1- يؤيد حكم المحكمة العليا في الطعن رقم 233/ 88 القاضي بعدم اختصاص المحكمة العليا بالطعن في قرار الشخص المفوض تحت قانون نزع ملكية الأراضي
2- يلغى قرار المحكمة العليا في الطعن رقم 340/ 89 القاضي بقبول الاختصاص
القاضي : مصطفى محمد بشار
التاريخ: 22/5/1993م
أوافق أخي العالم صاحب الرأي الأول
القاضي : حسين عوض أبو القاسم
التاريخ: 23/5/1993م
أوافق
القاضي: على يوسف الولي
التاريخ: 25/5/1992م
أوافق
القاضي : صلاح الدين محمد الأمين
التاريخ: 3/8/1993م
أوافق وانضم إلى ما جاء في مذكرة الزميل العالم أبو قصيصة من تسبيب

