مختار محمد صديق //ضد// العباسة عطا المنان
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة العليا
القضاة:
سعادة السيد/ عبد الرؤوف حسب الله ملاسي قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد/ محمد الأمين مختار قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ أحمد محمد بشير قاضي المحكمة العليا عضواً
الأطراف:
مختار محمد صديق الطاعن
//ضد//
العباسة عطا المنان المطعون ضدها
النمرة: م ع /ط م/443/1989
المبادئ:
معاملات مدنية – شفعة – نشوء وسقوط الحق فيها في ظل قانون 1928م – أثر تطبيق نصوص الشفعة في قانون المعاملات المدنية المواد 11و16 (أ) و17 من قانون الشفعة 1928م
معاملات مدنية – سريان القانون - تطبيقه على الدعاوى التي لم تسمع بيناتها – أثر ذلك على الحقوق التي نشأت أو سقطت بموجب القانون السابق المادة 1(1و2) من قانون المعاملات المدنية 1984م
قانون تفسير القوانين – أثر القانون اللاحق على حق نشأ أو سقط في ظل قانون سابق المادة 12(2) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م
1- وفقاً لقانون الشفعة لعام 1928م فإن الحق فيها ينشأ بالعلم بالبيع قبل التسجيل ويسقط إذا لم تتخذ الإجراءات خلال خمسة عشر يوماً من ذلك العلم وقبل التسجيل ولذلك فإذا سقط الحق في الشفعة فإن صدور قانون المعاملات المدنية والذي يربط نشوء الحق بالعلم بالتسجيل لا يعيد إنشاء الحق الذي سقط بموجب قانون 1928م
2- وفقاً للمادة 1(1) من قانون المعاملات المدنية فإنه يسري من تاريخ التوقيع عليه على جميع الوقائع التي تقع في ظله إلا أنه نص في الفقرة 1(2) من ذات المادة على سريان أحكامه على جميع الدعاوى التي لم تسمع بيناتها وهذا يعني انطباقه على الوقائع السابقة لصدوره ولكن وفقاً لقانون تفسير القوانين فالمشرع لم يرم إلى إحياء حقوق سقطت أو إضاعت حقوق اكتسبت
3- وفقاً للفقرة 2 من المادة 12 من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لعام 1974م فإن حق قانوني نشأ في ظل أي قانون سابق وسقط الحق بموجب ذلك القانون فإن مجرد صدور قانون جديد ى يعيد إنشاء الحق الذي سقط ولا يمحو آثار السقوط السابق ما لم يظهر في القانون قصد مخالف – أي سريان أحكامه بأثر رجعي على الوقائع السابقة على صدوره
المحامون:-
الأستاذ/ التجاني على التوم عن الطاعن
الأستاذ/ محمود تندل عن المطعون ضدها
الحكــــم
القاضي: عبد الرؤوف حسب الله ملاسي :
التاريخ: 30/10/1991م
هذا طلب للطعن بالنقض ضد قضاء محكمة الاستئناف في أس م/973/1988م والصادر بتاريخ 15/8/1989م والقاضي بإلغاء قرار محكمة المديرية الصـادر فـي أ س م/244/1988م وتأييد قضاء محكمة الموضوع الذي ألغته محكمة المديرية – ويدور محور الطلب في النقاط التالية:-
أولاً:تتلخص منازعة الطاعن في أن المدعية رفعت دعواها في مواجهة الطاعن تطالب بحق الشفعة على أساس أنها مالكة للعقار 2614/314 أ مدرمان وتريد حق الشفعة في العقار رقم 315/314 الذي اشتراه الطاعن في نوفمبر 1982م
ثانياً:حكمت محكمة الموضوع في قم/381/1987م في 24/5/1987م بتغيير السجل لصالح المدعية بحق الشفعة
ثالثاً:أثار الطاعن دفوعاً قانونية لم تتطرق لها المحكمة وأهملتها محكمة الاستئناف وتتلخص في :-
(1) إن المطعون ضدها رغم علمها بالبيع منذ سنة 1982م لم تقم برفع الدعوى إلا بعد (5 سنوات) بدعوى أن التسجيل للبيع كان في 24/1/1987م
(2) لم تتطرق المحاكم المطعون في حكمها إلى نقطة جوهرية وهي ماهية القانون الواجب التطبيق على النزاع – فالطاعن يدفع بأن القانون الواجب التطبيق هو قانون الشفعة لسنة 1928م وقواعد التقادم الواردة به وليس بموجب قانون المعاملات المدنية سنة 1984م وسـند الطاعن هـو نـص م(2)(5) فقرة (د) من قانون المعاملات المدنية سنة 1984م رغم إلغائه لقانون الشفعة سنة 1928م إلا أنه أستثنى من الإلغاء – (اللوائح والإجراءات التي تمت بموجب تلك القوانين حتى تلغى أو تعدل) – كما نص قانون المعاملات 1984م في م 8(2) منه على وجوب سريان النصوص القديمة المتعلقة بالتقادم في حساب المدة وانقطاعها بالنسبة للمدد السابقة للعمل بالقانون الجديد وتظل إجراءات الشفعة المتعلقة بقانون سنة 1928م سارية المفعول حتى اكتمالها بموجب أحكام القانون الذي تمت بموجبه
وبالتالي يرى الطاعن أن النزاع ينطبق عليه قانون الشفعة سنة 1928م وقواعد التقادم الواردة فيه والذي تنص م(11) منه وتوجب الإنذار بالأخذ بالشفعة بعد العلم بالبيع – كما أن الحق في الشفعة يسقط قانوناً إذا لم يتم الإنذار كما يسـقط الحق تحت م(17) من نفس القانون إذا لم ترفع دعوى الشفعة خلال (6) شهور من حيازة المشتري للعقار – إن المطعون ضدها كانت تعلم بالبيع ولم ترفع دعواها ويسقط الحق الذي تدعيه قبل صدور قانون المعاملات سنة 1984م وبالتالي جاء قضاء محكمة الاستئناف مخالفاً للقانون ( ومن محصلة طلبه يلتمس إلغاء حكم الاستئناف المطعون فيه)
ومن الجانب الآخر يرد المطعون ضده على الطالب بالآتي:-
أولاً: لا سند لما يدعيه الطاعن بأن المطعون ضدها تعلم بحيازة الطاعن على جزء من العقار بعد شرائه وهذا الإدعاء يثار لأول مرة أمام المحكمة العليا وبالتالي لا يجوز قبوله قانوناً
ثانياً:لا علاقة بين حيازة الطاعن وحق الشفعة لأن العبرة في الأخذ بالشفعة هو واقعة تمام التسجيل والتسجيل هو الوقت الذي تحسب على أساسه مدة سقوط الحق في الشفعة وقد رفعت المطعون ضدها دعواها في 7/3/1987م وليس 4/3/1987م كما يذكر الطاعن وكان ذلك بعد 12 يوماً في تمام التسجيل والذي تم في 23/2/1987م لأن العبرة في الأخذ بالشفعة بتاريخ التسجيل وليس تاريخ البيع يشير إلى السابقة م أ/أن/33 /1954 – علي محمد علي //ضد// محمد صالح
ثالثاً:القانون الواجب التطبيق على النزاع هو – قانون المعاملات المدنية سنة 1984م وليس قانون الشفعة – وفقاً لنص م 620(1) 626(1) فحق الشفعة ينشأ من تاريخ العلم بتسجيل البيع – ولم ينص القانون على مسألة الإنذار أو إبداء الرغبة في الشفعة – هذا بالإضافة إلى قانون تسوية الأراضي وتسجيلها سنة 1925م ينص ف م(28) منه على أن أي تصرف في العقار يقع باطلاً إذا لم يتم تسجيله خلال شهرين من التصرف
رابعاً:لا سند لما يدعيه الطاعن بوجود لوائح وإجراءات صدرت بموجب قانون الشفعة الملغي سنة 1928م حتى يقال بسريانها – فقانون المعاملات سنة 1984م ألغى بموجب المادة 2(د) من قانون الشفعة سنة 1928م
خامساً:لا سند لما يدعيه الطاعن بأن مدة الستة أشهر التي لا يجوز بعدها رفع الدعوى هي مدة تقادم لأنها مدة سقوط لا يسري عليها (الإنقطاع في المدة) كما يسري على التقادم
( ومن محصلة رده يلتمس شطب طلب الطعن وتأييد الحكم المطعون فيه)
وفي تقديري أن الطلب يتعين قبوله وذلك لما يلي من أسباب:-
أولاً:النقطة الجوهرية في النقاش هي:
هل القانون الواجب التطبيق على النزاع8 هو قانون الشفعة سنة 1928م أم مواد قانون الشفعة الواردة في قانون المعاملات سنة 1984م
لابد في البدء وقبل الدخول في المناقشة من الإشارة إلى مسألة نظر محكمة المديرية للاستئناف باعتبارها محكمة مختصة والذي أشارت إليه محكمة الاستئناف في قرارها القاضي بإلغاء حكم محكمة المديرية ( أ س م/مديرية/244/1988م) فالواضح أن محكمة المديرية رغم قرارها بأنها غير مختصة بنظر الطعن وتقديرها ذلك أصابت محكمة الاستئناف في تقديرها أنه حكم منعدم لصدوره من جهة غير مختصة
أعود إلى المسألة محل النقاش ومن استقرائي لطلب الطاعن ودفاعه فهو يركز ابتداءً على واقعة:أن حق المدعية في رفع دعوى الشفعة قد سقط قبل صدور قانون المعاملات سنة 1984م وفي ظل أحكام قانون الشفعة سنة 1928م وبالتالي فلا يجوز لها رفع دعوى لسقوط الحق فيها بموجب قانون سابق عن طريق إجراءات قانون لاحق وسند الطاعن في ذلك هو أن البيع للعقار محل الشفعة قد تم سنة 1982م وأنه كان لزاماً على المدعية (المطعون ضدها) أن تتخذ إجراءات إعلان الرغبة في الشفعة بموجب م 11(1) من قانون الشفعة سنة 1928م من تاريخ علمها بالبيع قبل التسجيل وإلا سقط حقها في رفع الدعوى بموجب م 16 (ج) من ذات القانون ومن ثم يرى أن حق الطاعنة في الشفعة قد سقط في ظل قانون الشفعة سنة 1928م بموجب المادة (16) الفقرة (ج) بمرور (15) يوماً من علمها بالبيع دون أن تتخذ الإجراءات المنصوص عليها في م(11) من قانون الشفعة ومن جهة أخرى تركز المطعون ضدها في الرد على ذلك بأن مسألة (علم الطاعنة) بالبيع تثار لأول مرة أمام المحكمة العليا ولا يجوز قبولها وأن العبرة في نشوء حق الشفعة هو تاريخ تسجيل العقار وليس العلم بالبيع أو حيازة المشتري للعقار المراد أخذ الشفعة فيه وأن القانون الواجب التطبيق هو قانون المعاملات المدنية 1984م والذي يحدد نشوء أخذ الشفعة فيه وأن القانون الواجب التطبيق هو قانون المعاملات المدنية 1984م والذى يحدد نشوء حق الشفعة بتاريخ البيع الرسمي (التسجيل) وأن مسألة الإنذار المدعى به لا سند لها في قانون المعاملات المدنية
لقد توقفت كثيراً في البحث فيما أثاره الطاعن من دفوع عند استقرائي لنصوص قانون الشفعة سنة 1928م – وقانون المعاملات المدنية لسنة 1984م وخاصة فيما يتعلق بمسألة التساؤل الذي أثاره حول تطبيق م (16) الفقرة (ج) من قانون الشفعة سنة 1928م ومدى حق المطعون ضدها في رفع دعوى الشفعة في ظل قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م متى ما ثبت سقوط حقها في رفع دعوى الشفعة في ظل القانون السابق ؟ وأثار انتباهي أيضاً ما أثاره من نقاش حول انطباق قانون المعاملات المدنية سنة 1984م في تقرير حق سقط الحق في المطالبة به في ظل قانون سابق وهل مجرد رفع الدعوى في ظل القانون الجديد يزيل أي آثار ترتبت أو حقوق ترتبت في ظل أحكام القانون السابق؟
ومن ثم وجدت أن النقطة الهامة في المناقشة والتي يجب البدء بها هو التساؤل التالي:-
إذا نشأ الحق في ظل أحكام قانون سابق أو سقط الحق في المطالبة بموجب أحكام ذلك القانون فهل يزيل القانون الجديد أو يمحو تلك الآثار التي ترتبت واستقرت بموجب أحكام القانون الملغي ولمجرد أن الدعوى رفعت في ظله؟
وأقرر في الإجابة على هذا التساؤل بأن أي حق قانوني نشا في ظل أي قانون سابق وسقط الحق بموجب ذلك القانون فإن مجرد صدور قانون جديد لا يعيد إنشاء الحق الذي سقط ولا يمحو آثار السقوط السابق بحال من الأحوال
وهذه المسألة نص عليها قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974الفقرة (2) من المادة (12) والتي تقول:-
إذا صدر قانون بإلغاء أي قانون آخر أو بإلغاء أي نص وما لم يظهر قصد\ مخالف لذلك لا يترتب على الإلغاء:-
(أ) إعادة العمل بأي مسألة لم تكن سارية أو قائمة في ذلك الإلغاء
(ب) أي اثر بالنسبة للتطبيق السابق لأي قانون أو أي حكم من أحكامه يكون قد ألغي على الوجه المتقدم أو بالنسبة لما يكون قد وقع صحيحاً أو تحت إجازته نتيجة لذلك التطبيق
(ج) أي أثر بالنسبة إلى أي حق أو امتياز أو التزام أو مسئولية مما يكون قد أكتسب أو نشأ أو ترتب بموجب أي قانون أو أي حكم من أحكامه ألغي على الوجه المتقدم
(د) أي أثر بالنسبة إلى أية عقوبة أو مصادرة أو أي جزاء مما يكون قد وقع بسبب أي مخالفة لأي قانون أو أي حكم من أحكامه ألغي على الوجه المتقدم
(هـ) أي أثر على أي تحقيق أو إجراء قانوني أو تعويض بالنسبة إلى أي حق أو امتياز أو مسئولية أو عقوبة أو مصادرة أو جزاء مما سبق ذكره وفي هذه الأحوال يجوز مباشرة التحقيق والاستمرار في الإجراء القانوني وتنفيذ التعويض كما يجوز توقيع العقوبة أو المصادرة أو الجزاء كما لو كان القانون الصادر بالإلغاء لم يصدر
والذي يهمنا في المناقشة – المسائل التي قررتها الفقرات (ب) (ج) من هذه المادة فبموجب الفقرتين فإن الإلغاء لأي قانون وما لم يظهر قصد مخالف في القانون الجديد لا يترتب على الإلغاء لأي أثر بالنسبة للمسائل التي نصت عليها الفقرتين المشار إليهما والتي تعنينا في المناقشة في الموضوع المطروح وقبل التفصيل في المناقشة للفقرتين لا بد من النظر في القيد الذي وضعه نص م12(2) في الفقرة التي تقول ( وما لم يظهر قصد مخالف لذلك)- وهذه الفقرة المقصود منها ( ما لم يظهر من قصد أو أغراض التشريع الجديد أو يفهم أن من مقاصده سريان أحكامه بأثر رجعي على الوقائع السابقة على صدوره وعدم سريان الأحكام والآثار التي ترتبت بموجب القانون الملغي
ومن ثم فللتقرير في مسألة ( القصد المخالف للتشريع) الجديد فلا بد من الرجوع إلى نصوص قانون المعاملات المدنية سنة 1984م والذي ألغى بموجب م(2) منه قانون الشفعة سنة 1928م
فالسؤال الذي يطرح نفسه من استقراء نص قانون المعاملات المدنية الوارد في م(1) الفقرة (1) (2) مقروءة مع م (4) فقرة (9) مع م12 (2) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة سنة 1974م هو التساؤل الآتي:-
هل قصد المشرع في قانون المعاملات المدنية سنة 1984م عند إلغائه للقوانين السابقة المشار إليها في م (2) منه ومنها قانون الشفعة سنة 1928م أن تسري أحكامه بأثر رجعي على جميع الوقائع السابقة ؟ وهل من مقاصده إزالة أي أثر لأي حقوق أو التزامات ترتبت على ضوء أحكام القانون السابق بحيث يزيل أي أثر ترتب أو نشأ أو اكتسب أو سقط بموجبه حق أو التزام بموجب القانون الملغي ؟ أو قصد منه اعتبار أي حقوق أو التزامات أو اعتبارات أو مسئولية نشأت في ظل أحكام القانون الملغي كأنها لم تنشأ أو لم تكن؟
وللإجابة على ذلك نعود إلى نص م (1)(1) من قانون المعاملات سنة 1984م فنجد أنه ينص صراحة على (سريانه من تاريخ التوقيع عليه) على جميع الوقائع التي تقع في ظله إلا أنه نص في الفقرة (1)(2) من ذات المادة على سريان أحكامه على جميع الدعاوى التي لم تسمع بيناتها قبل صدوره وهذا النص نص استثنائي انتقالي خاص بالدعاوى المرفوعة قبل صدوره ويفهم منه انطباقه على جميع الوقائع السابقة لصدوره – ولكن السؤال المهم في نظري هو الذي أسلفنا ذكره حول مدى أثر انطباق القانون بأثر رجعي فهل مثلاً ينشئ حقاً جديداً للتقاضي بالنسبة للشخص الذي فقد حقه فيه ابتداء في ظل القانون الملغي أم يسقط حقاً نشأ في ظل القانون الملغي ويحرم صاحب الحق مما كسبه في ظل قانون سابق ؟
وأرى أن مجرد سريان القانون بأثر رجعي وفقاً لنص م 12(2) من قانون تفسير القوانين أن المشرع لم يقصد من انطباق أحكامه بأثر رجعي أن يسقط أي حقوق أو التزامات اكتسبت في ظل القوانين الملغاة ولم يقصد إنشاء أو إحياء أي حقوق أو التزامات سقطت بموجب القوانين الملغاة – وإلا صار القانون الجديد لو قبلنا هذا المنطق خلقاً وإيجاد لحقوق انقضت وماتت بما يعني أنه لا نهاية لنزاع وبما يعني أن من فقد أملاً في ظل القانون الملغي في مسألة مدعاة يجعل له مدخلاً لها تحت ظل القانون الجديد وبمعنى أن من كسب حقاً في ظل القانون الملغي قد يضيع حقه لأن القانون الجديد فتح مدخلاً لإضاعة ذلك الحق وأضرب مثالاً لذلك بالنزاع المطروح أمامنا الآن فلو كان حق الشفعة قد سقط أو فقده صاحبه المدعى به في ظل أحكام القانون الملغي فهل يترتب على ذلك إحياء ذلك الحق من جديد ولمجرد صدور القانون الجديد أو إلغاء القانون السابق ؟ أو العكس كسب حقاً يخوله المطالبة بالشفعة في ظل القانون الملغي فهل يترتب على أحكام القانون الجديد ولو لم ينص على ذلك صراحة إلغاء ذلك الحق فمثلاً المادة (11) من قانون الشفعة سنة 1928م وأيضاً المادة (17) منه تنص على حق الشفعة في (الأراضي المسجلة وغير المسجلة) فتقول المادة (11) فقرة (3) إذا كانت المطالبة بأرض مسجلة فيجب أن يبلغ الإعلان بالرغبة في الشفعة بطريق مكتب تسجيل الأراضي وفي أي حالة أخرى بطريق المحكمة الجزئية التي تقع داخل حدود اختصاصها فالنص ينشيء حق الشفعة بالنسبة للأراضي المسجلة وغير المسجلة وينص على الإنذار وإعلانه حسب نوع الأرض إن كانت مسجلة أو غير مسجلة – وفي م(17) يسقط الحق في الشفعة بالنسبة للأرض المسجلة من تاريخ التسجيل للبيع وفي الأرض غير المسجلة من تاريخ حيازة المشتري فالنص يقول (في حالة الأرض المسجلة يسقط حق الشفعة من تاريخ تسجيل البيع وفي أية حالة أخرى من تاريخ حيازة المشتري سواء أكان الشخص المستحق لحق الشفعة بالنسبة للأرض المسجلة من تاريخ التسجيل للبيع وفي الأرض غير المسجلة من تاريخ حيازة المشتري سواء أكان الشخص المستحق لحق الشفعة يعلم أو لا يعلم بالبيع أو عاقه منه مانع)
فلو سقط حق أي شخص أو كسب أي شخص حقاً في ظل القانون الملغي فهل يترتب على صدور القانون الجديد إحياء الحق الذي سقط أو إماتة الحق الذي اكتسب فلو سقط حق شخص في ظل قانون الشفعة في عدم رفعه دعواه خلال (15) يوماً من علمه بالبيع وما كان له أن يرفع دعوى بسبب ذلك فهل مجرد صدور القانون الجديد يعتبر إزالة للأثر السالف ذكره وإعادة حقه للحياة؟
وفي تقديري أن ذلك لا يعد من مقاصد التشريع التي عنتها م (6)(1) من قانون تفسير القوانين سنة 1974م المطبقة على كل قانون سابق أو لاحق والتي تنص على (تفسير نصوص أي قانون بما يحقق الغرض الذي شرع من أجله ويفضل في جميع الحالات التفسير الذي يحقق هذا الغرض على سواء) ومن ثم أرى أن مقصد المشرع في قانون المعاملات المدنية لم يرم إلى إحياء حقوق سقطت أو إضاعة حقوق اكتسبت وبالتالي فإن نص م 12(2) من قانون تفسير القوانين تسري أحكامه في التفسير لأي خلاف حول سريان نصوص القانون الملغي وفقاً لنص م(2) من ذات القانون التي تقول (تطبق أحكام هذا القانون في تفسير كل قانون معمول به سواء صدر قبل العمل بهذا القانون أو بعد ذلك)
وبالرجوع إلى موضوع الطلب والنزاع نجد أن البيع محل الشفعة قد كان في سنة 1982م ولم يرفع المطعون ضده دعواه إلا في سنة 1987م وهي النقطة محل الخلاف والطاعن يرى أن المطعون ضده علم بالبيع منذ سنة 1982م ولم يتخذ الإجراء المطلوب في م 16(أ-ج) التي تقول بسقوط حق الشفعة إذا لم يتخذ صاحب الحق إجراءات إعلان الرغبة في الشفعة خلال 15 يوماً من البيع أو تنازل عنه مملوكة وطالما أن الطاعن قد علم بالبيع سنة 1982م ولم يبد رغبته تحت م11 16 (أ)(ج) من قانون سنة 1928م فقد سقط حقه في المطالبة منذ ذلك التاريخ وبالتالي لا ينشأ له حق جديد لمجرد صدور قانون المعاملات سنة 1984م وبالتالي لا سند لدعواه سنة 1987م لأنه فقد الحق في رفع الدعوى منذ سنة 1982م
ومن جهة أخرى يركز المطعون ضده على وقعة أن حق الشفعة لا ينشأ في الأرض المسجلة إلا بعد التسجيل وطالما كان التسجيل للبيع في سنة 1987م فهو التاريخ الذي يبدأ أو ينشأ فيه حق الشفيع في المطالبة بالشفعة لأن العبرة بالتسجيل وليس عقد البيع أو العلم به
وفي تقديري وبالإطلاع على السوابق العديدة حول تطبيق قانون الشفعة سنة 1928م فيبدو لي أن هنالك فهم غير سديد لمسألة (نشوء حق التقاضي بالشفعة) (وسقوط حق الشفعة) وهذا الخلط بين المسألتين هو الذي يؤدي إلى القول بأن حق الشفعة لا ينشأ (إلا بعد التسجيل للبيع أو انتقال الملكية للمشتري) ولا أجد سنداً لذلك في قانون الشفعة سنة 1928م ومن خلال تتبع الفقه القانوني الذي أرسته السوابق في فهم ذلك القانون فبالرجوع إلى قانون الشفعة سنة 1928م لتحديد كيفية نشوء الحق في طلب الشفعة وكيفية سقوط الحق بعد نشوئه نجد أن القانون المذكور ينص على الآتي:_
في المادة (5) منه:-
(5) مع مراعاة الاستئثناءات الواردة في م (7) يتمتع بحق الشفعة عند بيع أي عقار من النوع المذكور في هذه المادة الأشخاص المذكورين فيما بعد وهم:-
(أ) الشريك عند بيع أي حصة غير مفرزة من العقار إلى شخص لم يكن شريكاً في ذلك العقار
(ب) مالك الأرض المجاورة التي تتمتع بحق إرتفاق على الأرض المباعة عند بيع الأرض الخ
(ج) مالك الأرض المجاورة عند بيع أرض مروية عندما تكون الأرض المباعة وأرض المالك المجاور تابعين لنفس الساقية أو لوحدة ري واحدة
وواضح من هذا النص ابتداءً أن حق الشفعة محصور في الفئات الثلاث السالف ذكرها وهذه الشروط لا تنطبق أياً منها على المدعية في الدعوى فالعقار المباع وعقار المدعية المجاور عقارين مسجلين بصور منفصلة والفقرة الأولى من م (5) تتطلب الفقرة (أ) حق الشفعة للشريك عند بيع أي حصة غير مفرزة في العقار على الشيوع وهذه لا تنطبق على حالة المدعية في الدعوى والفقرة (ب) تتطلب أن يكون لمالك الأرض المجاورة للعقار المباع المراد الشفعة فيه أن يكون لمالك الأرض المجاورة عند البيع حق إرتفاق ابتداء على الأرض التي يريد أخذ الشفعة فيها والقطعة محل النزاع وأرض المدعية المجاورة قطع سكنية منفصلة وليس للمدعية أي (حق إرتفاق) سابق عليها وبالتالي لا تنطبق عليها الحالة الثانية والفقرة (ج) تتحدث عن الأرض المروية في الوحدة الزراعية الواحدة ولا علاقه لها بالنزاع
ومن ثم ابتداء لم يكن هنالك حق شفعة للمدعية في العقار عندما تم البيع سنة 1982م لعدم توافر أساس لحق الشفعة وفقاً لقانون سنة 1928م الذي كان سارياً وقت البيع
ومن جهة أخرى نجد أن قانون الشفعة سنة 1928م قد حدد في نصوصه بعد ثبوت حق الشفعة لطالب الشفعة بموجب م(5) سالفة الذكر حدد كيفية سقوط هذا الحق بعد نشوئه فقد نص على (سقوط حق الشفعة) في المواد (16 17) وقد نص في هاتين المادتين على حالتين لسقوط الحق وذلك كالآتي:-
1- نص في المادة (16) على سقوط حق طالب الشفعة في طلبها بعد ثبوت حقه تحت م(5) المذكورة في أحوال ثلاثة :-
(أ) إذا تنازل عن حقه شفاهة أو كتابة وهذه مسألة واضحة أو بمسلكه أي تصرف تصرفاً يستشف منه تنازله عن ذلك الحق
(ب) إذا لم يعلن أو يوضح رغبته في المطالبة بالشفعة خلال(15) يوماً من تاريخ تبليغه بالإعلان يطلب الشفعة بموجب المادة (15) التي تعطي البائع والمشتري حق إعلان كل من له مصلحة في طلب الشفعة (قبل تسجيل البيع) ليبدي رغبته قبل دخول البائع والمشتري في إجراءات التسجيل
(ج) إذا لم يقم صاحب الحق في الشفعة باتخاذ الإجراءات المذكورة في م (11) والتي تلزمه بإخطار البائع والمشتري برغبته في الشفعة خلال 15 يوماً من علمه بالبيع
2- تنص المادة 17 على الحالة الأخرى للسقوط لحق الشفعة بالنسبة للأرض المسجلة وغير المسجلة بنصها على سقوط حق الشفعة بمضي (6) أشهر من التسجيل بالنسبة للأرض المسجلة و6 أشهر من تاريخ حيازة المشتري للعقار سواء علم أو لم يعلم المستحق للشفعة بالبيع
إذن فسقوط حق الشفعة محكوم في قانون 1928م بحالتين وهما الحالتين المذكورتين في م (16 17) – مخالفة م(16) تتحدث عن سقوط الحق (قبل التسجيل) وحالة م(17) تتعلق بالسقوط للحق بعد اكتمال التسجيل في الأرض المسجلة كحالة النزاع المعروض
إذن فسقوط حق الشفعة قد يكون (سابقاً) للتسجيل وقد يكون (لاحقاً) للتسجيل وبالتالي لا أجد سنداً للقول بأن حق الشفعة ( لا ينشأ إلا بعد التسجيل) في الأرض المسجلة فمفهوم النصوص وخاصة الفقرة (ج) من المادة (16) تحدد سقوط حق الشفعة خلال (15) يوماً من علم المستحق للشفعة بالبيع وليس التسجيل فالنص يقول (إذا لم يتخذ الإجراءات المذكورة في م (11) لطلب الشفعة خلال خمسة عشر يوماً من وقت علمه بالبيع) – وإذا كان القانون يسقط حق الشفعة بمرور (15) يوماً من العلم بالبيع فهذا يعني أن حق الشفعة ينشأ (قبل التسجيل) لأنه لا يعقل أن يسقط حق قبل التسجيل وهو لم ينشأ بعد ومن ثم فإن الحق ينشأ قبل التسجيل بموجب واقعة العلم بالبيع ويسقط أيضاً خلال 15 يوماً من العلم بالبيع وقبل التسجيل من تاريخ العلم بالبيع - أما سقوط الحق تحت م (17) وهي (6) أشهر فهي متعلقة بحالة السقوط للحق – ولم يكن المستحق للشفعة قد علم بالبيع قبل التسجيل باعتبار أن تسجيل التصرف حجة على الكافة يسقط بعدها الحق في المطالبة بمرور (6) أشهر من التسجيل مع مراعاة أن المشرع ف م (19) من نفس القانون خول للمحكمة أن تمد أو تؤجل الميعاد المحدد في هذا القانون الخ
وأخلص من ذلك أن قانون الشفعة سنة 1928م ينص على حالتين لسقوط الحق في الشفعة حالة قبل التسجيل للعقار وتسري من تاريخ العلم بالبيع م(16) وحالة أخرى تسري من تاريخ التسجيل في حالة عدم علم المشفع بواقعة البيع
وتبعاً لذلك فلا علاقة بين نشوء الحق في طلب الشفعة بواقعة التسجيل إلا في حالة عدم العلم بالبيع السابق للتسجيل
ويلاحظ هنا أن قانون المعاملات المدنية سنة 1984م خالف تماماً نظرة قانون سنة 1928م بالنسبة للأشخاص الذين لهم حق الشفعة فقد أعطى في المادة 617(ج) حق الشفعة للجار الملاصق أياً كان مالكاً لمنفعة أو عين مخالفاً بذلك نص المادة (5) من قانون سنة 1928م كما أن قانون المعاملات سنة 1984م قصر حق المطالبة بالشفعة في م 620(1) منه والمادة 626 منه ( على الأرض أو العقار المسجل فقط بنصه على أن يرفع الدعوى خلال ثلاثين يوماً من تاريخ علمه بتسجيل البيع وليس علمه بالبيع قبا تسجيله) وبالتالي فلا شفعة (في الأرض غير المسجلة)
وتبعاً للتقرير أن حق الشفعة في قانون 1928م ينشأ قبل التسجيل ولمجرد العلم بالبيع ويسقط أيضاً إذا لم تتخذ الإجراءات المطلوبة في م(11) خلال (15) يوماً من العلم بالبيع وقبل التسجيل فإنني أرى أن أي حق في الشفعة نشأ ويسقط في ظل القانون الملغي لا يترتب على إلغائه إنهاء أو إزالة آثار ما ترتب على القانون الملغي من آثار أو التزامات أو حقوق لا يترتب على صدور قانون جديد إعادة أو إحياء حقوق سقطت مرة أخرى ومن ثم أرى أنه إذا ثبت سقوط حق المدعية في الشفعة تحت م (15) (16) من قانون الشفعة سنة 1928م وقبل صدور قانون المعاملات المدنية سنة 1984م فإن صدور قانون المعاملات أو رفع الدعوى في ظله لا يرد للمدعية ما سقط من حق في ظل القانون الملغي
ومن ثم أعود لمناقشة موضوع النزاع أمامنا فالمدعية في الدعوى تدعي بأنها علمت بالتسجيل للبيع في 23/2/1987م أي أنها لم تعلم بواقعة البيع الذي تم كما يدعيه المدعى عليه وفقاً لمستند البيع المرفق بالدعوى في 16/2/1982م وبالتالي رفعت دعواها صحيحة سواء تحت قانون 1928م أم قانون سنة 1984م ومن جهة أخرى يدفع المدعى عليه في دفعه القانوني بأن المدعية علمت بالبيع الذي تم قبل التسجيل ويبني دفعه الوارد في الفقرة الأولى من دفعه القانوني على واقعة أن أطراف البيع معروفين للمدعية وأن المدعى عليه أستلم جزءاً من المنزل المباع ومن جهة أخرى كان يتعقب المدعية على الدفع مرتكزاً على أن قانون سنة 1928م قد ألغي ولا معنى لمناقشة قانون ألغي والمنطبق هو قانون المعاملات سنة 1984م ورفضت المحكمة الدفع على أساس انطباق قانون المعاملات سنة 1984م وأصدرت الحكم الإعترافي المطعون فيه والذي أعادته محكمة الاستئناف بإلغاء حكم محكمة المديرية – وقد وانبنى حكم الاستئناف على أن القانون الواجب التطبيق هو قانون المعاملات سنة 1984م ولا سند لقانون سنة 1928م ووفقاً للمناقشة السالف ذكرها أجدني مخالفاً لوجهة النظر القانونية التي رأتها محكمة الاستئناف والموضوع فكما أسلفت فمجرد صدور قانون جديد يلغي القانون السابق فهذا لا يعني في مفهوم م 12(2) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة سنة 1974م أن إلغاء القانون السابق يعني إلغاء أي أثر للإنطباق الوقائع في ظل سريانه لا يلغي ما ترتب على القانون السابق من أثر قانوني وتبعاً لذلك أرى أنه إذا ثبت سقوط حق المدعية في الشفعة وفقاً لأحكام قانون سنة 1928م فإن ذلك السقوط لا يزول لمجرد صدور قانون جديد ولا تنمحي آثاره لمجرد الإلغاء ومن ثم أرى أنه إن ثبت صحة الدفع الذي أثاره الطاعن في أن المدعية علمت بالبيع سمة 1982م وسكتت عن إعلان الرغبة في الشفعة أو سكتت عنة اتخاذ إجراءات إعلان الرغبة خلال (15) يوماً من علمها بالبيع فإن حقها يكون قد سقط بموجب م (16)(3) التي تتحدث عن سقوط الحق بالعلم بالبيع وقبل التسجيل وبالتالي فعند صدور قانون المعاملات سنة 1984م يكون حقها قد سقط قبل صدور القانون الجديد ولا يترتب على صدور القانون الجديد إزالة آثار ما ترتب على القانون الملغي ولا ينشئ ذلك حقاً جديداً لها (فالحق الذي سقط وأنتهي لا مجال لإحيائه لمجرد صدور قانون جديد)
ومن ثم أرى أنه كان لزاماً على المدعية أن ترد على ما ادعاه المدعى عليه في الفقرة الأولى من الدفع المبدئي بأنها تعلم بواقعة البيع منذ سنة 1982م ثم تبعاً للرد يتحدد سماع الدفع المبدئي حول نقطة (العلم بالبيع وعليها يتحدد إن كان حق المدعية قد سقط قبل صدور قانون المعاملات سنة 1984م من عدمه ويتحدد بالتالي إستحقاقها للشفعة تحت قانون المعاملات
إن وافق الزملاء أرى إلغاء قضاء محكمة الاستئناف وحكم محكمة الموضوع وإعادة الدعوى للسير فيها وفقاً لهذه المذكرة حول مسألة العلم بالبيع وسقوط حق المدعية في ظل قانون سنة 1928م وقبل صدور قانون المعاملات ثم للمحكمة تبعاً للسماع أن تصدر ما تراه من قرار – ولا أمر بالرسوم بالنسبة للطعن
القاضي: أحمد محمد بشير :
التاريخ: 5/11/1991م
أوافــق
القاضي: محمد الأمين مختار:
التاريخ: 10/11/1991م
أوافــق

