محاكمة/ عبد الله محمود حاج عمر
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة العليا
دائرة ولايتي البحر الأحمر وكسلا
القضاة:
سعادة السيد/ عبدالرؤوف حسب الله ملاسي قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد/ أسامة حسـن محمـد أحمـد قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/كمال الديـن عباس العركـي قاضي المحكمة العليا عضواً
محاكمة/ عبد الله محمود حاج عمر
م ع/ط ج /2/2003م
القانون الجنائي لسنة 1991م - معنى الالتزام والمقابل المادة (179) من القانون
قانون الكمبيالات لسنة 1917م – الحماية الجنائية للصك – المادة (28) من القانون
المبدأ:
1- إن لم يكن إعطاء الصك وفاء لالتزام أو مقابل مشروع وفاء لالتزام عقدي أو قانوني نشأ للمستفيد في ذمة الساحب تنفي أهم عناصر الصك وبالتالي عناصر المسئولية الجنائية الموجبة للعقوبة تحت المادة (179)
2- عند النظر في أحكام الصك المردود تحت المادة (179) لا يكون النظر بمعزل عن أحكام الصك نفسه في قانون الكمبيالة لسنة 1917م وليس وفقاً لأي قانون أو فقه آخر غير سوداني
3- لينال الحائز للصك الحماية الجنائية يجب أن يكون قد حاز الصك قبل فوات ميعاد استحقاقه ولا يعلم بسبب رفضه من المسحوب عليه وأن يكون قد سلم الصك بحسن نية وبالقيمة وكل من يقوم بإعطاء صك من حسابه مجاملة يكون مسئولاً مسئولية كاملة قبل الحائز
المحامون:
الأستاذ/ الشيخ المجذوب علي عن الطاعن
الحكــم
القاضي: كمال الدين عباس العركي
التاريخ: 19/1/2003م
هذا طلب فحص تحت المادة (188) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م تقدم به أمام هذه المحكمة الأستاذ الشيخ المجذوب علي المحامي نيابة عن الاتهام بتاريخ 7/1/2003م في مواجهة حكم محكمة استئناف ولاية البحر الأحمر بالرقم أ س ج/962/2002م الصادر بتاريخ 27/11/2002م
وتتلخص أسباب طلب الفحص في الآتي:
1- أن حكم محكمة الاستئناف جاء مخالفاً للقانون إذ أنها أيدت الإدانة والعقوبة ورغم ذلك أمرت بإلغاء الحكم بالتعويض للشاكي
2- إن محكمة الاستئناف قد تدخلت في وزن البينة وهي من اطلاقات محكمة الموضوع دون وجود ما يبرر تدخلها هذا وأنه لا بد من حماية الشيك ولا بد من رد المال للشاكي فوراً حسب مدلول تشريع المادة (107) من قانون الإجراءات لسنة 1991م
3- إن البينات قد أثبتت أن شراء اللوريين الأخيرين قد تم على مسئولية المتهم الشخصية وليس لصالح والده وأن حكم محكمة الاستئناف قد جاء على خلاف البينة
أن هذا الطلب يمكن الفصل فيه بالإجابة على الأسئلة الآتية بعد باعتبارها نقاطاً للتقرير وهي:
1- هل مشتري البضاعة (الطحنية) أي المتعاقد مع الشاكي هو المتهم أو والده؟
2- هل هناك شراكة (مسجلة أو غير مسجلة) بين المتهم ووالده لها ذمة مالية مستقلة أم ذمة الشريكين ؟
3- هل سلم المتهم الشاكي الصكوك الأربعة قيمة البضاعة من حسابه الخاص لعمل خاص به أم أن العمل هو عمل والده؟
4- هل دخلت قيمة الصفقة في حساب مشروع التسوية أم أنها لاحقة للمراجعة التي تمت للحسابات؟
5- لماذا صرفت الصكوك الثلاثة الأولى وارتد الصك الرابع؟
6- هل كان في إمكان المتهم وقف صرف قيمة الشيك ولماذا لم يوقعه ؟ ومن الذي حدد 8/4/2002م كتاريخ لصرف قيمة الصك؟
7- هل المتهم في هذه الحالة شريك لوالده أم أنه كفيل شخصي له لسداد القيمة ؟
8- ما هو الأثر القانوني لفشل الشاكي ووالد المتهم في الوصول إلى تسوية للحسابات التي بينهما على مسئولية المتهم عن عدم صرف قيمة الصك؟
9- هل وردت قيمة الصك ورقمه في الحسابات المدونة في مستندات الدفاع 1-45 ؟
يتضح من البينات والوقائع الثابتة أن المتهم يعمل مع والده في تجارته رغم أنه طالب جامعي وله دفتر شيكات وحساب على بنك النيل الأزرق المحدود هو الذي حرر عليه الشيك رقم 112522 على بياض وسلمه للشاكي ضمن أربعة شيكات هي قيمة صفقة الطحنية الأخيرة
جاء في أقوال الشاكي على صفحة 3 من المحضر ما يأتي:
" نعم أنا اتفقت مع والد المتهم أنو أرسل ليهو اللوريين وتنفيذاً للاتفاق أرسلت اللوريين "
وقال صفحة 7 " والد المتهم اتصل بي من الخرطوم واتفق معاي انو أشحن ليهو لوريين "
إذن فإنه وبإقرار الشاكي نفسه فإن مشتري البضاعة هو والد المتهم ولم تحدد البينات بشكل قاطع إذا ما كانت هناك علاقـة شراكة بين المتهم ووالده وإن كان المتهم يعمل مع والده في دكانه وفي تجارته وله حساب مستقل عن حساب والده حرر منه شيكات كثيرة لصالح الشاكي حتى من قبل هذه الصفقة كما لم توضح الوقائع أن هناك شراكة قائمة لها ذمة مالية مستقلة عن المتهم ووالده والواضح أن عمل الوالد والابن يدار بطريقة أهلية غير مقنعة وأن المتهم يعمل تحت إمرة والده رغم عدم تفرغه بشكل نهائي للعمل التجاري لارتباطه بالدراسة الجامعية ولا يمكن القول أن المتهم قد قام بهذه الصفقة لمصلحته الشخصية إذ أن شحن البضاعة تم بناءً على اتفاق بين الشاكي ووالد المتهم حسب إقرار الشاكي أمام المحكمة ولا يتضح السبب الذي جعل المتهم يحرر الشيكات من حسابه الخاص إلا إذا بررنا ذلك بغياب والده الذي كان بالخرطوم إلا أن المتهم يعلـم مسئولية إعطاء صك من حسابه الخاص وواضح أن قيمة الصفقة الأخيرة لم تكن جزءً من الحسابات التي تمت مراجعتها للوقوف على حقيقة السداد والوضع النهائي للحسابات بين الشاكي ووالد المتهم إذ لا تكشف مستندات الدفاع أن قيمة الشيكات الأربعة (قيمة الطحنية) قد جردت ضمن الحسابات التي خضعت للمراجعة
وواضح أن ثلاثة من الشيكات الأربعة التي سلمها المتهم للشاكي من حسابه الخاص قد صرفت قيمتها ولم يبق من قيمة الصفقة الأخيرة إلا قيمة الشيك رقم 112522 موضوع الدعوى مما يعني أنه لم يكن هناك نزاع أصلاً حول قيمة البضاعة الأخيرة (اللوريين)
هذا بجانب أن المتهم كان من حقه وقف صرف قيمة الصك إذا كان هناك مبرر لهذا الوقف وهو لم يخط خطوة مثل هذه لتقديم أي مبرر معقول لمثل هذا الإجراء القانوني إذ كان قد تم من جانبه ولا تكشف البينات من الذي حدد تاريخ صرف قيمة الشيك وهل هناك اتفاق على تاريخ 8/4/2002م الذي ملأ به الشاكي الشيك أم أنه قد حدده بنفسه دون تدخل من المتهم
وهذه النقطة كان يجب أن تكون محل بحث من قبل المحكمة إذ أن تاريخ السداد لا بد أن يتم الاتفاق عليه ولا يمكن أن يحدده الشاكي لوحده ورغم ذلك فإن المتهم لم يشر هذا الدفع فإذا لم يكن المتهم شريكاً لوالده وإن كان الوالد هو الذي اتفق مع الشاكي على شحن البضاعة فما هو وضع المتهم وقد حرر قيمة البضاعة من حسابه الخاص ؟ هل يمكن اعتباره كفيلاً ضم ذمته المالية لذمة والده ؟ أم أنه قد التزم التزاماً كاملاً بسداد قيمة البضاعة رغم أن المشتري هو والده؟
كما ذكرنا أعلاه فإن الصفقة لم تكن لصالح المتهم ولكنها تحقق مصلحة للمتهم ولوالده بما سيجنيانه منها من أرباح ولكن يمكن القول أن المتهم عندما قام بتسليم الشيك موضوع الدعوى للشاكي كان يعلم مسئولية ارتداد الشيك وتسليم الشيك يعني أنه قد التزم التزاماً كاملاً بالسداد نيابة عن والده فهو حتى على اعتبار أنه ضامن للسداد لا يوجد في بينة الدفاع ما يرفع عنه المسئولية وواضح أن كل هذه التعقيدات قد نتجت عن عدم الدقة في التعامل وعدم الدقة في تحديد المسئولية والالتزام وكان لابد من تحديد صفة المتهم عندما أعطى الشيكات للشاكي إلا أن الشاكي وهو الذي باع البضاعة لوالد المتهم حسب إقراره قبل الشيكات من غير المشتري استمراراً للتعامل الذي ساد العلاقة بين الطرفين لفترة طويلة ولكن في نهاية الأمر فإن مسئولية المتهم ثابتة ولكن السؤال الذي يثور هنا ما هو أثر النزاع بين والد المتهم والشاكي حول الحسابات والاختلاف بينهما حول هذه الحسابات إذا كان الشيك في هذه الحالة قد حرره والد المتهم ودفع بأنه قد سدد القيمة ضمن الحسابات الأخرى كان يمكن قبول هذا الدفع وتصحيحه بالرجوع إلى مستندات الدفاع إلا أن المتهم لم يكن طرفاً في النزاع بين الشاكي ووالده لقد كان خط دفاع المتهم حسب رده على ورقة الاتهام أن (مبلغ الشيك مدفوع وفقاً للمحاسبة التي تمت بين الطرفين) من هما الطرفان ؟ هل هما المتهم والشاكي أم أنهما الشاكي ووالد المتهم ؟ إذا كان المقصود أنهما الشاكي والمتهم فإن خط الدفاع هنا يكون غير دقيق وطالما لم يكن خط الدفاع إن المحاسبة المقصودة هي التي تمت بين الشاكي ووالد المتهم فإن بينة الدفاع تكون بلا قيمة ومستندات الدفاع التي قدمت لا تسعف المتهم إذ أن المتهم لم يكن طرفاً في المحاسبة وهو لم يدع بأن والده هو الذي قام بسداد المبلغ وإن كان ذلك هو دفاعه فهو لم يقدم بينة على أن قيمة الشيك رقم 112522 على وجه التحديد قد دفعت للشاكي نقداً أو بشيك أو بأي طريقة من طرق الوفاء القانوني للديون كذلك فإن الوالد وهو الطرف في المحاسبة لم يكن طرفاً في الدعوى وحتى المحاسبة التي تمت بين والد المتهم والشاكي لم تصل إلى نهاية إذ أن كان يجب عقد جلسة أخرى لتكملة المراجعة إلا أن ذلك لم يتم لهذا لا يمكن القول بأن هناك نزاعاً جدياً حول القيمة بين الشاكي والمتهم ولا يمكن الزج بالوالد هنا علماً بأن الحسابات التي عرضت للمراجعة كانت سابقة على بيع صفقة الطحنية الأخيرة فهي لم تكن جزءً من الحسابات المتنازع حولها
استناداً إلى كل هذا النظر لوقائع الدعوى فإنني أرى أن ما ذهبت إليه محكمة الاستئناف بأن هناك " نزاعاً جدياً " بين الشاكي والمتهم لم يكن صحيحاً خاصة وأن محكمة الاستئناف لم تكيف العلاقة بين المتهم ووالده ولم تعطها أي صفة قانونية إذ أننا أمام شخصين طبيعيين لكل منهما ذمته المالية المستقلة عن الآخر وما لم تكن محكمة الاستئناف قد قررت بأن هناك اندماجاً في ذمتي المتهم ووالده ربطت بين الذمتين من الناحية القانونية فما كان لها أن تتعامل مع المحاسبة التي تمت بين والد المتهم والشاكي على أنها نزاع حقيقي وجاد ويستند على أسباب موضوعية تمنع من الحكم بالتعويض كما أن الوالد وهو الطرف في المحاسبة لم يكن هو المتهم في الدعوى ولم تحدد محكمة الاستئناف في قرارها علاقة المتهم القانونية بحسابات والده لقبول الدفع بوجود نزاع أو بسداد الوالد لقيمة الشيك
الثابت أن المتهم قد حرر شيكات قيمة البضاعة من حسابه الخاص وعلى مسئوليته القانونية التامة وبما أن المتهم قد دفع بالسداد ولم يثبت هذا الدفع وبما أنه لم يطعن في تاريخ تقديم الشيك لصرف قيمته في 8/4/2002م فان المتهم هو الذي يكون مسئولاً من دفع قيمة الشيك للشاكي وليس والده
على هذا فإن حكم محكمة الموضوع وقد انبنى على جملة الوقائع الثابتة وقضى بالحكم للشاكي بالتعويض وفقاً لسلطتها تحت المادة (204) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م ليتم تنفيذ الحكم وفقاً لنص المادة 198 من القانون نفسه قد جاء سليماً وفي رأيي أنه ليس هناك أي درجة من الشك في صحة التزام المتهم ( وليس والده) بالسداد وفقاً لمجريات الدعوى والإثبات الذي قدم لها
لكل ما تقدم فإن وافقني الزميلان الكريمان بالدائرة أرى أن نتدخل وأن نلغي الشق الثاني من حكم محكمة الاستئناف الذي ألغى الحكم بالتعويض للشاكي وأن تعدل حكم المحكمة الجنائية ليكون تحصيل الغرامة بالطريق المنصوص عليه في المادة (198) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م وأن يكون تحصيل التعويض المحكوم به للشاكي من قيمة الكفالة المودعة بخزينة المحكمة حتى لا يضار الشاكي من وراء السعي للحصول على التعويض
القاضي: عبد الرؤوف حسب الله ملاسي
التاريخ: 25/1/2003
الرأي الثاني بناء على المداولة
اتفق مع أخي كمال الدين في رأيه وأرى إضافة الآتي:
وفقاً لنص المادة (179) من القانون الجنائي سنة 1991م فهي أركان الجريمة وفقاً للنص مقروءً مع نص المادة (76) من قانون الكمبيالات سنة 1917م الخاصة بالصك المصرفي يعد مرتكباً إعطاء صك مردود من يقوم:
1- بإعطاء شيك مصرفي
2- أن يكون أعضاء الساحب للشك للمستفيد وفاء لالتزام عقدي أو قانوني أو وفاء لمقابل صحيح ومشروع نشأ في ذمة (الساحب) قبل (المستفيد) الذي تم تحرير الشيك لمصلحته)
3- أن يرد المصرف المسحوب عليه الشيك لأي من الدواعي والأسباب الواردة في النص وهي الخ
وبالتالي فجريمة الشيك المردود في القانون السوداني تشترط كركن أساسي لجريمة الشيك أن يكون الإعطاء أو التظهير بتوافر ركن الإعطاء وفاء لالتزام أو وفاء لمقابل وبالتالي فإذا ثبت بالبينة أن الصك المردود ( لم يكن وفاء لالتزام عقدي أو قانوني نشأ للمستفيد أو الحائز في ذمة الساحب لصالح المستفيد أو المظهر إليه) فإن الصك ينتفي عنه أهم أركان وعناصر المسئولية الجنائية الموجبة للعقوبة الجنائية حتى وإن رد المصرف المسحوب عليه للصك لأي من الدواعي السالف ذكرها وقد فعلت ذلك السابقة م ع/ط ج/97/2000م محاكمة فائق إبراهيم عبد العال والتي ناقشت كل السوابق مع دراسة مقارنة لجريمة الشيك في القوانين السابقة وفي الفقه القضائي بوجه عام يمكن الرجوع إليها دون حاجة للتفصيل الآن وقد قررت المحكمة الدستورية في القضية م د/ق د/2001م بتاريخ 27/1/2002م محمد عوض حمزة /ضد/ عبد السلام العوض حكومة السودان تقول (المقابل في جريمة الشيك حسب القانون الجنائي السوداني سنة 1990م المادة (179) ركن هام من أركان جريمة الشيك ليس هذا وحسب بل لا بد من أن يكون الالتزام أو المقابل مشروعاً أي يقره القانون ولا يخالف النظام العام والآداب الخ
ومن ثم فإذا انتفى أي عنصر من عناصر جريمة الصك المردود تنتفي الجريمة وبغض النظر عن الخلاف الدائر في دوائر المحكمة العليا وأحكامها في السوابق المختلفة حول المقاصد من التجريم وأنه حماية للصك المصرفي ليجري كورقة مالية تجري مجرى النقود في التعامل فإنه لا خلاف حول أن (الجريمة في القانون السوداني) يعاقب عليها القاضي بناء على توافر (أركان الجريمة) وثبوت أن ما أتاه الجاني هو (جريمة كاملة الأركان) وبالتالي فالجريمة كجريمة جنائية لا بد من توافر شروط الإدانة بها وبالتالي فيجب أن يكون التفسير (للنص السوداني ومقاصد المشرع السوداني) وليس مقاصد أخرى تخالف مقاصده القانونية التشريعية والشرعية الموافقة لأحكام الشريعة الإسلامية وبالتالي فإن الشيك يجب النظر إليه كما عرفه القانون السوداني في المادة (76) من قانون الكمبيالات سنة 1917م بأنه (كمبيالة مسحوبة على مصرف ومستحقة الدفع عند الطلب وفيما عدا ما نص على خلافه فيما يلي تسري على الشيك أحكام هذا القانون السارية على الكمبيالة الواجبة الدفع عند الطلب) والتي عرفها القانون في المادة 9(1) منه
وبالتالي فعند النظر في أحكام الصك المردود في المادة (179) جنائي فلا يجوز النظر في الجريمة بمعزل عما يحكم الشيك نفسه من أحكام تنظير شروط صحته وبطلانه وما يترتب عليه من آثار وتسري عليه كل أحكام الكمبيالة المستحقة الدفع عند الطلب وأن يفسر التعامل بالصك المصرفي على ضوء أحكام القانـون السوداني ( قانون الكمبيالات) السودانـي وليس أي قانون آخر (أجنبي) لا تنشأ نطبق (أحكام وفقه) القانون السوداني ابتداء وانتهاء
وبالرجوع إلى نصوص قانون الكمبيالات سنة 1917م المنطبق على الصك المصرفي نجد أن المشرع السوداني يخالف القوانين الأخرى في أنه يسبغ الحماية فقط على (الحائز أو المستفيد الذي يرد إليه الشيك من المستفيد الأول أو المظهر الأول) إذا كان (حسب النية) ولا يسبغ الحماية على (المستفيد الأول) لأنه طرف ابتداء في العلاقة العقدية أو القانونية أو الالتزام الذي نشأ بين (الساحب والمستفيد الأول) وترتب عليه (إعطاء) الشيك (للمستفيد الأول) لأن الساحب والمستفيد الأول هما طرفي العقد والالتزام وبالتالي تسري عليهما قواعد (العقد من حيث الصحة والبطلان) وبطلان ما يترتب عليه من آثار ومسئولية جنائية أو مدنية وهذا يسري أيضاً على المظهرين اللاحقين (للمستفيد الأول) إذا ظهروا الصك وهم على علم ببطلانه وبطلان الالتزام أو المقابل وهو ما قررته المادة (37) من قانون الكمبيالات " إذا كان الحائز للكمبيالة بطريق صحيح فهو يحوزها خالية من أي عيب في ملكية الأطراف السابقين عليه وكذلك من أي دفوع شخصية محضة جائزة لهم التمسك بها فيما بينهم (أي طرفي الالتزام أو المقابل) وله دفع قيمتها في مواجهة جميع الأطراف وتنص المادة 28(1) من القانون على تعريف من هو (الحائز الصحيح) الذي ينال الحصانة والحماية خلال تداول الشيك المصرفي (بأنه الحائز الذي يحوز الصك بطريق صحيح بأن يستلم الصك تاماً ومستوفي بحسب ظاهره لشروط الصحة ويشترط في الحائز الصحيح لينال الحماية الجنائية شرطان أساسيان:
1- أن يكون قد أصبح حائزاً للصك قبل فوات ميعاد استحقاقه وأن لا يعلم بسبق رفض قبوله إذا سبق وقدم للمسحوب عليه ورفض قبوله
2- ن يكون قد استلم الصك المصرفي (بحسن نية) وبالقيمة وألا يكون عالماً وقت نقل الحيازة إليه بوجود عيب في ملكية من نقل إليه الصك
وتنص الفقرة (2) من المادة (28) على أن ملكية الحائز أو الشخص الذي تناول الصك تكون معنية بالمعنى الوارد في هذا القانون إذا تحصل على الصك أو على حيازته أو قبوله بطريق الغش أو الإكراه أو بالقوة أو الإرهاب أو بأية وسيلة غير جائزة قانوناً أو بمقابل غير مشروع أو أخل في نقل الحيازة إليه بأحد التعهدات الموجبة لصحة حيازته أو في أي ظروف تبلغ حد الغش وتنص الفقرة (3) من المادة (28) على أن الحائز سواء أكان بالقيمة أم لم يكن (أي بمقابل أو عدمه) الذي يستمد ملكيته للصك من طرف حائز بطريق صحيح ولم يكن طرفاً في أي غش أو عمل غير مشروع مما يؤثر في صحة الصك تكون له جميع الحقوق التي للحائز بطريق صحيح في مواجهة جميع أطراف الصك السابقين على الحائز المذكور
وتنص المادة 29(1) بأن كل طرف وجد توقيعه على صك مصرفي بصفة مبدئية أنه أصبح طرفاً فيه (بمقابل بالقيمة) وتنص الفقرة (2) على أن يكون كل حائز للصك يعتبر بصفة مبدئية أنه يحوز بطريق صحيح إلا إذا رفعت دعوى وثبت فيها بالإقرار أو بأي دليل آخر أن قبول الصك أو إصداره أو تداوله عقب ذلك مشوب بالغش أو الإكراه أو استعمال القوة والإرهاب أو أي عمل غير مشروع فإن عبء الإثبات ينتقل إلى الحائز الخ
أنظر السابقة م ع/97/2000م محاكمة فائق إبراهيم غير منشورة وانظر (السابقة م ع/ط ج/64/1999م غير منشورة محاكمة عبد الله أركاب أدروب) مع ملاحظة أن دائرة المراجعة في المحكمة العليا بالرقم /مراجعة/76/2000م بتاريخ 7/5/2001م ألغت الحكـم 64/1999م إلا أن حكـم المراجعة المذكور ألغته المحكمة الدستورية في الحكم الدستوري ق د/61/2001م بتاريخ 10 مارس 2002م وبالتالي أصبح حكم السابقة م ع/ط ج/64/1999م الحكم الساري المفعول بعد إلغاء المحكمة الدستورية لمراجعة 76/2000م
وعلى ضوء المناقشة السالفة والبينة والوقائع المطروحة في الدعوى الجنائية نجد أن الوقائع الثابتة والتي تعتبر حقائق ثابتة في الاتهام تحت المادة (179) من القانون الجنائي سنة 1991م مقروءة مع قانون الكمبيالات سنة 1917م بشأن الشيك الذي تسري عليه كل شروط وأحكام الكمبيالة مستحقة الدفع عند الطلب نجد الآتي:
1- أن المتهم أعطى الشاكي في المحاكمة صكاً مصرفياً صحيحاً مسحوباً على بنك النيل الأزرق المحدود الذي فيه (حساب المتهم الساحب)
2- قام المتهم بإعطاء الشاكي(المستفيد الأول) الشيك محل الاتهام كمقابل لوجود التزام للشاكي على والده في عمل بينهما (ورغم الخلاف حول حدود ذلك التعامل) الذي أشار إليه أخي كما في رأيه
3- الثابت أن الصك المصرفي المذكور قد ارتد من المصرف (المسحوب عليه الشيك) لعدم وجود رصيد للمتهم لدى المسحوب عليه
وبالرجوع إلى (الدفاع) نجد أنه يركز على (فرضية) أن المتهم عندما أعطى الشاكي الشيك كان ذلك دون وجود أي (التزام أو مقابل) للشاكي على المتهم ليكون الشيك مقابلاً أو إنفاذاً لالتزام للشاكي على المتهم وليس للشاكي في ذمة المتهـم أي مقابل أو التزام تقابل قيمـة الشيك وبالتالي فالشاكي باعتباره (المستفيد الأول) لم يكن طرفاً مع المتهم في أي التزام يبرر إعطاءَه الشيك أو المطالبة بالحماية الجنائية لهذا الشيك قبل المتهم لانتفاء ركن المقابل والالتزام لأن (الالتزام العقدي أو المقابل) يقع على والد المتهم لأن العمل والحساب الذي يدعيه الشاكي (خاص بالشاكي ووالد المتهم) ولا علاقة للمتهم بذلك العمل أو الحساب بصورة مباشرة أو غير مباشرة
وفي تقديري أن هذه (الفرضية) التي يرتكز عليها الدفاع لنفي المسئولية الجنائية من قيامه بإعطاء الصك المصرفي محل الاتهام ونفى الحماية الجنائية التي أسبغها المشرع للشاكي في حالة عدم الوفاء بقيمة الصك لا مجال لقبولها في ظل البينة والوقائع المطروحة فالمتهم يندرج فعل إعطائه الصك وتحريره لحساب الشاكي من (حسابه الخاص) تحت مسئولية (شيك المجاملة ) والذي يقوم بإعطاء أي شخص صكاً من حسابه (مجاملة) يكون مسئولاً مسئولية كاملة قبل الحائز فكما أسلفنا فإن جميع أحكام الكمبيالة مستحقة الدفع عند الطلب تسري على الصك المصرفي بموجب المادة (76) 9(1) من قانون الكمبيالات سنة 1917م وبالتالي تسري أحكام المادة 27(1) من القانون المذكور على (الشيك الذي أعطاه المتهم للشاكي) فنص هذه المادة يقرر صراحة الآتي:
الطرف المجامل في الصك المصرفي أو الكمبيالة (وذلك باعتبار أن الصك المصرفي كمبيالة مستحقة الدفع عند الطلب) هو:
1- الشخص الذي يوقع على كمبيالة أو صك مصرفي بصفته صاحبها أو قابلاً أو مظهراً دون أن يأخذ (قيمة) عنها (أي دون أن مقابل) قاصداً بذلك إعارة اسمه لغيره
2- الطرف المجامل الذي يقوم بإعارة اسمه قاصداً يكون ملتزماً للحائز (للكمبيالة أو الصك المصرفي) إن ذلك الطرف الذي حرر الشيك هو شخص مجامل عَرَفَ هذا أم لم يعرف ذلك
والنص واضح الدلالة والفهم في مسئولية الطرف المجامل قصداً وواضح من وقائع المحضر ورغم أن الاتفاق والحساب هو بين (الشاكي) (ووالد المتهم) بإقرار الجميع والشاكي نفسه فإن المتهم بتحريره للصك المصرفي من حسابه الخاص وذمته الخاصة لصالح الشاكي فإنه قد أعطى الشاكي الشيك (كطرف مجامل) لمساندة والده أو – للعلاقة بينهما أو لأي أسباب أخرى أياً كانت تلك الأسباب وبالتالي يكون ملزماً بقيمة الشيك في مواجهة الشاكي وفقاً لنص المادة 27(1) و (2) من قانون الكمبيالات سنة 1917م والذي يجعله من اعطاء الصك قاصداً إعارة اسمه لوالده مما يجعله مسئولاً مسئولية كاملة عن قيمة الصك قبل الحائز (الشاكي) حتى ولو كان إعطاؤه الشيك (بدون مقابل وكما ورد ذلك في صيغة نص المادة 27(2) (دون أن يأخذ قيمة عنها) أنظر كمثال:
م ع/ط ج/97/2000م (السـابقة م ع/ط ج/محاكمة فائق إبراهيم عبد العال (غير منشورة) والتي تقرر أن الطرف المحرر للشيك لا يكون طرفاً (مجاملاً) ملزم بقيمـة الصك في مواجهـة (الحائز للشيك 9 ألا إذا ثبت أنه كان (قاصداً بعمله إعارة اسمه لغيره) بما يجعله كساحب أو كقابل أو كمظهر ملتزماً بقيمـة الشيك أنظـر م ع/ط ج/96/1996م حكومة السودان /ضد/ بدر الدين الفيل (من يحرر شيكات من حسابه الشخصي يكون مسئولاً جنائياً إذا ارتد الشيك لأنه التزم بالوفاء من حسابه الشخصي) وعلى ضوء ما تقدم أرى صحة الإدانة تحت المادة (179) من القانون الجنائي سنة 1991م واتفق مع الزميل كمال بشأن عقوبة الغرامة والتعويض كما اتفق معه في أن المحكمة ملزمة برد المنفعة أو المال الذي حصل عليه الجاني لحامل الشيك لأنه من باب التعويض الخاص برد المال محل الجريمة أو مقابلة من منفعة مال أو غيره وكان الأولى بالمحكمة أن تجعل (الغرامة) تحصل بموجب المادة (198) إجراءات جنائية لأنها عقوبة وهنالك ما يقابلها من (عقوبة سجن بديلة) أما رد المال للشاكي فقط بموجب المادة (198) إجراءات يعني تغليب تحصيل الغرامة على (رد الحقوق لأهلها) وتجعل الشاكي يبحث عن ماله من خلال إجراءات قد تطول وهنالك (كفالة مودعة تغطي) قيمة الشيك ومن ثم اتفق مع الزميل في تعديل الحكم الجنائي بأن تكون الغرامة 20,500 ألف دينار سوداني تحصل بموجب المادة (198) إجراءات فقرة (1) (2) (3) وفي حالة عدم الدفع أو التحصيل توقع عقوبة سجن بديلة (أربعة اشهر) وأن يكون الحكم في الفقرة (2) رد المحكوم عليه قيمة الشيك للشاكي وقدره 760 ألف دينار وتحصل من مبلغ الكفالة المودعة وبموجب المادة (198) إجراءات جنائية إذا لم تكف الكفالة لتغطية المبلغ وهنا أضيف أن المحكمة الجنائية كانت جيدة التسبب في حكمها الموافق للقانون في أنه ( لا نزاع حول قيمة الشيك) لأنه لا نزاع حول مقدار المال فالشيك بقيمة (مقدرة) من طرف (مجامل) والقيمة مستحقة عليه حتى ولو كان إعطاء الشيك (دون أخذ أو وجود مقابل) بموجب المادة 27(12) كمبيالات سنة 1917م وبالتالي فمجرد الإدعاء بوجود نزاع في الحساب بين الشاكي ووالد المتهم فلا يعني ذلك وجود نزاع حول (قيمة الشيك) لأن قيمة الشيك كانت مقابل لبضاعة محددة وهي (الطحنية) ومن ثم فإن رد قيمة الشيك بوصفه (تعويضاً خاصاً) جائز في إطار رد المال قيمة الشيك بوصفه (تعويضاً خاصاً) جائز في إطار رد المال والمنفعة بموجب المادة (46) من القانون الجنائي سنة 1991م وليس كتعويض عام وبالتالي لا مجال لإعمال وجهـة نظر السابقة القضائية (حكومة السودان /ضد/ عبد المحمود / مجلة سنة 1982م لأنه لا نزاع حول قيمة الشيك أو المقابل الذي أعطي الشيك بسببه
ومن ثم أرى اتفاقي مع الزميل كمال وأرى أن يكون أمرنا النهائي على النحو التالي:
أولاً: ينقض حكم الاستئناف في الجزئية الخاصة بإلغاء الحكم الجنائي برد قيمة الصك للشاكي
ثانياً: نعدل حكم المحكمة الجنائية على النحو التالي:
1- نؤيد حكم المحكمة الجنائية بالحكم بالغرامة 20500 ألف دينار سوداني ونأمر بتحصيلها بموجب أحكام المادة 198(1 2 3 4) إجراءات جنائية سنة 1991م وأن نوقع عقوبة سجن بديلة أربعة أشهر في حالة عدم الدفع أو التحصيل
2- نؤيد رد قيمة الشيك البالغة 760 ألف دينار سوداني من مبلغ الكفالة المورد بالإيصال المالي 8712 بتاريخ 8/9/2002م للشاكي
القاضي: أسامة حسن محمد أحمد
التاريخ: 25/1/2003
أوافق واتفق مع الأخ مولانا/ ملاسي فيما أضافه
الأمر النهائي:
1- ينقض حكم الاستئناف في الجزئية الخاصة بإلغاء الحكم الجنائي القاضي برد قيمة الصك للشاكي
2- يعدل الحكم الجنائي على النحو التالي:
3- نؤيد حكم المحكمة الجنائية بتوقيع عقوبة الغرامة 20500 ألف دينار سوداني ونأمر بتحصيلها بموجب المادة 186(1 2 3 4) إجراءات جنائية وأن توقع عقوبة سجن بديل أربعة أشهر في حالة عدم الدفع أو التحصيل
4- نؤيد رد قيمة الشيك البالغة 760 ألف دينار سوداني من مبلغ الكفالة المورد بالحافظة إيصال مالي 08722 بتاريخ 8/6/2002م للشاكي
عبد الرؤوف حسب الله ملاسي
قاضي المحكمة العليا
ورئيس الدائرة
30/يناير/2003م

