قضيـة نفقـة بنـوة
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة القومية العليا
قرار النقض رقم 463/2011م
الصادر في 23/8/2011م
القضاة:
صاحب الفضيلة الشيخ/ محمد إبراهيم محمد حامد
قاضي المحكمة العليا
رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ/ د. إبراهيم أحمد عثمان
قاضي المحكمة العليا
عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ/ محمـد مصطفى حمـد
قاضي المحكمة العليا
عضواً
قضيـة نفقـة بنـوة
قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لسنة 1991م – نفقة البنوة – قراءة النصوص بعضها مع بعض – دلالتها على تاريخ فرض نفقة البنوة – المقاصة – كيفية تمامها.
المبادئ:
1- إن قراءة النصوص بعضها مع بعض تدل على أن نفقة الأولاد يحكم بها من تاريخ رفع الدعوى إذ أن القانون ينص على فرض النفقة المؤقتة من تاريخ ثبوت الاستحقاق.
2- عند صدور الحكم تتم المقاصة بين النفقة المحكوم بها والنفقة المؤقتة.
رأي مخالف:
1- الأصل هو أن نفقة الأقارب بما فيها نفقة الأولاد تفرض من تاريخ صدور
الحكم وليس من تاريخ رفع الدعوى لأنّ موجبات فرض النفقة وقتها لم تثبت.
2- إن القول بأن الحكم بنفقة الأولاد من تاريخ صدور الحكم يتعارض مع الحكم الصادر بتوقيت النفقة لا يجد قبولاً لأن الأمر الصادر بنفقة مؤقتة يبدأ سريانه من تاريخ ثبوت الاستحقاق وينتهي بتاريخ صدور الحكم بالنفقة الثابتة.
المحامون:
الأستاذ/ أيوب بريمه موسى عن الطاعنة
الحكــم
القاضي: محمد مصطفى حمد
التاريخ: 2/8/2011م
في 20/2/2011م قدم المحامي أيوب بريمه موسى نيابة عن الطاعنة عريضة طعن بالنقض في الحكم الصادر من محكمة الاستئناف رقم ا س ش/330/2010م والقاضي بشطب الاستئناف الأصلي وإعادة الأوراق للعمل وفق المذكرة.
تُلَخَّصُ وقائع الطعن في أَنَّ الطاعنة قد استصدرت حكماً لصالحها في مواجهة المطعون ضده يقضي لها بنفقة ولديها منه .... و.... قدرها مبلغ 200 جنيه لطعامهما وبدل كسوتهما مبلغ 150 جنيه كل أربعة أشهر ومبلغ 100 جنيه لأجرة المسكن والعلاج تحت مظلة التأمين وذلك اعتباراً من 4/11/2010م.
استأنف كل من طرفي النزاع الحكم لدى محكمة استئناف بحري وشرق النيل فكان قرارها بشطب الاستئناف الأصلي وإعادة النظر في المقادير على ضوء ما يسفر عنه التحري عن الدخل.
حاصل الطعن في خطأ محكمة الاستئناف تأييدها لحكم محكمة الموضوع بفرض النفقة للولدين من تاريخ 4/11/2010م في حين أن الصحيح أن يكون فرضها من تاريخ رفع الدعوى في 6/1/2010م لأن نفقة الأولاد ليست كسائر نفقة الأقارب . كما أنَّ محكمة الاستئناف قد جانبها الصواب في إعادة الأوراق بغرض التحري عن الدخل.
وكانت هذه الدائرة قد قررت مبدئياً قبول الطعن شكلاً وأتاحت الفرصة للطرف الآخر للرد على عريضة الطعن وبعد أن ردَّ المطعون ضده كنت قد رأيت في رأيي الأول نقض الحكم فيما يتعلق بجزئية إعادة الأوراق لإعادة السير في الدعوى بغرض إعادة التحري عن الدخل والمقادير المفروضة مع تأييد الحكم فيما يتعلق ببداية سريان النفقة من تاريخ 4/11/2010م تاريخ صدور الحكم . إلا أن الزميلين في الدائرة قد خالفاني الرأي وذهبا إلى عدم صحة بداية سريان نفقة الأولاد من تاريخ صدور الحكم لما جرى عليه العمل من أن بداية سريانها من تاريخ رفع الدعوى وقررا إعلان العريضة توطئة لإلغاء الحكم في هذه الجزئية.
تم إعلان العريضة كرأي الأغلبية وقد رد محامي المطعون ضده في أن نص المادة 90(1) أحوال شخصية صريح في أن فرض النفقة من تاريخ صدور الحكم ولا يحتاج ذلك إلى تأويل والحكم من تاريخ رفع الدعوى لم ينص عليه المشرع صراحة وقد نص على فرض نفقة مؤقتة حتى صدور الحكم ولو أراد المشرع على أن يكون فرض النفقة من تاريخ رفع الدعوى لنص على ذلك صراحة.
يؤسفنى أنْ أقرر مع احترامي لرأي الزميلين في القول ببداية سريان نفقة الأولاد من تاريخ رفع الدعوى أن اختلف معهما في ذلك.
إن نص المادة 90(1) واضح في أن نفقة الأقارب يحكم بها اعتباراً من تاريخ صدور الحكم ، أما فيما يتعلق بنفقة الأولاد الواجبة على آبائهم فقد جعلت هذه المادة استثناءً لها من حيث بدابة سريان وجوبها إذ أجازت للقاضي الذي يحيط بظروف الدعوى أن يحكم بها عن مدة سابقة للمطالبة القضائية لا تجاوز ستة أشهر . بمعنى أن الأصل هو أنَّ نفقة الأقارب بما فيها نفقة الأولاد تفرض من تاريخ صدور الحكم وليس من تاريخ رفع الدعوى لانّ الدعوى وقتها لم تثبت أي أن موجبات فرض النفقة وقتها لم تثبت وهي تثبت بعد عرض الدعوى على الطرف الآخر ومصادقته على البنوة وموجهات الفرض فحينها تتحقق بثبوت الاستحقاق وعند رفع الدعوى فإن ذلك مجرد ادعاء لا يثبت إلاّ بعد مصادقة المدعى عليه على موجبات الفرض وعلى ذلك جاء النص على فرض النفقة المؤقتة من تاريخ ثبوت الاستحقاق وهو المصادقة على موجبات الفرض وهي البنوة ووجود الأولاد بيد المدعية ومن ثم القول باستحقاقهم للنفقة.
إني أتفق مع محامي المطعون ضده بأن المشرع لو أراد سريان نفقة الأولاد من تاريخ رفع الدعوى لنص على ذلك صراحة ولكنه سكت عن ذلك رجوعاً للأصل وهو أنّ نفقة الأقارب لما في ذلك نفقة الأولاد تفرض من تاريخ صدور الحكم إلاَّ ما استثنى بنص صريح في نص الفقرة (2) من المادة (90) من قانون الأحوال الشخصية.
إن القول بأن الحكم بنفقة الأولاد من تاريخ صدور الحكم يتعارض مع الحكم الصادر بتوقيت النفقة لا يجد قبولاً عندي لأن الأمر الصادر بنفقة مؤقتة يبدأ سريانه من تاريخ ثبوت الاستحقاق وينتهي بتاريخ صدور الحكم بالنفقة الثابتة . وهذا لا يفوت لأي من الطرفين حقوقه إذ إنه يمكن إجراء المقاصة فيما بين الطرفين بعد صدور الحكم النهائي بين ما دفعه الأب من نفقة مؤقتة وبين ما صدر به الحكم النهائي من نفقة.
وحيث إن الحكم المطعون فيه لم يخالف هذا النظر فيما يتعلق بهذه الجزئية فإني لا زلت متمسكاً برأيي في صحته وعدم مخالفته للقانون حتى ولو جرى العمل على خلاف ذلك لأن ذلك ما أراه الصحيح قانوناً وأما فيما يتعلق بباقي أسباب الطعن فإني قد رأيت رفضها وإلغاء الحكم فيما يتعلق بإعادة الأوراق لمحكمتها للسير فيها لما رأيته من أن الطاعن على سعة في الرزق من عمله كتاجر متجول ولا يستدعى ذلك إعادة التحري فالنفقة لا تتعدى حدود الكفاف في ظل الظروف المعيشية الراهنة والماثلة للكل.
القاضي: د. إبراهيم أحمد عثمان
التاريخ: 3/8/2011م
أتفق مع الأخ الكريم حول تأييد النفقة المحكوم بها ونقطة الخلاف حول تاريخ السريان . فإن قراءة النصوص مع بعضها تدل على أن نفقة الأولاد تحكم من تاريخ رفع الدعوى إذ أن القانون ينص على فرض النفقة المؤقتة من تاريخ ثبوت الاستحقاق . وعند صدور الحكم تتم المقاصة بين النفقة المحكوم بها والمقررة في النفقة المؤقتة . وفرض النفقة السابقة لمدة ستة أشهر هل من تاريخ رفع الدعوى أم من تاريخ صدور الحكم ؟ كل ذلك يدل على أن نفقة الأولاد تحكم من تاريخ رفع الدعوى لا تاريخ الحكم . عليه أرى أن يكون السريان من تاريخ رفع الدعوى.
القاضي: محمد إبراهيم محمد حامد
التاريخ: 23/8/2011م
النقطة الجوهرية في هذه الدعوى هل سريان النفقة من تاريخ رفع الدعوى أم من تاريخ صدور الحكم ؟
نحاول أن نُؤصَّل ونُوجِزُ في هذه الجزئية.
ويعتمد هذا على أن هنالك فرقاً بين نفقة الأقارب ونفقة الأولاد :
1- في اللغة أن لفظ الأقارب عام يشمل الأصول والفروع لكن هذا اللفظ خرج عنه الأصول والفروع لغة ومصطلحاً لاختلاف الأحكام في مواضع كثيرة منها الزواج والميراث والقصاص وغيرها ما لا يمكن تفصيله هنا.
2- في هذا القانون- الأحوال الشخصية للمسلمين لسنة 1991م : هنالك فرق فإن نفقة الأصول والفروع عالجت أَحكامها المواد 81- 87 والمادة (90) هي لنفقة الأقارب.
3- يشترط يسار المنفق في الأقارب ولم يشترط ذلك في نفقة الأولاد.
4- التكييف الفقهي لنفقة الأقارب أنها صلة وليست واجباً.
5- تقوم نفقة الأقارب على شرط الميراث الذي به شرط اتحاد الدين فهذا لا يشترط في نفقة الأولاد فالأب المسلم يجب عليه نفقة ولده وإن لم يكن مسلماً مثل أن يسلم الأب ولا يسلم الولد البالغ المستحق للنفقة.
6- رتب القانون النفقة في المادة (89): تقدم نفقةُ الزوجة ثم نفقةُ الأولاد ثم نفقةُ الأبوين ثم تأتي نفقة الأقارب فلا يمكن المساواة.
7- لا يمكن فرض نفقة مؤقتة للأقارب ويمكن ذلك للأولاد بنص المادة (90).
8- إن لفظ الأقارب عام خصص منه الأولاد وما من عام إلا خصص والخاصُّ يحكم العام.
9- العرف خصص الأولاد من جملة الأقارب فالمتبادر من لفظ الأولاد أنهم غير الأقارب.
من هنا نصل إلـى أن هنالك فروقاً بين الأولاد وهم الفروع والأقارب عامة . وأن نص المادة 90(1) ينطبق على نفقة الأقارب فقط أما نفقة الأولاد تنطبق عليها بقية المواد بما في ذلك الفقرة 2 من المادة (90) وكون القانون لم ينص صراحة لا يعني المنع ولم يكن اللفظ الصريح في المرجعية هو أداة الضم الوحيدة ومن ثم تسرى نفقة الأولاد من تاريخ رفع الدعوى.
الأمر النهائي:
تأييد النفقة المحكوم بها من ناحية المقادير وإلغاء تاريخ السريان ليكون سريان النفقة من تاريخ رفع الدعوى لا تاريخ الحكم.
محمد إبراهيم محمد حامد
قاضى المحكمة العليا
ورئيس الدائرة
23/8/2011م

