قضيـة ضم محضون
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة القومية العليا
قرار النقض رقم 199/2007م
الصادر في 27/5/2007م
القضاة:
صاحبة الفضيلة الشيخة/رباب محمد مصطفى أبوقصيصة
قاضي المحكمة العليا
رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ/ د. إبراهيم أحمـد عثمان
قاضي المحكمة العليا
عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ/ جعفر صالح محمد أحمـد
قاضي المحكمة العليا
عضواً
قضيـة ضم محضون
قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لسنة 1991م – المادة 116(2) منه – ضم محضون – تجاوز المحضون سن الحضانة – تفرغ الحاضنة – أثره.
المبادئ:
1- إذا وضعنا في الاعتبار أن الأساس الذي تقوم عليه دعوى الضم بلوغ المحضون السن التي يستقل بها ويستغنى عن خدمة النساء فإن التفرغ في مثل هذه الأحوال لا يعتبر صفة لازمة ولا يشكل ميزة تصلح للمقارنة بما يقابلها.
2- تفرغ الحاضنة لخدمة المحضون إن كان لها وجه لا يقابلها تفرغ العاصب إذ أن ذلك يتنافى مع طبائع الأشياء ويتعارض مع وظيفة العاصب وما يترتب عليه من مسئوليات وواجبات والتزامات ، إلا في تلك الحالة التي لا يتوفر فيها للعاصب من يقدم خدمة النساء المعتادة للمحضون في مثل سِنِه أو في حالة الضرورة أو الأحوال غير العادية التي يكون المحضون في حاجة ماسة لخدمة تستدعي التفرغ ويتعذر وجود من يقوم بها من قبل العاصب أو يتعين على الحاضنة القيام بها.
الحكــم
القاضي: جعفر صالح محمد أحمد
التاريخ: 31/3/2007م
تتلخص الوقائع الجوهرية وبالقدر اللازم للفصل في الطعن أن المدعي ... ... ... أقام الدعوى رقم ق ش/2979/2004م أمام محكمة أمبدة الشرعية في مواجهة المدعى عليها ... ... ... بطلب ضم ابنه منها البالغ من العمر ثماني سنوات لتجاوزه سن حضانة النساء . وقد دفعت المدعى عليها دعوى الضم بالأصلحية وأبانت وجهها ، وقد أنكرها العاصب.
وبعد سماع ما قدم من بينة على الأصلحية انتهت المحكمة إلى أنه ليس في هذه الشهادة ما يفيد أن للحاضنة من الصفات ما تتميز به عن العاصب ، وأشارت المحكمة أن للحاضنة الحق في طلب يمين العاصب . وقد طلبتها وحلفها العاصب ، ومن ثم انتهت المحكمة إلى الحكم للمدعي بالضم . وباستئناف هذا الحكم من قبل المحكوم عليها ، انتهت محكمة استئناف أم درمان بموجب حكمها رقم/أ س ش/428/2004م إلى إلغاء الحكم المطعون فيه ، وإعادة الأوراق لمحكمة أول درجة لإعادة النظر على ضوء ما ورد في مذكرة الحكم من موجهات . وبإعادة الأوراق استفسرت المحكمة الحاضنة عن وجه الأصلحية ببيان ما تتميز به من صفات ومؤهلات لا تتوفر في العاصب . وقد أجابت الحاضنة عن الاستفسار فيما يتعلق ببيان وجه الأصلحية ، أنها متفرغة لدراسة الولد ونظافته وأكله وشربه ، وأنها تصطحبه للمدرسة وتراجع دروسه ، ومؤهلاتها أنها درست إلى الصف السادس ابتدائي وأن المحضون يدرس في الصف الثالث ، وفي الجانب الآخر أن والد المحضون يعمل تاجراً ويخرج للعمل في تمام الساعة السابعة والنصف صباحاً ويعود في السادسة مساءً واستشهدت الحاضنة بعدد من الشهود ، ولم تجد المحكمة في شهادتهم ما يثبت الأصلحية ، ومن ثم انتهت إلى الحكم للعاصب بالضم . وباستئناف هذا الحكم من قبل المحكوم عليها انتهـت محكمة استئناف أم درمان بموجب حكمها بالرقم م أ/503/س ش/2005م إلى إلغاء الحكم المطعون فيه على أن يبقى المحضون مع حاضنته ، وذلك على أساس أن ما قـدم من بينة يثبت الأصلحية . وقد كان حكم محكمة الاستئناف هذا موضوع طلب الطعن الماثل . وبالنظر في طلب الطعن من حيث الشكل ، نجد أنه قـد سبق وقبلنا الطعن شكلاً ، وأعلنا المطعون ضدها بصورة من مذكرة الطعن للرد عليها . وقد جاء الرد بما يفيد تأييد الحكم المطعون فيه . وأما من حيث الموضوع فإن المعني بالحضانة شرعاً حفظ الولد وتربيته وتعليمه ورعايته بما لا يتعارض مع حق الولي ومصلحة الصغير . والمدى الزمني اللازم للحضانة بالمعنى المشار إليه سبع سنين للصغير وتسع سنوات للصغيرة وببلوغ هذه السن تنتهي حضانة النساء وينتقل الحق في الحضانة إلى الرجال . والأساس في تقرير انتقال حضانة الولد ذكراً كان أو أنثي من النساء إلى الرجال ، أن في مقدور الولد عند بلوغ هذه السن ، أن يستقل بنفسه ويستغني عن خدمة النساء ، إلا إنه مع ذلك في هذا الطور من حياته فإنه يحتاج إلى خدمة من يعينه على تحصيل العلوم والآداب ، واكتساب الأخلاق الفاضلة والتخلق بأخلاق الرجال إن كان ذكراً ويحتاج إلى الحماية والصيانة إن كانت أنثى والرجال على كل هذا أقدر وهذا هو الأصل ، واستثناء من هذه القاعدة يجوز للقاضي أن يأذن باستمرار حضانة النساء للصغير إلى البلوغ وللصغيرة إلى الدخول إذا تبين أن مصلحة الصغير تقتضي ذلك . كما أنه وفي إطار الاستثناء يتأتى للحاضنة دفع دعوى العاصب الضم بالأصلحية ويكون ذلك ببيان وجهها ، ومقتضى هذا البيان أن للحاضنة من الصفات ما تزيد على صفات العاصب ويأتي بعد ذلك دور العاصب فإن أنكر الأصلحية بعد بيان وجهها فيقع عبء إثباتها على عاتق الحاضنة ، فإن أفلحت في تقديم ما يثبت الأصلحية قضي برفض دعوى الضم ، وإلا يُحَلَّف العاصب بطلبها فإن حلف حكم له بالضم وإن لم يحلف ترفض دعواه . والخصومة في دعاوى الحضانة عموماً تدور مع مصلحة المحضون وحق الصغير يأتي في المقام الأول ويتقدم على حقوق الآخرين وهو الحق الأولى بالرعاية وأَينما تكون مصلحة الصغير تُحَطُّ الرحال والمحكمة لا يتأتى لها أن تقف على الحياد ازاء مصلحة الصغير كشرط لاستمرار الحضانة أو مانع من ضم المحضون للعاصب ، ولا بد لها أن تقف موقفاً إيجابياً في التحقق من مصلحة أو وجه الأصلحية حسب الأحوال ولو اقتضى الأمر أن تتولى التحري بنفسها.
وبتنزيل النظر المتقدم وتطبيقه على الواقع نخلص إلى أن الأساس في دعوى الضم تجاوز المحضون سن حضانة النساء وازاء تسليم الحاضنة بذلك لا يكون أمامها سوى الدفع بالأصلحية . والأصلحية التي دفعت بها الحاضنة تتمثل في تفرغها لخدمة المحضون ، وما لديها من مؤهلات ومستوى تعليمي يمكنها من مراجعة دروس المحضون . وبمناقشة ذلك في إطار ما تقدم من نظر وعلى ضوء الواقع الثابت وما ورد في مذكرتي الطعن والرد عليها ، نجد أن بيان وجه الأصلحية على النحو المشار إليه لا يشكل ميزة أو صفة تتميز بها الحاضنة على العاصب . وإذا وضعنا في الاعتبار أن الأساس الذي تقوم عليه دعوى الضم بلوغ المحضون السن التي يستقل بها ويستغني عن خدمة النساء فإن التفرغ في مثل هذه الأحوال لا يعتبر صفة لازمة ولا يشكل ميزة تصلح للمقارنة بما يقابلها . وتفرغ الحاضنة لخدمة المحضون إن كان لها وجه لا يقابلها تفرغ العاصب إذ أن ذلك يتنافى مع طبائع الأشياء ويتعارض مع وظيفة العاصب وما يترتب عليه من مسئوليات وواجبات والتزامات ، وتفرغ الحاضنة لخدمة المحضون لا تكون ميزة تتفوق بها على العاصب إلا في تلك الحالة التي لا يتوفر فيها لديه من يقدم خدمة النساء المعتادة للمحضون في مثل هذه السن . وإن كانت الحاضنة تدفع بالأصلحية من هذا الوجه فيقع عليها عبء الإثبات . وخلاصة الأمر أن التفرغ في حد ذاته ليس له وجه ولا يشكل ميزة تتفوق بها الحاضنة على العاصب إلا في حالة الضرورة أو الأحوال غير العادية التي يكون المحضون في حاجة ماسة لخدمة تستدعي التفرغ ويتعذر وجود من يقوم بها من قبل العاصب أو يتعين على الحاضنة القيام بها.
وأما مراجعة الدروس فلا تشكل هي الأخرى ميزة تحسب للحاضنة إذ أن مؤهلها العلمي ومستواها الدراسي الذي لم يتجاوز السادس ابتدائي لا يمكنها من أداء هذا الدور بنجاح ، وبالمقابل هنالك ما تترجح به كفة العاصب إذ في مقدوره القيام بهذه المهمة بنفسه كمعلم سابق أو بوساطة غيره إذ للمحضون أخت بالمنزل تحمل مؤهلاً جامعياً . وأما ما جاء في مذكرة الرد على الطعن من أن قرب منزل الحاضنة من منزل العاصب يمكنه من القيام بمهمة الأشراف على المحضون ، كما أن إخلاء الحاضنة والمحضون من المسكن ومنازعته بشأن الأجرة تصرف يتسم بالقسوة ويكشف أن الغرض من الضم تقليل الإنفاق وليس مصلحة المحضون . وهذا وإن لم يرد في بيان وجه الأصلحية إلا أنه ليس له تأثير حتى على فرض ثبوته إذ إن الجوار كصفة مشتركة لا تترجح بها كفة على كفة ، وإذا كان في مقدور العاصب القيام بواجب الأشراف فإنه يكون في مقدور الحاضنة أيضاً أن تقـوم بأية خدمة مندوبة والمندوب لا يتقدم الواجب . وأما إخلاء الحاضنة من منزل الزوجية بعد طلاقها فهذا له ما يبرره شرعاً . وأما المنازعة بشأن أجرة المسكن من حيث الاستحقاق والمقدار فمثل هذا النزاع تفصل فيه المحاكم.
وخلاصة الأمر أن ما قدم من بينات لا تثبت به الأصلحية ، وإذا كان العاصب قـد سبق وحلف اليمين بنـاءً علـى طلب الحاضنة على نفي الأصلحية عندما انتهت إلى ذات النتيجة فهذا يكفي ولا معني لتكرار الإجراءات وعلى كل فإن اليمين لا تكون إلا بطلب وقد سبق للحاضنة أن طلبتها وحلفها العاصب.
وازاء هذا الواقع فلا مجال إلا أن يحكم للعاصب بالضم . وبالنتيجة إذا كان الحكم المطعون فيه قد انتهى إلى إلغاء ما يساير هذا النظر فيكون قد انطوى على مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه وتأويله الأمر الذي يتعين معه إلغاء هذا الحكم واستعادة حكم محكمة أول درجة.
القاضي: رباب محمد مصطفى أبوقصيصة
التاريخ: 2/4/2007م
أوافق.
القاضي: د. إبراهيم أحمد عثمان
التاريخ: 11/5/2007م
أوافق.
الأمر النهائي:
1- يلغى حكم محكمة الاستئناف.
2- يستعاد حكم محكمة أول درجة.
رباب محمد مصطفى أبوقصيصة
قاضى المحكمة العليا
رئيس الدائـرة
27/5/2007م

