قضية نفقة زوجية
محكمة الاستئناف بالخرطوم
قضية نفقة زوجية
قرار الاستئناف 65/1406هـ
الصادر في يوم 10/3/1406هـ الموافق 23/11/1985
المبادئ:
الأحوال الشخصية للمسلمين – نفقة الزوجة – الغائب – المقصود بالغائب – من لا يعتبر غائباً – حق الزوجة في مال زوجها الغائب – متى يؤمر من بيده مال الغائب بالأداء
1- المقصود بالغائب عند الفقهاء هو من تعذر إحضاره لمجلس القضاء لسؤاله عن الدعوى بعيداً كان أم قريباً ولو كان مختفياً بالبلد ولا يعتبر غائباً من عرف مكانه وسهل إحضاره
2- من المقرر فقهاً أن للزوجة الحق في أخذ ما يكفيها بالمعروف من مال زوجها الغائب الذي هو تحت يدها متى كان المال من جنس النفقة كالغلال والنقود الخ وذك من غير حاجة إلى قضاء
3- أما إذا كان مال الزوج الغائب وديعة عند أحد فيصرف لها فيه ويؤمر من بيده المال بالأداء وذلك بعد أخ الكفيل عليها وتحليفها يمين الاستيثاق
القاضي : صاحب الفضيلة الشيخ / محمد الحاج سعيد قاضي محكمة الاستئناف
الوقائع
في يوم 30 جمادى الأولى سنة 1405هـ الموافق 20/2/1985م أصدرت محكمة أمدرمان الجديدة للأحوال الشخصية حكماً غيابياً في الدعوى 96/1405هـ ويقضي بفرض نفقة زوجية سابقة للمدعية على المدعى عليه قدرها شهرياً 150 جنيهاً اعتباراً من 3/4/1981م حتى 22/1/1984م ثم تستمر كنفقة عدة حتى 3/4/1984 تاريخ خروجها من عدة الطلاق وقد أذنت المحكمة للمحكوم لها في الاستدانة وألزمت المدعى عليه رسوم ومصاريف الدعوى وأمرت بخصم 530 جنيه من متجمد النفقة
في 20/7/1405هـ الموافق 10 أبريل سنة 1985م تقدمت المحكوم لها بطلب تنفيذ الحكم حيث قيد لها التنفيذ 50- 1405هـ وكانت تأشيرة القاضي على عريضة طلب التنفيذ ( ينفذ الحكم ويجري اللازم ) ويبدو أنه بناءً على ذلك كتب لإعلانه بالحكم وبالتنفيذ وبالحجز على أرصدته ببعض البنوك هنا بالسودان وبالحجز ولكن لم يرد أي رد بإعلان المدين الذي يقيم بليبيا وقد طلب محامي المحكوم لها من المحكمة إصدار أمره بصرف المبالغ المحجوزة المودعة بالبنوك استيفاءً – لحقها ورفعاً لما تعانيه من عدم النفقة إلا أن المحكمة رفضت الصرف لها من المال المحجوز حتى يتم إخطار المدين بالحجز وقالت في أسباب القرار ( الحكم غيابي ويتم الإعلان عن طريق النشر وكذلك التنفيذ ولا يوجد تبادل قضائي للتنفيذ ( وكذا ) حيث أن المدين بليبيا وتم الحجز التحفظي على أمواله وكتب لإعلانه بهذا الحجز ولم يصل ما يفيد علمه بهذا الحجز لإبداء رأيه بالقبول أو الاعتراض وإلا في حالة علمه وسكوته يعتبر راضياً ( كذا ) ومن ثم اتخذت قراراً باستعجال إعلام المدين
ضد هذا القرار الصادر بجلسة 10/1/1406هـ تقدم الأستاذ الهادي منصور المحامي نيابة عن الدائنة باستئنافه معترضاً وقال إن محكمة الموضوع خالفت القانون والشرع وقواعد العدالة وما استقر عليه القضاء لأن الأحكام واجبة التنفيذ فور صدورها وقال إن المدين في هذا التنفيذ قد تم إعلانه إعلاناً صحيحاً وبذلك كان واجباً على محكمة الموضوع إجراء التنفيذ في أمواله المحجوزة وقال إن القاعدة تقول لا ضرر ولا ضرار وقد تضررت المحكوم لها من عدم استلامها لما حكم لها به ولأن المحكمة قد قامت بحجز أموال المدين فقد كان لازماً سداد النفقة منها وطلب في نهاية عريضته إلغاء حكم محكمة الموضوع والأمر بالتنفيذ في الأموال المحجوزة
الأسباب والقرار
الاستئناف قدم في موعده القانوني ومن ذي صفة وهو بهذه المثابة مقبول شكلاً وفي الموضوع فإن هذه المسألة تحكمها قواعد الفقه المتعلقة بالحكم بالنفقة على الغائب ولو رجعت المحكمة للنفقة لكان قراراها مخالفاً بالتأكيد لما تمسكت به من عدم التنفيذ في أموال المحكوم عليه المحجوزة
وموجز ما ورد في هذه النقطة أن المقصود بالغائب في حالتنا هذه ومثالها هو من تعذر إحضاره إلى مجلس القضاء لسؤاله عن الدعوى بعيداً كان أم قريباً ولو كان مختفياً بالبلد وأنه لا يعتبر غائباً من يعرف مكانه ويسهل إحضاره إلى مجلس القضاء وأعتقد أننا متفقون جميعاً أن المحكوم عليه هو غائب بهذا التفسير الفقهي المحدد
ويقول الفقه الحنفي إن هذا الغائب إذا كان له مال ظاهر من جنس النفقة كالغلال أو النقود وكان هذا المال تحت يد الزوجة فإن لها أن تأخذ منه ما يكفيها بالمعروف من غير حاجة على قضاء لحديث هند وأنها إذا رفعت أمرها للقاضي فرض لها ما يكفيها وإذا كان مال الزوج الغائب وديعة عند أحد ( كما هو في حالتا هذه ) أو ديناً في ذمة أحد أو حقاً في وقف تحت يد ناظره فإن كان الذي بيده المال معترفاً بالزوجية ومقراً بالمال أو منكراً لهما أو لأحدهما والقاضي عالم بما أنكره فرض لها النفقة وأمره بأدائها إليها بعد أن يستوثق لغائب بأخذ كفيل عليها نظراً للغائب لأنها ربما استوفت النفقة أو طلقها الزوج وانقضت عدتها ويحلفها مع ذلك يميناً تسمى يمين الاستيثاق بأنها لم تطلق وانتهت عدتها وليست ناشزة ولم يعجل لها زوجها النفقة عن مدة غيبته ويقول الشيخ معوض نقلاً عن العناية : وأخذ الكفيل واجب لجواز أن يحضر الزوج فيقيم البينة على إيفاء نفقتها ويتمكن بذلك من الرجوع عليها أو على الكفيل إن تبين أن ما أخذته كان بغير حق
وأما إن كان من عنده المال منكراً له وللزوجية أو لأحدهما ( وهذا ما نفترضه في حالتنا هذه ) والقاضي يعلم ما أنكره تسمع الدعوى من الزوجة وتطلب منها البينة فإذا أقامتها قضى لها بالنفقة وأمر المنكر بالأداء وهذا هو قول زفر المفتى به – أنظر الأحوال الشخصية للشيخ معوض سرحان ص 250/251 والمادة 189 من شرح الأحكام الشرعية للشيخ محمد زيد الأبياني ص265
ولا يختلف الأمر فيما لو طلقت فإن المدار على أصل استحقاق نفقة الزوجية في المدة المطالب بها وبهذا لا تحلف على نفي علمها بالطلاق في حالتنا هذه لأنها لم تطلب استمرار النفقة بل فرضها عن مدة محددة كما ذكرنا
ولما سبق فإن قرار المحكمة قد جانبه التوفيق ونأمر بإلغائه وعلى المحكمة أخذ كفيل على الدائنة على النحو المشروح آنفاً ولا أمر بشأن الرسوم
محمد الحاج سعيد
قاضي محكمة الاستئناف الخرطوم

