قضية نفقة بنوة
المحكمة العليا
القضاة
صاحب الفضيلة الشيخ الصديق أحمد عبد الحي قاضي المحكمة العليا رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ حنفي إبراهيم أحمد قاضي المحكمة العليا عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ أبو القاسم عبد الرحيم قاضي المحكمة العليا عضواً
قضية نفقة بنوة
قرار النقض نمرة 197/1980م
الصادر في يوم 23ذو الحجة 1401هـ الموافق 1/11/1980م
المبادئ:
الأحوال الشخصية للمسلمين – النفقة – زيادة نفقة البنوة – وجوب إثبات أصل الحكم الادعاء اللاحق بعد الصلح بالمعلوم
1- متى تراضى طرفا الدعوى على زيادة نفقة البنوة إلي مقادير معينة فلذلك صلح بمعلوم لا يقدح فيه الإدعاء اللاحق بأن الزيادة قد بنيت على أساس لمقادير النفقة الثابتة بالحكم المطلوب زيادته إذ أن الغرض من نفقة الأولاد تقرير ما يكفي معيشتهم بما يتناسب مع حالة المفروض عليه النفقة يسراً وعسراً
2- من الواجبات الأولية على القاضي أن يطلع على الحكم المطلوب زيادته وأن يدونه بالمحضر ويفهم به الخصوم قبل السير في نظر طلب الزيادة
الوقائــع
رفعت الطاعنة القضية الابتدائية 410/1978م محكمة الخرطوم الشرعية ضد المطعون ضده بطلب زيادة نفقة بنتين سبق أن فرضت بالحكم 26/4/1974م وجاء بدعواها أنها مرزوقة من المطعون ضده ببنتيها إقبال ومنال وعمراهما 7و10سنة على التوالي وهما بيدها وحضانتها وقد سبق أن فرضت لها نفقة على المطعون ضده بموجب الحكم 426/1974 وقدرها 21جنيه شهرياً لطعام وادام الأولى ولبدل كسوتها كل أربعة أشهر 25جنيه والثانية 30جنيه شهرياً لطعامهما وادامها و40 جنيه لبدل كسوتها كل أربعة أشهر ولأجرة مسكن لهما قدره 10جنيه شهرياً وأجرة خادم لهما قدره 10جنيه شهرياً وأن المطعون ضده قد زاد دخله لعمله بالسعودية وأن المبالغ المحكوم بها قد أصبحت لا تكفي حاجة البنتين وطلبت زيادتها لتصير 50جنيهاً للأولى والثانية 30جنيه لجميع لوازمهما ولأجرة السكن 10 جنيه وللخادم 10 جنيه وصادق محامي المطعون ضده على كل أجزاء الدعوى ورضي بما قدرته الطاعنة من المقادير وأنه لا مانع لدي موكله من الحكم للمدعية بما طلبت في دعواها
وفي جلسة 23/12/1979م قررت المحكمة الابتدائية زيادة النفقة المفروضة بالحكم 426/ق/1974 لتصبح نفقة منال 30 جنيه شهرياً لجميع لوازمها بما في ذلك الكسوة ونفقة إقبال 20 جنيه لجميع لوازمها بما في ذلك الكسوة ولأجرة السكن 10 جنيه وأجرة الخادم 10 جنيه وذلك كله أصلاً وزيادة على المقرر بالحكم المذكور
وجاء بأسبابها أن الطرفين تصادقا على الدعوى وعلى مقادير النفقة فيتعين الحكم بما تراضيا عليه
وفي يوم 26/12/1979م تقدم المطعون ضده باستئناف لهذا الحكم وجاء بعريضته أن المقادير التي حكم بها لا تتناسب مع دخله لأنها أكثر من حاجة الطفلين وجاء بمذكرة محاميه بعريضة الاستئناف أن أسباب طلبه إلغاء الحكم تتمثل في أنه وافق على ما طلبته المدعية من زيادة نتيجة لما ذكرته في دعواها من حقيقة خاطئة ومضللة مفادها أن حكم المحكمة السابق المطلوب زيادته بالنمرة 426/74 كان عشرين جنيها لطعام وادام البنت الأولى و25 جنيه لبدل كسوتها و30 جنيه لطعام وادام الثانية و40 جنيه لبدل كسوتها بالإضافة إلي 10 جنيه أجرة المسكن و10 جنيه أجرة الخادم وأن المحكمة التي استمعت لشرح الدعوى ساهمت فيما حصل لأن الواجب على حسب تقديره أن ترجع للحكم السابق وتدون محتوياته ومقاديره بعد التأكد من صحة المقادير التي ذكرتها المدعية في دعواها
وذكر محاميه أنه لم يكن حاضراً وقت سماع الدعوى ولم يكن ممثلاً للمدعى عليه وبالتالي لم يشارك في هذا الخطأ وأنه مثل المدعى عليه مؤخراً وفي يوم 23/2/1979م طلبت منه الإجابة على الدعوى ورغم طلبه الإمهال أصر محامي المدعية على الإجابة وإزاء إصرار محامي المدعية والمحكمة على الرد على الدعوى طلب قراءة الدعوى ليتمكن من الرد وقد ذكرت له تلك المقادير المضللة على أنها مقادير الحكم السابق وعندما وافق وعلى ما طلبت المدعية توقف القاضي فجأة وبحث عن الحكم السابق فوجد أن ما ذكرته المدعية ليس هو الحقيقة على الإطلاق وشتان ما بين ذكرته المدعية والحقيقة لأن الحكم السابق كان 5 جنيه للطفلة الأولى و4 جنيه لبدل كسوتها و4 جنيه لطعام وادام الثانية و3 جنيه لكسوتها و5 جنيه لأجرة السكن و3 جنية لأجرة الخادم وأن المحامي ذكر للمحكمة أنه وافق نتيجة تضليل مارسته المدعية وطلب تصحيح الوقائع فلم تستجب له المحكمة وأصدرت قرارها وطلب إلغاء الحكم الابتدائي والسير في الدعوى من جديد وأردف عريضته هذه بمذكرة أخرى جاء بها أن موافقته الأولى كانت نتيجة تضليل وهو صنع الغش ويمكن الرجوع عنه لأن الإرادة أصبحت مشوبة بعدم صحة الرضا نتيجة التضليل في الوقائع والتمس احتياطياً تخفيض المحكوم به للحد المعقول لأن المستأنف يعول زوجة ويعول والديه ويدفع أجرة مسكن 300جنيه شهرياً بالسعودية ثم أردفها بمذكرة ثالثة تعرض فيها لبعض المواد من قانون الإجراءات والقانون المصري وكرر طلبه إعلان بطلان موافقته السابقة وإعادة السير في الدعوى أو تخفيض المقادير المحكوم بها
ورد محامي المستأنف ضدها بمذكرة اعترض فيها أولاً على مبدأ قبول الاستئناف لأن المستأنف قبل عن طريق محاميه أن يحكم للمستأنف ضدها بطلباتها ولا يجوز وفقاً للمادة 175 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 لأن المادة تنص على عدم جواز قبول الطعن ممن رضي بالحكم وأن المستأنف يقر في عريضته بأن وافق على ما طلبته المستأنف ضدها وأن المستأنف قد ساق كمبرر لاستئنافه أنه بنى موافقته على أساس أن رضاءه بنى على حقيقة خاطئة وهذا الأساس مردود عليه لأن المستأنف ومحاميه يعلمان بالحكم السابق المطلوب زيادته وأن هذا الحكم سبق أن نفذ وأن محامي المستأنف كان يمثله في التنفيذ وأن الحكم السابق ليس محل نقاش أو نزاع وأن محامي المستأنف وافق على المقادير التي طلبتها المستأنف ضدها دون إكراه أو إرهاب وأن الغش أو التدليس الذي ذكره ليس إلا وهم عاش في ذهن المدعي ولا صلة له بالواقع لأن المستأنف ضدها طالبت بأن تزداد النفقة لتصبح 70 جنيه وأن مبلغ الـ70 جنيه مبلغ محدد وأن محامي المستأنف عرضت عليه الدعوى وتليت عليه ووافق على طلبات المستأنف ضدها وأن المفترض في المحامي وهو يمثل أحد طرفي الخصومة أن يكون قد ألم بالنزاع كاملاً ورأي موكله في ذلك وإذا لم يفعل ذلك يكون قد قصر في أداء واجبه المهني والأخلاقي مما يوجب مساءلته ومثل هذا التقصير لا ينبغي أن يضار منه الطرف الأخر لأن القانون كفل لموكله المتضرر من سلوك محاميه أن يقاضي ذلك المحامي طالما أهمل في تمثيله على الوجه الصحيح
أن محامي المستأنف أراد أن يضع نفسه موضع الرجل الساذج وهو موضع لا أريده له لأن المحامي مفترض فيه حسن التقدير وأن القانون لا يحمي المغفلين والسذج وأن الخصم لا يبني دفاعه على رأي الخصم الآخر ومع كل هذا فإن مبلغ الـ70 جنيه التي حكم بها بالمقارنة مع حال المعيشة اليوم ودخل المدعى عليه الثابت بالوثائق الرسمية قليل لا يكاد يكفي حاجة البنتين وطلب رفض الاستئناف
واستعرضت محكمة المديرية المذكرات وضمتها للمحضر
وفي يوم 8/4/1980م قررت إلغاء الحكم الابتدائي وإعادة القضية للمحكمة للسير فيها من جديد وجاء بأسبابها أنه قد وقع في خطأ في الدعوى أمام محكمة الموضوع عند شرح الدعوى إذ ذكرت المدعية أرقاماً قالت أنها محكوم لها بالحكم 246/1974 غير الأرقام الحقيقية المحكوم بها هذا الحكم وأنه والحالة هذه يجب إلغاء الحكم
وفي يوم 12/4/1980 تقدمت الطاعنة بعريضة للنقض بواسطة محاميها وجاء بعريضتها أنه وفي عام 1978م رفعت الطاعنة القضية 410/1978 بمحكمة الخرطوم بحري مطالبة بزيادة نفقة بنوة كانت قد فرضت لها بموجب الحكم الصادر في القضية 476/1974 وجملتها 18750مليمجـ وطالبت بأن تكون النفقة أصلاً وزيادة مبلغ 70 جنيه وبعد تأجيل الدعوى بما يقارب العام صدر حكم بناء على موافقة محامي المدعى علية على ما طلبت به هو سبعون جنيه – وقد استأنف المحكوم عليه هذا الحكم فألغته المحكمة – وضد هذا الحكم نتقدم بهذا الطعن وليس صحيحاً أن المحكمة ألزمت محامي المدعى عليه بالرد على الدعوى في جلسة 23/12/1979 وإنما كانت ستؤجل الدعوى لولا أن محامي المدعى عليه عاد وطلب السماح له بالرد على الدعوى وليس صحيحاً أن المدعية قد غشت المدعى عليه وضللته لأن الدعوى قد شرحت لأكثر من عام وظل محامي المدعى عليه يطلب الإمهال للرد عليها ولا يجوز الإمهال لأكثر من مرة أن الحكم الابتدائي جاء بناء على موافقة محامي المدعى عليه على المقادير التي طالبت بها المدعية ولما كان الحكم قد صدر بالتراضي فلا يجوز استئنافه من أي من الطرفين كنص المادة 175 إجراءات وكان على محكمة المديرية أن ترفضه إيجازياً ولقد ساق محامي المستأنف كمبرر لاستئنافه أنه بنى موافقته على حقيقة خاطئة وهذا القول مردود على صاحبه للآتي :
أن المدعى عليه ومحاميه يعلمان بالحكم السابق المطلوب زيادته وأن محامي المدعى عليه هو نفس محاميه في الحكم السابق وأعاد نفس الأسباب الواردة في عريضة الاستئناف ثم أضاف بأن محكمة المديرية بإلغائها الحكم الابتدائي قد أدانت المحكمة الابتدائية بدون سماع شهادة أو بينة وبدون مبرر أو مسوغ شرعي وقد قبلت الإعادة دون تحقيق وطلب إلغاء حكم الاستئناف وتأييد الحكم الابتدائي
وأجاب محامي المطعون ضده على عريضة الطعن بالآتي :
1- لا أساس للاحتجاج بالمادة 175 إجراءات لأن ما صدر من المحكمة الابتدائية ليس حكماً لأن الحكم هو إما يصدر بناء على البينة المقدمة وإنما هو إجازة لصلح باطل مبني على باطل حيث أن مقدار الحكم المطلوب زيادته يخالف جملة وتفصيلاً المقدار الذي ذكرته المدعية في دعواها وأن الحكم في الموضوع هو أحكام الشريعة الإسلامية الغراء وليس المادة 175 إجراءات وعلى فرض انطباق المادة آنفة الذكر وهو ما لا نسلم به فإن شرح هذه المادة ونظيرها في القانون المصري وهي المادة 377 أوضحا بجلاء إن القبول الذي يمنع الطعن هو ذلك القبول الصادر عن رضا غير قابل للريبة والشك في حدوثه فإذا ظهر للمحكمة ما يدعو للريبة في حصول ذلك الرضا فيجب على المحكمة عدم اعتبار الرضا وفي هذه القضية يوجد الشك والريبة في قبول المعيب وكانت نتيجة حقائق باطلة زائفة ذكرتها الطاعنة أمام المحكمة الابتدائية بشأن مقادير الحكم بالنفقة المطلوب زيادتها أم الحكم بالنفقة المطلوب زيادتها – أن الحكم المستأنف المدعى به هو أساس دعوى الزيادة المطلوبة وكان لزاماً على المدعية أن تذكره بالصدق والحق وكان على محاميها إن أخطأت أن يصححها وكان على المحكمة الابتدائية أن ترجع للحكم السابق وتتأكد من صحة ما ذكر حتى تستنير وتكون صالحة للرد عليها ولكن لم يحدث ذلك بل حدث التقدير الذي أدى إلى القبول المعيب
إن القانون الوضعي والشريعة كلاهما يعطيان حق الرجوع في القبول لمن كان قبوله نتيجة خطأ تسبب فيه خصمه عمداً أو سهواً ولقد صاحبت موافقته كل العيوب التي تجيز الرجوع عنه – وأنه خلافاً لما ذكر محامي الطاعنة أني لم أكن ممثلاً للمدعى في الحكم السابق الصادر في سنة 1974 المطلوب زيادته وبالتالي لا علم لي بمقاديره – وأما التنفيذ فلم أظهر فيه إلا في سنة 1979 عندما حجزت الطاعنة على منزل المطعون ضده وأن الشريعة الغراء تبطل الصلح الفاسد إذا اتضح أنه بني على باطل وأن الطاعنة مبطلة في دعواها بذكرها حقائق مضللة – وألتمس تأييد قرار محكمة المديرية بإلغاء الحكم وكطلب احتياطي التمس تخفيض النفقة موضع الطعن إلي أدنى حد ممكن يتناسب وحال موكله ومراعاة ظروفه ومسئولياته الشخصية والعائلية
الأسباب
الطعن استوفى إجراءاته الشكلية – وأن الدعوى رفعت وسمعت بزيادة نفقة سبق أن قرر مبدأ استحقاقها بحكم سابق والطاعنة طلبت زيادة النفقة إلي مقدار معين يتناسب وحال المطعون ضده الذي تحسن باغترابه ويتناسب والحالة المعيشية اليوم والمحكمة الابتدائية حكمت له بما طلبته ورضي ووافق عليه المطعون ضده وفي مرحلة الاستئناف طلب المطعون ضده إلغاء هذا الحكم لأنه بني على مقادير ذكرت الطاعنة أنها محكوم بها بالحكم السابق – وأن رضاه وموافقته جاءت بناء على المقادير التي ذكرت أنها كان محكوم بها سابقاً والواقع يخالف ذلك إذ أنها كانت أقل مما ذكرت
فهل هذا يقدح في صحة الرضا والموافقة إذ أن الغرض من فرض نفقة البنوة هو ما يكفي الأولاد لمعاشهم حسب حال الأب من يسر وعسر وأن الطاعنة طلبت زيادة النفقة إلي مقدار معين وقالت أنه ما يكفي لإعاشة الأولاد ويتناسب وحال المطعون ضده وقد وافق ورض به صراحة – وفي نظر هذه المحكمة أن الرضا والموافقة بالمقادير المذكورة والتي صدرت من المطعون ضده في غير ما إكراه ليس هناك ما يبرر نقضها ولا عبرة بمخالفة ما ذكرته الطاعنة عن المقادير المحكوم بها بالحكم السابق – بل العبرة بما يكفي حاجة الأولاد اليوم ويتناسب حال المطعون ضده بالإطلاع على دخل المطعون ضده اتضح أن المقادير المحكوم بها بالحكم الابتدائي مناسبة
لذلــك
قررنا قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع إلغاء الحكم المطعون فيه وتأييد الحكم الابتدائي

