قضية تطليق للضـرر
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة القومية العليا
دائـرة ولايـات كـردفـان
قرار النقض رقـم 71/2013م
الصادر في 20/11/2013م
القضاة:
صاحب الفضيلة الشيخ / مزمل محي الدين مهـدي
قاضي المحكمة العليا رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ / علي الشريف ضو البيت
قاضي المحكمة العليا عضواً
صاحبة الفضيلة الشيخة/ داليـا بشـير سـراج
قاضي المحكمة العليا عضواً
قضية تطليق للضـرر
قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لسنة1991م – المادة (162) منه – التطليق للضـرر – عبارة كل طـرق الإثبات الشرعيـة – الاستعانة بالحكم الجنائي كدليل – ضرورة إخضاعه للشروط المطلوب توافرها لثبوت الضرر.
المبدأ:
إن عبارة كل طرق الإثبات الشرعية الواردة في المادة 162(1) من قانون الأحوال الشخصية لسنة 1991م لا تمنع الاستعانة بالحكم الجنائي ويكون ذلك كدليل على حصول الضرر إلا أنه لا بد من إخضاعه للشروط التي يجب توافرها لثبوت الضرر الموجب للتطليق شرعاً وذلك لأن المحاكم الجنائية عند إدانتها للزوج لا تتعرض لما يقرره الفقهاء من القواعد الواجبة التطبيق في محاكم الأحوال الشخصية للمسلمين بشأن تقدير الضرر ومناسبته للبيئة.
المحامون:
الأستاذ/ عبد الرحمن محمد عثمان
الأستاذة/ رندا يوسف سعيد عن الطاعنة
الحكــم
القاضي: داليا بشير سراج
التاريخ: 8/11/2013م
هذا طعن مقدم من الأستاذين/ عبد الرحمن محمد عثمان ورندا يوسف سعيد عن الطاعنة ... ... ... في مواجهة حكم محكمة الاستئناف لجنوب كردفان بالرقم أ س ش/15/2013م القاضي بإلغاء قرارات المحاكم الأدنى " عله يقصد حكم المحكمة العامة " واستعادة حكم محكمة الموضوع القاضي برفض الدعوى الصادرة بتاريخ 13/3/2013م.
من ناحية الشكل:
حكم محكمة الاستئناف محل الطلب صدر بتاريخ 29/7/2013م وعلمت به الطاعنة في 11/9/2013م كما هو مبين بهذا المحضر وتقدمت بطلبها هذا في 16/9/2013م تاريخ سداد الرسوم عليه فإن الطلب مقدم خلال القيد الزمني المنصوص عليه بالمادتين 159- 190 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م فهو مقبول شكلاً.
أما في الموضوع:
أسباب الطلب: محكمة الاستئناف أغفلت الحكم الجنائي الذي بموجبه أدين المطعون ضده بضرب الطاعنة . والإدانة كافية طالما الحكم أصبح نهائياً وفق المنشور -17.
- الضرر يثبت بالإقرار أو بالإدانة بحكم نهائي وأشار للسابقة 5/1973م التي ألزمت المحاكم برأي المالكية في فقه المسألة.
- المطعون ضده أقر في أسباب استئنافه أمام محكمة الاستئناف بأنه ضرب الطاعنة وضربته وتم الصلح .. ألا يُعد ذلك إقراراً منه بضرب الطاعنة ؟؟ أيضاً لم تأخذ المحكمة بذلك.
- كان على محكمة الاستئناف أن تحقق في واقعة الضرب الثابتة بالإقرار أمامها في عريضة الاستئناف لمعرفة هل الضرب يليق بأمثالها ويستطاع معه دوام العشرة وهل يأباه الشرع.
- ما قدمته الطاعنة من قرار نهائي بإدانة المطعون ضده وإقراره بالضرب في مذكرة الاستئناف يُعد كافياً لتأييد حكم محكمة الموضوع والعامة والاستئناف القاضي بتطليق الزوجة.
والتمس مقدما الطلب إلغاء حكم محكمة الاستئناف وتأييد حكم محكمة الموضوع القاضي بتطليق الطاعنة أو إعادة الأوراق لمحكمة الموضوع لسماع شهود الطاعنة والتحقق من حجم الضرر.
ردَّ المدعى عليه المطعون ضده على الطعن متمسكاً بصحة حكم محكمة الاستئناف عليه نفصل في الطعن موضوعاً إذ لا يوجد فرق رسم حسب لائحة الرسوم.
الوقائع
تتلخص الوقائع في أن المدعية أقامت دعواها الطلاق للضرر وبينت وجهة الضرر المتمثل في ضربها وخنقها وأن هـذا الضرب لا يليق بأمثالها ويأباه الشـرع وأنهما لم يتصالحا بعـده وطلبت التطليق لذلك كما هو مبين بالمحضر.
المدعى عليه رد على الدعوى وصادق على الزوجية والعصمة وأنكر دعواها الضرر جملة وتفصيلاً .. عقبت المدعية بالإصرار على دعواها فطُولبت بالبينة لإثبات دعواها وذكرت أنه لا بينة لها وخُيرت في يمينه فرغبت فيها وأداها المدعى عليه بنفي جميع دعواها الضرر فأصدرت المحكمة حكمها برفض الدعوى.
إثر استئناف قدم للمحكمة العامة ألغت هذا الحكم لتجاهل محكمة الموضوع لحكم جنائي بإدانة المدعى عليه بموجب المادة (142) ق . ج كانت المدعية قد أرفقته بالدعوى ووجهت بالتحقيق حوله وذلك بموجب حكمها أ س ش/ 9/2013م بعدها سمعت المحكمة بينة حول أن هذا الضرر لا يليق بأمثال المدعية وأصدرت حكمها بتطليق المدعية . استأنف المدعى عليه للمحكمة العامة فأصدرت حكمها أ س ش/23/2013م بتأييد حكم محكمة الموضوع لم يقبل المدعى عليه بحكم المحكمة العامة فاستأنفه لمحكمة استئناف جنوب كردفان فأصدرت حكمها أ س ش/10/2013م بإلغاء أحكام المحاكم الأدنى واستعادة حكم محكمة الموضوع الصادر بتاريخ 13/3/2013 وهو الحكم الذي قضى برفض الدعوى.
لم تقبل المدعية بحكم محكمة الاستئناف وتقدمت بطعنها هذا.
الأسباب
أجازت المادة 162(1) من قانون الأحوال الشخصية لسنة 1991م للزوجة طلب التطليق للضرر الذي يتعذر معه دوام العشرة ولا يجيزه الشرع .. ولما كان الضرر الذي يحدث للزوجة يصعب إثباته لأنه يكون عادة داخل دارهم أو في مخادع الزوجية لذا تساهل المشرع في إثباته بأن نص على أن يتم الإثبات بكل طرق الإثبات الشرعية بما في ذلك شهادة الشهود والتسامع وفق المادة 162(2) أحوال شخصية لسنة 1991م.
وفي الطلاق للضرر نجد أن المشرع السوداني أخذ بالمذهب المالكي بأن أجاز للزوجة طلب التطليق للضرر حتى لا تصبح الحياة الزوجية جحيماً لا يطاق إن رفض الزوج الطلاق بالمعروف لقوله (ص) " لا ضرر ولا ضرار "، ولم يجز الحنفية والشافعية والحنابلة التطليق للضرر لأنهم يرون أن رفع الضرر عن الزوجة يمكن أن يتم دون تطليق وذلك بأن ترفع الزوجة المتضررة الأمر للقاضي ويتم الحكم علـى الزوج بالتأديب لمنع الإضرار بزوجته فإن عاد عـذره القاضـي راجـع ابن عابدين (3/350) والمغنى مع الشرح الكبير ( 6/167).
وضوابط ومعايير الضرر هو أن يتعذر مع مثلها دوام العشرة بمعنى أن لا تستقيم الحياة الزوجية بمودة ورحمة ولا يستطيع أي من الزوجين أن يؤدي دوره الواجب عليه مع هذا الضرر.
أما المعيار الثاني هـو ألا يجيزه الشرع ويرجع في ذلك إلى العرف والبيئة ، أي أن المعيار معيار شخصي يقدره القاضي حسب منزلة الزوجين اجتماعياً وبيئياً.
كما أخذ المشرع في إثبات الضرر بالمذهب المالكي فأجاز الإثبات بكل الطرق الإثباتية بما في ذلك شهادة الشهرة والتسامع ، خلافاً للحنفية الذين لا يجيزون الشهادة بالتسامع إلا في أمور خمسة وليس التطليق للضرر من بينها لأنه لا يوجد تطليق للضرر في المذهب الحنفي.
في هذه الدعوى نجد أن المدعية عندما رفعت دعواها طلب التطليق للضرر أرفقت صورة حكم جنائي بإدانة المدعى عليه بموجب المادة (142) ق ج أي أن الضرر ثابت بحكم جنائي هنا نجد أن قصوراً شاب الشرح في الدعوى ، إذ إن المحكمة عندما شرحت المدعية دعواها لم تستفسرها عن هذا الحكم الذي أرفقته مع عريضة دعواها .. فالمادة 28 من الجدول الثالث الملحق بقانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م أوجبت على المحكمة أن تستوضح طرفي الدعوى عن كل غامض في الدعوى حتى تستبين الدعوى ولا يكون فيها موضع اشتباه أو التباس.
فكان الواجب التأكد من أن هذا الحكم هو إثبات للضرر الذي بموجبه تطلب التطليق بمعنى أن لا يكون هناك ضرر لاحق ، وأنه لم يتم صلح بعد هذا الضرر الثابت بالحكم ، حتى يكون دليل إثبات في دعوى التطليق للضرر إذ إن عبارة [ كل طرق الإثبات الشرعية ] الواردة لا تمنع الاستعانة بالحكم الجنائي لكن يكون ذلك كدليل على حصول الضرر إلا أنه لابد من إخضاعه للشروط التي يجب توافرها لثبوت الضرر الموجب للتطليق شرعاً وذلك لأن المحاكم الجنائية عند إدانتها للزوج لا تتعرض لما يقرره الفقهاء من القواعد الواجبة التطبيق في محاكم الأحوال الشخصية للمسلمين بشأن تقدير الضرر ومناسبته للبيئة.
فالحكم الجنائي يدخل كوسيلة لإثبات الضرر تحت النص العام لوسائل الإثبات ولقد وضع الشراح شروطاً لقبول الحكم الجنائي.
1- أن يكون الفعل الذي فصل في شأنه جنائياً هو نفسه الذي أثير أمام المحكمة الشرعية.
2- أن يكون سابقاً للحكم الشرعي أو الدعوى الشرعية.
3- أن يكون صادراً من محكمة جنائية.
4- أن يكون باتاً.
5- أن تتحـد الوقائع في الحكم الجنائي والشرعـي [ راجع موسوعة الفقـه والقضـاء فـي الأحوال الشخصيـة لمحمد عزمي البكري " ج 4/387] .
بعد قبول الحكم الجنائي يجب إخضاعه للضوابط الشرعية بمعنى أن يتم تقييمه وفقاً للمعيار الموضوع له بمعنى أن تتساءل المحكمة هل يرقي هذا الضرر الثابت بالحكم الجنائي للضرر الذي يبرر التطليق ؟؟ أي هل هذا الضرر يأباه الشرع ؟؟ بمعنى لم يكن له مبرر ولم يكن للتأديب ؟؟ فالشرع أباح للرجل ضرب زوجته للتأديب ولكن اشترط في ذلك أن لا يكون مبرحاً ، فالمحكمة يجب أن تحقق في أسباب هذا الضرر الثابت هل له مبرر شرعي أم لا ؟؟ فإن لم تجد له مبرراً شرعياً تبحث إن كان يليق بمثيلاتها أم لا ؟؟ وبعد أن تستبين لها الأسباب تفصل في الدعوى.
ونجد أن محكمة الموضوع لم تستبن عن أسباب هذا الضرر الثابت بالحكم الجنائي بل لم تتح الفرصة للمدعى عليه لاستجواب الشهود في شهادتهم بل لم تقف على ( هل هذا الضرر هو الذي بموجبه رفعت المدعية دعواها ؟؟ ) وهل الشهود يعلمونه حتى يشهدوا بأنه يليق أو لا يليق بأمثال المدعية ؟؟ خاصة وأن المدعية في عريضة دعواها جاء فيها " المدعى عليه أساء عشرتي بالضرب المتواصل " هذا يعنى أن هناك تكراراً للضرب والحياة مستمرة إلى أن أنجبت منه طفلين كما هو واضح من العريضة فالمحكمة لا تبحث عن الدليل الذي اعتمدت عليه المحكمة الجنائية لإثبات الإدانة لكن تبحث عن معيار هذا الضرر الثابت هل يبرر التطليق أم لا ؟ فالمحكمة الجنائية تطبق القانون الجنائي وبالتالي فهي تقيم الجريمة وفقاً لهذا القانون لذا فإن معيارها لا علاقة له بما هو وارد بقانون الأحوال الشخصية والضرر الموجب للتطليق.
عليه أرى وللخلل الذي صاحب الدعوى منذ شرحها وأوصل المحكمة إلى حكم مشوب بالقصور يستوجب الإلغاء فإن وافق الأخوانِ بالدائرة:
1- إلغاء جميع الأحكام الصادرة في هذه الدعوى.
2- تعاد الأوراق لمحكمة الموضوع للسير في الدعوى من جديد على ضوء ما جاء بهذا الحكم.
3- يخطر الأطراف بالحكم.
القاضي: علي الشريف ضو البيت
التاريخ: 20/11/2013م
أوافق.
القاضي: مزمل محي الدين مهدي
التاريخ: 20/11/2013م
أوافق.
الأمر النهائي:
تلغى قرارات المحاكم الأدنى وتعاد الأوراق لمحكمة الموضوع للعمل وفق ما جاء بالمذكرة أعلاه.
مزمل محي الدين مهدي
قاضى المحكمة العليا
ورئيس الدائرة
20/11/2013م

