قضية إثبات هبة
قضية إثبات هبة
نمرة القضية: قرار النقض 20/1982م
المحكمة: المحكمة العليا
العدد: 1982
المبادئ:
• الأحوال الشخصية للمسلمين _ إثبات الهبة _ الهبة عقد شكلي في القانون المدني _ الهبة عقد رضائي أمام المحاكم الشرعية _ أثر التسجيل في عقد الهبة _ سكن الموهوب له مع الواهب _ اعتباره قبضاً أن لم تكن له حصة في نفس العقار
1- يعتبر عقد الهبة عقداً شكلياً لا يتطلب سوى شكل معين و التوثيق الرسمي إذا نشأ خلال الفترة من 21/10/1971م إلى أول أكتوبر 1974م وهي الفترة التي كانت تنتظم فيها عقود الهبات قواعد القانون المدني
2- يعتبر عقد الهبة عقداً رضائياً شكلياً لا يتطلب إجراءات شكلية معينة وتحكمه القواعد الشرعية إذا نشأ العقد قبل 21/10/1971م أ بعد أول أكتوبر 1974م
3- عدم تسجيل عقد الهبة لا يقدح في صحة الهبة شرعاً
4- سكن الموهوب له مع الواهب في العقار الموهوب يعد قبضاً تصح الهبة به وذلك إن لم يكن للموهوب له حصة في نفس العقار ( انظر قرار النقض 137/75)
الحكم:
المحكمة العليا
القضاة:
صاحب الفضيلة الشيخ / سيد أحمـد العوض قاضي القضاة رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ / محمد إدريس عـلي قاضي المحكمة العليا عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ /أبو القاسم عبد الرحيم قاضي المحكمة العليا عضواً
قضية إثبات هبة
قرار النقض 20/1982م
الصادر في يوم الثلاثاء غرة ربيع الثاني 1403هـ
الموافق 26/1/1982م
الوقائع
بمحضر التركة رقم 99/73 محكمة المديرية الشرعية بأم درمان ثبتت وفاة المرحومة بوطنها أم درمان في 18/9/1972م وانحصار ارثها في ابنتيها نسباً وفي شقيقتها دون وارث سواهم _ وهن جميعاً بالغات
وقد رفعت كل من بنتي المتوفاة _ رفعتا دعوى /ضد/ خالتهما بطلب ثبوت هبة قيمتها كلها 20065 جنيهاً وادعيتا بان مورثتهن المذكورة قد وهبت لهما في حال حياتها وجواز تصرفاتها للمنزل نمرة 61 شارع 33 شرق الخرطوم البالغة مساحته 368مم وقيمته 12 ألف جنيه والمنزل نمرة 138/3/2 مدينة أمد رمان البالغة مساحته 243 مم وقيمته 1701 جنيهاً والمنزل نمرة 246/3/2 أم درمان 875 مم وقيمته 6125 جنيهاً وحصة المتوفاة في القطعة نمرة 352/3/2 أم درمان المسجلة على الشيوع ونصيب الواهبة فيها 129 مم وقيمته تساوي 903 جنيهاً كما وهبت لها أسهمها المسجلة باسمها بشركة حوض النيل وودائعها النقدية بالبنك
وأنهما قبلتا هذه الهبة وتصرفتا تصرف المالك وأن خالتهما الوارثة جحدت هذه الهبة خلال نظر تركة المرحومة الواهبة لذلك فان المدعيتين تطالبان الحكم بهذه الهبة قضائياً
محامي المدعى عليها أنكر جملة وتفصيلاً فتقدم محامي المدعيتين بورقة عرفية منسوبة إلى الواهبة تقدم بهذه الورقة كدليل لإثبات الهبة المدعى بها
محامي المدعى عليها طعن في الورقة المذكورة بالتزوير وطلب إذنه في فتح بلاغ جنائي /ضد/ المدعيتين وقد آذنته المحكمة في فتح البلاغ الذي لم يتم الفصل فيه إلا بعد عدة سنوات_ توفيت خلالها المدعى عليها انحصر ارثها في أولادها الخمسة دون وارث سواهم
وفي 17/6/1979م أفادت محكمة جنايات أمد رمان بشطب بلاغ التزوير وإطلاق سراح المتهمتين ولم توضح المحكمة المذكورة رأيها في المستند المطعون فيه لذلك قال محامي المدعيتين أن لموكلتيه البينة على صحة الهبة عن غير طريق الورقة العرفية التي طعن فيها بالتزوير وقدم عدداً من الشهود استمعت إليهم المحكمة الابتدائية على اليمين وبعد أن قومت المحكمة الشهادات المدلى بها أمامها تبين لها أنها قد اشتملت على ثبوت الهبة والقبض في الأموال المدعى بها ما عدا المنزل الذي كانت تقيم فيه الواهبة وكذلك رصيدها بالبنك وأسهمها في شركة حوض النيل وركزت المحكمة على قول الشهود أن الموهوب لهما قامتا بحيازة نصيبهما وإصلاح المنازل الموهوبة وقبض الأجرة من المستأجرين
لذلك صدر قرار المحكمة الابتدائية في 10/9/1980م بثبوت اهبة المدعى بها عدا المنزل الذى كانت تقيم فيه الواهبة وعدا اسهم شركة حوض النيل واموال المتوفاة المودعه باسمها فى البنك
وقد استانف محامى المدعيتين هذا الحكم فى23/9/1980 تحت الاستئناف رقم 27/س /1980م كما استأنفه محامي المدعى عليهم في 25/9/1980م تحت الاستئناف رقم 28/س /1980م وكان استئناف محامي المدعيتين ( المطعون ضدهما ) يعيب على الحكم الابتدائي أنه أخرج من الهبة المنزل الذي كان تقيم فيه الواهبة بحجة أن قبضه لم يتم للموهوب لهما بسبب سكن الواهب فيه مع ابنتيها الموهوب لهما وطلب تعديل الحكم لإدخال المنزل المذكور ضمن الهبة استناداً إلى قرار النقض رقم 137/1975م حيث كانت المدعية تسكن مع مربيتها التي وهبت لها العقار المشغول بسكن الواهبة والموهب لها وقال أن تطبيق هذه السابقة في موضوع هذه الدعوى يتقدم في الأولوية على موضوع القضية 137/نقض/ 1975م لأن المدعية كانت ربيبة بالنسبة للواهبة أما في هذه الدعوى فإن الموهوب لهما بنتين صلبيتين بالنسبة للواهبة
أما محامي المدعى عليهم ( الطاعنين ) فيعيب على الحكم الابتدائي بأنه صدر من محكمة غير مختصة ويرى أن الاختصاص في نظر هذه الدعوى للمحاكم المدنية لا سيما وأن محامي المدعيتين قد طلب أثناء السير الابتدائي إحالة هذه الدعوى للمحكمة المدنية كما يرى محامي المدعى عليهم ( المستأنف ضدهم ) أن أركان الهبة غير مستوفاة ووضح وجهة نظره في هذا الموضوع
ولقد قامت المحكمة الاستئنافية بوزن البينات وترجح لديها من ذلك أن الإيجاب والقبول والقبض قد تمت كلها وفيما يتعلق بشغل الواهبة بالسكن في أحد المنازل مع بنتيها الموهوب لها فلقد ناقشت المحكمة الاستئنافية بإسهاب هذه النقطة حيث يرى المدعى عليهم عدم جواز هبة العين المشغولة بالواهب لأن التخلية بين العين الموهوبة والموهوب له لم تتم
وقد تمسك محامي المدعيتين بجواز هبة العين المشغولة بالواهب والموهوب له إذا كانت هناك علاقة رابطة بين الطرفين واستدل بالسابقة القضائية المتمثلة في قرار النقض 137/نقض/1975م وقال أن تطبيق هذه السابقة في الدعوى يتقدم في الأولوية على تطبيقها في القضية137/نقض/1975م لأن المدعية ربيبة بالنسبة للواهبة أما في هذه الدعوى فإن الموهوب لهما بنتين صلبيتين للواهبة
وبعد أن اطلعت المحكمة الاستئنافية على قرار النقض الذي استدل به محامي الموهوب لهما رأت المحكمة أن ما تمسك به محامي الموهوب لهما صحيح وفيما يتعلق بالقانون الواجب التطبيق على هذه الدعوى , فلقد رأت المحكمة الاستئنافية انه لا مجال لتطبيق القانون المدني لأن هذه الهبة تمت قبل صدور القانون المدني وعليه فإنه تحكمها القواعد الشرعية المعمول بها
وأخيراً أصدرت المحكمة الاستئنافية قرارها في 22/3/1981م بتعديل الحكم الابتدائي ليكون المنزل الذي كانت تسكنه الواهبة مع ابنتيها ضمن العقار الموهوب وتأييد الحكم الابتدائي فيما عدا ذلك
وبعد إعلان الطاعنين بهذا القرار في 13/4/1981م تقدم محاميهم بعريضة النقض وأدى رسمها في 13/5/1981م وفي عريضته يقول إن محكمة الاستئناف قد أخطأت عندما رفضت استئنافه حيث أنها لم تطبق قواعد القانون المدني الملغي حيث فسرت المحكمة الاستئنافية هذه القواعد بأنها القواعد الخاصة بالإجراءات المنصوص عليها في قانون المرافعات الملغي وكذلك قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م وقال : يبدو لي أن محكمة الاستئناف لم تفهم الطعن المقدم إليها وهو طعن مقدم على أساس القانون الموضوعي _ وليس القانون الإجرائي ـ وأن محامي المطعون ضدهما قد سبق أن تقدم للمحكمة الابتدائية طالباً تطبيق القانون المدني الملغي _وقد تمسكنا بطلب محامي المطعون ضدهما _ وطالبنا بشطب الدعوى لأن القانون المدني يشترط لإتمام عقد الهبة شروطاً شكلية من بينها التوثيق الرسمي وإلا فإنها تكون باطلة لمخالفتها للشكل المطلوب بمقتضى المادة 421 من القانون المدني لسنة 1970م وقال إن ما خاضت فيه محكمة الاستئناف من حيث النصوص الإجرائية فإننا لم نتطرق لها _ لذلك جاء قرارها مجانباً للصواب وقال : حيث إن الهبة التي تقدمت بها المدعيتين كانت بعقد عرفي _ وهي لذلك تكون باطلة _ وحتى على فرض ما ذهبت إليه المحكمة الاستئنافية من عدم اعتمادها في ثبوت الهبة على الوثيقة العرفية – بل إن الإثبات تم بموجب شهادة الشهود – فان ذلك إثبات لا يقبله القانون المدني والذي يحكم هذا النزاع لأن القانون اشترط أشكالاً معينة لصحة الهبة – ثم أخذ محامي الطاعنين يناقش تقويم المحكمة لشهادة الشهود – ويحاول أن يضع تقويماً جديداً للشهادات المذكورة وأخيراً طلب إلغاء الحكم الابتدائي والاستئنافي المطعون فيه مع إلزام المطعون ضدهما بالأتعاب والرسوم
وبعريضته المؤرخة في 22/7/1981م رد محامي المطعون ضدهما على عرضة محامي الطاعنين - وجاء برده الآتي :-
جاء بالعريضة في مطلعها حملة على محكمة الاستئناف لرفضها الأخذ بوجهة نظر كاتب العريضة بتطبيق قواعد القانون المدني على هذا النزاع الخ وأريد في ردي أن أوضح باختصار الخطأ الشديد لهذا الطلب :
هذه الدعوى رفعت أمام محكمة أم درمان في سنة 1973م وهي السنة التي الغي فيها القانون المدني الذي يرغب محامي الطاعنين أن يحكم بموجبه في الدعوى ( وقال لأني طلبت ذلك ) وإني لم أطلب في ذلك التاريخ تطبيق القانون المدني على دعواي بل ولا في السنوات الثلاث التي تلت عام الدعوى 74و 75و 76 _ ويبدو أن السيد المحامي لم يطلع على المحضر أو اطلع عليه وله قصد آخر يريد تحقيقه _ إن الذي طلبته في عام 1978م عندما طال النظر في الدعوى وحكم في المحاكم المدنية في دعوى مشابهة رفعت من مدعية( ذكر اسمها) بهبة _ منزل لها من عمها المرحوم وحكم لها دون مراعاة لشرط القبض من المحكمة المدنية أن نعامل في قضيتنا بالقانون المدني الذي لا يشترط القبض للهبة قبل وفاة الواهب _ ويمضي محامي المطعون ضدها في رده آبى إن يقول ( ثم إن المحكمة الشرعية لا تتلقى أمر السير في الدعاوى بين الخصوم بل هي مقيدة بقوانين تسير على ضوئها ومخطئ من يلزمها بالسير على غير قوانينها ) وعليه فهذا الطلب لا وجه له من محامي الطاعنين لأنه لا سند له من القانون يسنده
ويمضي الرد فيناقش ما أورده محامي الطاعنين من حيث تزوير السند العرفي من عدمه -ويناقش وزن الشهادات والشهود والقبض الخ وفي الختام يطلب رفض الطعن لعدم صحة أسبابه
الأسباب
الطعن بالنقض وحسب التواريخ الموضحة بالوقائع قدم في موعده القانوني فهو مقبول شكلاً _ وحيث أن عريضة الطعن قد عرضت على محامي المطعون ضدهما وقد جاء رده في المدة القانونية بعد إعلانه الرسمي
وحيث أنه بعد الإطلاع على ملف القضية الابتدائية والاستئنافية المطعون فيها وبعد الاطلاع على عريضة الطعن بالنقض والرد عليها _ فإننا نرى مناقشة نقاط النزاع الآتية :-
1- القانون الواجب التطبيق على هذا النزاع والمحكمة المختصة
2-وزن وتقويم البينات التي عرضت لإثبات الدعوى
3-هبة العين المشغولة بالواهب
وبمناقشة النقطة الأولى فإننا نقول :-
لقد صدرت النشرة العامة نمرة 5/نشرات/1971م - من حضرة صاحب الفضيلة قاضي القضاة في 27/10/1971م - وقد منعت المحاكم الشرعية من نظر دعاوى الهبات اعتباراً من 21/10/1971 لعدم الاختصاص وذلك تطبيقاً للقانون حسب التعديل المنشور الغازيتة 117 بتاريخ 31/5/1967م وبموجب النشرة المذكورة فقد أمرت المحاكم الشرعية بإرسال ما بين أيديها من عمل للمحاكم المدنية التي أصبحت مختصة بنظر دعاوى الهبات
وقد الغي القانون المذكور وأعيد الاختصاص مرة أخرى للمحاكم الشرعية بموجب قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م -اعتباراً من أول أكتوبر سنة 1974م
وعليه فان الفترة ما بين 21/10/1971م أول أكتوبر سنة 1974م وهي الفترة التي تختص فيها المحاكم المدنية بنظر دعاوى الهبات اختصاصاً إجرائياً بحيث يكون كل حكم صدر خلال هذه الفترة من أي محكمة خلاف المحاكم المدنية في موضوع الهبات حكم باطل من الناحية الشكلية
أما من الناحية الموضوعية فإن القانون الذي يطبق على عقود الهبات التي تنشأ خلال الفترة من 21/10/1971م فهو القانون المدني الذي يتطلب شكلاًَ معيناً لعقد الهبة وهو التوثيق الرسمي وبذلك وحسب القانون المدني يكون عقد الهبة عقداً شكلياً
ومن الناحية الموضوعية أيضاًَ : فإن أي عقد هبة نشأ فيما قبل 21/10/1971م أو بعد الأول أكتوبر سنة 1974م -فإن القانون الذي يحكمه ويطبق عليه هو القواعد الشرعية التي تجعله عقداً رضائياً -لا يتطلب إجراءات شكلية معينة
وبناءً على ما أوردناه فإن المحاكم المدنية إذا نظرت في دعوى نزاع حول عقد من عقود الهبات –وذلك من خلال اختصاصها الشكلي الزمني في الفترة ما بين 21/10/1971م و 1/10/1974م فإنها تنظر أول ما تنظر إلى تاريخ نشوء عقد الهبة موضوع النزاع فإن وجدته حاصلاً قبل 21/10/1971م فإنها من الناحية الموضوعية تطبق القواعد الشرعية فقط والتي كما قلنا لا تشترط شكلاً معيناً لعقد الهبة يزيد عن ماهية العقد نفسه (وهي الإيجاب والقبول والقبض) أما إذا وجدت أن العقد قد حصل بعد 21/10/1971م فإنها تطبق عليه قانونها المدني كما أسلفنا
وعليه أيضاً فان المحاكم الشرعية – وبعد أن عاد إليها الاختصاص بموجب قانون الإجراءات لسنة 1974م فإنها تنظر في عقد الهبة فإن وجدته قد نشأ قبل 21/10/71 أو بعد أول أكتوبر سنة 1974م فإنها تطبق عليه القواعد الشرعية أما إذا كان العقد ناشئاً ما بين الفترتين المذكورتين فإنها تطبق عليه القانون المدني الذي يشترط الفراغ عقد الهبة في وثيقة رسمية
وقد تأصلت هذه القاعدة -وصدر بها القرار رقم 12/1975م من المحكمة العليا ( دائرة الأحوال الشخصية ) المكونة من قضاة المحكمة العليا وقضاة محكمة الاستئناف بموجب المادة رقم 15 إجراءات مدنية
كما إن قرار النقض 114/1975م صدر ففي 29/7/1975م وقد جاء في أسبابه الآتي :-
الهبة صدرت بموجب وثيقة رسمية لم يطعن فيها بالتزوير وفي ظل قانون لم يشترط القبض ركناً من أركان الهبة _ وقد تعرضت لموضوع القبض محكمة الموضوع و لا حاجة له -
( أما ادعاء الطاعن أن عدم تسجيل الهبة بالتسجيلات يجعلها باطلة فاعتراض باطل من الناحية القانونية إذ القانون لم يشترط لصحة الهبة سوى صدور ورقة رسمية بها )
ولقد قمنا الآن بفحص تاريخ إنشاء موضوع النزاع المعروض أمامنا -وتبين من أقوال محامي المدعيتين ومن أقوال شهود الإثبات الذين تقدم بهم أمام المحكمة الابتدائية ( محكمة المديرية ) تبين أن عقد هذه الهبة نشأ منذ ما يقارب العامين قبل صدور وجوب تطبيق القانون المدني في الهبات
وعليه فإن النزاع يصبح غير ذي موضوع سواء نظرت ففي النزاع محكمة مدنية أو محكمة شرعية لأنه كما أوضحنا سلفاً فإن القواعد الشرعية في الهبات هي التي تطبق على هذا النزاع أمام أي محكمة تنظر فيه -وبذلك فقد فات على محامي المدعى عليهم (الطاعنين ) فات عليهم الهدف المعين من إصرارهم على اختصاص المحاكم المدنية في هذا النزاع إلا أننا يجب أن نلاحظ خطأً وقعت فيه المحكمة الابتدائية ولم يفطن إليه أي طرف من إطراف النزاع ولا محكمة الاستئناف وهو أن هذه القضية أدخلت على محكمة المديرية الشرعية أم درمان بصفة ابتدائية في 4/12/1973م ولقد كان الاختصاص من الناحية الشكلية في ذلك الزمان معقود للمحاكم المدنية
إننا نلاحظ ذلك فقط للعبرة والاعتبار -أما من حيث أن ذلك عيب يهدم أساس الدعوى _ فإننا لا نرى ذلك لأن الاختصاص قد عاد للمحاكم الشرعية بعد أقل من شهر من تاريخ رفع الدعوى _ولأن القانون الموضوعي كان سيكون للقواعد الشرعية _ ولأن الدعوى نظرت فعلاً بعد صدور قانون الإجراءات المدنية _ ولأننا لا نسمح للشكليات الروتينية والتي لا طائل من ورائها _ لا نسمح لها بأن تشل حركة العدالة
بعد ذلك نناقش نقطة النزاع الثانية وهي ( وزن وتقييم البينات التي عرضت لإثبات الدعوى ) لقد ناقشت كل من المحكمة الابتدائية والمحكمة الاستئنافية كل على حدتها هذه النقطة نقاشاً مستفيضاً وجاء وزنهما في صالح ترجيح البينات التي قدمت وهي شهادات الشهود بعد استبعاد الورقة العرفية التي قدمت كدليل على الدعوى _ وإننا من جانبنا كمحكمة للنقض لا نرى ما يخل بترجيح الوزن الذي ثبت أمام المحكمتين السابقتين إذ يكفي في الإثبات _ التطابق في الجملة بين الدعوى والشهادة وبين الشهادة والشهادة _ وذلك ما حدث فعلاً
ننتقل بعد ذلك لمناقشة نقطة النزاع الثالثة وهي جواز هبة و المشغول التي يتمسك بها محامي المدعيتين ( المطعون ضدهما ) ويقدم الدليل فيما صدر به فقرار النقض 137/1975م المشتمل على ثبوت الهبة للمدعية التي كانت تسكن مع مربيتها الواهبة وقد ثبت القبض للمدعية بمجرد سكنها مع الواهبة التي لم ترفع يدها عن العقار الموهوب حتى وفاتها
الواقع أن موضوع القبض في القضية 137/ نقض/1975م يختلف عن القبض المدعى به في قضية المطعون ضدهما لكل واحدة منهما حصة مسجلة باسمها على الشيوع مع الواهبة في المنزل نمرة 352/3/2 مدينة أمد رمان وهو المنزل الذي كانت تسكن فيه الواهبة مع الموهوب لهما _ حيث أن مساحة المنزل الكلية هي 1023 مم تمتلك فيه الواهبة 129مم فقط وتمتلك فيه كل واحدة من الموهوب لهما 452مم وعليه فإن سكن الموهوب لهما في هذا المنزل يختلف عن سكن المدعية ففي القضية 137/نقض/1975م والتي لا علاقة لها بالمنزل سوى أنها تسكن فيه عن طريق الإعارة وأن اليد الموضوعة عن طريق الإعارة يد ضعيفة فإذا طرأ سبب أقوى –فان اليد تنتقل من حالتها الضعيفة وهي حالة الإعارة إلى السبب الأقوى وهو التملك عن طريق الهبة – ولقد ناقش قرار النقض الذي يتمسك به محامي المطعون ضدهما ناقش هذا الموضوع مناقشة فقهية جيدة
أما المطعون ضدهما في هذه الدعوى فهما شريكتان لوالدتهما الواهبة وعليه فإن كل واحدة منهما تسكن في ملكها الخاص –لذلك فلا يقال عنهما أنهما يشاركان الواهبة السكن إلا عن طريق الشراكة في الملكية وليس عن طريق الإعارة ولا نرى وجهاً يجعل يديهما تتعدى عن حصتهما إلى حصة والدتهما الواهبة التي كانت تقيم في حصتها إلى وفاتها
لذلك فإننا لا نرى مبرراً للحكم للمطعون ضدهما بنصيب الواهبة في المنزل 352/3 أم درمان الذي قضت به لهما محكمة الاستئناف – وذلك لاختلاف وضع اليد الحاصل في القضية 137/نقض/1975 عن وضع اليد بالنسبة للمطعون ضدهما كما أوضحنا
بقيت لنا ملاحظة على طريقة رفع الدعوى – فقد رفع محامي المطعون ضدهما الدعوى بكل العقارات والأموال المدعى بها هبة وكان الأصلح لموكلتيه أن تكون الدعوى فيما يقابل نصيب الأخت الشقيقة الميراثي وهو ما يعادل الثلث وذلك لأن المطعون ضدهما قد آل إليهما نصيبهما الميراثي وهو ما يعادل الثلث لكل واحدة منهما _ وبذلك فقد حمل المحامي موكلتيه الرسوم الزائدة عما يعادل الثلث
وحيث أن المحكمتين الابتدائية والاستئنافية لم تنتبها إلى اليمين الواجبة على المطعون ضدهما وهي يمين لا بد منها حسب النصوص الشرعية فقد قامت المحكمة العليا باستدعاء المطعون ضدهما وعرضت عليهما يمين الاستظهار فحلفتاها
(لـذلـك)
قررنا قبول الطعن بالنقض شكلاً والموضوع تعديل الحكم الاستئنافي بإلغاء هبة حصة الواهبة في المنزل 352/3/2 أم درمان وتأييد الحكمين فيما عدا ذلك

