عثمان علي محمد /ضد/ حامـــد محمـود
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد / علي يوسف الولي قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد / عبد الرحمن علي صالح قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / أحمد عبد الرحمن علي قاضي المحكمة العليا عضواً
الأطراف :
عثمان علي محمد الطاعن
// ضد //
حامـــد محمـود مطعـون ضده
النمرة : م ع / ط م/ 77 / 1996 م
المبادئ:
قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991 م - السلطة المدنية للمحكمة الجنائية - المادة 402 ق·إ·ج
جبر الضرر باعتباره حقاً مدنياً من صميم إختصاص المحكمة المدنية أصلاً وقد جاء إختصاص المحكمة الجنائية إستثناءً فدعوى إشانة السمعة التي هي من دعاوى التعويض عن الضرر الأدبي ليس بالضرورة لكي تكون منتجة أن يتحصل المضرور - مسبقاً - علي حكم جنائي أو إدانة جنائية لمرتكب الفعل الضار إن عدم إقامة دعوى جنائية لا يمنع إقامة دعوي مدنية للمطالبة بالتعويض للضرر
المحامون :
الأستاذ / يحيي هاشم عـن الطاعن
الحكـــــم
القاضي : علي يوسف الولــي
التاريـخ : 25 /3 / 1998م
هذا طعن عن طريق النقض رفعه لهذه المحكمة العليا المحامي يحي هاشم نيابة عن الطاعن عثمان علي محمد ضد حكم محكمة إستئناف ولاية شمال دارفور المؤيد لحكم محكمة الفاشر الجزئية القاضي بشطب دعوي الطاعن
نوجز الوقائع إيجازاً غير مخل ودون أسهاب ممل في أن الطاعن عثمان علي محمد بتاريخ 31/1/1995م أقام الدعوي رقم 130/1995 لدي محكمة الفاشر الجزئية في مواجهة المطعون ضده حامد محمود فحواها أنه يعمل ميكانيكياً بمدينة الفاشر 24 عاماً ويتمتع بسمعة حسنة وطلب المطعون ضده منه تصليح عربة وقام الطاعن بإصلاحها وتسلمها المطعون ضده في حينها أمام جمع من الناس أساء المطعون ضده الطاعن وتضرر الطاعن من جراء ذلك في سمعته ومكانته كصاحب ورشة وميكانيكي
عليه طلب الطاعن من المحكمة الحكم له بمبلغ مليون جنيه عبارة عن تعويض من المطعون ضده عام وخاص من جراء إساءة المطعون ضده له
بعد أن صاغت المحكمة الجزئية نقاط النزاع وإستمعت إلي قضية الإدعاء قضت بشطب الدعوي وجاء في الأسباب ما يلي :
(( ما قدم كافٍ لشطب هذه الدعوى حيث فوت المدعي حقه في البلاغ في إشانة السمعة والمحكمة المدنية غير مختصة وفقاً لنظرية المسؤلية التقصيرية لأن المحاكم المدنية مسؤليتها تكون في حالة المسئولية التقصيرية وليس الأضرار المعنوية التي تحدث من الكلام بالتفوه وهذا محله البلاغ الجنائي اشانة السمعة وليست المحاكم المدنية الضرر المعنوي من الأضرار غير المحسوسة التي يصعب جبرها بالنقود وفقاً لقانون المسؤلية التقصيرية وتحديد ذلك بالتعويض والضرر وطالما فوت المدعى حقه جنائياً فلا يحكم له بهذا التعويض مدنياً ))
عند الاستئناف وبعد أن اتفقت محكمة الإستئناف مع المحكمة الجزئية في النتيجة و إختلفت معها في الأسباب قالت محكمة الإستئناف في حيثيات حكمها ما يلي :
التعويض عن إشانة السمعة مقرر بموجب المادة 153 من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م ولا تقتصر المسئولية علي الضرر المادي فقط كما قالت بذلك محكمة الموضوع وقد جاء في قرار محكمة الموضوع أن المحكمة المدنية غير مختصة وفقاً لنظرية المسئولية التقصيرية في نظر قضايا الأضرار المعنوية ولا نري سنداً في القانون في ذلك فالمحاكم المدنية لم تسلب اختصاصها في الفصل في كافة النزاعات المدنية المتعلقة بالتعويض سواء كان ذلك علي أساس المسئولية التقصيرية أو علي أساس الضرر الأدبي أو غير ذلك إلاَّ أن التعويض عن إشانة السمعه يستلزم ثبوت عناصر جريمة إشانة السمعة ولا يتأتي ذلك إلاَّ بحكم جنائي ولم يتقدم الشاكي بدعوي جنائية لكل هذه الأسباب أري شطب الطعن إيجازياً حيث لا أمل فيه
لقد ورد في مذكرة الطعن ما يلي :
القول بموجب صدور حكم جنائي فيما يتعلق بالمطالبة بالتعويض عن الضرر الناتج عن إشانة السمعه قول بعيد كل البعد عن القانون حيث أنه لا يوجد نص في القانون أياً كان نوعه يلزم المضرور باللجؤ إلي المحكمة الجنائية ثم بعد ذلك المطالبة بالتعويض وباستقراء المادة 204 من قانون الإجراءات الجنائية سنة 1991م نجد أنها لم تستبعد وجود دعوي مدنية بالتعويض عن الضرر مع وجود دعوي جنائية أمام المحكمة الجنائية عن ذات الفعل موضوع المطالبة المدنية
والقيد الوحيد الذي أوردته المادة 204 في هذه الحالة هو أن المضرور لا يحق له المطالبة بالتعويض أمام المحكمة الجنائية ما لم يتنازل عن دعواه أمام المحكمة المدنية
ان معظم الجرائم المنصوص عليها في القانون الجنائي تشكل في الوقت ذاته خطأً مدنياً يمكن مساءلة مرتكبها مدنياً أمام المحاكم المدنية إن شاء المضرور في هذه الحالة مخير في أن يلجأ إلي المحاكــــم المدنية فقط وقبل اللجوء الى المحاكم الجنائية ))
بعد أن قبلت هذه المحكمة العليا هذا الطعن بصفة مبدئية أتاحت الفرصة للمطعون ضده للرد علي مذكرة الطعن وقد وصل الرد
الأســــــــباب
لقد سبق وأن قبلنا هذا الطعن من حيث الشكل لأنه رفع خلال القيد الزمني المحدد قانوناً لرفعه
ومن حيث الموضوع فأري أن هذا الطعن أيضاً مقبول وبالتالي يتعين إلغاء حكم محكمة الإستئناف المؤيد لحكم المحكمة الجزئية علي أن تعاد الأوراق إلي المحكمة الجزئية للسير في الدعوي من حيث انتهت لتصدر حكمها بعد مناقشة الأركان الأساسية التي تنهض عليها إشانة السمعة أحد فروع المسئولية التقصيرية
أن القاعدة العامة تقضي بأن جبر الضرر بإعتباره حقاً مدنياً من صميم اختصاص المحكمة المدنية أصلاً أي أن المحكمة المدنية هي صاحبة الاختصاص الأصيل في نظر دعاوي التعويض الذي يلزم بدفعه من ارتكب الفعل الذي سبب ضرراً للمضرور
والتعويض عن الضرر قد نصت عليه المادة 138 من قانون المعاملات المدنية سنة 1984م كالآتي :
(( كل فعل سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض ولو كان غير مميز ))
والضرر الذي يوجب التعويض قد يكون مادياً أو قد يكون أدبياً معنوياً كما نصت عليه المادة 153 (1) من ذات القانون كالآتي :
(( يشمل التعويض الضرر الأدبي كذلك فكل تعدٍ علي الغير في حريته أو في عرضه أو في شرفه أو في سمعته أو في مركزه الإجتماعي أو في اعتباره المالي يوجب مسئولية المتعدي عن التعويض ))
وإشانة السمعة هي أحد فروع المسئولية التقصيرية وهي من دعاوي التعويض عن الضرر الأدبي المعنوي الذي نصت عليه المادة 153 (1) من ذات القانون ولذلك فإن نظر المحكمة الجزئية بأن المحكمة المدنية غير مختصة في الفصل في دعاوي التعويض عن الضرر المعنوي الأدبي لا سند له في القانون
ودعوي إشانة السمعة التي هي من دعاوي التعويض عن الضرر الأدبي المعنوي ليس بالضرورة لكي تكون منتجة أن يتحصل المضرور - مسبقاً - علي حكم جنائي أو إدانة جنائية لمرتكب الفعل الضار كما إرتأت محكمة الإستئناف ومن قبلها محكمة الموضوع فعدم إقامة دعوي جنائية لأي مسئولية تقصيرية توجب التعويض كإشانة السمعة لا يمنع إقامة دعوي مدنية أمام المحكمة الجزئية للمطالبة بالتعويض للضرر لأن محكمة الجنايات لا تملك اختصاصاً في النزاعات المدنية التي توجب التعويض عن الضرر ولا تكتسب محكمة الجنايات مثل هذه الصلاحية لمجرد أن النزاع له صبغته أو صفته الجنائية ولذلك فإن وجود بلاغ جنائي - كما قضت المحكمة العليا في قضية حكومة جمهورية السودان ( البريد والبرق ) ضد زكريا محمد أحمد مجلة الأحكام القضائية 1976م صفحة 250 - قيد النظر لا يمنع قبول دعوي مدنية في نفس موضوع النزاع
ولكن نجد أن بعض مواد القانون الجنائي قد منحت محكمة الجنايات سلطة الحكم بالتعويض إستثناء بموجب الدعوي الجنائية فيجوز للمضرور أن يفتح بلاغاً ضد الجاني ويطالب أمام محكمة الجنايات بتعويض عن الضرر المترتب علي الجريمة وفي نفس الوقت يجوز له أن يرفع دعوي مدنية أمام المحكمة المدنية مطالباً بتعويض عن الضرر الذي سببه له الجاني بذلك الفعل فليس في القانون ما يمنع المضرور أن يسلك السبيلين الجنائي والمدني للحصول علي تعويض عن الضرر الذي حاق به في وقت واحد كما يجوز له أن يختار طريقاً دون الآخر
فالمشرع في المادة 204 (أ) من قانون الإجراءات الجنائية سنة 1991م شاء أن يخاطب محكمة الجنايات صاحبة السلطة الإستثنائية وليست المحكمة المدنية صاحبة السلطة الأصلية في الحكم بالتعويض عن الضرر بألا تنظر في مطالبة المضرور بالتعويض في القضية الجنائية عن الضرر المترتب علي الفعل الجنائي إذا كانت هنالك دعوي مدنية أمام المحكمة المدنية تتعلق بالمطالبة بالتعويض عن الضرر نفسه إلا إذا تنازل المضرور أمام محكمة الجنايات عن الدعوي المدنية فقد جاء نص المادة المذكورة كالآتي :
(( عند ممارسة المحكمة لسلطاتها في الحكم بالتعويض دون إخلال بأحكام الدية تراعي المحكمة الآتي :
(أ ) لا يجوز لمضرور أقام دعوي مدنية بالتعويض عن ضرر مترتب علي الجريمة المطالبة بالتعويض عن الضرر ذاته أمام المحكمة ما لم يتنازل عن تلك الدعوي ))
وبالطبع إذ لم يتنازل المضرور عن الدعوي المدنية فإن محكمة الجنايات لا تستطيع ممارسة سلطاتها الإستثنائية في الحكم بالتعويض وسوف تكتفي بمعاقبة المتهم حسب جريمته في حالة إدانته تاركة النظر في أمر التعويض للمحكمة المدنية وحدها في الدعوي المدنية المرفوعة أمامها والتي أصر المضرور علي عدم التنازل أو التخلي عنها أمام محكمة الجنايات والغاية التي توخاها الشارع من وراء هذا النص هي عدم تكرار الدعاوي وإزدواجيتها في التعويض عن نفس الضرر الواحد أمام مختلف المحاكم الجنائية والمدنية
فإذا كانت القضية الجنائية والدعوي المدنية مرفوعتين الأولي أمام محكمة الجنايات والثانية أمام المحكمة الجزئية ( المحكمة المدنية ) في آن واحد بالمطالبة بالتعويض المترتب علي الضرر نفسه فلا بد أن يتنازل المضرور ( الشاكي ) أمام محكمة الجنايات عن الدعوي المدنية كشرط مسبق لإستمرار محكمة الجنايات في الدعوي الجنائية
عليه فإن المضرور يستطيع أن يرفع دعوي إشانة سمعة مطالباً بالتعويض أمام المحكمة الجزئية ( المحكمة المدنية ) دون حاجة به لفتح بلاغ بإشانة السمعة ضد الشخص الذي تسبب في ضرره ومن ثم فإن حكم محكمة الإستئناف المؤيد لحكم المحكمة الجزئية القاضي بشطب دعوي الطاعن تأسيساً علي أن التعويض عن أشانة السمعة يستلزم ثبوت عناصر جريمة إشانة السمعة التي لن تثبت إلا بحكم جنائي بموجب دعوي جنائية لم يرفعها الطاعن - حكم ورد مخالفاً للقانون وتأويله وتطبيقه مما يتعين نقضه والغاؤه
إن الأركان الأساسية التي تنهض عليها إشانة السمعة والتي يتعين علي المحكمة الجزئية مناقشتها هي :
1 - هل نشر المطعون ضده ( المدعي عليه ) عبارات مشينة للسمعة ؟؟
2 - هل أشارت العبارات لشخص الطاعن ( المدعي ) ؟؟
3 - هل تم نشر العبارات للآخرين بقصد إشانة سمعة الطاعن (المدعي )؟؟
وبالطبع إذا تخلف ركن واحد من هذه الأركان سوف تشطب الدعوي أما إذا ثبتت جميع الأركان فإن المحكمة سوف تنبري لرصد ووضع التعويض وفقاً لنص المادة 153 من قانون المعاملات المدنية سنة 1984م مع مراعاة الضوابط الآتية :
1 - ألا يكون التعويض مغالي في كثرته أو مبالغاً في قلته
2 - ألا تأخذ المحكمة في الإعتبار أمراً ما كان عليها أخذه أو تغفل أمراً كان عليها الأخذ به
3 - أن تبدي المحكمة أسبابها الموضوعية لتقدير التعويض وألا تقدره تقديراً جزافياً دون أسانيد
لهذه الأسباب مجتمعة أري إعادة الأوراق لمحكمة الموضوع للسير في الدعوي من حيث انتهت وذلك علي هدي هذه المذكرة
القاضي : عبد الرحمن علي صالح
التاريـخ : 28 /3 /1998م
أوافق
القاضي : أحمد البشير محمد الهادي
التاريـخ : 29 /3 /1998م
أوافق

