عبد الوهاب محمد يوسف // ضد // محمد الفاضل الأمين
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد/ عبد الرحمن عبده قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد/ زكي عبد الرحمن قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ صلاح الدين محمد الأمين قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/عبد اللطيف محمد السيد قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ عمر أبو القاسم قاضي المحكمة العليا عضواً
الأطراف :
عبد الوهاب محمد يوسف الطاعن
// ضد //
محمد الفاضل الأمين مطعون ضده
النمرة : م ع / ط م / 378/ 90
مراجعة /64/1992م
المبادئ:
قانون أصول الأحكام – تفسير النصوص واستصحاب قصد المشرع لا يكون في النص قطعي الدلالة - الرجوع لأحكام الشريعة الإسلامية –لا يكون إلا في حالة غياب النص – المواد 2و3 من قانون أصول الأحكام
معاملات مدنية –شفعة –إجراءاتها-عدم سماع الدعوى بعد انقضاء ستة أشهر من التسجيل – المادة 626(2) من قانون المعاملات المدنية
إجراءات مدنية – مراجعة أحكام المحكمة العليا – مخالفة الشريعة الإسلامية الموجبة للمراجعة – معناها
إن تفسير النصوص واستصحاب أن المشرع لم يقصد مخالفة الشريعة الإسلامية لا يكون في النص قطعي الدلالة وإن الرجوع لقواعد الشريعة الإسلامية لا يكون إلا في حالة غياب النص
لا تسمع دعوى الشفعة بعد انقضاء ستة أشهر من تسجيل البيع لوجود قرينة غيرقابلة لإثبات العكس بعلم الشفيع بواقعة التسجيل أثناء هذه الفترة
إن مخالفة الشريعة الإسلامية التي تقوم سبباً للمراجعة ليست هي مخالفة رأي فقهي في مسألة معينة وإنما مخالفة نص في الكتاب أو السنة
المحامون :
الأستاذ / حمد محجوب الحسن عن الطاعن
الحكم
القاضي : عبد اللطيف محمد السيد
التاريخ : 1/4/1992م
بتاريخ 11/1/1992م أصدرت المحكمة العليا الدائرة المدنية قرارها في الطعن 378/90 بشطبه إيجازياً مؤيدة بذلك الحم الصادر من محكمة الولاية الوسطى القاضي بإلغاء قرار المحكمة الجزئية بالكاملين الذي قضى بشطب الدفع القانوني المقدم من المدعى عليهما وقد كان دفعهما ما تقدم به محامي المدعى عليه الأول أنه يمتنع بمقتضى المادة 626/2 من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م سماع دعوى الشفعة حيث مر على تسجيل البيع ما يزيد عن ستة أشهر فرفضت محكمة الموضوع هذا الدفع وقضت بالسير في الدعوى خالفت محكمة الاستئناف ذلك وقررت أنه بموجب تلك المادة لا مجال لمد هذا الميعاد الذي كان قد انقضت أربع سنوات عندما رفعت الدعوى وأمرت بشطب الدعوى
وبتاريخ 25/3/1992م تقدم الطاعن بواسطة محاميه بعريضة يطلب فيها مراجعة قرار المحكمة العليا المذكور لمخالفته لأحكام الشريعة الإسلامية حيث يوجب علم طالب الشفعة بالبيع دفعاًَ للضرر والضرر يجب أن يزال ما أمكن بقوله-صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا ضرار ) وتم البيع في 4/8/1984م وكان آنذاك بالسعودية ولم يعلم به إلا بعد عودته وتقدم بالدعوى بعد علمه به مباشرة في 25/8/1989م وله البينة على ذلك لهذا طلب سماع البينة وهي الفيصل في هذه المسألة
ويتضح من نص المادة 626(1) أنها حددت مدة 30 يوماًُ من تاريخ العلم بتسجيل البيع بالأخذ بالشفعة ويمكن مد هذه الفترة إن كان هناك عذر شرعي
أما الفقرة 2 من المادة المذكورة فإنها أمرت بعدم سماع دعوى لشفعة بعد مرور ستة أشهر من تاريخ التسجيل فهل توجد مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية بناءً على تطبيق هذا البند 2 من المادة 626 في القرار المطلوب مراجعته ؟ قبل الإجابة على ذلك أوضح الآتي :_
1- رتب الفقهاء –الأئمة الأربعة – أحكام الشفعة بعد العلم بالبيع ولم يخالف في ذلك منهم أحد حسب ما جاء في كتاب الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي ص 826 و827 من الطبعة 1985م
2- كما جاء بنفس المرجع صفحة 807 و808 : قال الحنفية إذا كان بعض الشفعاء حن البيع غائباً وطلبها الحاضر يقضى له بالشفعة فإذا جاء الغائب وطلب الشفعة وكان مع الحاضر في مرتبة واحدة قاسم الحاضر فيما أخذ ويتفق المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية مع الحنفية في ثبوت حق الشفعة للغائب ويثبت له كالإرث ولأن الغائب شريك لم يعلم بالبيع فتثبت له الشفعة عند علمه كالحاضر إذا كتم عنه البيع
3- كما جاء في كتاب أحكام المعاملات الشرعية للأستاذ علي الخفيف صفحة 154 الطبعة الثالثة سنة 1947م أن يطلب الشفيع الشفعة في مجلس علمه بالبيع والمبيع والثمن والمشتري سواء علم ذلك بعد العقد مباشرة أم بعده بسنين ويتحقق العلم بأي طريق يغلب به على ظنه صدق الخبر فيتضح من النصوص السابقة اشتراط العلم بالنسبة للمطالبة بحق الشفعة من الناحية الشرعية
وإذا رجعنا إلى فهم المادة 626(2) فإنها تحتمل معنيين الأول أن هذه المادة مرتبطة بالبند (1) لأنه في المادة المذكورة البند (1) حددت شهراً لمن ليس له عذراً أما إن كان له عذر فلم تحدد أقصى هذه المدة مع ملاحظة اشتراط العلم فيها فجاءت الفقرة 2 وحددت هذه الفترة إذا بلغت ستة اشهر فلا تسمع حتى ولو كان هناك عذر ولكن ينسحب عليها أيضاً العلم بالبيع ويعز هذا الفهم عبارة (على ) في أول الفقرة ما يدل على ارتباطها الوثيق بالفقرة (1) وبالتالي إذا اخذ بهذا الفهم للفقرة( 2) يكون بذلك عدم وجود مخالفة لها لأحكام الشريعة الإسلامية التي اشترطت العلم بالبيع ويتفق ذلك مع العدالة إلا لتحايل الناس وقاموا بالبيع سراً وبعد مضي المدة المذكورة ستة أشهر – دون علم الشفيع يضيع حقه
والفهم الثاني للمادة 626/2 عدم سماع الدعوى بالشفعة بعد مضي المدة القانونية سواء كان هناك عذر أم لا علم بالبيع أم لا حسب ما يتبادر إلى النص الظاهري للمادة
وإذا طبقنا الفهم الأول للبند 2 على القرار المطلوب مراجعته فيكون قد صدر مخالفاً لذلك الفهم الأول وبالتالي مخالفاً لنص المادة وإذا أردنا أن نطبق الفهم الثاني وهو ظاهر نص المادة دون الارتباط بالفقرة الأولى منها فيكون ذلك مخالفة صريحة لأحكام الشريعة الإسلامية التي اشترطت علم الشفيع بالبيع
وعله أرى أن يطبق الفهم الأول للمادة 626/2 حتى لا يتعارض ذلك مع أحكام الشريعة الإسلامية في حالة تطبيق الفهم الثاني المذكور مستصحباً في ذلك نص المادة 2 و 3 البند سابعاً من قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983م أيضاً وبالتالي إلغاء القرار المطلوب مراجعته وإعادة الأوراق للنظر فيها بواسطة الدائرة المدنية
وإذا وافق الزملاء على ذلك أن تعلن العريضة للمراجع ضده للرد عليها
القاضي : عمر أبو القاسم
التاريخ : 12/4/1992م
لا أرى في القرار المطلوب مراجعته مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية تستوجب المراجعة لأنه جاء متفقاً مع القانون فالمادة 626 والتي تقرأ (( لا تسمع دعوى الشفعة بعد مرور ستة أشهر من تاريخ التسجيل )) والموضوع المطروح للنظر قد بدأ السماع فيه بعد تسجيل العقار بأكثر من أبع سنوات وبهذا تأكد المنع
وإذا قال بعض الفقهاء بوجوب علم الشفيع فبديهي أن القانون لم يأخذ بذلك الرأي ولعل سبب عدوله لأن حق الشفعة ضعيف متزلزل لثبوته على خلاف القياس إذ الأخذ
بالشفعة تملك مال معلوم بغير إذن مالكه لخوف ضرر يحتمل الوجود و العدم فلا يستقر إلا بالطلب على الواثية لذا كان الحديث "إنما الشفعة لمن واثيها " ولهذا جرى قضاء المحكمة العليا في السوابق المنشورة وغير المنشورة , بسقوط حق الشفعة بمضي الستة أشهر وهي بهذا متسقة مع القانون
عليه أرى أن نقرر رفض طلب المراجعة
القاضي : عبد الرحمن عبده عبد الرحمن
التاريخ : 27/4/1992م
يؤسفني أن اختلف مع الأخ العالم مولانا عبد اللطيف ولست أختلف معه فقهاً حول وجوب علم الشفيع بالبيع قبل أخذه بالشفعة وإنما أقول بوجوب امتناع القضاء عن سماع دعوى الشفعة بعد انقضاء ستة أ شهر من تسجيل البيع لوجود افتراض بعلم الشفيع بواقعة التسجيل أثناء هذه الأشهر الستة إذ أن العلم إما حقيقي أو حكمي وافتراض العلم يقوم على لقرينة الدالة عليه والقرينة إما استندت إلى الوقائع أو أنشأها القانون والقرينة القانونية أما كانت قابلة لإثبات العكس أو لم تكن كذلك وهكذا فان الفقرة الثانية من المادة 626 من قانون المعاملات المدنية بمنعها سماع دعوى الشفعة بعد مضي ستة أشهر من تاريخ تسجيل البيع تكون قد أنشأت قرينة لا تقبل إثبات العكس مؤداها أن الشفيع قد علم بوقوع البيع المسجل لأن مهمة التسجيل هي شهر التصرف وهنا يبين الفارق بين فقرتي المادة إذ تسقط الفقرة الأولى حق الشفيع بعد مضي ثلاثين يوماً فقط من علمه الحقيقي لتسجيل البيع بينما لا تسقط الفقرة الثانية حقه إلا بعد ستة أشهر لأن علمه هنا مفترض قانوناً وليس حقيقياً كواقعة كما في الفقرة الأولى ( راجع المذكرة التفسيرية بمشروع القانون المدني لسنة 1971م الجزء الثاني الصفحة 971) وسبب افتراض العلم هو تغليب مصلحة المشتري المالك مدة ستة أشهر على مصلحة الشفيع الذي يسعى إلى تملك المال بغير إذن صاحبه ولست أرى في ذلك مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية وإنما أجد تطبيقاً لتلك الأحكام من باب السياسة الشرعية والمصالح المرسلة
إن مفهوم المخالفة للمادتين 2و3 (سابعاً) من قانون أصول الأحكام االقضائية هو وجوب الالتزام بنص المادة 626(2) من قانون المعاملات المدنية لأن هذا النص يحكم الواقعة التي نحن بصددها وهو واضح وقطعي الدلالة ولا يحتاج إلى تفسير ولا تاويل
لهذه الأسباب أرى شطب طلب المراجعة إيجازياً
القاضي : زكي عبد الرحمن
التاريخ :20/4/1992م
مع احترامي لرأي الزميل العالم عبد اللطيف فإنني أتفق مع ما ذهب إليه الزميلان العالمان عمر أبو القاسم وعبد الرحمن عبده وللأسباب التي قام عليها ما ذهبا إليه إن مخالفة أحكام الشريعة الإسلامية التي تقوم سبباً لمراجعة ليست هي مخالفة أي رأي فقهي في مسألة معينة , وإلا لوجدنا (( لفرط ما بين الفقهاء من خلاف في شتى المسائل )) أمراً مخالفاً للشريعة في كل قضاء نقضي به وفي تقديري أنه ينبغي ألا نقضي بمخالفة حكم للشريعة الإسلامية إلا فيما يخالف نصاً في الكتاب والسنة فذلك ما يمثل حكم الشريعة الذي لا خلاف عليه أما الأحكام المقررة للمصادر الأخرى للشريعة فإنها لا تسود على النصوص القانونية الصريحة بأي حال من الأحوال , ذلك لأن ما حسمه المشرع باجتهاده ((وضمناً بالتزامه بقواعد الشرع في تحقيق المصالح المرسلة )) لا بد وأن يعلو على اجتهاد الآخرين حتى وان كانوا من الفقهاء الأجلاء
وفي الواقع أن هذا التفسير هو ما يستقى من النصوص الصريحة لقانون أصول الأحكام إذ أن المادة الثانية منها نصت صراحة على أن تفسير النصوص واستصحاب أن المشرع لم يقصد مخالفة أحكام الشريعة لا يكون في النص المفسر أو الذي يكون قطعي الدلالة كما نصت المادة الثالثة من القانون نفسه على أن الرجوع لقواعد الشريعة الإسلامية ( بما في ذلك ما هو مقرر في الكتاب والسنة ) لا يكون إلا في حالة غياب النص
ومؤدى ذلك كله وطالما موضوع كان موضوع سقوط الحق في الشفعة بمضي فترة ستة أشهر منصوصاً عليه صراحة , فإنه ليس في أي من المادتين الثانية والثالثة من قانون أصول الأحكام ما يلزمنا بالخروج على ذلك بسبب وجود رأي فقهي إسلامي مهما كانت قوته أما فيما يتعلق بالتعارض مع نصوص الكتاب والسنة فإنه أمر غير وارد أصلاً نظراًَ إلى أن منهج المشرع الوضعي قد أصبح إسلامياً مما يجعل الحديث عن الأمر نظرياً بحتاً
أخلص مما تقدم إلى أنه ليس في طلب المراجعة ما يبرر المراجعة ومن ثم أرى رفضه
القاضي: صلاح محمد الأمين
التاريخ: 28/4/1992م
يؤسفني أن اختلف مع زميلي العالم عبد اللطيف إلا أن ما اتفق عليه بقية الزملاء هو الفهم السديد لما رمى إليه المشرع في المادة 626 (1) و (2) من قانون المعاملات المدنية لسنة 84 ولم يخالف الحكم المطلوب مراجعته هذا الفهم وبالتتالي لم يخالف أحكام الشريعة الإسلامية كما أبان الزملاء بإفاضة
وعليه أوافق على شطب طلب المراجعة

