حكومة السودان – ضد – السر ميرغنى خليفة وآخرون
أ / أ ج/ 705/ 1405هـ
حكومة السودان – ضد – السر ميرغنى خليفة وآخرون
المبادئ:
قانون جنائي – الاشتراك – رأي الفقهاء
عند حدوث سرقة من شخص لم يبلغ الحلم بالاشتراك مع آخر بالغ يرى الإمام مالك والامام الشافعى عدم قطع الصبي البالغ بينما يرى الإمام أبو حنيفة وزفر سقوط القطع عن البالغ لأن القطع سقط عن الشريك القاصر
الحكـــم
التاريخ : 14 ذو القعدة 1405هـ
القاضى : أبو القاسم عبد الرحيم
المتهمون الثلاثة معترفون قضائياً بأنهم تسوروا الحائط الخارجى لدكان الشاكى وكسروا الباب الداخلي للدكان وقاموا بكسر الخزينة وأخذ المسروقات المعروضة أمام المحكمة والتي تجاوزت قيمتها كلها أكثر بكثير من النصاب المقرر للسرقة الحدية
وقد قدم الاتهام المتهمون تحت المادتين 78/396 عقوبات وبناء على الإقرار القضائي الصادر من المتهمين فقد وجدتهم المحكمة واقعين تحت طائلة المادتين المذكورتين لأنهم اشتركوا بعد التخطيط والتدبير وبذلك فقد طالتهم المادة 78 عقوبات المذكورة كما أنهم بعد أن تسوروا الحائط الخارجى قاموا بكسر باب الدكان وكان الوقت ليلاً وقاموا بكسر الخزينة واستولوا على محتوياتها وبذلك فقد ارتكبوا جريمة الحرابة كما تصفها وتحددها المادة 396 عقوبات – والتي يعاقب من تطوله بالإعدام أو القطع من خلاف أو السجن المؤبد مع النفى – إلا أن محكمة الموضوع وهي الأقدر من خلال الواقع والمشاهدة التي تعطيها المقدرة على وزن البينات ومدى مقدار القصد الجنائي ومطابقة ذلك مع النص المعاقب به ومن هذا المدخل فقد ناقشت محكمة الموضوع الوقائع مع النص العقابي وذلك عندما تساءلت قائلة ما معناه أن الاصطلاح الفقهي يسمى الجريمة التي يعاقب عليها بالعقوبة المذكورة يسميها "الحرابة" اقتباساً من قوله تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض)
تساءلت محكمة الموضوع عما إذا كان الفعل الذي ارتكبه الجناة المتهمون يرقى إلى أن يطلق عليه اسم "الحرابة" وبعد أن استأنست المحكمة بما جاء في نشرة الأحكام الرباعية يناير / فبراير / مارس 1984 فحص جنائي 10/1984 الخ بعد ذلك خلصت المحكمة إلى الإجابة بأن ما حدث لا يعتبر حرابة لأن الحرابة تتمثل في قطاع الطرق ولكن ما حدث في هذه القضية لا يعدو أن يكون سرقة حدية تحت طائلة المادة 322 (2)
هذا ولما كان اثنان من المتهمين يبلغ عمر أحدهما 15 سنة والآخر 16 سنة فقد أنزلت عليهما العقوبة تحت طائلة المادة 67 عقوبات وحكمت على كل واحد منهما بالحجز في الإصلاحية لمدة خمس سنوات ولأن المتهم الثالث بلغ فقد قضت – المحكمة بقطع يده اليمنى من مفصل الكف وأمرت المحكمة بتسليم المسروقات للشاكى
هذا وقد استأنف المتهم الثالث هاشم بابكر المحكوم عليه بقطع اليد – استأنف هذا الحكم في الوقت المحدد قانوناً – فقررنا قبول استئنافه شكلاً – كما تقدم المتهمان الآخران بعريضتى استرحام وتقدمت أم كل واحد منهما بعريضة مسترحمة لأبنها
وبعد أن اطلعت المحكمة الاستئنافية على الأوراق أرسلت المتهم الثالث المحكوم عليه بالقطع للجهات الطبية التي قررت أن عمره 20 عاماً وعليه فلا محل لما ذكره الآن من أن عمره 17 سنة
ولقد قامت محكمة الاستئناف بفحص الموضوع كله من منظور النصوص الشرعية وتبين لنا أن هناك خلافاً بين الفقهاء " أنظر الجزء الثاني من كتاب التشريع الجنائي الإسلامي للمرحوم الأستاذ عبد القادر عودة صفحة 610 " حول السرقة التي تقع بين شركاء يكون واحد منهما أو أكثر لا يحكم عليه بالحد بينما يستحق الآخر أو الآخرين الحكم بالقطع – كما إذا سرق أب من مال ابنه وشاركه في السرقة شخص لا علاقة له بالابن ففي هذه الحالة فإن القياس يقتضى قطع يد الأب ويد الشريك باعتبارهما سارقين ولكن الشريعة باتفاق الفقهاء لا تقطع يد الأب في هذه السرقة وبالتالي فهم يقولون ما دام أحد السارقين قد نجا من القطع فلا مجال لقطع الشريك - وهناك مثال آخر تدخل تحته قضيتنا هذه وهو حصول السرقة من شخص لم يبلغ الحلم بالاشتراك مع آخر بالغ فهنا يرى الإمام مالك والإمام الشافعي عدم قطع الصبى ولكن لا بد من قطع البالغ - أما الإمام أبى حنيفة والإمام زفر فهما يريان سقوط القطع عن البالغ لأن القطع سقط عن الشريك القاصر- وهناك من يرون تفصيل المتسبب الأول والمتسبب الثاني وهل البالغ هو الأول الخ ولا نرى مجالاً للدخول في ضبط الخلاف الأخير – ولكننا نقول من ناحية النص الشرعي وكما رأينا بأن قول أبى حنيفة وزفر قد أدخلا علينا الشبهة والاشتباه في أن يكون قولهما هو الحق المبين- وأن قول الآخرين هو القول الخاطئ
نحن لا نجزم بصحة قول الإمام أبى حنيفة وصاحبه زفر كما أننا لا نجزم بصحة قول الإمام مالك والشافعي وفي هذه الحالة فإننا لو قررنا تأييد القطع كما أمرت به المحكمة الابتدائية يدخل بنا الحكم إلى مصادمة الحديث النبوى الذي لا خلاف حوله والذي يقول "ادرؤوا الحدود بالشبهات" ويكون قد أهملنا الشبهة الواضحة المثارة حول الموضوع ومن هنا فلا بد من أن نقرر إلغاء حكم المحكمة الابتدائية بقطع يد المتهم هاشم بابكر خليفة – وأن نبدل إدانته من المادة المحددة بالقضية الابتدائية إلى المادة 322-1 (السرقة غير الحدية)
أما المتهمان الآخران وهما قاصران فإن المادة التي أدينا تحتها وهي المادة 67 عقوبات فهي تقول : الشخص الذي لم يبلغ الحلم إذا تكرر جنوحه أو تشرده أو خطره على المجتمع جاز للمحكمة أن تأمر بحجزه في الإصلاحية أو مؤسسة يعينها رئيس المحكمة العليا لهذا الغرض وذلك لمدة لا تقل عن سنتين ولا تزيد على خمس سنوات
بقصد تهذيبه وتربيته ذلك نص المادة كاملاً وهي كما نرى تشترط تكرار الفعل وبعد التكرار جاز للمحكمة توقيع العقاب المذكور وفي قضيتنا هذه فلم يدع الاتهام أو يصل إلى علم المحكمة بأن هناك تكرار قد حصل فيما حدث من المتهمين لذا فلابد أن نرى عقابهما بموجب هذه المادة لابد أن يكون عقاباً لا يسنده قانون وعليه فلابد من إطلاق سراحهما بعد إلغاء الإدانة والعقوبة لهما وإلى أن يحدث منهما تكرار لما حدث فإن الشرطة والمحاكم لبالمرصاد
هذا وإن المتهم البالغ نفسه لم يكن له سوابق في عالم الجريمة وأن وقائع هذه القضية تدل على البساطة والعفوية التي تصرف بموجبها المتهمون مما يدل على عدم انتمائهم إلى عالم الإجرام والمجرمين وعليه فإننا لابد أن تجعل المتهم يحس بالرحمة والصلة بينه وبين المجتمع ليعود إلى بيئة الفضيلة والشرف والكرامة
ونظراً لأن المادة الجديدة التي حولناه عليها وهي المادة 322-1 توجب العقوبات الثلاثة الجلد والغرامة والسجن فلابد من إلغاء العقوبة السابقة وإصدار عقوبة جديدة بديلة مشتملة على الردع الثلاثى المذكور
أمـــر :
1- تلغى الإدانة والعقوبة بالنسبة للمتهمين:
أ- السر الخليفة ميرغنى
ب- المهدى جعفر عبد الله
2- تعدل الإدانة تحت المادة (322-2) لتكون تحت المادة ( 322 –1 )عقوبات بالنسبة للمتهم "هاشم بابكر أحمد"
3- تعدل العقوبة بالنسبة للمتهم المذكور من قطع اليد اليمنى من مفصل الكف إلى الآتي:
أ- الجلد ثلاثين جلدة
ب- الغرامة ثلاثون جنيهاً في حالة عدم الدفع السجن خمسة عشر يوماً تبدأ بعد نهاية عقوبة السجن الأصلية
ج- السجن لمدة شهرين ونصف تبدأ من تاريخ القبض عليه في 9 رمضان 1405هـ
4- نؤيد تسليم المعروضات للشاكى
صدر تحت توقيعى في اليوم الرابع عشر من ذو القعدة 1405هـ

