حكومة السودان / ضد/
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد/ إدريس القرشي علي قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد/ طه إبراهيم محمد قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ حسن محمد الشيخ قاضي المحكمة العليا عضواً
م ع/ ف ج/ 105/1994م
المبادئ:
إثبات - بينة الكمين
إجراءات جنائية - الفحص - وجوب مراعاة التدرج الهرمي للمحاكم
إثبات - بينة الشريك - بينة من أعطى عفواً مشروطاً وفصل عن المحاكمة لا يعتبر شريكاً
1 - يجب عند تقديم طلب الفحص أن يراعي التدرج الهرمي للمحاكم بحيث لا تصل القضايا إلى أعلى إلا وفقاً لتدرج المحاكم
2 - بينة الشريك هي البينة التي تؤخذ في محاكمة واحدة لعدد من المتهمين يدلي أحدهم أو بعضهم ببينة ضد بعض وهنا يطلب القانون تعضيد البينة ببينة أخري لأن هذه الأقوال لم تؤخذ على اليمين فإذا أعطي متهم عفواً مشروطاً بالإدلاء بالحقيقة أو حسب شروط العقد وأدلي بأقواله على اليمين فإنه يكون شاهداً لا شريكاً لأنـه أعفي من المسئولية ولأنه أدلي بأقواله على اليمين ولأنه انفصل عـن المحاكمـة وبالتالـي لا تحتاج بينته لتعضيد مثل بينـة الشريك وإنمـا تقيم كما وردت
3 - بينة الكمين مقبولة في الشريعة الإسلامية لأن هنالك نوع من الجرائم والمخالفات يقع في الخفاء ليلاً أو نهاراً لا يشاهدها عند وقوعها أحد من الناس فطرق إثباتها الأمارات وظروف الحال والقرائن والنكول عن اليمين والبينة المعدة كبينة الكمين
الحكــم
القاضي : إدريس القرشي علي :
التاريخ : 22/ 3/ 1994م
بدأت محاكمة المتهم المذكور وآخرين أمام محكمة خاصة بالقضارف بموجب قانون الجمارك وانتهت المحاكمة أمام قاضي من الدرجة الأولي بعد حل المحكمة الخاصة والذي أدان مقدم الطلب بموجب المادة 198(1)(أ) من قانون الجمارك لسنة 1406هـ وبرأ بقية المتهمين
حكمت المحكمة على المتهم المدان بالغرامة خمسة ألف جنيه وفي حالة عدم الدفع السجن لمدة شهرين اعتباراً من 12/ 9/ 1992م مع الأمر بمصادرة البضاعة لمصلحة الجمارك وفك الحجز على العربتين اللتين استعملتا في التهريب وكان هـذا الحكـم فـي 12/ 9/ 1992م أي بمعني حوالي أكثر من عام ونصف
تقدمت إلينا الأستاذة عزيزة عصمت بطلب لفحص الإجراءات وذكرت أسباباً متعددة سوف نناقشها تباعاً
قبل مناقشة أسباب الطعن وقناعتها بغرض التدخل في الحكم الصادر نري بأنه لابد من تحديد زمن مقيد لطلبات الفحص فهي ليست مقيدة بزمن كالاستئناف الأمر الذي جعل مثل هذا الطلب يقدم بعد أكثر من عام ويمكن أن يقدم بعد أكثر من ذلك حيث أنه أمر لا قيد عليه وهذا من شأنه أن يجعل نهائية الأحكام وانتهاء الإجراءات القضائية أمراً غير محدد
الأمر الثاني الذي تجدر الإشارة إليه أن هذا الطلب قدم من حكم أصدره قاضي من الدرجة الأولي ورفعته مقدمته رأساً لهذه المحكمة بل لرئيس المحكمة العليا وهذا الأمر يحتاج إلى وقفة عميقة حيث أن المشرع حينما أراد للتقاضي أن يتدرج هرمياً من المحكمة الأدنى إلى الأعلى حتى العليا إنما أراد ذلك النمط الهرمي حيث تعمل كل المحاكم وفقاً لاختصاصاتها المنصوص عليها في قانون الإجراءات وأراد ألا يرفع للمحكمة العليا إلا ما نظرته محكمة الاستئناف ونري ألا يترك أمر تقديم طلبات الفحص لهوي الشخص الذي يريد تقديمه بل لابد من تنظيم ذلك حيث لا تصل القضايا إلى أعلى إلا وفقاً لتدرج المحاكم
بدأت الأستاذة أسباب طلبها بانعدام الإذن من النائب العام لتقديم الدعوى الجنائية للمحاكم وأشارت إلى أن ذلك تطلبه المادة 214ويجعل الإجراءات باطلة ونحن عدنا لأمرين اثنين الأول نص المادة المشار إليها والخطابات المتداولة بين المدعي العام ومندوبه بمنطقة القضارف أما المادة 214 من قانون الجمارك لسنة 1406هـ فهي تقرأ كالآتي ( مع عدم الإخلال باختصاصات النائب العام وسلطاته في تمثيل الاتهام يتولى المدير أو من يفوضه الاتهام في قضايا الجمارك ) هذا النص لا يعني بأنه إلزامي بأن يتولى تمثيل وتحريك الدعوى أما التقدير أو من ينوب عنه وإنه لا يبطل الإجراءات إن تولاها شخص آخر بل يحدد الجهة التي تمثل الاتهام في قضايا الجمارك وهي أما النائب العام أو مدير الجمارك أو من يفوضه كما أنه لو مثل الاتهام جهة أمنية كالشرطة أو الأمن فإنه لا يعني ذلك بطلان الإجراءات
ذكرت مقدمة الطلب بأن الإجراءات باطلة من أساسها لأن الإجراءات التي اتخذت لم تكن تحت إشراف قضائي أو تحت إشراف النيابة وردنا على هذه النقطة أن بينة الكمين بينة مقبولة في المحاكم ولم ترفض كمبدأ ومعمول بها وقبولها لا يعني تصديقها فتقييم البينة بعد القبول أمر متروك لمحكمة الموضوع
أما قولها بأن البينة التي اعتمدت عليها المحكمة في إدانة موكلها فإنها بينة شريك وتوضح هذه المحكمة بأن هذا المبدأ بينة الشريك وتعضيدها أمر يتعلق بالقضايا الجنائية تحت القانون الجنائي أما جرائم التهريب فإنه يجوز فيها الإدانة لمجرد شبهة التهريب علماً بأن العربات قد غادرت السودان لإرتريا وعادت بالبضائع
كما أن بينة الشريك هي البينة التي تؤخذ في محاكمة واحدة لعدد من المتهمين يدلي أحدهم أو بعضهم ببينة ضد بعض وهنا يطلب القانون تعضيد البينة ببينة أخري لأن هذه الأقوال لم تؤخذ على اليمين وإنما كانت بدون ذلك فإذا أعطي متهم عفواً مشروطاً بالإدلاء بالحقيقة أو حسب شروط العفو وأدلي بأقواله على اليمين فإنه يكون شاهداً لا شريكاً لأنه اعفي من المسئولية ولأنه أدلي بأقواله على اليمين ولأنه انفصل عن المحاكمة وبالتالي لا تحتاج بينته لتعضيد مثل بينة الشريك وإنما تقييم كما وردت
لقد أوردت الأستاذة عزيزة في مرافعتها الضافية على أن بينة الكمين لا يرضي عنها القضاة في إنجلترا والهند ونحن هنا نري بأن بينة الكمين لا بد أن يثار حولها كثير من الشك لأنها بينة مصنوعة صنعاً وليست عقوبة حقيقية وشتان بين صنع البينة وحدوثها دون صنعة
ونرفض أيضاً القول بأن تحد سلطة النائب العام في العفو حيث أن هذه السلطة موجودة بنص القانون وإن كان لا بد من حدها ينبغي تعديل القانون أما ولاية القضاء فلا يحدها حد وهي ولاية مطلقة لا حدود لها ولا ينقص سلطة النائب العام في إيقاف الإجراءات من ولاية القضاء في شيء ولا أجد حاجة في طلب ملف الدعوى المدنية رقم 20/93 القضارف حيث أن الإدانة صحيحة والعقوبة تميل إلى اللين الشديد ولا أجد مبرراً للتدخل فيها بغية إنقاصها
فإذا وافق الزميلان أري أن يكون القرار : لا نري سببا للتدخل إذ أن البضائع المقبوضة أدخلت من إرتريا للسودان دون المرور على محطة جمركية لدفع الرسوم المقررة قانوناً وأن نؤيد الإدانة والعقوبة
القاضي : حسن محمـد الشيخ :
التاريـخ : 26/ 3/ 1994م
أوافق أضيف فيما يتعلق ببينة الكمين وعدم الرضا عنها لدي قضاة إنجلترا والهند فإن لدينا من الفقهاء والأئمة الراسخين في العلم الإمام مالك في فتح باب الاجتهاد على مصراعيه ليتمكن ولاة الأمور في الدولة من خلق مجتمع آمن ونظيف حين قال : تحدث للناس قضية بقدر ما أحدثوا من الفجور
ومن جهة أخري فإنه لا يعقل أن يناط بعنق الدولة استتباب الأمن وحفظ النظام وحماية الآداب والأخلاق والصحة ودرء المفاسد وجلب المصالح ثم تغل يدها عن استحداث الوسيلة التي تحقق للفرد والمجتمع تلك الغايات النبيلة إذ أننا إذا أجزنا إغلال يد الدولة عن استحداث الوسيلة التي تحقق أمراً ما يطلب منها أو يعول فيه عليها تكون كما قال الشاعر :
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء
نعم أن بينة الكمين صنعت صنعاً كما قال مولانا إدريس القرشي ويقصد لكي تكشف وتكتشف الأمور الملتبسة وتقف بنفسها على الحقيقة المخفية حتى لا يؤخذ البريء بالقيل والقال أو بالظن والشكوك وإنني أجد لها في السند القوي ما يشفي الصدور ويثلج الضمير هو قوله تعالي ( يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) الآية 6 من سورة الحجرات
إنني أشير هنا لكلمة كمن التي وردت في سياق الخبر وهي بيت القصيد وقد جاء تفسيرها في كتب اللغة بمعني تواري واختفي من الأعين
وفي رواية أخري أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قال لسيدنا خالد أرمقهم عند الصلوات فإن كل القوم قد تركوا الصلوات فشأنك بهم وإلا فلا يعجل عليهم فخرج إليهم سيدنا خالد ودنا منهم عند غروب الشمس فكمن حتى يسمع الصلاة فرمقهم فإذا المؤذن قام عند غروب الشمس فأذن ثم أقام الصلاة فصلوا صلاة المغرب فقال خالد ما أراهم ألا يصلون فلعلهم تركوا صلاة غير هذه ثم كمن حتى إذ غاب الشفق أذن بأذنهم فصلوا فقال لعلهم تركوا صلاة أخري فكمن حتى إذا كان في جوف الليل تقدم حتى أطل الخيل بدورهم فإذا القوم تعلموا شيئاً من القرآن فهم يتهجدون به في الليل ويقرؤون ثم أتاهم عند الصبح فإذا المؤذن حين طلع الفجر قد أذن وأقام فقاموا وصلوا فلما انصرفوا وأضاء لهم النهار فإذا هم بنواصي الخيل في دارهم فقالوا ما هذا ؟ قالوا خالد بن الوليد قالوا يا خالد ما شأنك ؟ قال والله أنتم نشأتي أتى النبي صلي الله عليه وسلم فقيل له إنكم تركتكم الصلاة وكفرتم بالله فجثوا يبكون وقالوا نعوذ بالله أن نكفر أبدا فصرف الخيل عنهم حتى أتي النبي صلي الله عليه وسلم وأخبره الخبر فنزل قوله تعالي : ( يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين )
هذا النص القوي الواضح أول من نهج نهجه في الإسلام وقبل نزوله هو سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه وأول من طبقه عملياً في الإسلام هو سيدنا خالد بن الوليد على الوجه الذي ذكرناه أعلاه ذلك أننا إذا نظرنا إلى الأوقات والظروف التي تقع فيها الجرائم والمخالفات نجدها من حيث الظهور والخفاء وحال الرواة تنقسم تقريباً إلى ثلاثة أقسام على الوضع الآتي : -
جرائم ومخالفات تقع أمام الأعين ليلاً أو نهاراً وطرق إثباتها إما الإقرار وإما الشهود الذين عاينوا الحادث ساعة وقوعه وأما القرائن والأمارات عند الإنكار أو عند غيبة الشهود والتيقن من عدم العثور عليهم
جرائم أو مخالفات تقع في الخفاء ليلاً أو نهاراً لا يشاهدها عند وقوعها أحد من الناس فطرق إثباتها الأمارات وظروف الحال والقرائن والنكول عن اليمين والبينة المعدة كبينة الكمين المستدل بها هنا في سورة الحجرات ومثل استراق السمع للأخبار الغيبية من قبل الشياطين في سورة الجن حيث قالوا وإنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهباً - وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً وإنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا - وقد استهل الله سبحانه وتعالي هذه السورة آمراً سيدنا محمد صلوات الله عليه وسلامه أن يعْلِمَ الناس بأن الله سبحانه وتعالي أوحي إليه أن الجن استمعت لقراءته للقرآن وأنهم أعجبوا به فدلت هذه الآية على الأخذ ببينة الإرصاد وهي بينة خفية على الأعين مثل بينة الكمين في الخفاء والاعتبار وإلا لما حكاهما سبحانه وتعالي ولما أمر الرسول بالأخذ بهما كذلك نجد أن أم سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام حينما وضعته في التابوت وقذفت به في اليم خوفاً عليه من بطش فرعون الذي وعد بقتل كل مولود ذكر نجدها تقول لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون - الآية 10 من سورة القصص أي قصي أثره عن بعد وهم لا يشعرون بذلك ولا يشعرون انك أخت موسى فهذه أيضاً بينة تتبع وكانت في خفاء عن فرعون وجنوده قادتها بأن تعود بموسى إلى أمه كما وعدها الله تعالي بذلك باعتبارها مرضعة لكي ترضعه حين امتنع عن المرضعات فنجا موسى من القتل وعاد إلى أمه لكي تقر عينها ولا تحزن بفضل تتبع أخته لآثاره خفية واحتيالها على فرعون حين حرم موسى المراضع أنها تريد أن تدل على أهل بيت لا صلة لها أو له بهم يكفلونه وهم له ناصحون فكان لها ولامه ما أرادتا
أما بينة الأمارات والدلائل فمثلها كمثل أخوة سيدنا يوسف عليه السلام حين أتوا إلى والدهم بقميص يوسف سالماً وملطخاً بالدماء مدعين أنه أكله الذئب حينما ذهب معهم يلعبون فإن سلامة قميص سيدنا يوسف دلالة أو دليل على كذبهم إذ لو أكله حقيقة لمزق قميصه أولاً ليصل إلى جسده فيأكله وبذلك قال لهم سيدنا يعقوب أنه لذئب حكيم يأكله ولا يمزق ثيابه - ثم قال لهم بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون
ولا يرد علينا أن هناك تعارضاً بين بينة الأمارات والدلائل مع الحديث الشريف البينة على المدعي واليمين على من أنكر فإنه لا تعارض في ذلك بقول الدكتور عبد الكريم زيدان في كتابه نظام القضاء في الشريعة الإسلامية يقول القرينة الظاهرة تدخل في مفهوم البينة التي ينبني عليها الحكم لأن البينة اسم لكل ما يبين الحق ويظهره ولا تنحصر والقول لا زال للدكتور عبد الكريم زيدان في الشهادة بل كلما يكشف الحق فهو بينة كما يقول الإمام العسقلاني ومضي يقول ومما يؤيد ذلك أن البينة لم تأت قط في القرآن الكريم مراداً بها الشهود وإنما أتت مراداً بها الحجة والدليل والبرهان وعلى ذلك فإن الشهود من البينة والقرينة من البينة - انتهي
ولا يرد علينا أن بينة الكمين تجسس والتجسس ممنوع شرعاً إذ أن هذا القول في التجسس ليس على إطلاقه إذ أن التجسس الممنوع شرعاً هو تجسس الأفراد بعضهم على بعض بقصد كشف العورات وإشاعة الفاحشة في المجتمع أو كشف أسرار الدولة للاعتداء
أما بينة الكمين وما شابها فإنها من قبيل التدابير الوقائية التي تتطلبها حماية المجتمع من الأخطار والجرائم التي تمس أمنه واستقراره وصحة أفراده والوقاية خير من العلاج
القاضي : طـه إبراهيـم محمـد :
التاريـخ : 29/ 3/ 1994م
أوافـــق

