حكومة السودان //ضد// م .م .م .ف
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة القومية العليا
القضاة:
سعادة السيد / محجـوب الأمين الفكـي
قاضي المحكمة العليا
رئيساً
سعادة السيد / د. الأمين عوض علي أحمد
قاضي المحكمة العليا
عضواً
سعادة السيدة/ د. سوسن سعيـد شندي
قاضي المحكمة العليا
عضواً
حكومة السودان //ضد// م .م .م .ف
م ع/ف ج/692/2013م
قانون القوات المسلحة لسنة 2007م تعديل 2013م – المـادة 130(3) سلطة فحص الأحكام العسكرية – ما يعتد به – قانون الطفل لسنة 2010م المادة (3) منه – سيادته على أي قانون آخر.
المبادئ:
1- ما يعتد به عند النظر في القبول الشكلي لطلب فحص أحكام المحاكم العسكرية بوساطة المحكمـة القومية العليا هـو الحكم الذي صدر ابتـداءً.
2- خضوع المتهم لقانون القوات المسلحة لا يعني إطلاق القول بخضوعه للمحاكمة أمام محكمة عسكرية لأن هذا يحدد وفقاً لنص المادة (49) عن الجرائم التي تنسب إليهم أثناء أداء واجبهم أو بسببه ولا يشكل انتسابه للقوات المسلحة وحده سبباً للاختصاص إذا لم يقع الفعل المخالف للقانون أثناء الواجب أو بسببه.
3- قانون الطفل لسنة 2010م قانون لاحق تسود أحكامه فيما يتعلق بالطفل على قانون القوات المسلحة وفقاً لنص المادة (3) من قانون الطفل.
المحامون:
الأستاذ/ ميرغني عبد الله البيلي عـن الطالب
الحكــم
القاضي: محجوب الأمين الفكي
التاريخ: 27/11/2013م
قدم المتهم م. م. م. ف. مقدم بالقوات المسلحة للمحاكمة بوصفه من منسوبي القوات المسلحة أمام المحكمة العسكرية العامة – الخاصة – بكرري متهماً تحت المادة 45(ج) من قانون الطفل بالتحرش جنسياً بالمجني عليها وهي طفلة فقضت المحكمة العامة بإدانته تحت المادة (185) من قانون القوات المسلحة لسنة 2007م مقروءة مع المادة 45(ج) من قانون الطفل ومن ثم وقعت عليه العقوبات التالية:
1- الطرد من خدمة القوات المسلحة اعتباراً من 25/6/2013م.
2- السجن لمدة عشر سنوات اعتباراً من تاريخ إيقافه في 22/1/2013م.
3- الغرامة 2000 جنيه تورد في حساب إدارة المحاكم العسكرية وذلك بناءً على وقائع ثابتة أمامها محصلتها الآتي:
المجني عليها (....) والتي تبلغ من العمر تسع سنوات ابنة للمبلغ ، فتحت الدعوى الجنائية تأسيساً على أن المتهم قام بأخذها بعربته من مجمع الشهيد إبراهيم شمس الدين السكني بسلاح المدرعات يوم 22/1/2013م بين صلاة المغرب والعشاء إلى مكان مهجور ومظلم خلف المجمع السكني وقام بالتحرش جنسياً بها داخل عربته بأن قبلها وضمها إليه وحاول إخراج بنطالها ولم يستطع لضيقه ، وأخذ يعبث بجسدها وقام برفع جلبابه ، فأخذت في الصراخ مما اضطره للتوقف والاعتذار لها وإنزالها أمام بقالة نور المدرعات هذا ما روته المجني عليها ، وقامت بإخطار الديدبان ، الخ ....
كان هذا الحكم موضوع استئناف أمام محكمة الاستئناف العسكرية التي قضت بموجب حكمها م/إ/ع/ف ج/31/2013م بتأييد الإدانة وتعديل العقوبة على النحو التالي:
1-
2-
3-
صدر هذا الحكم بتاريخ 20/10/2013م وبتاريخ 7/11/2013م نيابة عن المدان تقدم الأستاذ/ ميرغني عبد الله البيلي بطلب الفحص هذا ملتمساً لأسباب أبداها في طلبه إلغاء الإدانة والعقوبة . ويبدو أن هذا الطلب أول طلب فحص يقدم للمحكمة القومية العليا بعد صدور ونفاذ المادة 130(3) من قانون القوات المسلحة لسنة 2007م تعديل لسنة 2013م والتي تقرأ كالآتي:
" يكون للمحكمة القومية العليا سلطة فحص ومراجعة الأحكام التي تصدرها المحاكم العسكرية إذا صدر الحكم بعقوبة الإعدام أو السجن لمدة عشر سنوات فأكثر ".
بالنظر إلى تاريخ الحكم وتاريخ تقديم الطلب نراه قدم خلال القيد الزمني المقرر في المادة 130(2) من القانون غير أنه استوقفني أن الفحص مقيد بأن يتعلق بحكم صدر بعقوبة الإعدام أو السجن لمدة عشر سنوات فأكثر ، والحكم موضوع طلب الفحص ، وفقاً لتعديل محكمة الاستئناف العسكرية صدر بخمس سنوات فهل يعتد بهذا الحكم أم بحكم محكمة الموضوع – من حيث العقوبة- وتقرير قبول طلب الفحص من عدمه؟
في تقديري ما يعتد به عند النظر في القبول الشكلي لطلب الفحص هو الحكم الذي صدر ابتداءً لما يلي من أسباب.
أولاً : النصوص الإجرائية في قانون القوات المسلحة مستقاة مضموناً إن لم تكن نصاً من قانون الإجراءات الجنائية خاصة وأن الغرض من ممارسة سلطة الفحص هو سلامة الإجراءات وتحقيق العدالة أي أنها ليست قاصرة على صحة الحكم إدانة وعقوبة وفي الاستئناف متسع للطعن فيهما من جهة.
ثانياً: سلطة الفحص لم تقيدها المادة 130(2) بأحكام محكمة الاستئناف العسكرية إذ ورد النص على إطلاقه بتعميم عبارة - المحاكم العسكرية وإن اقتضى التدرج الهرمي للمحاكم بأن تفحص الأحكام أولاً وفقاً لنص المادة 130(1) وبعبارة أخرى ما تفحصه المحكمة العليا بموجب المادة 130(2) أحكام المحاكم العسكرية أن العقوبة ابتداءً هي الإعدام أو السجن لمدة عشر سنوات فأكثر.
أخلص مما تقدم إلى قبول طلب الفحص شكلاً عملاً بنص المادة 130(3) تعديل سنة 2013م . رغم الجهد الشخصي الذي بذل في هذه المحاكمة من الاتهام والدفاع ومحكمة الموضوع ومحكمة الاستئناف العسكرية المدعم بالحجج والأسانيد القانونية والفقهية فيما طرح فيما هو موضوعي يتعلق بالوقائع والقانون والبينة والمبادئ القانونية التي أرستها المحاكم أجدني مضطراً لتجاوز ذلك كله والوقوف عند مسألة إجرائية تتعلق بالاختصاص وهي مسألة سبق أن أثيرت أمام محكمة الموضوع عندما طلب الشاكي إحالة الدعوى للنظر أمام محكمة الطفل للاختصاص وقضت المحكمة العامة برفض هذا الطلب تأسيساً على أن المتهم يخضع لقانون القوات المسلحة وفقاً لنص المادة 4(أ) فضلاً عن أن المادة (185) وضعت اختصاصاً للمحاكم العسكرية بتطبيق القوانين العقابية الأخرى ومن ضمنها قانون الطفل فضلاً عن أن نص المادة 52(2) من القانون منح المحكمة العسكرية العامة اختصاصاً بنظر أي دعوى في مواجهة أي فرد خاضع لأحكام هذا القانون فضلاً عن أن الشاكي تابع للقوات المسلحة والجريمة المدعاة وقعت في منطقة عسكرية . لم تحظ هذه المسألة المتعلقة بالاختصاص بالمناقشة من محكمة الاستئناف العسكرية الموقرة.
لا خلاف أن المدان من منسوبي القوات المسلحة كذلك الشاكي وأن الوقائع التي شكلت اتهاماً تحت المادة 45(ج) من قانون الطفل وقعت في منطقة عسكرية غير أن خضوع المتهم لقانون القوات المسلحة لا يعني إطلاق القول بخضوعه للمحاكمة أمام محكمة عسكرية لأن هذا يحدد وفقاً لذات القانون وفقاً لنص المادة (49) تكون للمحاكم العسكرية سلطة الفصل في دعوى أفراد القوات المسلحة عن الجرائم التي تنسب إليهم أثناء أداء واجبهم أو بسببه . هذا وذاك يضافان لانتسابه للقوات المسلحة ولا يشكل انتسابه للقوات المسلحة وحده سبباً للاختصاص إذا لم يقع الفعل المخالف للقانون أثناء أداء الواجب أو بسببه وغني عن القول أن الواجب الرسمي حدده القانون بما تضمنه من مبادئ وضوابط وموجهات وبالتالي الخروج السافر عنها وارتكاب الفعل خارج مظلته ، وفي وقت لا يباشـر فيه عمله ومهامه الوظيفية حينئـذ لا تختص المحكمة العسكرية بمحاكمته إلا إذا شكل الفعل مخالفة لقانون القوات المسلحة فقط هذا من ناحيـة.
أما إذا ارتكب أثناء أداء واجبه الرسمي أو بسببه فعلاً عُدَّ جريمة هنا تختص المحكمة العسكرية بمحاكمته عنها وعن أي جريمة أخرى يكون قد ارتكبها بالمخالفة لأي قانون آخر.
ومن ناحية ثالثـة المجني عليها طفلة تخضع كافة الإجراءات الخاصة بها ما دامت قد تعرضت لانتهاك وارتكبت في حقها جريمة لقانون الطفل وهو قانون خاص على الرغم من أن قانون القوات المسلحة قانون خاص للأسباب التالية.
أولاً: قانون الطفل لسنة 2010م قانون لاحق تسود أحكامه فيما يتعلق بالطفل على قانون القوات المسلحة من جهة ووفقاً لنص المادة (3) منه التي نصت على أن تسود أحكامه على أي حكم في أي قانون آخر يتعارض معه تأويلاً لمصلحة الطفل إلى المدى الذي يزيل ذلك التعارض.
ثانياً: قانون الطفل نتاج اتفاقيات دولية وإقليمية بموجب أحكام المادة (27) من الدستور وتطبق هذه الاتفاقيات والمواثيق الدولية والإقليمية كتشريع وطني.
وغني عن القول أن إجراءات التحقيق والتحري والمحاكمة إجراءات خاصة غير تلك التي نص عليها قانون الإجراءات الجنائية أو أي قانون إجرائي آخر ووفقاً للمادة 65(1) تطبق الإجراءات الخاصة بالمحاكمة المنصوص عليها في هذا القانون وفي حالة عدم النص على أي مسألة إجرائية تتبع المحكمة قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا بشأن قضايا الأحداث وقواعد بكين التي يصدر بها منشور من رئيس القضاء.
لما تقدم من أسباب فإن محكمة الموضوع غير مختصة بنظر هذه الدعوى نوعياً إذ ينعقد الاختصاص لمحكمة الطفل وكان يتعين عليها ما دامت وقائع الدعوى كشفت عن وقوع جناية على طفلة تشكل مخالفة لنص المادة 45(ج) من قانون الطفل أن تحيل الدعوى لمحكمة الطفل للاختصاص نقول هذا دون حاجة للمناقشة والفصل في الأوجه الموضوعية التي ارتكز عليها الطلب أمامنا وبعد الوقوف على الجهد القانوني السخي الذي بذل في هذه المحاكمة دفاعاً واتهاماً ومحكمة الموضوع ومحكمة الاستئناف تغليباً للشكل وليس استغراقاً فيه بحسبان أن الأمر يتعلق بالاختصاص النوعي الذي يقتصر على محكمة بعينها دون المحاكم الأخرى ولا سبيل لتجاوزه وفقاً لنص المادة (206) إجراءات للطبيعة الخاصة لهذه المحكمة وللإجراءات الخاصة بها أيضاً لذا أرى أن يكون أمرنا النهائي هو:
1- إلغاء حكمي محكمة الاستئناف العسكرية وحكم المحكمة العامة – الخاصة – العسكرية.
2- يعاد القبض على المتهم ويبقى في حراسة وحدته.
3- توضع الأوراق أمام محكمة الطفل بالخرطوم للنظر.
القاضي: د. الأمين عوض الفكي
التاريخ: 1/12/2013م
أوافق للأسباب الضافية التي أبداها مولانا/ محجوب في مذكرته.
القاضي: د. سوسن سعيد شندي
التاريخ: 3/12/2013م
أتفق جملةً وتفصيلاً مع مذكرة مولانا الفاضل صاحب الرأي الأول وأضيف بأن المشرع قد قصد من سن قانون خاص للطفل أن يولي مصالح الطفل الاعتبار الأول في القضايا التي ترتكب في حقه أو هو مرتكبها نظراً لشخصية الطفل ، وقد اهتم المجتمع الدولي بالطفل كما جاء بمذكرة الرأي الأول وشرّعت الأسرة الدولية ممثلة في الأمم المتحدة مجموعة من القواعد والمبادئ والاتفاقيات التي تعنى بفئة الأطفال وقد احترمت الدولة هذه القواعد الدولية بالمصادقة عليها فقيام محكمة خاصة بالطفل للفصل في الدعاوى التي يكون الطفل طرفاً فيها اقتضت اتباع نهجٍ خاصٍ يتوافق مع القواعد والمبادئ الدولية لحماية شخصية الطفل المجني عليه وتقديم المساعدة بكل أنواعها حيث تولي محكمة الطفل اهتمامها لضمان إعطاء مصلحة المجني عليها الاعتبار الأول بتوفير واتخاذ إجراءات تضمن تطبيق القانون وترتيباً على ما تقدم ولسيادة أحكام قانون الطفل والذي نص على إنشاء محكمة خاصة بالطفل سواءً أكان مجنياً عليه أم جانياً أن تنظر الدعوى محكمة الطفل وليس المحكمة العسكرية حماية لحقوق المجني عليها وحصولها على محاكمة عادلة كما جاء بالرأي الأول.
الأمر النهائي:
1- إلغاء حكمي محكمة الاستئناف العسكرية والمحكمة العامة العسكرية.
2- إعادة القبض على المتهم ويبقى في حراسة وحدته.
3- توضع الأوراق أمام محكمة الطفل للنظر.
محجوب الأمين الفكـي
قاضي المحكمة العليا
ورئيس الدائرة
4/12/2013م

