حكومة السودان //ضد// ع خ ع
حكومة السودان //ضد// ع خ ع
نمرة القضية: م ع/ ط ج/569/2004م
المحكمة: المحكمة العليا
العدد: 2004
المبادئ:
قانون الجمارك لسنة 1986م - المصادرة - مصادرة وسيلة النقل المستخدمة في التهريب - تعريف المالك لوسيلة النقـل - المادة 198(2) من القانون
لم يقصد المشرع ( بمالك العربة المستخدمة في التهريب ) الشخص الذي يمتلك العربة فعلاً وإنما قصد بذلك الشخص الذي يقوم بالتهريب وتكون له وقت الفعل السيطرة والإدارة الكاملة على العربة بدرجة تسمح له باستخدامها لذلك الغرض والقول بغير هذا يفتح المجال واسعاً لكل وسيلة نقل تستخدم في التهريب بلافلات من المصادرة
رأي مخالف:
لا يمكن قانوناً إلحاق صفة المالك للعربة التي استعملت في جريمة التهريب بالمتهم المدان (غير المالك) وتوقيع عقوبة المصادرة أو الغرامة عليه
ملحوظة محرر:
تأيد الحكم في المراجعة رقم 121/2005م
الحكم:
المحكمة العليا
القضاة:
سعادة السيد/ سليمان محمــد شايب قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد / الباقـر عبد الله علـي قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / محمود محمد سعيد أبكم قاضي المحكمة العليا عضواً
الحكــم
القاضي: محمود محمد سعيد أبكم
التاريخ: 29/10/2004م
مثل أمام محكمة الجمارك الجنائية الخرطوم المتهمان الأول ع خ ع والمتهم الثاني خ م ح بموجب إجراءات المحاكمة غ أ/100/2004م تبعاً للاتهام المنسوب إليهما بمخالفة المواد 198و199 من قانون الجمارك لعام 1986م يتلخص الاتهام في مواجهتهما أنه قد تم القبض على المتهم الأول وهو يقوم بإدخال أشرطة كاسيت وعقاقير طبية للاستخدام الأدمي إلى الخرطوم كان ينقلها على العربة لاندكروزر المرخصة بالرقم خ ش/2151/ز لم يكن لدى المتهم الأول المستندات اللازمة لاستيراد البضاعة موضوع الاتهام ولا المستندات الخاصة بشرائها
بعد سماع قضيتي الاتهام والدفاع خلصت محكمة الجمارك الخرطوم إلى قرار بإدانة المتهم الأول بمخالفة المواد 198(1) و (ب) والمادة 199(ب) و 198(1) من قانون الجمارك والمادة 55(1) مقروءة مع المادة 9(1) من قانون الصيدلة والسموم لعام 2001م وفقاً للجدول الملحق به قررت المحكمة كذلك براءة المتهم الثاني من التهمة التي وجهتها إليه بمخالفة المادة 198(2) من قانون الجمارك أو أي تهمة أخرى بعد أن اقتنعت المحكمة بصحة ما ذهب إليه المتهم الثاني من أنه مالك للعربة التي استخدمت في نقل البضائع المهربة وأنه قد قام بتأجيرها للمتهم الأول دون علم من جانبه بقيام المتهم الأول باستخدام العربة في أغراض التهريب
تبعاً لإدانة المتهم الأول وبديلاً عن مصادرة العربة بوصفها وسيلة النقل المستخدمة في التهريب قررت المحكمة توقيع عقوبة بالغرامة على المتهم الأول مساوية لقيمتها والتي جاءت وفقاً لتقدير سلطات الجمارك بمبلغ 706/458/2 ديناراً وأمرت بتحصيلها في حالة عدم سدادها وفقاً لنص المادة 198 من قانون الإجراءات الجنائية لعام 1991م وللإدانة بموجب المواد الأخرى بقانون الجمارك وقانون الصيدلة والسموم وقعت المحكمة على المدان عقوبة بالغرامة قدرها 100000 دينار يسجن في حالة عدم سدادها لستة أشهر تبدأ من 26/6/2004م أمرت المحكمة بمصادرة البضائع المهربة
تم استئناف الحكم لدى محكمة الاستئناف الخرطوم تحت القيد أ س ج/894/2004م وأصدرت محكمة الاستئناف قرارها بتأييد الإدانة والعقوبة الصادرة بحق المتهم لمخالفته للمواد المتعلقة بقانون الجمارك وقانون الصيدلة والسموم إلا أن محكمة الاستئناف قامت بإلغاء العقوبة بالغرامة المساوية لقيمة العربة التي استخدمها المدان في نقل البضائع المهربة ذاهبة إلى القول بأن المادة 198(2) من قانون الجمارك لعام 1989م تنص على أن يدفع مالك العربة غرامة لا تقل عن قيمتها بديلاً عن مصادرتها والمتهم الأول المدان ليس مالكاً للعربة وإنما مستأجر لها وبالتالي ذهبت محكمة الاستئناف إلى القول بأنه لا يمكن قانوناً إلحاق صفة المالك للعربة بالمتهم المدان وتوقيع عقوبة المصادرة أو الغرامة عليه
تقدمت أمامنا سلطات الجمارك بمذكرة للطعن في قرار محكمة الاستئناف الجزء المتعلق منه بوسيلة النقل المستخدمة في التهريب وتستند مذكرة الطعن إلى القول بأن المادة (2) من قانون الجمارك تعرف (مالك وسيلة النقل) بأنه أي شخص يكون وكيلاً عن المالك أو يكون مفوضاً عنه في استلام أجرة النقل وأنه استناداً إلى هذا التعريف ينطبق ما أورده على المتهم المدان وبالتالي تصبح العقوبة التي وقعتها محكمة الجمارك في مواجهته متعلقة بوسيلة النقل أشارت مذكرة الطعن إلى السابقة القضائية حكومة السودان ضد أحمد أوكير وآخرين مجلة الأحكام القضائية 1992م ص 145 بموجب هذا تطلب إلينا مذكرة الطعن التدخل لإلغاء حكم محكمة الاستئناف وأن يُستبدل به حكمُ يقضي باستعادة ما وقعته محكمة الموضوع من عقوبة متعلقة بالعربة نتيجة لاستخدامها كوسيلة نقل للبضائع المهربة
وباستقراء ما ورد من بينات للاتهام وما اعتمد عليه المتهم المدان من أنه ليس مالكاً للعربة التي استخدمت كوسيلة للنقل وإنما مستأجر لها فقط أرى ودون أدنى درجة من الشك القول بأن المتهم المدان وقت ارتكاب الفعل واستخدامه للعربة كوسيلة للنقل كانت العربة تحت سيطرته وإدارته بدرجة سمحت له استخدامها كوسيلة للنقل للبضائع المهربة لا ينفي عن العربة هذه الصفة القول بأن المدان ليس مالكاً لها إذ إن العربة وقت الفعل كانت تحت سيطرته وإدارته
أجد السند في ما ذهبت إليه في مبادئ تفسير القانون والبحث عن قصد المشرع والذي يستوجب على المحكمة أن لا تقوم بتفسير القانون بطريقة تقوض ما رمى إليه المشرع من سياسة عقابية يدخل في الاعتبار كذلك المبدأ القانوني الذي يلزم المحكمة بالتخلي عن التفسير الحرفي للقانون إن كان من شأن ذلك أن يقود إلى موقف يخالف ذاك الذي رمى إليه المشرع
واضح أن المشرع لقانون الجمارك قد قصد أن تطال العقوبة وسيلة النقل المستخدمة في التهريب وحدد لذلك حالتين أولاهما المصادرة والثانية تفادي المصادرة إن قام مالك العربة بدفع قيمة العربة كغرامة لسلطات الجمارك عند ثبوت قيام العربة بنقل البضائع المهربة
مهتدياً بما أوردت من مبادئ تحكم تفسير القانون في هذا الوضع لا يمكن القول بأن المشرع قد قصد (مالك العربة) بمعنى الكلمة الحرفي إذ قد ينشأ وضع يكون فيه مالك العربة بعيداً كل البعد عن الفعل الجنائي موضع المحاكمة وعن استخدام العربة كوسيلة لنقل البضائع المهربة التمسك بحرفية ما جاء في القانون في وضع كهذا يفتح مجالاً واسعاً لعدم تطبيق ما أورده القانون بشأن العربة التي استخدمت كوسيلة لنقل البضائع المهربة وقد يفتح هذا مجالاً لأي صاحب مصلحة في العربة لتفادي النص القانوني بإجراء شكلي مثال ذلك القول بوجود عقد إيجاره للعربة بينه وبين من استخدمها كوسيلة للنقل يقوض هذا بوضوح تام ما رمى إليه المشرع من سياسة عقابية قصد بها أن تشمل حتى وسيلة النقل المستخدمة في التهريب
يقودني ما أوردت إلى القول بأن المشرع لم يقصد (مالك العربة) الشخص الذي يمتلك العربة فعلاً وإنما قصد بذلك الشخص الذي يقوم بالتهريب وتكون له وقت الفعل السيطرة والإدارة الكاملة على العربة بدرجة تسمح له باستخدامها لذلك الغرض القول بغير هذا يفتح المجال واسعاً لكل وسيلة نقل تستخدم في التهريب من أن ينالها ما نص عليه القانون بشأنها
تبعاً لهذا أرى أن قرار محكمة الاستئناف بإلغاء عقوبة الغرامة المساوية لقيمة العربة لا سند ولا صحة له مما يستوجب تدخلنا لإلغائه
أرى أن يصدر قرارنا بإلغاء قرار محكمة الاستئناف موضع الطعن وأن يُستبدل به حكمُ يقضي باستعادة حكم محكمة الموضوع والعقوبة بالغرامة التي وقعتها على المدان
القاضي: الباقر علي عبد الله
التاريخ: /10/2004م
مع احترامي لرأي مولانا/ محمود إلا أني أرى أن النص قد حدد المالك وعرفه وفقاً لما ذكرته محكمة الاستئناف وقد جرى العمل على قاعدة تفسير الشك لصالح المتهم سواء كان في أخذ الوقائع أو تفسير غموض أي نص جنائي استناداً إلى متطلبات قاعدة المشروعية الجنائية ولا أميل إلى الأخذ بالقصد الخفي للمشرع للوصول إلى إدانة المتهم جنائياً وإن كان يمكن تطبيق تلك القاعدة فـي القوانين الأخـرى لأنـَّنا مقيدون بقاعـدة لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص والنص هو كما جاء تشريعاً وإذا تخلينا عن التفسير الحرفي كما ذكر مولانا/ العالم محمود فإنه ينبغي أن يكون ذلك لمصلحة المتهم وليس لمصلحة الاتهام
أيضاً أن السيطرة والإدارة لوسيلة النقل ليس من أركان الجريمة وقد عرفت المادة (2) كلمة مالك بالنسبة لأي وسيلة نقل أي شخص بصفته وكيلاً عن المالك أو يكون مفوضاً فيه في استلام أجرة النقل أو أي رسوم متعلقة بذلك تكون مستحقة الدفع وهذا ما لم يرد في وقائع هذا البلاغ ولم يثبته الاتهام ولا أظن من العدل أن تصادر عربة شخص آخر قام بتأجيرها لشخص استخدمها في التهريب ولا يمكن ربطه بأي وسيلة بوقائع هذا البلاغ ( ولا تَزِرُ وازرة وزر أخرى )
لذلك ومع احترامي لرأي مولانا/ محمود كنت أرى تأييد حكم محكمة الاستئناف المطعون فيه والرأي لصاحب الرأي الثالث
القاضي: سليمان محمد شايب
التاريخ: 4/11/2004م
بعد المراجعة والاطلاع على سائر الأوراق وعلى نص المادة (2) من قانون الجمارك لسنة 1986م تعديل لسنة 1992م) والخاصة بالتفسير والتي عرفت كلمة (مالك) بالآتي ) … كما تشمل بالنسبة لأي وسيلة نقل أي شخص بصفته وكيلاً عن المالك أو يكون مفوضاً منه في استلام أجرة النقل ----كذلك على السابقة القضائية ( حكومة السودان /ضد/ أحمد أوكير محمد وآخرين بالرقم /م ع/ف ج/65/1992م ( مجلة الأحكام القضائية السودانية 1992م ص 125) وجدتها تنص على أنه :
1- المادة (2) من قانون الجمارك والتي فسرت كلمة مالك أدخلت السائق في معنى المالك وبالتالي تجوز مصادرة وسيلة النقل المستعملة في التهريب حتى ولو لم يعلم المالك الأصلي أو وكيله بالمخالفة
2- إن استبدال عقوبة مصادرة وسيلة النقل المستعملة في جريمة التهريب بالغرامة سلطة تقديرية للمحكمة الخ……
وبناء على ذلك كله أرى أن حكم محكمة الموضوع قد صادف صحيح القانون ولذلك أذهب غلى الاتفاق مع أخي العالم محمود أبكم في رأيه الأول أسباباً ونتيجة وأرى معه بأن كلمة ( مالك ) الواردة في المادة (2) جمارك المشار إليها تشمل المتهم الأول المدان وبالتالي فإن إدانته تحت مواد الاتهام كلها قد جاءت خلف مرحلة الشك المعقول كما أن محكمة الموضوع قد مارست سلطتها التقديرية في استبدالها لعقوبة مصادرة العربة موضوع الدعوى الجنائية بالغرامة موضوع هذا الطعن بطريقة قانونية صحيحة ويجب أن تجد منا التأييد والإشادة بمستوى فهمها القانوني الجيد ولكل ذلك أيضاً أتفق مع أخي العالم محمود أبكم في أن نذهب إلى إلغاء قرار محكمة الاستئناف المقدم ضده الطعن وأن نستبدل به قراراً يقضي باستعادة حكم محكمة الموضوع والعقوبة بالغرامة التي وقعتها على المتهم المدان
الأمر النهائي:
1- يلغى التدبير القضائي الذي أصدرته محكمة الاستئناف الخرطوم والمقدم ضده هذا الطعن
2- يستعاد حكم محكمة الموضوع وكذا تستعاد عقوبة الغرامة التي وقعتها على المتهم الأول المدان
سليمان محمد شايب
قاضي المحكمة العليـا
رئيس الدائرة
4/11/2004م

