حكومة السودان ضد عبد المنعم عثمان علي حامــد
المحكمــة العليــا
القضــاة:
سعادة السيد عمر بخيــت نائب رئيس القضاء رئيساً
سعادة السيد حسن علي أحمد قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد الأمين محمد الأمين قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد عبد المنعم عثمان علي حامــد
م ع/ط ج/148/1981م
المبادئ:
- قانون جنائي- تسبيب الأذى عمدا لانتزاع اعتراف من المتهم- المادة 282 من قانون العقوبات
- إثبات – وزن التقرير الطبي في الإثبات إذا تضمن نتيجة الإصابة دون الوصف
1- يعتبر التقرير الطبي معيباً إذا لم يتضمن وصف الإصابات وانما تضمن النتائج في حين أن مدخل قبوله هو الوصف ثم ترتيب النتائج على الرغم من صحة التقرير شكلا لصدوره من طبيب من أطباء حكومة السودان
2- التلازم بين تسبيب الأذى عمدا والغرض من إحداثه لانتزاع اعتراف من المتهم أو معلومات قد تفضي إلى الكشف عن الجريمة أو الإكراه على رد مال أمر ضروري لتوافر أركان الجريمة تحت المادة 282 (1) من قانون العقوبات
المحامــون: الأستاذ حسين عثمان وني عن المتهم
الحكــــم
30/8/1981
القاضي : عمــر بخيـت العـوض:
هذا طلب للطعن ضد القرار الذي أصدرته محكمة الاستئناف والذي أيدت بموجبه قرار إدانة المتهم تحت المواد 278 288 من قانون العقوبات ولكنها ألغت قرار قاضي المديرية الذي خفف بموجبه السجن إلى سبعة أيام وأمرت باستعادة عقوبة السجن التي أنزلتها محكمة الجنايات على المتهم
وتتلخص وقائع القضية في أن المجني عليه قد قبض عليه في بلاغ سرقة وكسر وكان والد المتهم بشمبات ولما كان المجني عليه من أفراد قوات الشعب المسلحة فقد أمرت سلطات الشرطة بتسليمه لوحدته عن طريق الشرطة العسكرية وتصادف أن كان المتهم هو الضابط العظيم في ذلك اليوم وذهب لشرطة شمبات لاستلام المجني عليه وفي الطريق اتجه به إلى كرري حيث أودعه السجن الحربي بعد أن أمر بعض أفراد السجن الحربي بوضع الكلبش في يدي المتهم وتعليقه
وتم ذلك في مرتين أغمي على المجني عليه مرة حتى سكب الماء البارد على وجهه فاستعاد وعيه وقد ترك الكلبش جروحاً بسيطة وتورما بأيدي المجني عليه
لإثبات هذه الواقعة قدم الاتهام المجني عليه كأول شهوده ثم الجنود الذين وضعوا الكلبش في يدي المتهم والذين اشرفوا على تعليقه كما قدم الاتهام مستند اتهام (1) وهو قرار طبي يوضح الإصابات التي لحقت بالمجني عليه ثم مستند اتهام رقم (2) صادر من طبيب ويوضح أن المجني عليه ظل يعاني مدة ستة أسابيع من شلل بيده حتى تم شفاؤه بعد تلك المدة
الأستاذ الطاعن يدفع ببطلان قبول مستند الاتهام (2) في الإثبات دون حضور الطبيب الذي حرره كما يعترض على الإدانة مدعياً أن الاتهام لم يقدم بينة قاطعة الدلالة لإدانة المتهم ومن ثم يطلب إلغاء قرار الإدانة وإطلاق سراح موكله
وللفصل في الطلب نرى أن الاتهام قد نجح في إثبات أن المتهم أمر بوضع الكلبش في يد المجني عليه كما أمر بتعليقه وأن ذلك قد سبب للمجني عليه أذى بسيطاً حسب أقوال شهود الاتهام الأول الذي شاهد آثار الإصابات على يدي المتهم والثاني وهو المجني عليه الذي وقعت عليه الإصابات والثالث هو جون وول بيتر من الشرطة العسكرية الذي شهد بأنه اشترك في وضع الكلبش وتعليق المجني عليه وأنه تعب من ذلك وأنه علق لكي يعترف ولكنه لم يعترف بارتكابه لأي جريمة (صفحة 7)
كما شهد شاهد الاتهام الرابع الجندي عثمان قاي ملك بأن المتهم أمرهم بوضع كلبش وتعليق المجني عليه لكي يعترف بالسرقة وأنهم فعلوا ما أمروا به وأن المجني عليه تعب ولم يعترف بشيء وعند إنزاله كان متعباً وعلى يديه تورم واضح (صفحة 9) ثم شهد الجندي حامد غبوش من الشرطة العسكرية مؤيداً بقية الشهود ونافياً عن نفسه الاشتراك مع بقية الجنود بل كان يراقب من قرب ما يحدث
وأخيراً فإن المتهم نفسه قد اعترف في استجوابه أمام المحكمة بالأمر على الصفة التي أوردها شهود الاتهام إلا أنه قرر أن الاعتراف كان مطلوباً لإثبات العبارات التي تفوه بها المجني عليه أمام مكتب الشرطة والتي تخلو من الانضباط العسكري
وإذا أضفنا إلى ذلك ما ورد في مستند الاتهام رقم (1) فإننا أمام حقيقة واضحة لا مراء فيها أن المجني عليه وضع في الكلبش وعلق ليعترف بجريمة سواء كانت جريمة سرقة أو عدم الانضباط العسكري حسب زعم المتهم فالأمر كله كان يدور من أجل الحصول على اعتراف بارتكاب الجريمة
كما أن الاتهام قد اثبت الحد الأدنى من الأذى حسب رواية شهود الاتهام وحسب القرار الطبي مستند رقم (1)
أما عن النقطة الثانية وهي مستند الاتهام رقم (2) فإننا نبادر بالأخذ بوجهة نظر الطاعن من أن التقرير الطبي الذي يقبل في الإثبات يجب أن يكون حسب الفقرة 3 من المادة 228 من قانون الإجراءات الجنائية قاصراً على وصف الإصابات التي لحقت بالمجني عليه أو بيان أسباب الوفاة
والحالة التي تعيننا هي بيان وصف الإصابات التي لحقت بالمجني عليه والتي لم يتعرض لها التقرير بل تعرض للآثار التي ربما تكون نتيجة للإصابة وهي الشلل إذ ربما كان نتيجة لخلل ما في جسم المجني عليه أو قد يكون سببه إصابة من فعل المتهم وقد يكون سببه شيئاً آخر وفق ما يقرر المختصون ولهذا كان على المحكمة في هذه الحالة أن تستدعي الطبيب الذي قرر ذلك المستند لإثبات حالة الشلل ثم لإثبات صلتها بنشاط أو فعل المتهم الذي ورد في التقرير الطبي مستند اتهام (1)
إن المحاكم الأدنى قد أخطأت في إعطاء مستند (2) وزناً قانونياً في الإثبات بالرغم من قبوله شكلاً لصدوره من طبيب من أطباء السودان ولكنه معيب من حيث أنه لم يتضمن وصفاً للإصابات وإنما تضمن النتائج وهي الشلل في حين أن مدخل قبوله هو الوصف ثم ترتيب النتائج على الوصف وعليه في هذه المرحلة نقرر عدم قبول مستند الاتهام رقم (2) لإثبات وصف الإصابات ويبقى لدينا فقط مستند الاتهام (1)
وبالرجوع إلى قرار الإدانة نرى أن المحاكم الأدنى اتخذت منحىً مائلاً عن التكييف الصحيح للجريمة حيث أنها قصرت نفسها على إثبات حدوث الأذى بسيطا وجسيما وغفلت عن الغرض الذي من أجله وقع ذلك الأذى وهو الحصول على اعتراف بارتكاب جريمة
أن التلازم بين الأذى والغرض من أحداثه قد أفرد له المشرع جريمة خاصة في المادة 282 من قانون العقوبات والتي تعاقب على تسبيب الأذى قصداً لانتزاع الاعتراف أو الإكراه على رد مال
وقد سبق لنا الإشارة إلى أن المتهم قد أمر شهود الاتهام بوضع الكلبش وتعليق المتهم لكي يعترف بالسرقة وفقاً لرأي شهود الاتهام وهو الأقرب للصواب بسبب أنه يتفق مع الاتهام ويتفق مع السرقة التي وقعت على دكان والد المتهم وليس من المعقول أو المقبول عقلاً أن يتسلم المتهم وهو ضابط عظيم متهما دون أن يعرف التهمة الموجهة إليه
أو ربما تم تعليقه وتسبيب الأذى بسبب رغبة المتهم في أن يعترف المجني عليه بجريمة تتعلق بعدم الانضباط العسكري وهو الأمر الذي لم نصدقه وإن كانت النتيجة واحدة هي أن الأذى لحق بالمجني عليه للحصول على اعتراف منه بجريمته
وعليه فإن الإدانة يجب أن تكون تحت م 282/1 من قانون العقوبات لثبوت الأذى البسيط تحقيقاً للحصول على اعتراف بوقوع جريمة
ولما كانت الجريمة الواقعة 182/1 يعاقب عليا بالسجن سبع سنوات وأن العقوبة المقررة للجريمة تحت م 278 عقوبات هي أيضاً سبع سنوات وأن الوقائع ثبتت أمام المحاكم الأدنى هي نفس الوقائع وأن المحاكم الأدنى كان بمقدورهما توجيه نفس التهمة لهذا فإننا بناء على المادة 256/ج من قانون الإجراءات الجنائية تعطيل الإدانة لتكون تحت م 282/1 بدلا من المادة 278 عقوبات
أما الاتهام تحت م 288 عقوبات فليس هناك بينة تسنده لأن المتهم قد تسلم المجني عليه من الشرطة لتسليمه لوحدته وهو تحت القبض فإن المتهم لم يعتقل المجني عليه اعتقالا غير مشروع ولهذا نرى إلغاء الاتهام تحت المادة م 288 عقوبات
أما عن العقوبة فإن الجريمة التي ارتكبها فهي من الجرائم الخطيرة لمساسها بجسم الإنسان وبحكم سيادة القانون والأمر الأخير ينبغي أن ينظر إليه بكل تشدد دون ميل للتسامح لأن انهيار سيادة القانون معناه الانهيار التام لكل قواعد المجتمع ويزيد من تشديد العقوبة أن المتهم رجل ينتمي لقوات الشعب المسلحة وهي قوة ذات انضباط عال لا يسمح لأفرادها بالعبث بحكم القانون وسيادة الهوى مثل ما فعل المتهم لكي يحصل على اعتراف بجريمة وقعت على دكان والده وهذا مدخل للفساد عندما تتداخل المصالح الذاتية مع تنفيذ القانون
وبالرغم من كل ذلك فإننا نرى تخفيف العقوبة بالسجن لمدة شهرين بدلاً من الثلاثة شهور التي وقعتها محكمة الجنايات كما نرى تخفيف الغرامة لتكون ثلاثمائة جنيه وبالعدم يسجن شهرين
وعليه نرى إصدار التالي:-
1- إلغاء الإدانة تحت المادة 278 والمادة 288 عقوبات
2- إصدار قرار بالإدانة تحت المادة 282/1 عقوبات
3- تخفيف عقوبة السجن إلى شهرين وتخفيف الغرامة إلى ثلاثمائة جنيه وبالعدم السجن شهرين
30/8/1981
القاضي الأمين محمد الأمين:
أوافــق
30/8/1981
القاضي حسن على أحمـد:
أوافــق

