حكومة السودان ضد عبد الله محمد حسين
المحكمــة العليــا
القضــاة:
سعادة السيد مهدي الفحل نائب رئيس القضاء رئيساً
سعادة السيد حسن علي احمد قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد أحمد التجاني عبد الهادي قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد عبد الله محمد حسين
م ع/ط ج/48/1981م
المبادئ:
- إثبات – عبء إثبات السبب المعقول على المتهم- العجز عن الوفاء بالعبء – أثره
- قانون جنائي – السبب المعقول لوقف الشيك مسألة وقائع لا قانون – يختلف باختلاف ظروف كل قضية
1- استقر القضاء على تفسير السبب المعقول بأنه الأساس الذي يعتمد عليه المتهم في إيقاف الشيك وأنه ينبغي النظر إلى الوقائع دون القانون لتقرير صحة مثل ذلك التصرف وفق ظروف كل قضية
2- إن ما توصلت إليه المحكمة الكبرى والأغلبية بمحكمة الاستئناف من أن المهم قد عجز عن إثبات ما زعمه من أنه كان لديه سبب معقول لإيقاف صرف الشيك لهو استنتاج تسنده البينات التي قدمت ومن ثم فإن الحكم بإدانة المتهم موافق للقانون
المحامون – علي محمود حسنين وسعد ناجي عن المتهم
الحكـــم
30/3/1981
القاضي – مهدي الفحــل:
وجه المتهم عبد الله محمد حسين بتهمة تحت المادة 362(ب) من قانون العقوبات بأنه حرر شيكين هما الشيك رقم 404446 بمبلغ ثلاثين ألف جنيه ويستحق الدفع في 29/1/1978 والشيك رقم 404448 بمبلغ خمس وعشرين ألف ويستحق الدفع في 30/1/1978 للشاكي إبراهيم عثمان محمود لقاء مبالغ استلمت منه وعند تقديم الشيكين للصرف أعيدا لأن المتهم أوقف الصرف ودون سبب معقول
وبعد سماع البينات أدانت المحكمة الكبرى المنعقدة بأم درمان برئاسة القاضي عبد الله حسن عثمان المتهم تحت المادة 362(ب)(ج) من قانون العقوبات وأصدرت في 29/3/1980 عقوبة بتغريم المتهم مبلغ خمس وخمسين ألفا ومائة وخمسين جنيها أو بالسجن لمدة أربع سنوات في حالة عدم الدفع كما أمرت المحكمة بأن يعوض الشاكي أن دفعت الغرامة بمبلغ خمس وخمسين ألف جنيه قيمة الشيكين الموقوفين
تقدم محاميا المتهم الأستاذان على محمود حسنين وسعد ياجي باستئناف ضد قرار الإدانة لمحكمة الاستئناف فرأى القاضي مكي عثمان الذي أبدى الرأي الأول أن الإدانة ينبغي أن تلغي بينما أبدى القاضي عبد العاطي عبد الوهاب الأسد الذي كتب الرأي الثاني أبدى في مذكرة مطولة حوت حوالي اثنتي عشرة صفحة رأيا مغايراً خلص فيه إلى أن إدانة المتهم صحيحة وينبغي تأييدها وأن العقوبة مالت إلى التخفيف الشديد وأنه لولا أن ذلك سوف يؤدي إلى مزيد من التعطيل في الفصل لاقترح أن تزداد العقوبة بعد الاستماع للمتهم تحت المادة 260 من قانون الإجراءات الجنائية وختم القاضي عبد العاطي مذكرته بأنه لا ينبغي التدخل
عرضت الأوراق على عضو الدائرة القاضي عبد المنعم الخضر فأيد ما ذهب إليه زميله عبد العاطي وهكذا أيدت محكمة الاستئناف بالأغلبية القرار الذي أصدرته المحكمة الكبرى
أمامنا يطعن الأستاذان علي محمود وسعد ياجي في صحة الإدانة ويوردان في مذكرة مطولة الأسباب التالية:
1- بما أن القضاء استقر على أن السبب المعقول هو الأساس الذي يعتمد عليه المتهم في إيقاف الشيك كشخص عاقل ورشيد فإنه ينبغي النظر إلى الوقائع دون القانون لتقرير صحة مثل ذلك التصرف وفق ظروف كل قضية
2- في هذه القضية ليس هنالك خلاف في تحرير المتهم للشيكين للشاكي بعد أن استلم منه قيمتهما ولا خلاف في أن المتهم قد أوقف صرف الشيكين ولكن سبب الإيقاف هو أن المتهم قد سدد المبالغ للشاكي ولوكيل له يدعى التوم الفكي وأن الشاكي حينما حاول أن يستغل وجود الشيكين ويقوم بصرفهما رغم استلامه للمبلغ أوقف المتهم الصرف
3- أن المتهم قدم خمسة شهود يؤكدون أن المتهم قد استلم المبالغ بواسطة مندوبه التوم الفكي في القاهرة
4- رغم أن المتهم قد سبق أن فتح بلاغاً بسرقة الشيكين وبعد إلقاء القبض على الشاكي وبعد استكمال الإجراءات اتضح أن البلاغ غير صحيح فإن الذي دفع المتهم لهذا الفعل هو أنه كان يخشى أن يقع تحت طائلة القانون متهماً بالتهريب إن ذكر الحقيقة بأن المبالغ المستلمة بواسطته في السودان سوف تسدد للشاكي في مصر وأن المتهم بعد النصح القانوني عاد وأقر بالحقيقة كما هي:
لقد ناقشت كل من المحكمة الكبرى ومحكمة الاستئناف الوقائع بإسهاب ووصلت إلى القطع بأن المتهم لم يكن لديه سبب معقول لإيقاف الشيكات وإن لم يقم بدفع المبالغ التي زعم بأنه دفعها في مصر وأيد تجنيه على الشاكي واتهامه له بالسرقة يعضد القول بعدم صدق رواياته
ولقد تعرضت المحكمة الكبرى لشهادة شهود الدفاع واحدة تلو الأخرى وناقشتها ووصلت إلى قرارها بأنها شهادات متناقضة ومتضاربة مع بعضها ولم تصدقها أو تقبلها المحكمة فإذا ما أضيف إلى هذا تضارب أقوال المتهم وعدم صدقه منذ البداية مع اعتبار أنه عندما كان الشاكي قد اتهم بالسرقة وتعرض للتحقيق حتى برئت ذمته كان لدى المتهم محام ولم يكن فاقداً للمشورة القانونية فإن النتيجة الحتمية هي إدانة المتهم تحت المادة 362(ب)(ج) من قانون العقوبات
إننا كمحكمة عليا كمحكمة نقض تختص بتفسير وتأويل القانون لم نجد في الإجراءات التي أمامنا ما يوجب التدخل ولم نجد خطأ في تفسير وتأويل القانون كما أننا لم نجد فيما توصلت إليه المحاكم الأدنى من وقائع ما يحمل على القول بأن ما استنتج من وقائع كان ضد ثقل وزن البينات بل أن ما توصلت إليه المحكمة الكبرى والأغلبية بمحكمة الاستئناف من أن المتهم قد عجز عن إثبات ما زعمه من أنه كان لديه سبب معقول لإيقاف صرف الشيك لهو استنتاج تسنده البينات التي قدمت والتي أوضحت أن المتهم قد بدأ برواية مزيفة عندما ادعى أن الشيكات قد سرقت منه وعرض الشاكي لمتاعب وإجراءات بوليسية وقضائية وعندما برئت ذمة الشاكي أتى المتهم برواية غير صحيحة حينما دفع بأنه سدد المبالغ وأتى بشهود دفاع وجدت محكمة الموضوع أن أقوالهم متناقضة وغير متسقة إن ما توصلت إليه المحاكم الأدنى تسنده البينات
وعليه أرى أن نرفض طلب الطعن ونؤيد قرار المحكمة الكبرى الذي أيدته محكمـة الاستئناف
21/4/1981
القاضي أحمد التجاني عبد الهادي:
المتّهم عبد الله محمد حسين مثل أمام محكمة كبرى عقدت بامدرمان برئاسة القاضي حسن عثمان ليواجه تهمة إيقاف شيك حرره للشاكي وبتاريخ 29/3/1980 أدانته المحكمة تحت المادة362 د ب الفقرة "ج" من قانون العقوبات وحكمت عليه بغرامة قدرها 55150 جنيه وبعدم الدفع يسجن لمدة 4 سنوات على أن يدفع مبلغ 55 ألف جنيه غرامة تعويضاً للشاكي أيدت محكمة الاستئناف الحكم بتاريخ 1/3/1981 ومن ثم تقدم لنا محامي المتهم بهذا الطعن بالنقض في قرار محكمة الاستئناف وحتى تكتمل صورة هذا الطعن لابد من التعرض لما حدث قبل هذا البلاغ ضد المتهم
بتاريخ 11/3/1978 تقدم المتهم عبد الله – محمد حسين ببلاغ لشرطة أم درمان بأن المتهم (الشاكي الآن) إبراهيم عثمان محمود قد سرق منه ثلاث شيكات فتح بلاغ ضد المتهم إبراهيم عثمان محمود بموجب المادة 322 عقوبات وقد دفع المتهم بوجود معاملات تجارية بينه وبين الشاكي وأنه استلم الشيكات بمقابل بتاريخ 17/2/1979 تم إجراء التحقيق القضائي مع المتهم إبراهيم عثمان محمود وبتاريخ 29/3/1979 شطب البلاغ ضده وتأيد ذلك أمام محكمتي المديرية والاستئناف
بتاريخ 16/3/1978 فتح الشاكي إبراهيم عثمان محمود بلاغاً ضد المتهم عبد الله محمود حسين يتلخص بأن المتهم حرر شيكين بمبلغ 55 ألف جنيه وعند استحقاق الصرف أوقف الشيكين وفتح بلاغ للمتهم بموجب المادة 362(ب) الفقرة "ج" من قانون العقوبات
قدم المتهم للمحكمة كبرى وصدر الحكم المشار إليه آنفاً موضوع الطعن الأسباب التي اعتمد عليها محامي الطاعن تنحصر في الآتي:
1- أخطأت المحكمة عندما فسرت السبب المعقول في إيقاف الشيك حسب الفقرة "ج" من المادة 362(ب) من قانون العقوبات وأشار القاضي إلى قضية حكومة السودان ضد محمد عدنان علي (نشرة الأحكام الشهرية أغسطس وسبتمبر سنة 1978 صفحة 82)
يرى أن المتهم له الحق في وقف صرف الشيكات لأنه قدم من البينات ما يثبت أنه دفع قيمة الشيكات للشاكي
2- رغم أن المتهم أدلى بأقوال كاذبة فإن المحكمة أخطأت عندما رفضت أقوال الشهود الذين أثبتوا واقعة السداد وأن سبب كذب المتهم فيما يختص بهذه المبالغ مرده خشية المتهم من فتح بلاغ ضده بالتهريب
3- أخطأت المحكمة عندما اعتمدت على أقوال الشاكي والمتحري فقط وهذه بينة دحضها شهود الدفاع
تطرق السيد محامي المتهم الطاعن إلى نقطة لا نقرها ولا نوافق عليها وهو ما أشار إليه السيد القاضي عبد العاطي الأسد كان منفعلا عندما كتب مذكرته الأغلبية لأنه غضب من شكوى محامي الطاعن لنائب رئيس القضاء لتأخير الفصل في الاستئناف
نحن نربأ بقضاتنا أن يصدروا أحكامهم من منطلقات شخصية متغاضين عن أسس العدالة ونرجو ألا يكون السيد على محمود محامي الطاعن قد قصد ذلك
قبل أن نتعرض للأسباب التي أثارها محامي الطاعن نرى من الأجدر أن نتطرق إلى التعديل الذي جرى على قانون الجزاء السوداني فيما يتعلق بمعاملات الشيكات لقد كان قانون عقوبات السودان قبل سنة 1929 خلوا من أية مادة تجرم مخالفات الشيكات أو تجعلها مخالفة جنائية وفي سنة 1969 وبموجب القانون رقم 33/1969 أدخل المشرع السوداني المادة 362"ب" حيث جعل إعطاء الشيك بدون رصيد جريمة ثم أعيدت المادة 362"ب" من قانون العقوبات الحالي سنة 1974
يتطرق السيد رئيس القضاء خلف الله الرشيد في قضية حكومة السودان ضد محمد عدنان علي (م ع/ط ج/132/1978) المنشورة في نشرة الأحكام الشهرية أغسطس سبتمبر 1978
إلى الخلاف بين المادتين في تعديل سنة 1969 وبين المادة في قانون سنة 1974 حيث ذكر أن المشرع في تعديل سنة 1969 جعل من المادة 362(ب): جريمة مطلقة ولكن في تعديل سنة 1974 أدخل المشرع السوداني تعديلا حيث جعل من أعطى شخصا شيكاً وفاء لالتزام أو مقابل ولقد أوضحت المحكمة العليا في القضية المشار إليها أن التعديل الأخير في المادة 362(ب) جعل جريمة إعطاء شيك بدون رصيد أو وقفه جعلها جريمة ذات مسئولية صارمة: strict liability واستطرد السيد رئيس القضاء في شرح ذلك:-
ويبدو أن المشرع السوداني قد تردد بين النظرتين فبينما حاول تبني نظرية المسئولية المطلقة في النص الأول (يشير إلى تعديل سنة 1969) رجع لاعتبارات عدليه وعملية عن ذلك الموقف واختط لنفسه خطاً أميل إلى تبني نظرية المسئولية الصارمة إلا أن المشرع لم يتخل عن قصده الأساسي في أن تكون جريمة إعطاء شيك بلا رصيد جريمة ذات مسئولية صارمة حتى يصعب الإفلات تحقيقاً للغرض الاجتماعي من حماية للتعامل التجاري من العبث والاستهتار مضافاً لنشاط تجاري سليم وحماية الأموال ضد أساليب الاحتيال
وقد أشار السيد رئيس القضاء إلى أن بعض التشريعات استعملت كلمات مثل وهو يعلم لسبب معقول بسوء قصد: وهذه الكلمات تنم عن فعل إيجابي يجب أن يؤتى به وأن هذا الأسلوب يجعل عبء إثبات الإجرام أخف مثل العبء المدني الذي يعتمد على توازن الاحتمالات هنالك سابقة لابد من الإشارة إليها قررتها المحكمة العليا في شرح المادة 362(ب) من قانون العقوبات
في قضية حكومة السودان ضد عبد الله كرار كشـه (م ع/ط ج/55/1976) طلب مراجعة :
أشرنا إلى ما ذكره الزميل شبيكة في شرح السبب المعقول بموجب الفقرة (ج) من المادة 362(ب) من قانون العقوبات وقد ذكر سيادته بأن الدفوع المدنية لا تسبب سبباً معقولا لوقف الشيك لأن مجالها المحاكم المدنية وأقصرها على الحالات النادرة التي لا مجال لأن يدور حولها نزاع جدي
ولكن مع احترامنا لقرار المحكمة العليا في تلك القضية وتحديدها لأسباب وقف الشيك للسبب المعقول نرى أنه لا يمكن تحديد السبب المعقول لأن لكل قضية ملابساتها وظروفها وخاصة أنه ربما يوقف الشخص الشيك لعدم وجود المقابل مثلا أو لعدم ولكن نرى أن سابقة حكومة السودان ضد محمد عدنان هي التي توضح روح التشريع والغرض من تضمين المادة وقف الشيك لسبب معقول وقد سارت المحكمة العليا على نفس النهج في قضية حكومة السودان ضد خليل فضل المولى ملاح (م ع/ط ج/121/1978) (نشرة الأحكام الشرعية أغسطس سبتمبر 1978)
وعليه نرى أن التفسير للسبب المعقول حسب الفقرة (ج) من المادة 326(ب) عقوبات موضوع يتعلق بالوقائع البحتة ولكل قضية ظروفها وليست هنالك قاعدة ثابتة تتبعها المحاكم في تفسير السبب المعقول بعد أن أوضحنا القواعد التي أرستها المحكمة العليا في شرح السبب المعقول نرى مناقشة أسباب الطعن والتي أثارها السيد المحامي علي محمود حسنين هنالك مبدأ كثرت الإشارة إليه فيما يختص بمدى وصلاحيات المحكمة العليا وتدخلها فيما يختص بتقييم الوقائع والحقيقة ولكن لست كل الحقيقة فالمحكمة العليا بصفتها محكمة تمحيص ونظر القانون لا يمكنها أن تضطلع بهذه المهمة في فراغ بل يجب عليها أن تتأكد من أن الوقائع التي طبقت عليها القوانين هي وقائع قيمت واستخلصت بالطريق الصحيح التي يطمئن له وجدانها وهذا يعني أن المحكمة العليا لا تتدخل في النتيجة التي توصلت إليها المحاكم الأدنى في تقييم الوقائع إلا بالقدر الذي يجعلها تطمئن بأن التقييم – والاستنتاج جاء متفقاً ومنسجماً ومتسقا مع الوقائع وأنه جاء سليما
إن القانون يطبق على وقائع محددة ولكي يكون التطبيق سليما لابد أن يكون الأساس صحيحاً وسليما
في قضية حكومة السودان ضد أحمد عبد الله محمد أحمد (م ع/ط ج/19/1981) وهي قضية حوكمت حديثاً أرست المحكمة العليا هذه القاعدة لقد ذكرت المحكمة في هذه القضية المشار إليها ما يلي:
"يبدو من هذا الطعن أنه يتعلق بالهجوم على الوقائع وقد درجنا في المحكمة العليا على عدم الخوض في الوقائع وترك الموضوع للمحكمة الأدنى وهي أقدر على تمحيص الحقائق والوثوق بها في تلك المرحلة ولكن هذا لا يعني أن نقف مكتوفي الأيدي في كل الحالات إن تدخل السلطة الاستئنافية فيما يختص بتقييم الوقائع لا يحدث إلا في الحالات التي تري فيها أن الاستنتاجات التي توصلت إليها محكمة الموضوع من تقييمها للوقائع لا يتفق والاستخلاص السليم والمعقول وخاصة إذا كانت القضية تتعلق بمستندات تحتاج إلى فحص وتمحيص ودراسة
إن تدخل المحكمة العليا في هذه الحالة لا يسلب المحاكم الأدنى اختصاصها وحقها في الاستنتاج ولكن التدخل في هذه الحالة إجراء قانوني تقتضيه العدالة بأن ما توصلت إليه المحكمة الأدنى جاء متسقاً مع ما تشير إليه الوقائع وأن التطبيق القانوني كان صحيحاً"
لقد وضح من هذا الطعن أن المتهم كان قد تقدم ببلاغ ضد الشاكي متهماً إياه بسرقة ثلاث شيكات قيمتها75 ألف جنيه وقد شطب البلاغ في مرحلة التحقيق القضائي وفي مرحلة متقدمة عندها فتح الشاكي البلاغ الحالي ضد المتهم كما أشرنا سابقا دفع المتهم بأنه سدد مبلغ 25 ألف جنيه للشاكي بمصر وقدم عدداً من الشهود وكذا دفع بوجود السبب المعقول لوقف الشيكات
رفضت المحكمة الدفع على أساس أن المتهم لم يثر هذا الدفع إلا بعد أن قدم هو للمحاكمة وقد كذب في بلاغه الأول ضد الشاكي متهماً إياه بالسرقة كما قررت أيضا أن بينة الشهود متضاربة ولا تثبت واقعة السداد
نحن نتفق مع محكمتي الاستئناف والموضوع في عدم وجود السبب المعقول لوقف الشيك من المتهم ليس بناء على الأسباب التي ذكرت بل لأن المتهم فشل في تقديم إقرار أو مستند مكتوب من الشاكي بالسداد ولعدم استرداده للشيكات بعد السداد وهذا أمر بديهي يعرفه كل متعامل في التجارة ولا يحتاج إلى ذكاء خاص وخاصة أن هذه المعاملة الأولى بين المتهم والشاكي وقد كانت وليدة صدفة فقط مما يستبعد فيها عامل الثقة المفرطة التي يتصف بها السودانيون عادة بالإضافة إلى أن المعاملة تشمل مبلغا ليس من السهولة الاستهانة بشأنه
أما ما أشارت إليه المحاكم من اتهام المتهم بالكذب والاحتيال الخ فهذه ليست سببا قاطعاً لإدانته لأن للمتهم أن يقول ما يشاء في يومية التحري
وللمحكمة أن تستنتج ما تراه مناسبا ولكن هذا وحده لا يكفي لتجريم المتهم كما أن المحكمة أخطأت عندما اعتمدت على بينة المتحري واعتبرتها بينة قاطعة هذا خطأ المتحري شخص يستخلص بيناته من السماع والاجتهادات الشخصية وهو لا يعرف شيئا عن الموضوع إلا عن طريق تدوين الأقوال ورأيه الشخصي ليس بينة قد تساعد أقواله في تعزيز بينة ولكنها بالتأكيد ليست بينة قاطعة قد لا تكون لبينة شهود الدفاع قيمتها الحقيقية أما المحكمة الجنائية لأن هذا الدفع بالسداد هو موضوع مدني تكون المحاكم المدنية عادة في وضع أفضل لمناقشته وتقييمه وهي التي تقرر ثقله الحقيقي
أما بالنسبة للعقوبة فقد درجنا على الحكم على المتهم في مثل هذه القضايا بأن يرد قيمة الشيكات للشاكي إذا لم يكن هناك نزاع حقيقي من قبل المتهم وإذا كان في إمكان الشاكي استرداد المبلغ بسهولة ويسر أمام المحاكم المدنية
والقانون لا يلزم في هذه الحالات للشاكي بقيمة الشيك ولكن حرصت المحكمة على تسهيل مهمة الشاكي في هذه المرحلة متى كان ذلك ممكنا وميسورا
بالنسبة لهذه القضية قدم المتهم دفعا له وزنه في المحاكم المدنية وهي واقعة السداد أمام عدد من الشهود وبما أن هذا الدفع ربما يكون له أثره في المحكمة المدنية فإنني لا أرى ما يبرر الحكم للشاكي بالمبلغ ولذا أؤيد الإدانة ولكن أعدل العقوبة إلى الغرامة 200 جنيه وبعدم الدفع يسجن لمدة ثلاثة أشهر
3/5/1981
القاضي حسن علي أحمد
إدانة المتهم تحت المادة 362(ب) جاءت صحيحة أما فيما يتعلق بالعقوبة أرى أن العقوبة التي وقعت عليه هي أخف عقوبة ممكنة في مثل هذه القضية إذ أنه لم يطلب منه غير أن يدفع قيمة الشيكين لصاحبهما وأما ما ذهب إليه الأخ أحمد في الاكتفاء بتغريمه مائتي جنيها فإن هذا يفوت الغرض من تجريم وقف الشيك لغير سبب معقول ويخل بالسياسة العقابية إخلالاً مريعاً
وعليه أوافق على العقوبة كما وقعتها المحكمة الكبرى وأيدتها محكمة الاستئناف

