حكومة السودان / ضد / عبد الرازق أبكر عبد الله
المحكمة العليا
حكومة السودان / ضد / عبد الرازق أبكر عبد الله
م ع / فحص ج / 77 / 1984
المبادئ:
قانون جنائي – ثبوت القصد الجنائي كواقعة – قرائن الأحوال
إثبات – إثبات المادة 396 من قانون العقوبات – وجوب الإثبات بالبينة الشرعية – المادة 78 من قانون الإثبات – سقوط الحد – العقوبة تعزيرية
1- القصد الجنائي يجب ألا يفترض بإدعاء أن الإنسان يقصد النتائج الطبيعية لأفعاله بل يجب أن يثبت كأي ركن آخر من أركان الجريمة وحد يستخلص عادة من الظروف وقرائن الأحوال
2- يجب إثبات الجريمة تحت المادة 396 بما يتطلب لإثبات الجريمة الحدية وذلك نظراً إلي العقوبة المشددة للجريمة التي قررها المشرع ومن ثم إذا لم تثبت الجريمة الحدية بكل عناصرها بموجب البينة الشرعية سقط الحد و وجب توقيع عقوبة تعزيرية
الحكم:
التاريخ : 27/8/1984
القاضي : دمصعب الهادي بابكر
الوقائع باختصار هي أنه في 23/1/1984م وفي حوالي الساعة الخامسة صباحاً تمكن المتهم من دخول مكتبة الشاكي (ش اتهام (3) ) الواقعة عند تقاطع شارع الجمهورية وشارع القصر وذلك عن طريق الشباك وتم القبض عليه داخل المكتبة ( وهي عبارة عن كشك) بواسطة شاهدي الاتهام الثاني والرابع
وبتاريخ 27/2/1984 أدان القاضي الجزئي بجنايات الخرطوم وسط المتهم تحت المادة 396 من قانون العقوبات لسنة 1983 وأصدر في حقه عقوبة القطع من خلاف ثم أرسلت الأوراق لمحكمة الاستئناف للتثبت من صحة الحكم وبتاريخ 24/6/84 أيدت محكمة الاستئناف الإدانة والعقوبة على أساس أن الجريمة ثابتة بالبينة الشرعية وأن ما جاء في استئناف المتهم من إنكاره كلية لواقعة دخوله الكشك لا يعول عليه حيث أن الجريمة ثابتة بالبينة الشرعية وليس الإقرار بعد ذلك أحيلت الأوراق لهذه المحكمة بخطاب من السيد رئيس الجهاز القضائي جاء فيه أن المتهم لم يأخذ شيئاً وأن كان قد هدد باستعمال مسدس لم يكن معه وتساءل عما إذا كان المتهم يستحق عقوبة القطع من خلاف ويرى أن تفصل المحكمة العليا في هذه النقطة عن طريق الفحص في رأيي أن الإدانة تحت المادة 396 من قانون العقوبات جاءت صحيحة فقد أكد شاهدا الاتهام الثاني والرابع على اليمين بأنهما قبضا المتهم داخل الكشك بعد أن دخل عن طريق الشباك وذلك ما بين غروب الشمس وشروقها (المادة 383 من قانون العقوبات) وفيما يختص بقصد المتهم بارتكاب جريمة حدية (أنظر عناصر المادة 396 وهي في هذه الحالة السرقة ) فقد ذكرت محكمة الموضوع في أسباب حكمها أنه (مفروض في الإنسان بأنه يقصد النتائج الطبيعية لأفعاله ) والمتهم بدخوله مكتبة المجني عليه ليلاً ليس له مبرر غير السرقة (بصفحة 13 من المحضر) هذا ما قالته محكمة الموضوع عن قصد المتهم الجنائي وهو قول خطأ قانوناً من عدة وجوه أولاً أن افتراض القصد أو (النية) كان معمولاً به حتى سنة 1950 وفقاً للمادة 43 من قانون العقوبات والتي كانت تقرأ :
A person is presumed to have intended the natural and probable con sequences of his act , except such consequences as are due to a circumstance of which he had no knowledge
وقد طبق ذلك في عدة قضايا أذكر منها :
حكومة السودان ضد سعيد محمد سليمان ( مجلة الأحكام السودانية جامعة الخرطوم المجلد الأول بصفحة 126) وحكومة السودان ضد أحمد آدم أشولي (نفس المجلة المجلد الثاني بصفحة 277) ولكن هذه المادة قد ألغيت في سنة 1950 بموجب القانون رقم (20) لسنة 1950م ولذا أصبح إثبات القصد إما بالبينة المباشرة كالاعتراف مثلاً أو الاستنتاج القانوني (legal inference ) من الوقائع والظروف
وتجدر الإشارة هنا إلي أن ( الافتراض ) الذي أشارت إليه محكمة الموضوع قد ألغي أيضا حتى في إنجلترا – أنظر :
The criminal justice Act 1967 s8
أي بعد إلغائه في السودان بحوالي (17) عاماً تقريباً وقد لاحظت أن محاكمنا كثيراً ما تشير إلي هذه الطريقة من الإثبات رغم إلغاء المادة 43 من قانون العقوبات في سنة 1950 وأذكر أنني قد نبهت إلي خطأ تطبيق هذه القاعدة في قضايا سابقة ثانياً وعلى افتراض صحة ما ذهبت إليه محكمة الموضوع من الناحية القانونية فهل الجريمة تحت المادة 396 هي من الجرائم التي يعاقب فيها على نتيجة الفعل (resulting crime ) كجريمة القتل مثلاً ؟ بالطبع لا صحيح أن المتهم ارتكب الفعل (دخوله الكشك) ولكن هل هذا الفعل في حد ذاته يؤدي أو أدى ألي أي نتيجة (يفترض في أن المتهم كان يقصد حدوثها) كالشخص الذي يطعن آخر ويسبب هذا الفعل موته ؟ الإجابة بالطبع لا أن هذا (الافتراض) قد الغي منذ زمن بعيد كما أسلفت في تلك الإشارة ومن الخطأ الشنيع الرجوع إليه وتطبيقه خصوصاً إذا كان في غير موضعه ومع ذلك فإنه في رأيي أن قصد المتهم بدخوله الكشك هو السرقة كما ذكرت محكمة الموضوع وذلك لأن القصد في هذه الحالة (رغم إنكار المتهم) يثبت بالاستنتاج القانوني من الوقائع والظروف فالمتهم دخل ليلاً كشك الشاكي عن طريق الشباك والاستنتاج السائغ هو أنه كان يقصد بذلك السرقة ولكن وهو المتهم إن من أهم عناصر المادة 396 هو الدخول لأجل ارتكاب جريمة حدية وفي هذه القضية ثبت أن المتهم دخل من أجل السرقة فهل السرقة على إطلاقها هي جريمة حدية ؟ أن السرقة الحدية لها عناصرها الخاصة بها وفقاً لنص المادة 320 من قانون العقوبات وإن لم تتوفر كلها لا يمكن وصفها بالسرقة الحدية( أي جريمة حدية كما جاء في المادة 396 ) فهل يمكن القول في حالة الدخول بغرض السرقة إنه ما لم يثبت أن المتهم دخل بغرض ارتكاب جريمة السرقة الحدية ( كأن يقول مثلاً دخلت لأسرق جهاز التلفزيون الملون) لا يمكن أن يثبت ضده الجريمة تحت المادة 396 ؟ على أي أن هذا النقاش يصبح أكاديمياً إذا أخذنا في الاعتبار الجريمة تحت المادة 935 من قانون العقوبات فهي مشابهة تماماً للجريمة تحت المادة 396 فيما عدا أن الدخول في الأخيرة يكون بغرض ارتكاب جريمة حدية وفي الأولي بغرض ارتكاب جريمة ضد النفس أو المال والجريمة ضد المال تكون بالطبع السرقة وهي تشمل السرقة العادية والسرقة الحدية مع ملاحظة أن العقوبة في الجريمتين (395 و 396) واحدة
نأتي بعد ذلك إلي موضوع العقوبة (القطع من خلاف) لنرى مدى صحتها أن الجريمة تحت المادة 396 حسب تعريفها ليست واحدة من الجرائم الحدية ولكن لخطورتها الشديدة تناسبها وهي نفس عقوبة حد الحرابة (فيما عدا الصلب) ولهذا فإنه في نظري لا بد في هذه الحالة أن تعامل هذه الجريمة لغرض الإثبات كأنها جريمة حدية ويعني ذلك أنها لا بد أن تثبت بالبينة الشرعية وفقاً لنص المادة 78 من قانون الإثبات لسنة 1983م أي بشهادة رجلين أو عند الضرورة بشهادة رجل وامرأتين أو أربع نسوة وقد سبق وقررنا في عدة قضايا بأن كل واحد من الشاهدين يجب أن يشهد على كل واقعة من الوقائع المكونة للجريمة أي يجب أن تكون شهادتهما مباشرة في كل عنصر من عناصر الجريمة أي ألا تكون شهادة أحدهما مباشرة والآخر سماعية أو تشير فقط إلي بينات ظرفية أنظر حكومة السودان ضد جمال محمد حسين (نشرة الأحكام الرباعية : يناير/ فبراير / مارس / 1984م بصفحة 24) وأنظر كذلك حكومة السودان ضد أبكر يعقوب أبكر (م ع / فحص / ج / 57 / 84 / حدي / 17 / 84 – غير مدونه)
وفي هذه القضية فقد ثبت بالبينة الشرعية أن المتهم دخل الكشك ليلاً عن طريق الشباك ولكن لم يثبت بنفس المعيار الشرعي أنه دخل لغرض ارتكاب جريمة حدية إن دخوله الكشك بغرض السرقة توصلت إليه محكمة الموضوع عن طريق (الافتراض) ( وهذا خطأ كما بينا في موضعه) أو عن طريق الاستنتاج من الوقائع والظروف أي بالقرائن فقط ومعنى ذلك أن البينة الشرعية لم تتوفر لإثبات كل عناصر الجريمة كما يمكن أن يقال أيضا أن هذه شبهة تدرأ الحد لهذا فإنه لا يجوز في نظري إصدار عقوبة القطع من خلاف ضد المتهم بل كان ينبغي لمحكمة الموضوع أن تصدر عقوبة تعزيرية تناسب ما أتاه المتهم من جرم تطبيقاً لنص المادة 458 (3) من قانون العقوبات فيما يختص بمذكرة السيد رئيس الجهاز القضائي ورئيس محكمة الاستئناف الخرطوم والتي جاء فيها ( أن المتهم دخل الكشك بقصد السرقة وثبت ذلك بالبينة الشرعية ولكنه لم يأخذ شيئاً وإن كان قد هدد باستعمال المسدس الذي لم يكن معه فهل يستحق القطع من خلاف ؟) فإنه كما قررنا سابقاً فأن الجريمة بكل عناصرها لم تثبت بالبينة الشرعية وهذا هو السبب الذي استندنا عليه في التعزير بعدم صحة عقوبة القطع من خلاف وليس لأن المتهم (لم يأخذ شيئاً) فهذه الأخيرة ليست عنصراً من عناصر الجريمة تحت المادة 396 أما فيما يتعلق بتهديده باستعمال مسدس لم يكن معه في ذلك الوقت والذي أشارت إليه أيضا محكمة الاستئناف (أن الشاهدين لم يقولا أنه كان يحمل مسدساً) على (أنه قال :جيب المسدس إرهاباً لهما) فأني لم أجد من واقع محضر المحاكمة أن أياً من الشهود (على اليمين) قد تعرض لهذه الواقعة بالمرء بل جاء ذلك فقط في أقوال الشاهدين اللذين قبضا على المتهم وهو بداخل الكشك عند استجوابهما بواسطة الشرطة (ص 2 و 3 من يومية التحري ) ومعلوم أن يومية التحري ليست بينة حسب نص المادة 125 من قانون الإجراءات الجنائية ولهذا يصبح من الخطأ أن تشير محكمة الاستئناف لما ورد في يومية التحري على أنه بينة ثابتة ضد المتهم
مما تقدم ذكره فأنني أؤيد الإدانة تحت المادة 396 من قانون العقوبات على أن تعاد الأوراق لمحكمة الموضوع لإصدار العقوبة التعزيرية المناسبة

