حكومة السودان / ضد / عبد الله طه الطاهر
محكمة استئناف الإقليم الشمالي
حكومة السودان / ضد / عبد الله طه الطاهر
م أ/أ س ج/ 218/1984م
المبادئ:
قانون جنائي- درء الحد بشبهه – يوجب توقيع عقوبة تعزيرية – المادة 458/3 عقوبات سنة 1983م
عدم كفاية البينة الشرعية لتوقيع العقوبة الحدية لا يعني براءة المتهم إن كان هناك من القرائن ما يكفي في إدانته لتوقيع عقوبة تعزيرية
الحكم:
التاريخ : 2/2/1984م
القاضي : يوسف عثمان بشير
حوكم المتهم عبد الله طه الطاهر أمام محكمة المديرية شندي بموجب المواد 334 و 183 من قانون العقوبات وفي 15/1/1984م أصدرت حكمها عليه بعقوبة القطع من خلاف (اليد اليمني والرجل اليسرى) مع الغرامة 69 جنيهاً وفي حالة عدم دفعها السجن شهراً واحداً لمخالفته المادة 334 ع كما يسجن ستة اشهر لمخالفة المادة 321 ع ويجلد خمس و عشرين جلدة لمخالفة المادة 183 عقوبات
لهذا تقدم المحكوم عليه باستئناف مواده في أنه لم يرتكب الجريمة المنسوبة إليه كما رفعت والدته استرحاماً تطلب فيه تخفيف العقوبة فضلاً عن أن المنشور الجنائي رقم 85 يوجب على محكمة الاستئناف التثبت من سلامة الحكم ومطابقته للشرع والقانون عن طريق التأييد
قبل التعرض للتأكد من صحة ثبوت التهمة وسلامة الحكم ينبغي التقرير في مسألة هي عنصر قانوني في جريمة النهب تحت المادة 334 فتعريف جريمة النهب حسب المادة المذكورة هي كل جريمة سرقة أو ابتزاز تقترن بتسبيب الموت أو الأذى أو الحجز غير المشروع أو الشروع فيهم أو التخويف بأحداها وكان ذلك بغرض ارتكاب السرقة أو الهروب بالأموال المسروقة والسرقة في قانون العقوبات سرقة حدية وأخرى غير حدية وهذا يقودنا إلي السؤال الأتي : هل يلزم أن تكون السرقة المكونة لجريمة النهب سرقة حدية ؟ فيما أراه وأعتقده أن السرقة بهذا المعني المطلق تفيد السرقة الحدية وغير الحدية وفضلاً عن أن جريمة النهب تنطوي بذاتها على الجسامة والخطورة
وبعد اطلاعي على الإجراءات والأوراق لم يخالجني أدني شك معقول في أن واقعة التهمة المدعاة بحق المتهم تحت المادة 334 وبكل عناصرها القانونية ثابتة بشهادة المجني عليه وبالقرائن القضائية المستخلصة من وقائع القضية وظروفها التي أفاد بها الشهود والتي تمثلت في تعقب المتهم والقبض عليه وضبط المال المنهوب إلي اقتياده لمركز الشرطة وهذه القرائن بمقتضى المادة 4 من قانون الإثبات بينات مقبولة بل أنها جاءت متفقه ومساندة مع بينة المجني عليه في تحصيل فهم الواقع وكافية في الحكم بالإدانة أما التهمه تحت المادتين 321 و 183 عقوبات فيقر المتهم عند رده عليهما بأنه مذنب ولذا لم تعد في حاجة لمناقشتها فالإدانة بموجبها كانت صحيحة قانوناً والعقوبة ملائمة
ولنبدأ بعدها لبين شرعية وقانونية العقوبة الحدية الموقعة بموجب المادة 334 وهي القطع من خلاف ولما كانت الجريمة المدان بها المتهم من الجرائم الحدية ولتوقيع العقوبة الحدية المقررة لها
يلزم لها شرعاً وقانوناً نصاب معين من الشهادة وفي هذه تنص المادة 458/ج من قانون العقوبات على الآتي :- (يجب توفر البينة الشرعية في كل حد ويدرأ الحد الشبهة وهي كل شك معقول) والبينة الشرعية لهذه العقوبة الحدية حسبما تقرره المادة 78 من قانون الإثبات هي الإقرار أو شهادة رجلين وعند الضرورة شهادة رجل وامرأتين أو أربع نسوه
وفي ضوء هذه القواعد الأصولية المقررة شرعاً وقانوناً لنرى أصابت أو أخطأت محكمة الموضوع حين أوقعت عقوبة القطع من خلاف علـى المتهم؟ إعتمدت محكمة الموضوع على شهادة شاهدين على حد قولها هما المجني عليه وشاهد الاتهام السادس (مدثر بابكر) وقالت المحكمة في أسباب حكمها (أما من حيث البينة فقد أكد واقعة النهب المجني عليه وأيده في ذلك شاهد الاتهام السادس مدثر بابكر الذي شاهد المجني عليه يستغيث لذلك فان نصاب الشهادة قد اكتمل إذ أن النصاب في جرائم الحدود شاهدين)
والسؤال أولاً هل يجوز شرعاً وقانوناً الأخذ بشهادة المجني عليه بوصفها شهادة شاهد وبالتالي تكون في نصاب – البينة الشرعية ؟ هذه المسألة موضع خلاف الفقه فالأحناف يجيزون ذلك أما الحنابلة والشافعية فلا يجيزونه وبرجوعنا لقانون الإثبات نجد المادة 27 منه تعرف الشهادة بأنها (الشهادة هي البينة الشفوية لشخص عن إدراكه المباشر لواقعة تثبيت مسئولية مدعى بها على آخر في مجلس القضاء وفي مواجهة الخصوم)
ويفهم من سياق هذا النص وما يدل عليه معناه أن الخصم ليس شاهداً وفي ذلك تطبيقاً لقول رسول الله صلي الله عليه وسلم (لا تقبل شهادة الخصم و لا الظنين (أي المتهم) ولا ذي الحنة) وإذا كان هذا الأمر أكثر وضوحاً في المسائل المدنية إلا أنه ليس كذلك في المسائل الجنائية فالجريمة المرتكبة قد تكون متعلقة بحق من حقوق الله وهذه لا يجوز فيها العفو أو التنازل وقد يكون المجني عليه شاكياً أو مبلغاً وقد لا يكون إلا أن الشيء الذي لا مراء فيه ولا جدال هو توفر صفة الخصم في المجني عليه وهذه أساسها المصلحة أو العداء وقد تشاركه في صفة الخصومة سلطة الاتهام (النائب العام) بل أن استقراء نصوص قانون الإجراءات الجنائية تشير إلي هذا المفهوم فالخصومة الجنائية لا تقتصر على سلطة الاتهام أي الدولة وحدها بل يشاركها فيها المجني عليه وترتيباً على ما تقدم إن بينة المجني عليه لا تدخل في نصاب الشهادة المطلوب توفرها كشرط لتوقيع – العقوبة الحدية
أما شهادة الشاهد مدثر بابكر (أ-6) فيقول فيها (سمعنا كواريك الحرامي الحرامي وقد شاهدت المتهم على مسافة بعيدة شويه من الدكان ولكني لم أشاهد المتهم يسرق أو يضرب الشاكي وعندما سمعنا كواريك صاحب الدكان قبضنا على المتهم وأحضرناه للقسم)
وحيث أن الشهادة بحسب المادة 27 من قانون الإثبات يجب أن تقوم على الإدراك المباشر أي تبنى على المشاهدة والمعاينة وهذا ما يؤكده المنشور الجنائي رقم 97 البند 3 حيث ينص (لا بد أن يكون الشاهد قد عاين المشهود به (وحسب إفادة الشاهد المذكور أنه لم يشهد الواقعة المكونة لجريمة النهب من حيث اعتداء المتهم على المجني عليه وأخذه للمال وليس صحيحاً ما ذكرته المحكمة في حكمها في أن الشاهد (شاهد المجني عليه يستغيث لا شاهده) من هنا يمكننا القول أن الدلائل التي تطرحها إفادة هذا الشاهد لا تعتبر شهادة في معني المادة 27 من قانون الإثبات وإنما تعتبر من قبيل القرائن القضائية في معني المادة 54
وفي ضوء هذه الحقائق يمكننا أن نقرر أن نصاب الشهادة المقررة قانوناً والموجبة لتوقيع العقوبة الحدية (القطع من خلاف) غير متوفرة وحتى بالافتراض جدلاً أقول في أن أقوال المجني عليه هي شهادة إلا أنه بالرجوع إلي أقوال الشاهد مدثر بابكر نجد أنها لا ترقى لدرجة البينة القاطعة في إثبات جريمة النهب بكل عناصرها فجريمة النهب المدعاة قامت على وقائع متعددة وهذا الشاهد لم يشهد إلا بعضاً منها كسماعه استغاثة المجني عليه ورؤية المتهم على بعد من الدكان ثم القبض عليه وضبط المال المنهوب إلا أنه لم يشهد الطريقة التي أخذ بها المتهم المال من المجني عليه أخفية كان أم غصباً
ومن هنا يمكننا القول لا تقبل شهادة هذا الشاهد في نصاب البينة الشرعية الموجبة لتوقيع العقوبة الحدية (القطع من خلاف) لما علق بها من شبهة في أنها لم تكن قاطعة في إثبات التهمة وهذا يرتب درء الحد عملاً بنص المادة 458/أ –ج من قانون العقوبات
وعدم كفاية البينة الشرعية لتوقيع العقوبة الحدية المقررة لمخالفة المادة 334 عقوبات لا يعني بالضرورة براءة المتهم من التهمة المنسوبة إليه بل أن هناك من القرائن القوية والكافية ما يكفي في إدانته لتوقيع عقوبة تعزيرية حسبما أسلفنا القول وفي هذا تنص المادة 458/3 عقوبات (إذا درء الحد بشبه جاز توقيع أي عقوبة تعزيرية أخرى حتى لو لم تنص على ذلك صراحة في القانون
وعليه وعلى ضوء ما تقدم وبعد أن تستمع المحكمة لشهود أخلاق رغب المدان في ذلك حسبما تنص المادة 170 من قانون الإجراءات الجنائية ثم بعدها تصدر العقوبة المناسبة ولهذه الأسباب :-
1- أؤيد الإدانة تحت المادة 334 عقوبات وعقوبة الغرامة في المادة المذكورة
2- ألغي عقوبة القطع من خلاف على أن تعاد الإجراءات لمحكمة الموضوع لتوقيع العقوبة التعزيرية المناسبة
3- أويد الإدانة والعقوبة تحت المادتين 321 و 183 عقوبات

