حكومة السودان //ضد// س. ع. ا. س (م ع/غ إ/إعدام/35/2014م)
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة القومية العليا
القضاة:
سعادة السيد / محجـوب الأمين الفكـي
قاضي المحكمة العليا
رئيساً
سعادة السيد / عبد الرحيـم عبد السيـد
قاضي المحكمة العليا
عضواً
سعادة السيد / د. الأمين عوض علي أحمد
قاضي المحكمة العليا
عضواً
سعادة السيد / يحـي فضل محمـد فضل
قاضي المحكمة العليا
عضواً
سعادة السيد / الرشيد التوم محمـد خير
قاضي المحكمة العليا
عضواً
حكومة السودان //ضد// س. ع. ا. س
م ع/غ إ/إعدام/35/2014م
قانون الإثبات لسنة 1994م – المـادة (24) – شهادة غير المسلم.
المبادئ:
1- الأصل في الشريعة الإسلامية أن يكون الشاهد مسلماً وجوز بعض الفقهاء جواز قبول شهادة غير المسلم من أهل الذمة عند كل ضرورة قياساً على جواز قبول شهادته في الوصية.
2- رفض شهادة غير المسلم فـي حالة الضرورة قد يؤدي إلى ضياع الحقوق ، مما يتعين الأخذ بشهادته حماية للحقوق و الدماء.
3- أخذ المشرع في المادة (24) من قانون الإثبات لسنة 1994م بمبدأ الملاءمة مراعاة للتكوين الاجتماعي والديني في المجتمع ، وذلك بقبول الشهادة من أي شخص سواء كان مسلماً أو غير مسلم دون اعتبار للديانة ويشترط أن يكون الشاهد عاقلاً مخبراً للوقائع التي يشهد بها.
المحامون:
الأستاذ/ صديق على كدودة عن الطاعن
الحكــم
القاضي: د. الأمين عوض علي
التاريخ: 24/7/2014م
بتاريخ 13/11/2013م أصدرت المحكمة الجنائية العامة بالحاج يوسف قراراً بإدانة المتهم المذكور أعلاه بموجب المادة130(2) من القانون الجنائي لسنة1991م وحكمت عليه بالإعدام شنقاً حتى الموت قصاصاً وأمرت بإبادة المعروضات.
قدم محامي المدان طعناً بالاستئناف لمحكمة استئناف بحري وشرق النيل فأصدرت حكمها بتأييد الحكم الصادر ورفع الأوراق للمحكمة القومية العليا للتأييد.
أُرسلت إلينا أوراق المحاكمة بموجب المادة (181) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة1991م بغرض تأييد حكم الإعدام وكانت مصحوبة بطلب فحص تقدم به محامي المدان حيث يرى في أسبابه بإيجاز غير مخل أن الاتهام لم يقدم أي شاهد مباشر شهد واقعة الدعوى وكل الشهود حضروا بعد واقعة الطعن إلا الشاهدة سميرة سلطان والتي اعتمدت محكمة الموضوع في إدانتها للمتهم اعتماداً كاملاً على أقوالها وهي مسيحية ولا تجيز مبادئ الشريعة الإسلامية شهادة الكتابي على المسلم في جرائم القصاص ، كما أن هذه الشاهدة تبيع الشاي للرجال في قارعة الطريق وهي كاسية عارية ، ويضيف أن أقوال المتهم لم تتصف بالتضارب ، كما أن شهادة شهود الاتهام كانوا على خصومة مع المتهم وشهادتهم مردودة ، ويضيف أن المتهم كان يمارس حقه في الدفاع الشرعي عن نفسه في مواجهة المرحوم ، كما يستفيد من دفع المعركة المفاجئة لتوافر عناصرها.
لكل هذه الأسباب التمس إصدار الأمر الذي يتفق وصحيح القانون.
إن مرحلة التأييد للحكم مرحلة ذات مهام محددة قانوناً وليس من بينها قبول مذكرة فحص إلا أنه درج العمل القضائي على قبول هذه المذكرة كدعوة لدائرة التأييد بعدم تأييد الحكم الصادر عليه من يتعلق بأمره المذكرة وعلى هذا الأساس تقبل كاعتراض على الحكم المرفوع للتأييد بحجب التأييد عنه.
تتلخص الوقائع الجوهرية أنه بتاريخ 5/1/2013م وحوالي الساعة الواحدة ظهراً وبالشارع العام بحي المايقوما محطة 12 تقابل المتهم والمجني عليه ا.ع.ا.م.ك وحدث بينهما نقاش حاد وعلى إثر ذلك سدد المتهم طعنة قاتلة للمجني عليه بالسكين بالجهة اليسرى من العنق نتج عنها جرح طعني نافذ وأُسعف للعلاج بالمستشفى وتوفى بعد ساعات من وقوع الحادث . وتم القبض على المتهم ومن ثم كانت إجراءات المحاكمة وبعد سماع البينات صدر الحكم المذكور في مطلع هذه المذكرة.
بالاطلاع على الأدلة في شأن إسناد الفعل فإن المتهم سجل اعترافاً قضائياً بأنه تشاجر مع المجني عليه واستل السكين من صلبه وصوبها ناحيته ونفذت إليه وجذبها ، وفي استجوابه ذكر أنه أخرج السكين وضرب المرحوم ولم يرجع عن هذه الأقوال والإقرار بينة قاطعة على صحة المقر به ، كما توفرت بينات أخرى أكدت بأن المتهم وليس من أحد غيره اعتدى على المجني عليه وسدد له طعنة بالسكين على عنقه وإفادة شاهدة الاتهام الأولى سميرة وهي بائعة شاي بمكان الحادث إنها رأت المتهم لحظة حضوره وإخراج سكين من الشنطة وضرب المرحوم ا.ع.ا.م.ك في رقبته على الجهة اليسرى لحظة محاولته الفرار ولحق به ولما سقط على الأرض عاجله بالطعن بالسكين وشهد شاهد الاتهام الثاني علي حسن بأنه في يوم الحادث حوالي الساعة الواحدة ظهراً كان يسير بشارع الأسفلت في محطة 13 وصاح له المرحوم وتحرك ناحيته ولاحظ المتهم طعن المرحوم بالسكين وأخرجها من حلقومه ، كما أفاد شاهد الاتهام حسن مصطفى بأن المتهم في يوم الحادث حضر لمحل البلياردو وكان يحمل شنطة على ظهره ورأى المرحوم مطعوناً في مكان القصبة والمتهم على مسافة من الأمتار وكان المرحوم أعزل من أي سلاح ، وبناءً على هذه الأدلة نتفق مع محكمتي الاستئناف والمحكمة الجنائية العامة إلى إسناد فعل القتل من نشاط المتهم لوحده ، كما تقرر توافر رابطة السببية بين الفعل والنتيجة وحسب الاتهام رقم 3 فإن إصابة المجني عليه كانت لطعنة بالسكين في العنق من الجهة اليسرى وحدث قطع للأوردة والشرايين الكبيرة من العنق وتجمع دموي بالصدر وكانت أسباب الوفاة ، جرح طعني وتهتك أوردة وشرايين العضد والرئة اليمنى والنزيف بسبب الإصابة بآلة حادة تشبه السكين ، وقد توفى المجني عليه أثناء إجـراء عملية جراحية وفقدان كميـة كبيرة من الـدم وتوقف القلب ، وحيث لم ينهض دليل بتداخل عوامل خارجيـة عجلت بالوفاة بل علـى ظروف مرتبطة ربطاً محكماً تقرر توافر رابطة السببية بين الفعل والنتيجة التي أحدثت الموت.
كما ثبت توافر القصد الجنائي للمتهم حيث استخدم آلة حادة طاعنة وبلغ طولها 15 سم وعرض النصل 2 سم وطول السكين من الفصل إلى المقبض ½ 9 سم وهذه السكين قاتلة وسدَّد المتهم الطعنة في مكان حيوي وحساس في جسم المجني عليه وهو العنق وكانت الطعنة قوية وعنيفة بحيث أحدثت جرحاً قطعياً نافذاً وتهتكاً في أوردة وشرايين العنق والنزيف وبذلك قصد المتهم إزهاق روح المجني عليه أو على أقل تقدير إن لم يكن يقصد ذلك فهو كان يعلم أن الموت نتيجة راجحة وليست محتملة لفعله . وعليه تقرر توافر عناصر جريمة القتل العمد بصفة مبدئية.
بعد ذلك استقر قضاء مناقشة الظروف المناسبة من موانع المسؤولية وأسباب الإباحة وقد ثبت أن المتهم لم يكن في حالة دفاع شرعي عن نفسه بل هو من اعتدى على المجني عليه ولم يثبت وقوع أي خطر أو عدوان عليه أو إصابة على جسمه ، كما أن المتهم لا يستفيد من أحكام المواد 8 – 18 من القانون الجنائي لسنة 1991م . أما عن الاستثناءات المخففة التي يمكن أن تنزل من درجة المسؤولية من مرتبة العمد إلى شبه العمد لم يثبت أن هناك حالة استفزاز شديد مفاجئ ولم يقدم الدفاع أي أدلة تثبت صدور إهانة قول أو فعل من المجني عليه للمتهم ، كما لا يستفيد المتهم من ظرف المعركة المفاجئة حيث لم يثبت حدوث عراك واشتباك بل بادر المتهم بالنقاش مع المجني عليه ثم عاجله بالطعنة بالسكين التي كان يحملها وثبت أن المرحوم كان أعزل من أي سلاح ، فالمتهم أصطنع بتصرفاته المعركة وخاض غمارها بمفرده وطارد المجني عليه كما حاول الفرار لحظة إخراج السكين ورغم سقوطه على الأرض عاجله بالطعنة ، فالمتهم لا يتحقق في حقه أيُُ من الاستثناءات المذكورة الأمر الذي يكون صحيحاً من ما خلصت إليه المحاكم الأدنى من إدانته بجريمة القتل العمد وقد طالب أولياء الدم بالقصاص وانتفى أي مسقط من مسقطات القصاص فإن العقوبة المحكوم بها وهي الإعدام شنقاً حتى الموت قصاصاً صحيحة مستوجبة للتأييد وتقرر تأييد الإدانة والعقوبة المحكوم بها على المتهم.
رداً على ما ورد في مذكرة محامي المدان فإنه لا نصاب محدد للبينات في إثبات جرائم القصاص ويجوز تأسيس الإدانة بالقرائن ، أما ما أُثير حول شهادة الشاهدة سميرة فكان يتعين على المدان أو محاميه أن يطعن في شهادتها قبل الإدلاء بأقوالها أمام محكمة الموضوع ، كما لم يبدُ لقاضي الموضوع ما يدعو إلى الشك في عدالتها ، ولا ترد بينة الشاهد لمجرد قيام حالة من الحالات المنصوص عليها في المادة 34(1) من قانون الإثبات لسنة 1991م بل ذلك متروك للسلطة التقديرية للمحكمة.
أما كون أن الشاهدة مسيحية الديانة فإن الأصل في الشريعة الإسلامية أنه يشترط في الشاهد أن يكون مسلماً لقوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) ، وقد رأى بعض الفقهاء الآخرين جواز قبول شهادة غير المسلم من أهل الذمة عند كل ضرورة قياساً على جواز قبول شهادته في الوصية ، وأجازها الحنابلة في الوصية في السفر للضرورة إذا لم يوجد غيرهم وكذا في كل ضرورة حضراً وسفراً.
انظر كتاب الفقه الإسلامي وأدلته د. وهبة الزحيلي- الجزء الثامن ص 6061 .
ذلك أن رفض شهادة غير المسلم في حالة الضرورة قد يؤدي إلى ضياع الحقوق وعندها يتعين الأخذ بشهادة غير المسلم صيانة للحقوق والدماء . كما أخذ المشرع في السودان في المادة (24) من قانون الإثبات لسنة 1994م بمبدأ الملاءمة مراعاة للتكوين الاجتماعي والديني في المجتمع وذلك بقبول الشهادة من أي شخص سواء كان مسلماً أو غير مسلم دون اعتبار للديانة يشترط أن يكون الشاهد عاقلاً مخبراً للوقائع التي يشهد بها ، فالنص جاء مطلقاً دون قيد وواضحاً دون لبس أو غموض ، وبالنظر إلى شهادة الشاهدة سميرة بقصد تقويمها فإن ما أدلت به في أقوال وتسلسل للأحداث يدل على أنها امرأة عاقلة ومميزة ومدركة للوقائع ورأتها وعاينتها عن قرب وأدلت بأقوالها دون تحيز لأي طرف لذلك صح قبول شهادتها المدعمة والمعززة بما أدلى به الشهود من روايات أكدت صحة روايتها.
أما كون أن الشاهدة بائعة للشاي في الطريق فإن هذا العمل لا يدل على فعل الأفعال غير المستقيمة ولا يدل على الفسوق بل هو تجارة للكسب الطيب ، ولم يطعن الدفاع في شهادتها أو سلوكها أمام محكمة الموضوع - لذلك نرفض الأسباب التي أوردها محامي المدان للتجريح أو القدح في شهادتها.
أما أقوال شهود الاتهام فهي واضحة ومترابطة ومقبولة ولم تتوفر حالة لردها بينما كانت أقوال المتهم مختلفة في كل مرحلة من المراحل مما يدعو لعدم الاطمئنان إليها . وثبت من مجموع الأدلة أن المتهم لا يستفيد من حق الدفاع الشرعي عن النفس كما لم تتوفر أي أسباب للاستفادة من ظروف المعركة المفاجئة أو الظروف الأخرى.
لما سبق من أسباب ولصحة الحكم الصادر وفق الأدلة الكافية وللتطبيق الصحيح للقانون وتوقيع العقوبة الواجبة شرعاً فإن الحكم يستوجب التأييد.
القاضي: يحى فضل محمد فضل
التاريخ: 7/8/2014م
أوافق.
القاضي: عبد الرحيم عبد السيد
التاريخ: 10/8/2014م
أوافق.
القاضي: الرشيد التوم محمد خير
التاريخ: 14/8/2014م
أوافق فالإدانة ثابتة بركنيها المادي والمعنوي دون أن يستفيد الجاني من أي حالة أو مانع مما ورد في الباب الثاني من القانون الجنائي المواد من (8) إلى (18) فهو لم يكن في حالة دفاع شرعي عن نفسه ذلك أنه لا دفاع شرعي للبادئ بالاعتداء أو من ساعد على تفاقم الموقف.
كما لا يستفيد الجاني من أسباب التخفيف الواردة بمتن المادة (131) من القانون الجنائي فواضح أنه استغل الظروف وتصرف بقسوة حيال المجني عليه وبالتالي لا يستفيد من استثناء المعركة المفاجئة كما لا يستفيد من حالة الاستفزاز الشديد المفاجئ.
وجدير بالذكر أن محكمة الاستئناف المطعون في حكمها كان حكمها صائباً ومؤسساً في هذا الجانب عليه أرى أن الإدانة جاءت صائبة وصحيحة وأرى تأييدها وتأييد العقوبة الموقعة بموجبها.
القاضي: محجوب الأمين الفكي
التاريخ: 14/8/2014م
أوافق.
الأمر النهائي:
نؤيد الإدانة والعقوبة.
محجـوب الأمين الفكـي
قاضي المحكمة العليا
نائب رئيس القضاء
ورئيس الدائرة
14/8/2014م

