حكومة السودان ضد جيمس أكيومدوت
المحكمة العليا
حكومة السودان ضد جيمس أكيومدوت
م ع/ف ج/68/1406هـ
المبادئ:
إثبات – إثبات الجرائم التي تستوجب التعزير
قانون جنائي – الجرائم التي تستوجب القصاص وعقوبتها
1- الجرائم التي تستوجب التعزير لا يشترط فيها عدد معين من الشهود لإثباتها بل قد تثبت بشهادة الشاهد الواحد إذا اطمأن وجدان المحكمة لصدق الرواية
2- الجرائم التي يعاقب عليها بالقصاص هي (1) القتل العمد (2) الجرح العمد أما الجرائم المعاقب عليها بالدية كعقوبة أولى هي (1) القتل شبه العمد (2) القتل الخطأ (3) الجرح الخطأ كما جعلت الشريعة الإسلامية الدية كعقوبة بديلة للقصاص إذا أسقط سبب مسقط من مسقطاته في حالة جرائم القتل العمد والجرح العمد
الحكــــم
التاريخ :10/5/1406هـ
موافق 21/1/1986
القاضي : علي يوسف الولي
هذا الطلب تقدم به الأستاذ محمد فتح الرحمن نيابة عن المدان جيمس أكيومدوت لهذه المحكمة عن طريق الفحص طاعناً في حكم محكمة جنايات عطبرة القاضي بإدانة المذكور تحت المادة 278 من قانون العقوبات لسنة 1983م وبالدية الناقصة وقدرها 1000 جنيه تدفع للمجني عليه علي جمعة جمعة سوميت عند الاستئناف أيدت محكمة الاستئناف بالإقليم الشمالي – الدامر الإدانة والعقوبة معاً
يرى المحامي فتح الرحمن أن محكمة الموضوع قد أخطأت عندما أدانت المذكور استناداً إلى بينات غير البينات الشرعية الواردة في المادة 78 من قانون الإثبات لسنة 1983 لأن الجريمة موضوع هذه القضية – كجريمة حدية – يجب إثباتها إما بالإقرار أو شهادة رجلين و شهادة رجل وامرأتين أو أربع نسوة عند الضرورة وبرجوعه للبينات الواردة في هذه القضية يجد المحامي فتح الرحمن أن إقرار المدان لا يعتد به لأنه لم يعد واضحاً في كسر سن المجني عليه وقد جاء رد المدان على التهمة بأنه غير مذنب كما أن إقراره لا يجزم بارتكابه الجريمة ويرى المحامي فتح الرحمن أيضاً أن القضية تفتقر إلى الشهادة حسب النصاب الشرعي المحدد في المادة 78 من قانون الإثبات ذلك لأن البينات الواردة هي فقط شهادة المجني عليه علي جمعة ولا يجوز الارتكاز عليها شرعاً وشهادة شاهد الاتهام عبد الرازق عبد الرسول لا يعتد بها لأنها شهادة الشاهد الواحد ولأنه لم يجزم بأن المدان المذكور كسر سن المجني عليه
نوجز وقائع هذه القضية في أن المدان جيمس أقيد بتاريخ 17/10/1405هـ عندما كان يقف أمام مكتب العموم بعطبرة جاء المجني عليه علي جمعة سوميت وتهجم عليه وقبضه ودفره إلا أن المدان ضرب المجني عليه بقبضة يده ( بونيه ) على فمه مما سبب له كسر لسنه في القاطع الأول الأعلى الأيسر
الأســـباب
بعد الإطلاع على المحضر الذي أعدته محكمة الموضوع ومذكرة محكمة الاستئناف نؤيد الإدانة تحت المادة 278(1) من قانون العقوبات لسنة 1983م إلا أننا نقرر إعادة الأوراق لمحكمة الموضوع لإعادة النظر في العقوبة على ضوء ما سوف نورده في المذكرة
باستقراء طلب الفحص يتبين أن المحامي الطاعن خلط بين جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية وباستقراء مذكرة محكمة الاستئناف نجد أن محكمة الاستئناف لم تفرق بين طريق إثبات جريمة القصاص عندما تكون عقوبتها البديلة عن القصاص الذي يسقط بأي مسقط من مسقطاته المعروفة في الشريعة الإسلامية وبين طريق إثبات الجرائم التي جعلت الشريعة الإسلامية الدية عقوبة أصلية لها ومن ثم يتعين علينا أن نبين بصورة إيجازية ومقتضبة أنواع الجرائم في الشريعة الإسلامية وطرق إثبات وعقوبة كل نوع على حده وذلك قبل الفصل في طلب الفحص
تنقسم الجرائم الي ثلاث أنواع في الشريعة الإسلامية
1- جرائم الحدود :
جرائم الحدود وتعني – كما ورد في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الأول صفحة 78 – 79 ( وهي الجرائم المعاقب عليها بحد والحد هو العقوبة المقدرة حقاً من الله تعالى ومعنى العقوبة المقدرة أنها محددة معينة فليس لها حد أدنى ولا حد أعلى ومعنى أنها حق لله أنها لا تقبل الإسقاط لا من الأفراد ولا من الجماعة وجرائم الحدود معينة ومحددة العدد وهي سبع جرائم (1) الزنا (2) القذف (3) الشرب (4) السرقة (5) الحرابة (6) الردة (7) البغي )
ومن حيث إثبات الجريمة الحدية كما ورد في نفس المرجع على صفحتي 82 – 83 فهي تثبت بشهادة الشهود بعد بلوغ النصاب الشرعي : ( تشترط الشريعة إثبات جرائم الحدود عدداً معيناً من الشهود إذا لم يكن دليل إلا الشهادة فجريمة الزنا لا تثبت إلا بشهادة أربعة شهود يشهدون الجريمة وقت وقوعها وبقية جرائم الحدود لا تثبت إلا بشهادة شاهدين على الأقل )
وتثبت أيضاً جرائم الحدود بالإقرار الصحيح الذي يثبت جميع الجرائم الواردة في الشريعة الإسلامية فقد جاء في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثاني صفحة 303 ما يلي :
( وأما الإجماع فإن الأمة أجمعت على صحة الإقرار لأنه إخبار ينفي التهمة والريبة عن المقر ولأن العاقل لا يكذب على نفسه كذباً يضر بها ولهذا كان الإقرار أكبر من الشهادة وكان حجة في حق المقر يوجب عليه الحد والقصاص والتعزير كما يوجب عليه الحقوق المالية )
ويتبين من نص المادتين 77 و 78 من قانون الإثبات لسنة 1983م والمادة 316(2) من قانون العقوبات لسنة 1983م طرق إثبات جريمة الزنا وسائر جرائم الحدود الأخرى والمادة 458(أ)(ج) تقضي بأنه يجب توفر البينة الشرعية في كل حد
2- جرائم القصاص والدية :
إن جرائم القصاص والدية – تعني كما ورد في كتاب التشريع الجنائي الإسلامية الجزء الأول ص79 ( جرائم القصاص والدية : وهي الجرائم التي يعاقب عليها بقصاص أو دية وكل من القصاص والدية عقوبة مقدرة حقاً للأفراد ومعنى أنها مقدرة أنها ذات حد واحد فليس لها حد أعلى وحد أدنى تراوح بينهما ومعنى أنها حق للأفراد أن المجني عليه أن يعفو عنها إذا شاء فإذا عفا أسقط العفو العقوبة المعفو عنها )
إن عدد جرائم القصاص والدية هي خمسة فقد جاء في نفس المرجع صفحة 663 ما يؤكد ذلك :
( جرائم القصاص والدية هي (1) القتل العمد (2) القتل شبه العمد (3) القتل الخطأ (4) الجرح العمد (5) الجرح الخطأ
إن الجرائم التي يعاقب عليها بالقصاص هي (1) القتل العمد (2) والجرح العمد والجرائم المعاقب عليه بالدية كعقوبة أولى أصلية هي (1) القتل شبه العمد (2) القتل الخطأ (3) الجرح الخطأ كما جعلت الشريعة الإسلامية الدية عقوبة بديلة للقصاص إذا سقط بسبب مسقط من مسقطاته في حالة جرائم القتل العمد والجرح العمد فقد ورد في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الأول صفحتي 121 – 122 ما يلي : - (والجرائم التي يعاقب عليها بالقصاص هي : القتل العمد وإتلاف الأطراف عمداً والجرح العمد أما الجرائم التي يعاقب عليها بالدية فهي جرائم القصاص إذا عفي عن القصاص أو امتنع القصاص لسبب شرعي ثم القتل شبه العمد والقتل الخطأ هو إتلاف الأطراف خطأ والجرح الخطأ )
صحيح كما أشارت محكمة الاستئناف – في مذكرتها – أن المشرع في قانون العقوبات لم ينص على طرق إثبات جرائم القصاص كما نص على ذلك في حالة جرائم الحدود وفي هذه الحالة وجب الرجوع الي آراء جمهور الفقهاء ونجدهم اشترطوا لإثبات الجرائم المعاقب عليها بالقصاص عدداً معيناً من الشهود إذا لم يكن دليل إلا الشهادة فقد جاء في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثاني صفحتي 315 – 316 ما يلي :
( يشترط الفقهاء في إثبات الجرائم الموجبة للقصاص بالشهادة أن يشهد بالجريمة رجلان عدلان ولا يقبل الفقهاء في إثبات هذا النوع من الجرائم شهادة رجل وامرأتين ولا شهادة شاهد ويمين المجني عليه وذلك لأن القصاص إراقة دم عقوبة على جناية فيحتاط له لدرئه باشتراط الشاهدين العدلين كالحدود وهذا هو رأي جمهور الفقهاء
ومن يشترط الشاهدين فيما يوجب القصاص لا يفرق بين القصاص في النفس والقصاص فيما دون النفس ويوجب في إثبات الجريمة الموجبة للقصاص مطلقاً شهادة رجلين عدلين والشاهدان اللذان تثبت بشهادتهما الجريمة الموجبة للقصاص ليس أحدهما المجني عليه فإذا كان شاهد واحد والمجني عليه لم يكمل نصاب الشهادة لأن المجني عليه يعتبر مدعياً لا شاهداً وأقواله لوثا أي قرينة ولكنها لا تقوم مقام الشهادة )
لا يشترط لإثبات الجرائم المعاقب عليها بالدية كعقوبة أولى أصلية عدداً معيناً من الشهود إذا لم يكن دليل إلا الشهادة ولكن إذا كانت الدية قد جاءت عقوبة بديلة عن القصاص في حالة الجرائم المعاقب عليها بالقصاص بسبب أن القصاص سقط يسقط من مسقطاته فإن الجريمة يجب في هذه الحالة أن تثبت بالشهادة حسب النص الشرعي كما سلف بيانه ذلك لأنها في الواقع جريمة قصاص ونجد أن الجريمة التي بين أيدينا تقع تحت المادة 278(1) من قانون العقوبات لسنة 1983م ( قطع عضو عمداً ) معاقب عليها بالقصاص أو الدية ومن ثم فهي من جرائم القصاص وليست من الجرائم المعاقب عليها بالدية – كما قررت محكمة الموضوع وشاركتها محكمة الاستئناف في ذلك الرأي
إن الدية المشار إليها تحت هذه المادة ليست عقوبة أولى أصيلة بل عقوبة بديلة عن القصاص العقوبة الأولى الأصلية لأن تلك الجريمة هي جريمة الجرح العمد المعاقب عليها بالقصاص كما سلف بيانه ولا توقع عقوبة الدية في حالة الإدانة إذا سقط القصاص بسبب من مسقطاته ولم يعف عنها المجني عليه فقد جاء في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثاني ص 318 ما يشير إلى أن الجرائم المعاقب عليها بالدية كعقوبة أولى أصلية يجوز إثباتها بالشهادة بلا نصاب معين في الشهود : -
( تثبت الجرائم التي توجب عقوبة مالية كالدية أو الغرامة بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين أو شهادة رجل واحد ويمين المدعي وكل ما شرع فيه اليمين والشاهد بثبت بشهادة الشاهد ونكول المدعى عليه وهذا هو رأي الشافعي وأحمد )
وجاء في نفس المرجع على صفحتي 319 – 320 ما يلي :-
( ويرى المالكيون أن الجرائم التي توجب عقوبة مالية تثبت بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين أو شهادة رجل واحد على يمين المدعي أو شهادة امرأتين ويمين المدعي )
( ويرى ابن القيم أن الجرائم الموجبة للعقوبات المالية تثبت بشهادة شاهد واحد دون يمين كلما وثق به القاضي )
3- جرائم التعازير :
إن جرائم التعازير هي الجرائم التي يعاقب عليها بعقوبات التعزير والتعزير يعني التأديب ويدخل تحت معناها الحبس والغرامة والتعويض والمصادرة وغير ذلك من العقوبات التي ليست هي الحدود ولا القصاص ولا الدية المغلظة فقد جاء في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الأول ص 80 ما يلي :-
( جرائم التعازير هي الجرائم التي يعاقب عليها بعقوبة أو أكثر من العقوبات التعزير قد جرت الشريعة على عدم تحديد عقوبة كل جريمة تعزيرية وتركت للقاضي أن يختار العقوبة أو العقوبات في كل جريمة بما يلائم ظروف الجريمة وظروف المجرم فالعقوبات في جرائم التعزير غير مقدرة وجرائم التعزير غير محددة كما هو الحال في جرائم الحدود أو جرائم القصاص والدية )
إن الفقهاء يتساهلون في إثبات جرائم التعازير بينما يتشددون في إثبات الجرائم الموجبة للحدود والقصاص ولعل مرجع ذلك التساهل كما ورد في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثاني ص 320 ( إلى أن الجرائم التعزيرية هي أكثر الجرائم وقوعاً والعقوبات التعزيرية هي أكثر العقوبات تطبيقاً فوجب التساهل في إثبات هذه الجرائم حرصاً على مصلحة الجماعة وصيانةً لنظامها )
فإذا كانت شهادة الشهود هي الدليل الأوحد في القضية فإن جريمة التعزير لا يشترط لها عدد معين من الشهود لإثباتها بل قد تثبت بشهادة الشاهد الواحد إذا ركن واطمأن وجدان المحكمة بصدق الرواية حتى ولو كان ذلك الشاهد الواحد هو الشاكي أو المجني عليه فقد جاء في كتاب التشريع الإسلامي الجزء الأول ص 83 ما يلي :
( أما جرائم التعازير فتثبت بشهادة شاهد واحد )
في حالة جرائم الحدود إذا لم تتوفر البينة الشرعية ( أي الإقرار وشهادة الشهود حسب النصاب ) وتثبت الجريمة بالبينة العادية فإن الإدانة يجب أن تكون بالجريمة غير الحدية ( الجريمة التعزيرية ) ويجب أن توقع عقوبة تعزيرية بدلاً عن الحد و إذا – توفرت البينة الشرعية وثبتت الجريمة الحدية بالبينة الشرعية إلا أن الحد درء بشبهة من الشبهات المدرئة للحدود فإن الجريمة الحدية تنخفض تلقائياً إلى جريمة غير حدية ( جريمة تعزيرية ) ويجب أن توقع عقوبة تعزيرية بدلاً من الحد في قضية حكومة السودان آدم حسن إسماعيل نشرة الأحكام الرباعية إبريل – مايو – يونيو 1984م ص 27 قضت المحكمة العليا بأنه في جرائم الحدود يجب أن تكون شهادة الشاهدين صريحة الدلالة على وقوع الجريمة أي أن يشهد كل منهما على كل عناصرها وذلك يعني أن أحد الشاهدين إذا لم يشهد على كل عناصر الجريمة الحدية فإن الجريمة تتحول إلى جريمة غير حدية وتوقع عقوبة تعزيرية بحسبان أن الجريمة باتت تعزيرية وفي قضية حكومة السودان ضد جمال محمد حسين نشرة الأحكام الرباعية يناير – فبراير – مارس 1984 ص 24 قضت المحكمة العليا بأنه في حالة توفر نصاب الشهادة الشرعية في حالة جريمة النهب المعرفة في المادة 332 عقوبات يمكن إدانة المتهم على اعتبار أن الجريمة حدية ( حرابة ) وإن لم يتوفر نصاب الشهادة الشرعية ولكن ثبتت التهمة بالبينات العادية يمكن إدانة المتهم على اعتبار أن الجريمة غير حدية أي نهب عادي ( جريمة تعزيرية ) وتوقع عقوبة تعزيرية , وفي قضية حكومة السودان ضد عبد الله طه الطاهر نشرة الأحكام الرباعية يناير – فبراير – مارس 1984م ص 20 قضى بأن عدم كفاية البينة الشرعية لتوقيع العقوبة الحدية لا يعني براءة المتهم إن كان هناك من القرائن ما يكفي في إدانته لتوقيع عقوبة تعزيرية وفي قضية حكومة السودان ض بيترووتود دينج وعوض محمد عبد الجليل نشرة الأحكام الرباعية أكتوبر – نوفمبر – ديسمبر 1983م صفحة 32 قضت المحكمة العليا بأن السرقة تثبت بشهادة شاهدين اثنين فإن قل العدد عن الاثنين أو كان أحدهما امرأة وكان أحدهما شاهد رؤية والآخر شاهد سماع فلا قطع بشهادتهما وذلك يعني أن الجريمة تصبح غير حدية أي تعزيرية ويجب في هذه الحالة أن توقع عقوبة من عقوبات التعازير
وإذا كانت البينة الشرعية المتوفرة لإثبات الجريمة الحدية هي الإقرار وحده دون شهادة الشهود وكان الإقرار صحيحاً وصريحاً إلا أن المقر رجع عنه فإن الجريمة تتحول الي جريمة غير حدية لشبهة الإثبات ويجب أن توقع عقوبة تعزيرية ففي قضية حكومة السودان ضد محمد سعيد عربي نشرة الأحكام الرباعية أكتوبر – نوفمبر – ديسمبر 1983م ص 30 قضت المحكمة العليا بأنه إذا صرح المقر برجوعه عن إقراره يسقط عنه الحد تبعاً لرأي جمهور الفقهاء الذين يشترطون في الإقرار عندما يكون هو الدليل الوحيد للإثبات ألا ينزع عنه المقر حتى يقطع – ذلك يعني إذا رجع المقر عن إقراره في الجريمة الحدية باتت جريمة تعزيرية ويجب توقيع عقوبة تعزيرية بدلاً عن الحد وفي قضية حكومة السودان ضد محمد محمود طاهر نشرة الأحكام الرباعية إبريل – مايو – يونيو 1984م ص 30 قضت المحكمة العليا بأنه لما كان إنكار الإقرار بارتكاب جريمة الزنا حتى في مرحلة الاستئناف جائزاً بل يعتبر رجوعاً عن الإقرار لشبهة تدرأ الحد ولما كان يجوز المتهم العدول عن الإقرار بالزنا قبل تنفيذ الحكم وفقاً للمادة 77/أ من قانون الإثبات لسنة 1983م فإنه يتعين توقيع عقوبة تعزيرية على المتهم تسقط الحد – ذلك يعني أن الجريمة باتت تعزيرية وليست حدية
أيضاًُ في حالة الجرائم المعاقب عليها بالقصاص ما دون النفس أي جرائم الجرح العمد أو القطع العمد إذا لم توفر البينة الشرعية ( أي الإقرار الصحيح الصريح غير المرجوع فيه وشهادة الشهود وفقاَ للنصاب الشرعي ) وثبتت الجريمة بالبينة العادية أي البينة الشرعية فإن الإدانة يجب أن تكون بجريمة تعزيرية معاقب عليها بغير وإذا توفرت البينة الشرعية وثبتت جريمة القصاص جاء القصاص بناءً عليها إلا أن القصاص قد سقط بسبب مسقط من مسقطاته فإن الجريمة تنخفض تلقائياً إلى جريمة تعزيرية ويجب أن توقع عقوبة من عقوبات التعازير بدلاً من القصاص فإذا كانت البينة الشرعية هي شهادة الشاهدين دون غيرهما إلا أن أحدهما لم يشهد على جميع أركان الجريمة أو كان شاهداً واحداً فإن الجريمة تتحول إلى جريمة تعزيرية فقد ورد في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثاني ص321 ما يلي :
( فمن شهد بأنه رأى جماعة يضربون شخصاً قطع ذراعه أثناء الحادث ولم يشهد بمن قطع الذراع فلا يثبت قطع الذراع ضد أحدهم ولكن يثبت الضرب عليهم لأنه القدر المتيقن أي المقطوع به في أقوال الشاهد )
وإذا كانت البينة الشرعية المتوفرة لإثبات جريمة القصاص هي الإقرار الصريح الصحيح وحده دون شهادة الشهود إلا أن المقر رجع عنه فإن الجريمة تتحول إلى جريمة تعزيرية بصفة تلقائية وذلك لشبهة الإثبات ويصح الرجوع عن الإقرار – كما قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد محمد عبد الشافع ساكن نشرة الأحكام الرباعية يناير – فبراير – مارس 1984م ص 33 قبل القضاء وبعد القضاء ويصح قبل الإمضاء و التنفيذ و أثناء الامضاء فإذا رجع أثناء الإمضاء أوقف تنفيذ العقوبة – أنظر أيضاً كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثاني ص 438 وبالرجوع عن الإقرار قد يكون صريحاً كأن يكذب نفسه في إقراره وقد يكون الرجوع دلالة أي ضمنياً كهرب المحكوم ضده عند تنفيذ العقوبة فإذا هرب لم يؤخذ ثانية للتنفيذ لأن الهرب دلالة الرجوع
ولو لم يدان ويعزر كل من وجهت له تهمة ارتكاب جريمة القصاص ما دون النفس ( الجرح أو القطع العمد ) وأخلي سبيله فقط لأن الجريمة لم تثبت بالبينة الشرعية أي لأن نصاب الشهادة الشرعية لم يكتمل إن لم يكن دليل إلا الشهادة أو لأن المقر رجع عن إقراره الصحيح الصريح وإن لم يكن دليل إلا الإقرار لفلت ذلك المجرم من العقاب ومن ثم لأجهضت العدالة
إن الإدانة تحت المادة 278 (1) من قانون العقوبات لسنة 1983م في هذه القضية التي بين أيدينا صحيحة ارتكازاً لا على شهادة الشهود بل على إقرار المدان وحده المعزز بالأدلة الطبية والمؤيد بإفادة الشاكي والمعضد بالظروف والملابسات التي أحاطت بالحادث
تنص المادة 278 عقوبات على الآتي :
( كل من يسبب قطع عمد يعاقب بالقصاص أو الدية )
وتنص المادة 272 عقوبات على الآتي :
( يعتبر قطعاً لعضو كل أذىً يؤدي على :
(أ) إزالة عضو من أعضاء الجسم أو تعطيله كلياً أو جزئياً )
إن الجريمة تحت المادة 278 عقوبات هي من جرائم القصاص الواردة في الشريعة الإسلامية السمحاء – كما أبنا سابقاً – وإذا كان ذلك كذلك فإن الشريعة الإسلامية تشترط لإثبات جريمة ( قطع العضو عمداً ) تحت المادة المذكورة وفقاً لآراء جمهور الفقهاء – عدداً معيناً من الشهود إذا لم يكن دليل إلا الشهادة شأنها في ذلك جرائم القصاص لأنها هي من جرائم ( الجرح العمد ) كما أنها تثبت أيضاَ بالإقرار الصحيح شأنها في ذلك شأن جميع الجرائم الواردة في الشريعة الإسلامية كما أسلفنا
ليس في هذه القضية التي بين أيدينا سوى شاهدين هما (1) المجني عليه علي جمعة سوميت (2) عبد الرازق عبد الرسول
إن شهادة المجني عليه علي جمعة سوميت غير مقبولة شرعاً لإثبات هذه الجريمة موضوع هذه القضية الموجبة للقصاص وذك لسببين (1) لأنها شهادة خصم (2) لما اعترتها من شبهة التهمة
والحجة والسند في عدم قبول شهادة الخصم ما رواه ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :( لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين ولا ذي إخنه ) -الظنين المتهم بالمحاباة -
كما نجد أن المادة 27 من قانون الإثبات لسنة 1983م تعرف الشهادة بأنها ( الشهادة هي البينة الشفوية لشخص عن إدراكه المباشر لواقعة تثبت مسئولية مدعي بها على آخر في مجلس القضاء وفي مواجهة الخصوم )
ويفهم من سياق هذا النص أن الخصم ليس شاهداً ولا شك أن المجني عليه على جمعة سوميت خصماً للمدان – جيمس أقيو
والمجني عليه هو الشاكي يشهد لنفسه ومن ثم اعترت شهادته التهمة والتهمة هي أن يكون بين الشاهد والمشهود له ما يبعد عن الظن بان الشاهد يحابي المشهود له بشهادته أو أن يكون للشاهد مصلحة تعود عليه من أداء الشهادة ويدخل تحت التهمة شهادة من يدفع بالشهادة عن نفسه ضرراً أو يجر لنفسه نفعاً والأصل في عدم جواز الشهادة لشبهة التهمة ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: ( لا تجوز شهادة ظنين ) ولا شك أن المجني عليه – كشاكي – بشهادته في مواجهة المدان يحابي نفسه ليجر لها منفعة أو على الأقل ليدفع عن نفسه ضرراً لكيلا يتهم بأنه هو الذي بدأ بالعدوان
وفي قضية حكومة السودان ضد موسى باشا هبيلا نشرة الأحكام الرباعية إبريل – مايو – يونيو 1984م ص 26 رفضت المحكمة العليا شهادة الشاكي للتهمة في قولها :-
( أما الشاكي فإنه يشهد لنفسه وشهادة الإنسان لنفسه غير معتبرة شرعاً )
كما رفضتها المحكمة العليا أيضاَ في قضية حكومة السودان ضد فيتر ووتر دينق وعوض محمد عبد الجليل نشرة الأحكام الرباعية أكتوبر – نوفمبر – ديسمبر 1983م ص 34 : ( وشهادة الشاكي غير معتبرة شرعاً )
بقيت معنا شهادة الشاهد عبد الرازق عبد الرسول تقف وحدها ومن ثم جاز لنا أن نقرر بأن جريمة القصاص تحت المادة 278 عقوبات ( قطع العضو عمداً ) غير ثابتة بالشهادة الشرعية لافتقار الشهادة للنصاب الشرعي على النحو الذي أبناه سابقاً
نلتفت لإقرار المدان جيمس اقيو ولا بد أن يكون الإقرار مستوفياً جميع شرائطه وضوابطه مما يجعله جديراً بإثبات جريمة القصاص في القضية التي بين أيدينا وعليه دعنا نناقش هذه الشروط وتلك الضوابط على ضوء وقائع هذه القضية :
1- يجب أن يكون المقر عاقلاً وبالغاً سن المسئولية التي ينص عليها القانون وغير محجور عليه حسب نص المادة 23(1) من قانون الإثبات لسنة 1983م
إن هذا الشرط متوفر في حالة المدان المذكور لعدم وجود بينات تثبت غير ذلك
2- يجب أن يكون الإقرار صحيحاً
وليكون الإقرار صحيحاً يقتضي أن يصدر عن طواعية واختيار وألا يكون نتيجة لإغراء أو إكراه حسب منطوق المادة 24 من قانون الإثبات لسنة 1983م وألا يكون نتيجة لوعيد أو تهديد أو تعذيب أو وعد لأنه ورد في حديث ابن عمر :
( ليس الرجل على نفسه بأمين إن جوعت أو خوفت أو أوثقت )
ولأنه ورد على لسان سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه قوله ليس الرجل أميناً على نفسه إذا أجعته أو ضربته أو أوثقته ومما يؤثر عن شريح أنه كان يقول ( القيد كره والسجن كره والوعيد كره ) ويؤثر عن ابن عمر ابن شهاب أنه قال في رجل اعترف بعد جلده ليس عليه حد وفي قضية حكومة السودان ضد العوض مركز معالي نشرة الأحكام الرباعية أكتوبر – نوفمبر – ديسمبر 1983م ص 35 قضى بأنه على المحكمة التثبت من أن إقرار المتهم كان عن طواعية واختيار طبقاً للمادة 24 من قانون الإثبات لسنة 1983م وقد نصت المادة 24 (1) إثبات بأنه لا يكون الإقرار صحيحاً إذا كذبه ظاهر الحال
وفي القضية التي بين أيدينا نجد أن إقرار المدان جيمس أقيو كان عن طواعية واختيار وليس هناك ما ينهض دليلاً على أنه أدلى به نتيجة لإرهاب أو تعذيب أو تهديد أو إكراه أو وعيد أو وعد أو إغراء من أي قوة أو سلطة أو جهة من الجهات وواضح أن إقراره لم يكذبه ظاهر الحال
3- يجب أن يكون الإقرار قضائياً :
إن الإقرار القضائي – حسب نص المادة 20 من قانون الإثبات لسنة 1983م هو الإقرار بواقعة في أثناء إجراءات الدعوى المتعلقة بها في مجلس قضاء أو أمام جهة شبه قضائية أو في أثناء إجراء متعلق بها أمام قاضي والإقرار غير القضائي – حسب نص المادة 25(3) من قانون الإثبات لسنة 1983 لا يشكل بينة قاطعة وهو حسب نص المادة 21 من نفس القانون – الإقرار الذي لا يتوافر فيه أي من الشروط المنصوص عليها في المادة 20 من هذا القانون في إثباته القواعد العامة في البينة
ولكن الإقرار الوارد في هذه القضية المطروحة أمامنا إقرار قضائي بحت لأنه صدر عن المدان المذكور أثناء محاكمته أمام محكمة الموضوع عند استجوابه بمقتضى المادة 165 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م ومن ثم فهو إقرار قضائي وفقاً للمادة 20 أعلاه من قانون الإثبات
4- يجب ألا يعتري الإقرار أية شبهة :
إن الإقرار الذي اعترته شبهة – حسب نص المادة 25(3) من قانون الإثبات لسنة 1983م لا يشكل بينة قاطعة ومن ثم فهو غير جدير بالارتكاز عليه لإقامة القصاص الشرعي فقصد التستر على الفاعل الشرعي شبهة في الإقرار والرجوع عن الإقرار حسب نص المادة 26(2) من قانون الإثبات وحسب نص المادة 80(2) من نفس القانون أيضاَ شبهة فالإقرار ينبغي أن يستمر غير معدول عنه إلى مرحلة ما قبيل البدء في تنفيذ الحكم بالقصاص والإقرار الأبتر غير المعزز ببينات مستقلة أخرى حتى ولو كانت غير مباشرة قد اعترته شبهة ومن ثم لا يعول عليه وحده لإقامة القصاص
لا شك أن جرائم القصاص والحدود هي الجرائم الخطيرة التي لا تداني خطورتها خطورة أخرى ومن ثم فإنه من الأحوط – والاحتياط واجب والتثبت ضروري في قضايا القصاص – لبراءة الذمة ولتحقيق العدالة والإنصاف أن يعضد الإقرار بها ببينات أخرى وقد كانت القاعدة العامة التي تواتر واستقر عليها قضاؤنا قبل تطبيق شريعة الله عز وجل السمحاء هي أنه يجب في حالة القضايا الخطيرة ألا تؤسس الإدانة على اعتراف المتهم وحده دون تأييد بينات أخرى مباشرة أو غير مباشرة ففي قضية حكومة السودان ضد حميدان عبد الله إبراهيم مجلة الأحكام القضائية 1975 ص 471 قضت المحكمة العليا بأنه في القضايا الخطيرة كقضايا القتل يجب عدم الاكتفاء بالاعتراف الصادر من المتهم كبينة للاتهام وأنه من الخطورة بمكان الاعتماد كلياً على الاعتراف القضائي للمتهم في جرائم القتل دون وجود بينات أخرى تؤيده ووفي قضية حكومة السودان ضد أحمد عباس أحمد وآخر مجلة الأحكام القضائية 1975 ص 553 قالت المحكمة العليا :
(إن الحكمة والحذر يوجبان على المحكمة ألا تعقد على الاعتراف القضائي وحده لتأسيس إدانة بمقتضاه في حالة عدم وجود بينة أخرى مستقلة تدعمه هذه البينات المدعمة للاعتراف القضائي يجب ألا تقتصر فقط على تأييد الواقعة المنسوبة للمتهم بل يجب أن تربط المتهم بتلك الواقعة وفي الجرائم الخطيرة كجرائم القتل مثلا يجب ألا يدان المتهم إلا بمقتضى اعتراف قضائي مدعم )
وكذلك نرى أنه وبمقتضى المادة 3 من قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983م ليس هناك ما يمنع الأخذ بهذه القاعدة جلها للصالح العام ودرءاً للمفاسد وتوخياً لمقاصد الشريعة الإسلامية السمحاء التي من أهدافها بسط العدل والإنصاف بين كافة الناس والحرص على أن ينال المتهم محاكمة عادلة حتى لا يدان إلا بعد ثبوت الجريمة ضده بعد تخطي مرحلة كل شك معقول أو غير معقول خصوصاً في حالة جرائم القصاص والحدود حيث يجب على القاضي – كما نصت المادة 458(أ) من قانون العقوبات لسنة 1983م – التيقن والتثبت في الأحكام والتأكد من سلامتها وفق المعايير الشرعية
ففي القضية التي بين أيدينا لم تعتر أية شبهة إقرار المدان المذكور فلم يقصد بإقراره تستراً على فاعل آخر لهذه الجريمة كما أنه لم يرجع عن إقراره حتى هذه اللحظة وهناك من البينات الكثير ما يؤيد إقراره ويدعمه ففي التقرير الطبي عن المجني عليه الشاكي على جمعة وفي إفادته نفسها وفي أقوال الشاهد عبد الرازق عبد الرسول ما يعزز إقرار المدان
5- يجب أن يكون الإقرار مبيناً ومفصل فـــي ارتكاب الجريمة وشاملاً ومثبتاً لجميع أركانها :
يجب أن يكون الإقرار الموجب لإقامة القصاص موضحاً لتفاصيل ارتكاب الجريمة وأسباب ذلك بحيث يعين أن يكون شاملاً وجازماً ومثبتاً لجميع أركان جريمة القصاص التي تنهض عليها فوق الشك المعقول كما أنه يجب أن يكون مبيناً لكل خطوط الدفاع ( إن وجدت ) التي يرتكز عليها المتهم في تبرير ارتكاب الجريمة وقد جاء في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثاني ص 304 ما يلي :-
( ويشترط في الإقرار المثبت للجناية أن يكون مبيناً مفصلاً قاطعاً في ارتكاب الجاني للجناية أما الاعتراف المجمل الذي يمكن أن يفسر على أكثر من وجه فلا تثبت به الجناية فالإقرار الذي يؤخذ به الجاني هو الإقرار المفصل المثبت لارتكاب الجريمة ثبوتاً لا شك فيه )
ولذلك يجب أن يسجل الإقرار من فيه المتهم في استفصال وتبيين وألا يكون مقتضباً
فالإقرار الوارد في هذه القضية التي بين أيدينا نجده مبيناً ومفصلاً وموضحاً ومثبتاً لأركان جريمة القصاص ما دون النفس التي ارتكبها المدان المذكور ثبوتاً لا شك فيه كما أبان المدان دفاعه بوضوح
إن القاعدة العامة في قبول الإقرار هي أخذه ككل دون تجزئة إذ لا يصح أخذ ما هو ضد المقر وترك ما هو لصالحه فالمدان جيمس يقر بأنه ضرب المجني عليه علي جمعة بقبضة يده ( بونيه ) على فمه حتى كسر إحدى أسنانه ولكنه قام بذلك الفعل دفاعاً عن نفسه فلا يجوز إدانة المذكور بناءً على إقراره دون النظر في دفاعه لأن في ذلك تجزئة لإقراره وهذا ما فعلته محكمة الموضوع وهو ما لا يجوز قانوناً أن تفعله إذ أنها أخذت ما هو ضد المدان وطرحت ما هو في صالحه من دفاع دون نقاش وجاء ذلك في قولها :
( اقر بأنه ضرب المجني عليه بونيه على وجهه وذلك أمام مكتب العموم )
ولكن كاستثناء لهذه القاعدة العامة يجوز الأخذ من الإقرار ما تراه المحكمة مطابقاً للحقيقة ون تعرض عما تراه مغايراً لها فالجزء من الإقرار الذي يكذبه ظاهر الحال والذي لا يقبله العقل ولا يتفق والمنطق السليم والذي يجافي منطق طبائع الأشياء ومجريات الأمور العادية يتعين الإعراض عنه
إن المدان المذكور يفيد في إقراره بأن المجني عليه بادره بالهجوم وقبضه ودفره وكان لا بد للمحكمة أن تصدق وتأخذ بهذا الجزء من الإقرار طالما أن إفادة المجني عليه – كما أسلفنا – غير مقبولة شرعاً وطالما إفادة الشاهد عبد الرازق عبد الرسول – كما أبنا سابقاً – لا تكفي وحدها لإثبات من بدأ بالاعتداء – هل المجني عليه أم المدان وطالما ن هذه الرواية التي أدلى بها المدان في إقراره لا تجافي الحقيقة ولا يكذبها ظاهر الحال ويقبلها العقل وتفق والمنطق السليم ولا تجافي منطق وطبائع الأشياء ومجريات الأمور العادية وإن كان ليس من الضروري حسب نص المادة 56/أ من قانون العقوبات لسنة 1983م لممارسة حق الدفاع الشرعي عن الجسم أن يقف المدان مكتوف اليدين حتى وقوع الأذى عليه يكفي الهجوم وحدوث القوة الجنائية ضده من جانب المجني عليه المعتدي إلا أنه في تقديرنا أن المدان تجاوز القدر اللازم لغرض الدفاع حيث أن كسر سن المجني عليه قدر من الأذى أكثر بكثير من هجوم وقبض ودفر دون أن يتبين أذىً على الإطلاق ومن ثم فإن المدان لا يستحق حق الدفاع الشرعي عن جسمه كنص المادة 58 من قانون العقوبات لسنة 1983م وعليه فإن المدان المذكور قد ارتكب جريمة قطع العضو عمداً تحت المادة 278 من قانون العقوبات لسنة 1983م بصفة مبدئيةعندما تسبب في كسر سن المجني عليه المذكور
إن قاعدة ضرورة التثبت والتريث والتأكد والتروي في إقامة القصاص تقتضي أن تطرق المحكمة جميع أبواب مسقطات القصاص بعد ثبوت الجريمة قبل الحكم بالقصاص أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول أنس بن مالك :
( ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع إليه شيءٌ من قصاص إلا أمر فيه بالعفو )
والمنشور الجنائي رقم 94/83 ينص على مسقطات القصاص في النفس وفيما دون النفس التي يجب مناقشتها بعد ثبوت جريمة القصاص بالبينة الشرعية وقبل الحكم بالقصاص والذي يعنينا في هذا المقام هي مسقطات القصاص فيما دون النفس والتي يجب على محكمة الموضوع بعد أن نحيل لها هذه الأوراق لإعادة النظر في العقوبة أن تطرقها واحداً تلو الآخر في حالة أن تحكم بالقصاص – وفي حالة سقوط القصاص بسبب من مسقطاته يجب على المحكمة الحكم بالدية وإذا رأت ذلك أن توقع عقوبة تعزيرية بالإضافة إلى الدية حتى ولو لم ينص قانون العقوبات لسنة 1983م على تلك العقوبة وذلك عملاً بنص المادة 458(3) من نفس القانون فقد جاء على صفحة 668 من كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الأول ما يلي :
( وإذا كان القصاص هو عقوبة القتل العمد والجرح العمد فإن الحكم بالقصاص مقيد بإمكانه ويتوفر شروطه فإذا لم يكن ممكناً ولم تتوفر شروطه امتنع الحكم به ووجب الحكم بالدية ولو لم يطلب المجني عليه أو وليه الحكم بها لأن الدية لا يتوقف الحكم بها على طلب الأفراد وليس في الشريعة ما يمنع في حالة عدم إمكان الحكم بالقصاص من معاقبة الجاني بعقوبة تعزيرية مع الدية إذا اقتضت ذلك مصلحة عامة )
ونلاحظ أن محكمة الموضوع قد وقعت في خطأ جسيم عندما قررت الإدانة تحت المادة 278(1) عقوبات وتسرعت ووقعت عقوبة الدية لأنه يتعين عليها أولاً بعد ثبوت جريمة القصاص ما دون النفس هذه التي بين أيدينا أن تطرق جميع مسقطات القصاص وإذا سقط القصاص لها أن تحكم بالدية كعقوبة بديلة عنه ولا يجوز لها أن تحكم بالدية كعقوبة أصلية لجريمة معاقب عليها بالقصاص والمادة 278(1) عقوبات تنص على أن القصاص عقوبة أولى أصلية وأن الدية بديلة له
وفي حالة عدم سقوط القصاص وجب على المحكمة أن تحكم به وترفع الأوراق للمحكمة العليا للتأييد أو خلافه طبقاً للمنشور الجنائي رقم 3/1405هـ ولا تستطيع المحكمة أن تقرر استحالة إنزال عقوبة القصاص دون أن تناقش مسقطات القصاص كما قررت محكمة الموضوع ذلك في قولها وقد استبعدت المحكمة لصعوبة ذلك الإجراء من الناحية العملية وليس ما أسمته محكمة الموضوع صعوبة تنفيذ القصاص من الناحية العملية مسقطا من مسقطات القصاص
فيما يسقط القصاص دون النفس جاء على صفحة 257 من كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثاني ما يلي :
( يسقط القصاص فيما دون النفس لثلاثة أسباب هي : فوات محل القصاص العفو والصلح )
ومسقطات القصاص فيما دون النفس حسب المنشور الجنائي رقم 94/83 هي كما سوف نسوقها فيما يلي يجب على محكمة الموضوع أن تتحقق منها جميعاً قبل توقيع عقوبة القصاص إذا قررت ذلك
1- فوات محل القصاص :
فوات محل القصاص يعني أن يذهب العضو محل القصاص مع بقاء الجاني حياً فإذا فات محل القصاص سقط القصاص إن محل القصاص هو العضو المماثل لمحل الجناية فإذا انعدم ذلك العضو امتنع القصاص
2- العفو :
العفو عند مالك وأبي حنيفة هو التنازل عن القصاص مجاناً دون مقابل الدية فقد ورد على صفحة 158 من كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثاني ما يلي :
( والعفو عند مالك وأبي حنيفة هو إسقاط القصاص مجاناً )
وعفو المجني عليه عن الجاني مقبول في كل المراحل إلى ما قبيل البدء في تنفيذ القصاص
3- الصلح :
الصلح عند مالك وأبي حنيفة هو التنازل عن القصاص مقابل الدية فقد جاء في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثاني ص 158 ما يلي :
( وأما التنازل عن القصاص مقابل الدية فهو ليس عفو عندهما ( مالك وأبي حنيفة) وإنما هو الصلح )
وصلح المجني عليه مع الجاني مقبول في كل المراحل إلى ما قبيل تنفيذ القصاص
4- انعدام التماثل في القصاص :
إذا كان التماثل غير ممكن في القصاص يمتنع القصاص وينتقل حق المجني عليه إلى بدل القصاص وهو الدية لأن القصاص يقوم على التماثل والقصاص يعني مجازاة الجاني بمثل فعله
فالقصاص يقتضي الاستيفاء على وجه المماثلة فيجب أن يكون الاستيفاء ممكناً بلا حيف ويمتنع القصاص في كسر العظام فقد ورد في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثاني ص220 ما يلي :
( ومن المتفق عليه بين أبي حنيفة والشافعي وأحمد ألا قصاص في كسر العظام لأن التماثل غير ممكن والأمن من الحيف غير محقق )
فإذا كسر الجاني عظم المجني عليه فلا يمكن أن يقتص من عظم الجاني بلا حيف وقد قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد موسى باشا هبيلا نشرة الأحكام الرباعية إبريل – مايو – يونيو 1984م ص 35 بأن رأي جمهور الفقهاء لا قصاص في كسر العظام لأن التماثل غير ممكن
ويشترط من أجل التماثل أن يتساوى العضوان في الصحة والكمال فلا يؤخذ العضو الصحيح المعافى بعضو غير سليم أو عليل لأن المقتص يأخذ فوق حقه فالجاني إذا قطع يداً أو رجلاً مثلاً أو كسر سناً كان جزء منها مكسوراً ينبغي ألا يقتص من يده أو رجله أو سنه السليمة الكاملة المعافاة
يشترط للقصاص التماثل في الموضوع فلا يؤخذ شيء إلا بمثله ولا ينقص من عضو إلا لما يقابله فلا تؤخذ – مثلاُ اليد إلا باليد ولا تؤخذ الرجل إلا بالرجل والإصبع إلا بالإصبع والعين بالعين والسن بالسن ولا تؤخذ الثنية إلا بالثنية ولا الناب إلا بالناب ولا ضرس إلا بالضرس ولا تؤخذ الثنية مثلاً بالضرس الخ
إن الدية في كل من تعادل الخمس إبل لما روى أن رسو الله صلى الله عليه وسلم كتب في كتاب عمرو بن حزم : ( في السن خمس من الإبل )
ولما رواه عمر بن شعيب عن رسول الله : ( في الأسنان خمس خمس )
والمادة 278(2)(ب) من قانون العقوبات لسنة 1983م تنص بأن السن خمس من الإبل أو ما يعادل قيمتها بالعملة السودانية وقد ورد في الجدول الأول الدية الكاملة والدية الناقصة – أن الخمس من الإبل تعادل 1000 جنيه أنظر نشرة الأحكام الرباعية إبريل – مايو – يونيو 1983م ص 75 – 76
لما تقدم نقرر الآتي :
1- تأييد الإدانة تحت المادة 278(1) من قانون العقوبات لسنة 1983م
2- إلغاء عقوبة الدية
3- تعاد الأوراق لمحكمة جنايات عطبرة لإعادة النظر في العقوبة على ضوء هذه المذكرة وإذا قررت إنزال عقوبة القصاص وجب عليها الرجوع إلى مسقطات القصاص جميعها فإذا سقط القصاص يتعين توقيع عقوبة الدية وإذا شاءت محكمة الموضوع توقيع عقوبة تعزيرية سجناً أو غرامة أو غير ذلك من عقوبات التعازير بجانب الدية فلها ذلك وإذا لم يسقط القصاص يتعين الحكم به وترفع الأوراق للمحكمة العليا عملاً بالمنشور الجنائي رقم 3/1405هـ

