حكومة السودان ضد اسحق محمد أرباب وآخر
المحكمة العليا
حكومة السودان ضد اسحق محمد أرباب وآخر
م ع/ف ج/65/1406هـ
مكرر حدي 10/1406هـ
المبادئ:
قانون جنائي – العقوبات الحدية لا توقع إذا لم يقر المتهم بأن قيمة المسروقات أكثر من مائة جنيه
قانون جنائي – جريمة التعدي – جريمة السرقة – جريمة السطو على الأمكنة ليلاً المادة 392 مقروءة مع المادة 384(ج) عقوبات
2- لا يجوز توقيع العقوبة الحدية متى كان المحكوم عليهما لم يقرا بأن قيمة المسروقات أكثر من مائة جنيه
1- إن المحكوم عليهما قد ارتكبا جريمة التعدي الجنائي وفقاً للمادة 380 من قانون العقوبات ولما كان التعدي داخل بناء يستعمل لحفظ ممتلكات- أي دكان فإنهما يكونا قد تعديا على الأمكنة ولما كان تعديهما على هذا النحو عن طريق منفذ بقطع سقف الدكان فإنهما يكونان قد ارتكبا جريمة السطو على الأمكنة ليلاً إعمالاً لأحكام المادة 392 مقروءة مع المادة 384 (ج)
الحكــــم
التاريخ :17/12/1985م
القاضي : علي يوسف الولي
عرضت أوراق هذه القضية عملاً بالمنشور الجنائي رقم 3/1405هـ وذلك للتثبت و التيقن والتأكد من سلامة الحكم الحدي الذي قضت به محكمة الاستئناف الخرطوم تحت المادة 322 (2) من قانون العقوبات لسنة 1983م بعد أن ألغت قرار الإدانة الذي أصدرته محكمة جنايات الامتداد الجنوبي الخرطوم تحت المادة 396 من نفس القانون وللاطمئنان أيضاً على التأويل السليم والتطبيق الصحيح للشريعة الإسلامية السمحاء وقانون العقوبات المستمد منها
نوجز الوقائع في أن المدان الأول اسحق محمد أرباب والمدان الثاني أحمد محمد آدم اشتريا مقصاً حديدياً من أجل ارتكاب جريمة السرقة وفعلا في يوم 9/10/1985م في حوالي الساعة 3 ص قاما بالتسلق إلى سقف دكان المواطن عبد الله سيد أحمد الباشا المصنوع من الزنك بالكلاكلة وقطعا السقف حتى سببا فجوة فيه ونزل عن طريقها المدان الثاني المذكور في داخل الدكان وناول المدان الأول المذكور مولداً كهربائياً ومسجلاً مستعملين كما أحضر معه من درج الدكان مبلغاً وقدره 22250 وبعد أن أخفيا المسروقات ونزلا من أعلى الدكان وكانا في طريقهما إلى حي كرتون مايو ألقت القبض عليهما دورية طوف القوات المسلحة التابعة لمصنع الذخيرة ولم يخف المدانان السبيل ولم يرعبا أحداً من الناس ولم يغالبا ولم يقوما بأي مكابرة أو مدافعة في محاولة أخذ المال المسروق أو النجاة به بل استسلما لأفراد القوات المسلحة دون مقاومة
الأسباب
باستقراء محضر المحاكمة الذي أعدته محكمة الموضوع (القاضي أحمد الطاهر النور قاضي المديرية) ومذكرة محكمة الاستئناف يتبين أن المدانين المذكورين ارتكبا مخالفة المادة 78/322(1) مقروءة مع المادة 320(2) من قانون العقوبات ( جريمة السرقة غير الحدية بالاشتراك ) ومخالفة المادة 78/392 مقروءة مع المادة 384(ج) ( جريمة السطو على الأمكنة ليلاً بالاشتراك)
نلاحظ أن المحضر الذي أعده القاضي أحمد الطاهر نظيف للغاية ومنضبط ورائع وقد أبدع في صياغة الحكم في تسلسل ومناقشة عناصر الجريمة على ما جرى عليه العمل قضاءاً مما يجعلنا نشيد بهذا القاضي على هذا الجهد العظيم الذي استحق عليه خير الجزاء ونسأل الله تعالى أن يجزيه عن العدالة جزاءً حسناً والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً ونقرر أن يدرج هذا الثناء على هذا القاضي وهو أهل له وأكثر منه وذلك في ملفه السري
إن المادة 396 من قانون العقوبات لسنة 1983م تعاقب بالإعدام أو القطع من خلاف أو السجن المؤبد والنفي كل من يتعدى على الأمكنة ليلاً مع الترصد أو يسطو على الأمكنة ليلاً لأجل ارتكاب جريمة حدية
إن العقوبات الحدية المذكورة في هذه المادة هي عقوبات جريمة الحرابة في الشريعة الإسلامية فقد ورد في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الأول ص 542 ما يلي :
( ولجريمة الحرابة أكثر من عقوبة واحدة وذلك ظاهر من قوله تعالى " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض " – (المائدة 33)- فعقوبة الحرابة على القتل والصلب وقطع الأيدي والأرجل من خلاف والنفي )
وفي المنشور الجنائي رقم 96/83 ورد مايلي:
وعلى هدي هذه الآية (33 سورة المائدة أعلاه)
نصت المادة 334 عقوبات على الآتي : ( يعاقب من ارتكب جريمة النهب بالإعدام أو الإعدام مع الصلب أو القطع من خلاف أو السجن المؤبد مع النفي )
وقد نص المنشور الجنائي رقم 109/84 بأن النفي يتحقق بالسجن أخذاً برأي الأحناف وقد ورد في المذكرة التفسيرية لقانون العقوبات لسنة 1983م ما يلي :
( فإذا استمر الناس في قطع الطريق أو النهب أو السطو فقد وجب عليهم حد الحرابة على النحو المفصل في المواد 332 وما بعدها وهو القتل والصلب أو القطع من خلاف أو النفي من الأرض مع السجن )
فإذا كانت العقوبات المنصوص عليها في المادة 396 من قانون العقوبات لسنة 1983م هي العقوبات المستحقة لجريمة دون غيرها من جرائم الحدود فيثور السؤال ما إذا كان ما أتاه المدانان المذكوران يعد جريمة حرابة مما يستوجب معه إنزال إحدى هذه العقوبات عليها ؟؟
وإذا كانت جريمة الحرابة من جرائم الحدود السبعة المقررة في الشريعة الإسلامية والأصل فيها النص القرآني الشريف في الآية 33 من سورة المائدة المشار إليها سابقاً فإننا لا نجد نصاً صريحاً عليها من بين مواد قانون العقوبات لسنة 1983م المستمد من شريعة الله عز وجل إلا أنه بات من المستقر عليه قضاءً بأن جريمة النهب المعرفة في المادة 332 من قانون العقوبات لسنة 1983م هي نفسها جريمة الحرابة الواردة في الشريعة الإسلامية فقد جاء في حيثيات حكم المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد جمال محمد حسين نشرة الأحكام الرباعية يناير – فبراير – مارس 1984م ص 26/27 ما يؤيد هذا النظر ما يلي :
( أما فيما يختص بجريمة النهب تحت المادة 339 من قانون العقوبات فرغم أن المشرع لم يسمها ( جريمة الحرابة ) إلا أنه يبدو أن المشرع قد قصد إلى ذلك بدليل أن المذكرة التفسيرية لقانون العقوبات لسنة 1983م قد أشارت إلى هذا كما أن العقوبات التي وضعت لجريمة النهب هي نفسها عقوبة حد الحرابة لتي جاءت في الآية المشار إليها أعلاه – المائدة الآية 33 )
أنظر كذلك المادة 332 من قانون العقوبات كما أشار إلى ذلك السيد رئيس القضاء في المنشور الجنائي رقم 96/83 قصد المشرع واضح كما أسلفنا القول وهو أن جريمة النهب المعرفة في المادة 332 من قانون العقوبات هي نفسها جريمة حد الحرابة
جاء في المنشور الجنائي 93/83 ما يلي :
لقد أضحت جريمة النهب بموجب قانون العقوبات لسنة 1983م جريمة من الجرائم الحدية
فإذا كانت جريمة النهب المعرفة في المادة 332 من قانون العقوبات لسنة 1983م هي نفسها جريمة الحرابة الواردة في الشريعة الإسلامية فإنها تعرف كالآتي : في كل جريمة نهب لا بد من توافر جريمة السرقة أو جريمة الابتزاز
تكون السرقة نهباً إذا سبب الجاني أو شرع في أن يسبب قصداً لأي شخص موتاً أو أذىً أو حجزاً غير مشروع أو خوفاً من موت عاجل أو أذىً عاجلاً أو حجزاً غير مشروع عاجل وكان ذلك لغرض ارتكاب السرقة أو عند ارتكابها أو عند الهروب أو الشروع في الهروب بالأموال التي حصل عليها من السرقة
ويكون الابتزاز نهباً إذا كان الجاني حاضراً عند ارتكاب الابتزاز مع الشخص الذي حصل تخويفه ويرتكب الابتزاز بتخويف ذلك الشخص بموت عاجل أو بأذىً عاجل أو بحجزٍ عاجل غير مشروع يصيبه أو يصيب شخصاً آخراً وبذلك يحمل الشخص الذي حصل تخويفه على تسليم الشيء الذي ابتز منه
وجريمة الحرابة في معناها الشرعي تعني قطع الطريق لأخذ المال وأخذ المال مجاهرة أو الخروج لأخذ المال على سبيل المغالبة وهي إخافة السبيل لأخذ المال
وقد ورد في حكم المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد جمال محمد حسين المشار إليها سابقاً ما يلي :
( جريمة الحرابة كما هو متفق عليها في الفقه الإسلامي هي قطع الطريق لأخذ المال مجاهرة وعن طريق المغالبة )
وقد جاء في حكم المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد محمد عبد الشافع ساكن نشرة الأحكام الرباعية يناير – فبراير – مارس 1984م ص 36 – 37 ما يلي :
(والرأي الذي عليه جمهور الفقهاء أن المحارب هو المسلم أو الذمي الذي يقطع الطريق و يخرج لأخذ المال على سبيل المغالبة ) وأرى أن هذا التعريف هو الذي يجب أن يعول عليه ويرى الظاهرون أن المحارب هو المكابر المخيف لأهل الطريق المفسد في الأرض فيدخل في المحاربين قاطع الطريق واللص ولكنهم يرون أن اللص إذا دخل متخفياً ليسرق ولم يخف أحد فإنما هو سارق عليه ما على السارق والذي يراه الظاهريون من أن اللص إذا دخل متخفياً ولم يسرق ولم يخف أو يكابر أو يدافع فإنما هو سارق عليه ما على السارق هو في رأيي عين الصواب لتخلف عنصر المغالبة الذي اشترطه جمهور الفقهاء الشرط الذي اتفقوا عليه جميعاً كشرط أساسي في جريمة الحرابة أن تكون هناك إخافة للناس أو إرعاب لهم أو مغالبة على الأخذ أو مكابرة أو مدافعة أو محاولة أخذ المال أو النجاة به)
وجاء في كتاب التشريع الإسلامي ص 639 الجزء الثاني ما يلي :
(الخروج لأخذ المال على سبيل المغالبة ليس حرابة )
وفي المذكرة التفسيرية لقانون العقوبات لسنة 1983م جاء ما يلي :
( الجاني قد يستعمل القوة والرهبة لأخذ مال الغير عنوة وفي سبيل تحقيق ذلك لا يبالي أقتل أم أرهب وهو بهذه الصفة يعتبر محارباً )
وجاء في المنشور الجنائي رقم96/83 ما يلي :
( جريمة النهب والتي عرفت في الفقه الإسلامي بالحرابة أو قطع الطريق أو السرقة الكبرى وقد غلظ فيها المشرع العقوبة بخلاف جريمة السرقة الحدية لأنها من الجرائم ذات الخطر العام وغالباً ما يستخدم فيها الجاني السلاح مستهدفاً أرواح العباد وأموالهم وإثارة القلق والفزع في الأنفس واضطراب الأمن والطمأنينة في المجتمع)
وعليه فإن أركان جريمة الحرابة التي تنهض عليها على ضوء تعريفها في الفقه الإسلامي وفي المادة 332 من قانون العقوبات لسنة 1983م كما أسلفنا هي :
(1) الخروج بقصد أخذ المال (2) الخروج بقصد أخذ المال مجاهرة لا خفية وعلى سبيل المغالبة والقوة والغصب والقهر لا خلسة (3) ارتكاب جريمة سرقة حدية أو غير حدية أو ارتكاب جريمة الابتزاز (4) تسبيب الموت أو الأذى غير المشروع أو التخويف بتسبيب الموت أو الأذى أو الحجز غير المشروع (5) توافر البينة الشرعية كما نصت عليها المادة 78 من قانون الإثبات لسنة 1983م (6) انعدام أية شبهة من الشبهات المدرئة للحدود وانعدام أي مسقط من مسقطاتها
ففي القضية التي بين أيدينا ثابت أن خروج المدانين المذكورين كان بقصد أخذ المال لأنهما يقران بأنهم اشتريا المقص الحديدي من أجل ارتكاب جريمة السرقة ولكن نجد أن الركن الثاني من أركان جريمة الحرابة غير متوفر مما يجعلنا نقرر في اطمئنان أن المدانين لم يرتكبا جريمة النهب ذلك لأنهما لم يأخذا مال المواطن عبد الله سيد أحمد مجاهرة بل تسلقا إلى سقف الدكان ودخلا فيه خفية ولم يخيفا السبيل لأخذ المسروقات ولم يأخذاها على سبيل المغالبة فلم يخيفا أحداً من الذين قبضوا عليهما من أفراد القوات المسلحة ولم يغالبا ولم يدافعا وليس في حيازتهما سلاح قاتل سوى ذلك المقص الحديدي الذي قصد به قطع سقف الدكان وليس للقتال ولم يقاوما من ألقى القبض عليهما بل استسلما لهم ومن ثم فهما ليسا بمحاربين لتخلف الشرط الذي اتفق عليه جميع الفقهاء في جريمة الحرابة من أن تكون هناك إخافة للناس أو إرعاب لهم أو مغالبة على الأخذ أو مكابرة أو مدافعة في محاولة أخذ المال أو النجاة به كما أن المدانين لم يسببا موتاً أو أذىً أو حجزاً غير مشروع أو تخويفاً بالضرر لأي شخص أثناء ارتكابهما جريمة السرقة
إن فعل المدانين المذكورين يقع تحت تعريف جريمة السطو على الأمكنة ليلاً كما نصت عليه المادة 384(ج) من قانون العقوبات لسنة 1983م حيث جاء في هذه المادة أنه يقال عن الشخص الذي يتعدى على الأمكنة بأنه ارتكب جريمة السطو على الأمكنة إذا توصل إلى الدخول فيها أو في أي جزء منها بأي طريقة من الطرق الست المبينة فيما بعد أو إذا كان موجوداً في المسكن أو في أي جزء منه لغرض ارتكاب جريمة فيه الخ ثم يخرج منه من أي جزء منه بأحدى هذه الطرق الست ومن ضمن هذه الطرق الطريقة المنصوص عليها في الفقرة (ج) وهي إذا دخل أو خرج عن طريق منفذ يكون قد فتحه لأجل ارتكاب جريمة التعدي على الأمكنة بأية طريقة لم يكن شاغل المسكن يريد فتح ذلك المنفذ بواسطتها
وتعريف التعدي على الأمكنة كما نصت المادة 381 عقوبات يشمل كل من يرتكب تعدياً جنائياً بالدخول أو البقاء في أي بناء أو خيمة أو سفينة تستعمل كسكن للإنسان و في أي بناء يستعمل كمحل للعبادة أو لحفظ الأموال أو في عربة للسكك الحديدية لنقل الأشخاص أو البضائع
والتعدي الجنائي كما نصت عليه المادة 380 عقوبات يشمل كل من يدخل عقاراً أو مكاناً أو أي شيءٍ آخر في حيازة شخص آخر قاصداً بذلك ارتكاب جريمة أو إرهاب أو أي شخص يضع يده على هذا العقار أو المكان أو الشيء أو إهانته أو مضايقته
إن المدانين المذكورين قد ارتكبا جريمة التعدي الجنائي وبما أن هذا التعدي الجنائي كان لداخل بناء يستعمل لحفظ ممتلكات ( دكان لحفظ البضائع ) فإنهما يكونان قد تعديا على الأمكنة وبما أن تعديهما على الأمكنة قد توصلا إليه بالدخول عن طريق منفذ فتحاه بقطع سقف الدكان بالمقص الحديدي ليتعديا على الدكان فإنهما يكونان قد ارتكبا جريمة السطو على الأمكنة وبما أن ذلك تم ليلاً فإن جريمتهما تكون هي السطو على الأمكنة ليلاً مما يوقعهما تحت طائلة المادة 392 مقروءة مع المادة 384(ج) عقوبات ( جريمة السطو على الأمكنة ليلاً )
ثابت من إقرار المدانين المذكورين حيث لم يشاهدهما أحد وهما يقومان بسرقة دكان المواطن عبد الله سيد أحمد ثابت بأنهما ارتكبا جريمة السرقة لأن كل عناصرها قد تحققت إذ أنهما أخذا خفية وبسوء قصد مالاً متقوماً مملوكاً للغير من حيازة صاحبه المواطن عبد الله سيد أحمد ودون رضاه من مكان معد لحفظه أي من حرزه
ولكن نرى أن إقرار المدانين المذكورين لم يستوف شرطاً من شروطه اللازمة التي تجعله جديراً بإثبات جريمة السرقة الحدية ذلك لأنه لم يثبت ركن النصاب الشرعي الذي يجب أن يتوفر لتوقيع عقوبة القطع وهو أن تكون قيمة المسروقات مائة جنية حسب المنشور الجنائي 86/83 فالمدانان لم يقرا في إقرارهما بأن قيمة المسروقات هي مائة جنيه أو أكثر بل لا يعرفان مطلقاً قيمة المولد الكهربائي أو المسجل وإذا كان إقرار المدانين لم يثبت قيمة المسروقات فما هي الأدلة التي ارتكزت عليها محكمة الموضوع في ذلك؟
نجد أن محكمة الموضوع تقول بشأن ذلك ما يلي :
( والثابت من البينة أن المتهمين قد قاما بأخذ مولد كهربائي ومسجل ناشيونال ومبلغ نقدي قدره اثنين وعشرون جنيهاً وخمسة وعشرون قرشاً وهي مبلغ على حسب أقوال شاهد الاتهام الثاني وعلى حسب ما هو معروف أمام المحكمة وكل قرائن الأحوال يتجاوز مبلغ المائة جنيه وهي نصاب السرقة )
فواضح أن محكمة الموضوع ارتكزت في إثبات النصاب على (1) إفادة صاحب المال المسروق عبد الله سيد أحمد (2) علم المحكمة العام وانطباعاتهاعن المسروقات المعروضة أمامها (3) قرائن الأحوال
ولكن كل هذه البينات غير جديرة شرعاً بإثبات ركن النصاب لجريمة حدية كجريمة السرقة
إزاء شهادة صاحب المال المسروق عبد الله سيد أحمد بما أننا بصدد إثبات جريمة حدية يتعين بأن نقرر بأن إفادته كخصم مرفوضة شرعا لشبهة التهمة لأنه شرعاً يدخل تحت التهمة أن يكون للشاهد مصلحة تعود من أداء الشهادة ومن يجر لنفسه نفعاً ولا شك أن صاحب المال المسروق المواطن عبد الله سيد أحمد يدخل تحت هذه الصفات والأصل في عدم قبول الشهادة للتهمة وللخصومة في إثبات جرائم الحدود وما رواه ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين ولا ذي الحنة ) الظنين هو المتهم بالمحاباة فصاحب المال المسروق يعتبر خصماً للسارق ويعتبر متهماً بالمحاباة وأيضاً بالحجة في رفض الشهادة للتهمة في جرائم الحدود قوله صلي الله عليه وسلم :( لا تجوز شهادة ظنين )
وإذا كانت المادة 27 من قانون الإثبات لسنة 1983م تعرف البينة بأنها هي البينة الشفوية لشخص عن إدراكه المباشر لواقعة تثبت مسئولية مدعى بها على آخر في مجلس القضاء ومواجهة الخصوم فإن ذلك يعين بوضوح أن الخصم ليس شاهداً وأيضاً صاحب المال المسروق كشاكي فإن إفادته غير مقبولة شرعاً في إثبات جرائم الحدود كجريمة السرقة موضوع هذه القضية المطروحة فقد ورد في حكم المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد موسى باشا هبيلا نشرة الأحكام الرباعية إبريل – مايو – يونيو 1984م ص 36 ما يلي :
( أما الشاكي فإنه يشهد لنفسه وشهادة الإنسان لنفسه غير معتبرة شرعاً )
وقالت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد فيتر وتر دينق وعوض محمد عبد الجليل نشرة الأحكام الرباعية أكتوبر – نوفمبر – ديسمبر 1983م ص 34 وشهادة الشاكي غير مقبولة شرعاً
ومن ثم فإن ما قاله صاحب المسروقات عبد الله سيد أحمد من أن قيمة المولد الكهربائي هي ألف جنيه وأن قيمة المسجل ثلاثمائة جنيه ينبغي ألا يعتد بها لإثبات النصاب الشرعي في هذه الجريمة الحدية وبما أن جرائم الحدود تستوجب ضرورة التثبت و الاستيثاق ينبغي على القاضي ألا يقضي فيها بما علم من خلال انطباعاته واستنتاجاته واستنباطاته الخاصة وليس له أن يقضي فيها بما رأى ولو أقر الجاني ما دام كل ذلك في غير مجلس القضاء فالمادة 16 من قانون الإثبات لسنة 1983م تنص على أنه لا يحكم القاضي بعلمه الشخصي ونجد أن علم القاضي ليس من البينة المثبتة لجرائم الحدود حسب نص المادة 78 من قانون الإثبات لسنة 1983م وفي قضية حكومة السودان ضد العوض مركز معالي نشرة الأحكام الشرعية الرباعية أكتوبر – نوفمبر – ديسمبر 1983 ص 35 قضى بأنه عند الإدانة بموجب المادة 321(2) من قانون العقوبات لسنة 1983 لا تحكم المحكمة بعلمها العام وقالت المحكمة في تلك السابقة :
( الأبقار التي أدين المتهم بسرقتها ثمان إناث وعجل صغير وبالرغم من اقتناعي بأن قيمة الأبقار بل قيمة الواحدة منها تفوق النصاب بكثير إلا أن ذلك ناتج عن معلوماتي العامة ولكن لا يجوز ولا للمحكمة الأدنى أن تقضي بعلمها وعليه فلا بد من أن تستدعي المحكمة خبيراً ليدلي بأقواله عن قيمة الأبقار المسروقة حسب تقديره ) والحجة والسند في أنه ليس للقاضي في جرائم الحدود أن يقضي بما علم أو بما سمع أو بما رأى لما روي عن سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قوله :
( لو رأيت رجلاً على حد لم أحد حتى تقوم عليه البينة عندي )
عند إثبات النصاب بقرائن الأحوال كما رأت محكمة الموضوع فإن ذلك مرفوض شرعاً لأن قرائن الأحوال غير جديرة بإثبات أي ركن من أركان أية جريمة حدية مثال النصاب في جريمة السرقة التي بين أيدينا وذلك لوجود شبهة الإثبات التي تتحوط بها من كل جانب ولكن لا تخريب في الارتكاز على قرائن الأحوال أو البينات الظرفية في حالة الجرائم غير الحدية إذا ما اطمأن لها وجدان القاضي مع توفر كل الشروط إن الإجراء السليم الذي كان يتعين على محكمة الموضوع اتباعه أن تخضع المولد الكهربائي والمسجل لتثمين يقوم به خبيران على الأقل لإثبات قيمتهما من أجل الوصول إلى النصاب الشرعي لهذه الجريمة الحدية
ومن ثم بما أن النصاب الشرعي الركن الأساسي من أركان جريمة السرقة الحدية موضوع هذه القضية التي بين أيدينا غير ثابت بما لا يدع مجالاً للشك المعقول بالبينة الشرعية وفقاً لنص المادة 78 من قانون الإثبات لسنة 1983م فإننا نقرر أن الجريمة التي ارتكبها المدانان المذكوران هي جريمة السرقة غير الحدية تحت المادة 332(1) من قانون العقوبات لسنة 1983م وليست جريمة السرقة الحدية تحت المادة 322(2) من نفس القانون
فإذا كان المدانان لم يرتكبا جريمة الحرابة المعرفة في المادة 332 من قانون العقوبات لسنة 1983م والموصوفة في الآية الكريمة رقم 33 من سورة المائدة كما أبنا والمعاقب عليها في المادة 334 من نفس القانون بالإعدام أو الإعدام مع الصلب أو القطع من خلاف أو السجن المؤبد مع النفي
وإذا كان المدانان ارتكبا جريمة السرقة غير الحدية تحت المادة 322(1) مقروءة مع المادة 320(1) عقوبات كما أوضحنا
فهل يجوز شرعاً لأي محكمة أن توقع عليهما إحدى العقوبات الحدية الواردة في المادة 396عقوبات والتي يجب ألا توقع إلا على المحارب الذي ارتكب جريمة الحرابة ؟؟؟
إن الحدود يعبر عنها الفقهاء بأنها حق الله عز وجل ومن ثم فهي ثابتة لا تقبل مطلقاً التبديل ولا التغيير ولا الزيادة ولا النقصان لأنها هي العقوبات التي رصدها الله سبحانه وتعالى لمن يقترفها وذلك بنص كتابة الكريم وعلى لسان نبيه الصادق الأمين فقد ورد في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الأول ص 612 ما يلي :
( جرائم الحدود التامة وهي سبع جرائم (1) الزنا (2) القذف (3) الضرب (4) السرقة (5) الحرابة (6) الردة (7) النفس وقد وضعت الشريعة لهذه الجرائم السبع عقوبات مقدرة وليس للقاضي أن ينقص منها أو يزيد فيها أو يستبدل بها غيرها فمن ارتكب جريمة منها أصابته العقوبة المقدرة
ولذلك فإن الزيادة أو النقصان في عقوبة الحدود أو الاستبدال بمعنى توقيع حد شرعي على جريمة ليست حدية أو توقيع حد مقرر لجريمة حدية على جريمة أخرى حدية مقرر لها حد آخر كل ذلك يقود إلى مخالفة صريحة للأمر الإلهي العظيم وبالتالي يقود إلى الاعتداء على أحكام الشريعة الإسلامية السمحاء فقد ورد في الحديث الشريف : ( من بلغ حداً في غير حد فهو من المعتدين )
فيجب أن يؤخذ الجانئ بقدر ما فعل وبقدر ما اكتسب وقد قضت المحكمة العليا في قضية محمد عبد الشافع ساكن المشار إليها سابقاً بأنه لا يسع القاضي أن يخالف النص ولا يمكنه أن يزيد أو ينقص في عقوبة الحدود ومن باب أولى لا يمكنه أن يوقع حداً شرعياً على جريمة ليست حدية أو أن يوقع حداً مقدراً لجريمة حدية على جريمة أخرى حدية مقرراً لها حد آخر
وعليه فإنه لا يجوز شرعاً في القضية التي بين أيدينا أن توقع عقوبة الحرابة الواردة في المادة 396 عقوبات على المدانين الذين لم يرتكبا جريمة الحرابة ولكنهما ارتكبا جريمة السطو على الأمكنة ليلاً تحت المادة 392 عقوبات وارتكبا جريمة السرقة غير الحدية تحت المادة 322(1) عقوبات وقد ورد على لسان المحكمة العليا في قضية محمد عبد الشافع ساكن المذكورة على ص 38 ما يؤيد هذا النظر بما يلي :
( إن توقيع أي من هذه العقوبات (عقوبة جريمة الحرابة) على من لم يرتكب واحداً من هذه الأفعال (جريمة الحرابة) فيه مخالفة صارخة لأحكام الشريعة لما يستوجب على القاضي عدم توقيع عقوبة الحرابة على من يثبت أنه ارتكب جريمة أخرى غير الحرابة سواء كانت هذه الجريمة الأخرى التي ارتكبت تعاقب بحد أم بعقوبة أخرى )
لهذه الأسباب مجتمعة نقرر الآتي :
1- إلغاء الإدانة بجريمة الحرابة تحت المادة 396 من قانون العقوبات لسنة 1983م
2- إلغاء عقوبة القطع من خلاف
3- تعاد الأوراق لمحكمة جنيات الامتداد الجنوبي الخرطوم لتوقيع العقوبة التعزيرية تحت المادة 392 و 322(1) عقوبات على المدانين المذكورين بعد سماع شهود الأخلاق والأسباب المخففة ( إن وجد ذلك ) وبعد الاطلاع على السوابق مع اعتبار خطورة الجريمتين

