حكومة السودان ضد جعفر محمد علي إشيقر
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد عمر بخيت العوض قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد حسن علي أحمد قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد الأمين تاتاي قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد جعفر محمد علي إشيقر
م ع/أ ج/9/8
المحامون :
عبد الرحيم موسى , فضل بربري أحمد دياب , عبد الحليم الطاهر
أحمد كمال العاص من النائب العام
المبادئ:
- لدستور الدائم – المادة 134- لا حصانة لعضو مجلس الشعب في حالة الجرائم المطلقة - لائحة تنظيم مجلس الشعب – المادة 134- ضرورة أخذ إذن رئيس مجلس الشعب لاتخاذ الإجراءات الجنائية في حالة الجرائم غير المطلقة
- إجراءات جنائية – المخالفات الإجرائية اللاحقة لها لا تبطل الإجراءات السابقة التي تمت
1- أن عضو مجلس الشعب ليس له أي نوع من الحصانة أو الحماية ضد الجرائم الخطيرة التي يمكن القبض فيها دون أمر قبض حتى لو وقعت أحداث الجريمة داخل مجلس الشعب نفسه
2- بالنسبة للجرائم الغير مطلقة لا تتخذ ضد عضو مجلس الشعب أية إجراءات جنائية سواء وقعت أحداث الجريمة داخل أو خارج مجلس الشعب إلا بإذن من رئيس المجلس وبعد تحقيق شرطين :
أولاً: إخطاره بماهية التهمة المدعى بها
ثانياً: تقديم شهادة بأن التهمة المدعى بها غير متصلة بعمله في مجلس الشعب
3- على الرغم من عدم حصول الإذن السابق من رئيس مجلس الشعب كما أوجبت المادة 134 من لائحة تنظيم أعمال مجلس الشعب لسنة 1978 وبالرغم من عدم إخطار رئيس المجلس بأن التهمة لا تتصل بعمل العضو في مجلس الشعب أو لجانه فإن المخالفة التي وقعت لا تجعل كل الإجراءات التي تمت باطلة ولا تنفي أن هناك اتهاماً بالرشوة وذلك لأن جريمة الرشوة غير متصلة بأعمال العضو في المجلس
رأي معارض :
الحصول على إذن رئيس مجلس الشعب في الأحوال المنصوص عليها في المادتين 134و135 من لائحة تنظيم مجلس الشعب أمر إلزامي ويترتب علي مخالفة ذلك بطلان الإجراءات بطلاناً مطلقاً
الحكـــم
القاضي حسن علي أحمد :
المتهم جعفر محمد علي اشيقر هو عضو بمجلس الشعب القومي سبق أن فتح ضده بلاغ جنائي تحت المواد 128 (أخذ الموظف العام لجزاء عن عمل رسمي غير أجره القانوني) 153(تقديم البيان الكاذب عن علم إلي موظف عام) والمادة 480(التزوير لأجل الاحتيال) من قانون العقوبات , حول هذه التهم كونت لجنة التحقيق مع المتهم بعد أن تم أخذ الإذن من السيد رئيس مجلس الشعب القومي وفقاً لمتطلبات المادة 134 من لائحة تنظيم أعمال مجلس الشعب لسنة 1978 مقروءة مع المادة 134 من الدستور الدائم لجمهورية السودان الديمقراطية
في يوم 30/10/1979 أبلغ عضو لجنة التحقيق مع المتهم في البلاغ المشار إليه آنفاً مقدم الأمن مصطفى محمد علي بأن المتهم جعفر علي اشيقر قد عرض عليه مبلغ خمسمائة جنيه كرشوة بناء على هذا البلاغ قبض البوليس على المتهم وتحرى معه دون أن يأخذ إذن جديدا من رئيس مجلس الشعب القومي كما فعل في البلاغ الأول
بعد انتهاء التحريات مع المتهم قدم للمحاكمة بمحكمة جنايات الخرطوم جنوب في يوم 6/12/1979 وقد مثل للدفاع عنه ثلاثة محامون هم الأستاذ عبد الرحيم موسى – فضل بربري – الأستاذ أحمد دياب كما مثل الاتهام الأستاذ أحمد كامل العاص – وكيل نيابة الخرطوم وهو في ذات الوقت رئيس اللجنة التي تباشر التحقيق مع المتهم في البلاغ الأول
وفي أثناء مناقشة هيئة الدفاع للمتحري أثيرت مسألة حصانة المتهم البرلمانية وبناء عليه طلبت هيئة الدفاع عن المتهم شطب البلاغ لبطلان الإجراءات بحسب أن إذن رئيس مجلس الشعب القومي ولم يتحصل عليه رد الاتهام على هذا الدفع بأن الإذن في البلاغ الأول الصادر من رئيس مجلس الشعب القومي ينسحب على هذا البلاغ أيضاً
بتاريخ 8/12/1979 كتب القاضي الذي يباشر محاكمة هذا البلاغ خطاباً للسيد رئيس مجلس الشعب القومي يطلب فيه منه التأكيد بأن إذنهم السابق ينسحب على هذا البلاغ أيضاً وقد رد عليه المستشار القانوني لمجلس الشعب القومي في نفس اليوم بما يفيد أن قرار رئيس مجلس الشعب القومي الخاص برفع الحصانة عن المتهم في البلاغ الأول ينسحب على هذا البلاغ وأي بلاغ آخر يتمخض عنه لأن هذا البلاغ مرتبط بالبلاغ الأول
على ضوء هذا التفسير الصادر من المستشار القانوني لمجلس الشعب قررت المحكمة الاستمرار في إجراءات المحاكمة فسمعت شهود الاتهام واستجوبت المتهم ثم وجهت له تهمة تحت المادة 131 من قانون العقوبات (عرض جزاء ليكون حافزاً لإظهار التحيز عند القيام بعمل رسمي)
استأنف محامو المتهم قرار قاضي الموضوع هذا لقاضي المديرية ملتمسين شطب إجراءات المحاكمة لمخالفتها لمنطوق المادة 134 من الدستور الدائم لجمهورية السودان وللمادتين 134و135 من لائحة مجلس الشعب القومي حيث أن المتهم عضو لمجلس الشعب القومي وقد اتخذت في مواجهته هذه الإجراءات الجنائية دون إذن سابق من السيد رئيس مجلس الشعب القومي حسب ما تتطلبه المواد المذكورة كما يعتبرون أن الخطاب الواصل من المستشار القانوني لمجلس الشعب عبارة عن استشارة قانونية ولا يعتبر إذناً صادراً من السيد رئيس مجلس الشعب القومي وفق ما تتطلبه المواد المذكور
رفض قاضي المديرية طلب هيئة الدفاع للأسباب التالية :-
1- أن المتهم سبق أن رفعت منه الحصانة في بلاغ سابق لهذا البلاغ فهو بوضعه هذا يقف ماثلاً أمام المحكمة دون أن تكون لديه حصانة ومن ثم لا يستلزم الأمر طلب إذن من رئيس مجلس الشعب القومي من جديد
2- لم ينص على أخذ الإذن في كل تهمة تالية
3- أن المادة 135 من لائحة مجلس الشعب لا مجال لتطبيقها في هذا البلاغ فالمتهم في هذا البلاغ يقف مجرداً من حصانته ولا يعقل الرجوع إلي لائحة المجلس لتطبيقها على من ليس عضواً بالمجلس
استأنف محامو المتهم قرار قاضي المديرية لمحكمة الاستئناف وضد ذلك القرار قدم محامو المتهم الدفوع التالية :
1- نشأت بعض الادعاءات ضد المتهم جعفر محمد علي اشيقر تتعلق بتوزيعه قطع أراضي في المنطقة الصناعية بوصفه رئيساً لمجلس شعبي المنطقة
2- قبل فتح البلاغ ضده في الادعاءات المذكورة ولسبب عضويته بمجلس الشعب القومي – طلب إذن رئيس مجلس الشعب القومي بفتح بلاغ ضده أذن رئيس مجلس الشعب القومي بذلك بكتاب المستشار القانوني لوكيل النيابة المؤرخ 13/9/1979 والذي ورد فيه الآتي :-
" رفع حصانة العضو جعفر محمد علي اشيقر تحت المواد 128-153-408" بعد الاطلاع على خطابكم بتاريخ 12/9/1979 أفيدكم بأن السيد رئيس مجلس الشعب قد وافق على رفع حصانة العضو المذكور
3- بعد الكتاب المذكور تم فتح بلاغ نمرة 5458/79 في المواد المذكورة ضد جعفر محمد علي اشيقر وآخرين وأجرت التحقيق معه في البلاغ لجنة مكونة برئاسة وكيل النيابة وعضوية طه جمعة وهو مقدم شرطة ومصطفى محمد علي وهو مقدم في الأمن القومي
4- في 30/10/1979 وبناء على ادعاء من عضو لجنة التحقيق المقدم مصطفى محمد علي بأن المتهم جعفر محمد علي اشيقر قدم له رشوة تم فتح البلاغ نمرة 2712/79 تحت المادة 1313 من قانون العقوبات وذلك دون حصول على إذن سابق من رئيس مجلس الشعب
5- في أثناء سماع القضية بتاريخ 8/12/1979 كتب قاضي الجنايات إلي المستشار القانوني لمجلس الشعب وحصل منه في نفس اليوم على الخطاب الذي يقول فيه المستشار (المحكمة : أورد مضمونه آنفاً)
6- اعتمد قاضي الجنايات في قراره برفض الطلب ببطلان الإجراءات على كتاب المستشار المذكور
7- في مذكرته في إعادة النظر اعتمد قاضي المديرية أيضاً على ما ورد في كتاب ولكنه ذهب أبعد من ذلك (المحكمة أوردت أسباب قاضي المديرية لرفض الطلب)
8- أن المتهم جعفر محمد علي اشيقر لم يفقد عضويته في مجلس الشعب القومي سواء بسبب البلاغ الأول أو البلاغ الماثل أو لأي سبب آخر وأن عضو مجلس الشعب تسقط عضويته وفقاً لما جاء في المادة 131 من الدستور الدائم ولم يتحقق أي من أحكام هذه المادة في شأن جعفر محمد علي اشيقر كما أن المواد 134 من الدستور و134 و135 من اللائحة تفترض افتراضاً استمرار عضوية العضو في المجلس وذلك لأن هذه المواد توجب إخطار رئيس المجلس بالتهم المدعى بها كما توجب الحصول على إذنه لاتخاذ الإجراءات الجنائية
9- يبدو أن عبارة (رفع الحصانة) المستعملة في كتاب المستشار مجلس الشعب والتي رددها قاضي المديرية كثيراً في قراره المستأنف ضده عبارة غير موفقة وهي التي أحدثت كثيراً من اللبس والغموض وهذه العبارة لو أخذت باستقلال تام عن القانون وفسرت بحسب معاني الكلمتين الواردتين فيها قد تعني أن الحصانة عبارة عن امتياز ممنوح للشخص وأن رفعها يعني زوالها ويبدو أن قاضي المديرية قد فسر العبارة على هذا النحو ولم يهتم بالمادة 134 من الدستور والمادتين 134و135 من اللائحة وباستقراء المواد المذكورة يلاحظ أن هذه العبارة وردت فقط في المادة 135 من اللائحة وأنه ليس لها أي معنى قانوني خاص ويمكن أن تسقط من المادة 135 من اللائحة المذكورة ولا يكون لها وجود كما هي الحال في المادة 134 من الدستور والمادة 134 من اللائحة دون أن يتأثر قصد المشرع في المواد المذكورة
10-يبدو من مذكرة قاضي المديرية أنه اعتمد في حكمه على ما ورد في كتاب المستشار القانوني لمجلس الشعب للمحكمة المؤرخ 8/12/1979 ويلاحظ أن هذا الكتاب ليس أكثر من فتوى فسر فيها المستشار الإذن الصادر من رئيس مجلس الشعب القومي في الكتاب المؤرخ 13/9/1979 المتعلق بالبلاغ 5458/79 , وقد أخطأت محكمة الجنايات من قبل في طلبها هذه الفتوى وأخطأ قاضي المديرية في اعتماده على هذه الفتوى وكان يجدر به كذلك أن يطبق القانون بلا أدنى حاجة لهذه الفتوى
11-أن المادة 134 من الدستور تنص بكل صراحة ووضوح وبلا أي لبس أو غموض بأنه لا يجوز في غير أحوال الجرائم المطلقة القبض أو التفتيش على أي عضو في مجلس الشعب إلا بعد إخطار رئيس المجلس بماهية التهمة الموجهة للعضو وتقديم شهادة بأنها غير متصلة بعمله في مجلس الشعب وهذا النص الذي تحدث عن القبض والتفتيش والإخطار بماهية التهمة يعني بداهة أن كل اتهام يؤخذ على حده ويجب الإخطار بشأنه
وفيما يختص بالمادة 134 من اللائحة يلاحظ بأنها تمنع منعاً باتاً اتخاذ أي إجراءات ضد أي من أعضاء المجلس إلا بإذن سابق من رئيس المجلس بعد إخطاره بماهية التهمة وهذه المادة لا يقتصر أثرها على القبض وإنما يتعدى أثرها كل ذلك ليشمل الإجراءات الجنائية والتي يدخل فيها إلي جانب القبض والتفتيش والاستجواب والمحاكمة الجنائية يعني هذا أن هذه المادة تغطي كل الإجراءات التي تمت حتى الآن والتي شملت القبض على المتهم تحت المادة 131 من قانون العقوبات والتحقيق معه في التهمة وكذلك إجراءات المحاكمة
أما المادة 135 من اللائحة فأنها توضح الطريقة التي يتم بها إخطار رئيس المجلس بماهية التهمة المدعى بها والإجراءات التي يجوز للسيد رئيس المجلس اتخاذها قبل أن يأذن وذلك بحسب تقديره بالنسبة لجدية الشكوى باتخاذ الإجراءات الجنائية وهذه المادة تتحدث عن كل إجراءات جنائية منذ القبض وحتى المحاكمة تتخذ بازاء مجلس الشعب
في ضوء الثلاث مواد المذكورة وواحدة منها من الدستور يبدو واضحاً أن الحصانة ليست جلباباً يتم خلعه في إجراءات جنائية معينة ليبقى عضو مجلس الشعب بعد ذلك عارياً يمكن أن يتعرض إلي الإجراءات الجنائية في أي وقت ودون أن يتم إخطار رئيس المجلس بماهية التهمة المتصلة بالإجراءات المذكورة ودون الحصول على إذن لاتخاذها أن الحصانة المذكورة لو كانت هكذا يتم رفعها كلية كالجلباب من جراء التهمة الأولى لسقطت عضوية العضو من المجلس بمجرد اتهامه المأذون به
أن اعتماد قاضي المديرية على فتوى مستشار مجلس الشعب بأن البلاغ الماثل متفرع من البلاغ المأذون به هو قرار خاطئ تماماً فكلمة يتفرع هذه لا معنى قانوني لها ولا أثر فالبلاغ المأذون به اتصل بادعاءات لوقائع تمت في عام 1977م والبلاغ الماثل اتصل بادعاءات لوقائع تمت في 30/10/1979م والبلاغ المأذون به اتخذت فيه إجراءات تبليغ من قبض وتفتيش وخلاف ذلك مستقلة عن إجراءات البلاغ الماثل الذي اتخذت فيه هذه الإجراءات المطعون في صحتها
أن قاضي الجنايات بسعيه للحصول وحصوله فعلاً على فتوى مستشار مجلس الشعب حاول تصحيح الإجراءات الجنائية التي تمت وهذه محاولة خاطئة وأن هذه المحاولة لو حدثت مع رئيس مجلس الشعب والذي يملك السلطة في إصدار الإذن وفقاً لأحكام المادة 135 من اللائحة تكون محاولة خاطئة لأن الإذن لو صدر في تلك المرحلة لا يصحح الإجراءات التي تمت
بعد أن أثبتنا كل حجج محامي المتهم فيما يتعلق بالشق الأول الخاص ببطلان الإجراءات في البلاغ الماثل لعدم الحصول على إذن رئيس مجلس الشعب نرى كيف عالجت محكمة الاستئناف هذا الدفع
بدأت محكمة الاستئناف بالإجابة على هذا الشق بطرحها السؤال التالي :-
هل أخذ إذن رئيس مجلس الشعب بفتح البلاغ وبالتالي بمحاكمة المتهم وهو عضو في مجلس الشعب كما تقضي المادة 134 من لائحة تنظيم أعمال مجلس الشعب مقروءة مع المادة 134 من الدستور
بعد أن أثبتنا كل الحجج التي ساقها محامي المتهم فيما يتعلق بضرورة الحصول على إذن رئيس مجلس الشعب القومي قبل بدء الإجراءات الجنائية ضد المتهم وقد أحالونا إلي هذه الحجج نرى كيف عالجت محكمة الاستئناف هذا الدفع
بدأت محكمة الاستئناف بالإجابة على هذا السؤال بإيراد نص المادة 134 من اللائحة والتي تقول " فيما عدا الجرائم المطلقة لا يجوز اتخاذ أي إجراءات جنائية ضد أي من أعضاء المجلس إلا بإذن سابق من رئيس المجلس بعض إخطاره بماهية التهمة " ومضت تقول أن المادة 135 من اللائحة فأنها توضح الطريقة التي يتم بها إخطار رئيس مجلس الشعب بماهية التهمة المدعى بها والإجراءات التي يجوز لرئيس المجلس اتخاذها قبل أن يأذن وذلك بحسب تقديره بالنسبة لجدية الشكوى باتخاذ الإجراءات الجنائية وأما المادة 134 من الدستور فتنص على انه في غير أحوال الجرائم المطلقة لا يجوز التفتيش أو القبض على أي عضو من أعضاء مجلس الشعب إلا بعد إخطار رئيس المجلس بماهية التهمة الموجهة للعضو وتقديم شهادة بأنها غير متصلة بعمله في مجلس الشعب ومضت محكمة الاستئناف قائلة أن هذه المادة من الدستور لا تفهم جيداً إلا إذا قرأت مع المادة 133 من اللائحة (ولا يأخذ أي عضو من أعضاء مجلس الشعب على ما يبديه من أفكار أو آراء في أداء عمله في المجلس ولا في أي لجنة من لجانه وذلك مع مراعاة اللوائح الداخلية )
واستخلصت محكمة الاستئناف من مجمل هذه النصوص أن أعضاء مجلس الشعب ليسوا محصنين ضد قانون العقوبات فهم كغيرهم من أفراد الشعب السوداني يعاقبون إن خالفوا القانون وهم يقبض عليهم دون إذن من أحد إن كانت الجريمة المرتكبة جريمة مطلقة بمعنى أنه يجوز القبض فيها دون أمر قبض
أما طالب الإذن في الجرائم الغير مطلقة وهي التي تحتاج إلي أمر قبض فهو مراعاة ألا تكون الشكوى بسبب أراء العضو أو سلوكه في داخل المجلس وواضح أن رئيس المجلس لا يمنع إذنه إن تبين له أن الجريمة التي ارتكبها العضو لا تتعلق بعمله داخل المجلس وإن رفض أن يعطي الإذن فإن قراره قراراً باطلا لا يلتفت إليه
هذا يعني أن المراد هو أن يحاط رئيس المجلس علماً بما يفعله الأعضاء وما سيتخذ ضدهم من إجراءات وله أن يبحث الأمر ويتخذ ما هو مناسبا إن كان العضو قد أضير بسبب عمله داخل المجلس أما إن تبين له الأمر المشكو منه لا علاقة له بعمل العضو في المجلس فإنه يخلى بينه وبين القضاء فهو به كفيل وعليه أمين
ومن هذا المفهوم رأت محكمة الاستئناف أن رئيس مجلس الشعب قد أحيط علماً بالاتهام الموجه للمتهم في المرة الأولى وقد أذن بفتح البلاغ ضده وفي أثناء التحري معه اتهم بالتهمة الثانية وهي تهمة ذات صلة وثيقة بالتهمة الأولى ولا علاقة لها بعمل المتهم في المجلس ولهذا فلم يكن من الضروري أخذ إذن جديد وهذا هو المفهوم الذي فهمه رئيس المجلس إذ أن رد مستشار المجلس القانوني قد أكد أن الإذن الأول ينسحب على البلاغ الثاني وربما على أي بلاغ ضد المتهم إن كان التحري لا يزال مستمراً ولم يبرأ من التهم المنسوبة إليه وعلى أسوأ الفروض فإن خطاب المستشار القانوني للمجلس يدل على أن رئيس المجلس يعلم الآن أن بلاغاً جديداً قد تم فتحه وأن المتهم الآن يحاكم تحت هذه التهمة المنسوبة إليه ولم يكتب للجهات المعنية لإيقاف المحاكمة لأن إذنه لم يكن قد تحصل عليه
يلاحظ أن محكمة الاستئناف رغم أنها في بداية ردها على السؤال المطروح قد أوردت كل النصوص التي تحكم الحالة الماثلة وهي نصوص واضحة وصريحة فيما تهدف إليه إلا أنها قد ضربت به عرض الحائط وتجاهلت مدلولاتها ومضت تدبج كلاماً إنشائياً قد يثير عاطفة القارئ المتفرج “The amateur " ولكنه لا يرضى بحال من الأحوال ذكاء الباحث القانوني الذي يهمه النظر إلي مدى تطبيق القانون على الواقعة محل البحث
إن المادة 34 من الدستور تنص على أنه في غير أحوال الجرائم المطلقة لا يجوز التفتيش أو القبض على أي عضو من أعضاء مجلس الشعب إلا بعد إخطار رئيس المجلس بماهية التهمة الموجهة للعضو وتقديم شهادة بأنها غير متصلة بعمله في مجلس الشعب ثم جاءت المواد 133و134و135 من لائحة تنظيم أعمال مجلس الشعب لتعطي نفاذاً "to give effect to " لتلك المادة من الدستور وقد فعلت اللائحة ذلك في توسع وشمول قصد به حماية عضو مجلس الشعب في أداء واجبه المقدس كممثل لناخبيه سواء فيما يبديه من آراء أو فيما يتعرض له من كيد من خارجه فالمادة 133 من اللائحة نصت على عدم مؤاخذة أي عضو من أعضاء مجلس الشعب على ما يبديه من أفكار أو آراء وليس سلوك كما ذهبت محكمة الاستئناف – في أداء عمله في المجلس ولا في أي لجنة من لجانه وذلك مع مراعاة اللوائح الداخلية قصد ما يبديه عضو المجلس داخل المجلس من أفكار وآراء فهو محصن تماماً وهذا بديهي إذن بدون مثل هذه الحماية لتعذر عليه إبداء ما يعن له من رأي أو فكر سواء في مجال التشريع أو محاسبة السلطة التنفيذية ثم جاءت بعد هذه المادة وتالية لها مباشرة المادة 134 من اللائحة لتشرع لوضع آخر سبقتها إليه المادة 134 من الدستور ولكنها أي المادة 134 من اللائحة تخطتها في شمولية الحماية فبعد أن كانت الحماية تحت الدستور لا تتعدى القبض أو التفتيش في غير حالات الجرائم المطلقة صارت الحماية تشمل عدم اتخاذ أي إجراءات جنائية إلا بإذن سابق من رئيس المجلس وبعد إخطاره بماهية التهمة في حالة الجرائم غير المطلقة التي لا يجوز القبض فيها بأمر قبض إن الإذن المطلوب هنا ليس المراد هو أن يحاط رئيس المجلس علما ً بما يفعله الأعضاء وما يتخذ ضدهم من إجراءات كما ذهبت محكمة الاستئناف بل أنه شرط سابق لجواز اتخاذ أي إجراءات جنائية ضد أي من أعضاء مجلس الشعب في حالة الجرائم غير المطلقة والمادة 135 من اللائحة تعطي لرئيس المجلس سلطة تقديرية في أن يأذن أو لا يأذن باتخاذ الإجراءات الجنائية وذلك حسب جدية الشكوى وليس الحال هو ما ذهبت إليه محكمة الاستئناف عندما قالت أن رئيس المجلس لا يمنع إذنه إن تبين له أن الجريمة التي ارتكبها العضو لا تتعلق بعمله داخل المجلس وقولها أن رفض أن يعطي الإذن فإن قراره قراراً باطلا لا يلتفت إليه كأني بمحكمة الاستئناف تريد أن تقول أو أنها قد قالت فعلاً أنه في كل الأحوال يجب على رئيس المجلس أن يمنح إذنه في الحالة التي تشملها المادة 134 من اللائحة أو كأني بها قد مارست خياراً أضفته المادة المذكورة على رئيس المجلس بالفرض عليه في ألا يمارس سلطته التقديرية حتى ولو لم تكن شكوى جدية فإن كان الأمر كذلك فلماذا كان النص في الدستور وفي اللائحة على وجوب الحصول على الإذن هل هو عبث من المشرع الدستوري والمشرع القانوني لا طائل من ورائه ؟ ويلاحظ أن محكمة الاستئناف قد أقحمت المادة 133 من اللائحة إقحاماً في تفسيرها لمنطوق المادة 134 من اللائحة وللمرة الثانية أرى أن المادة 133من اللائحة تقدم الحماية التامة ضد الإجراءات القانونية فيما يدلي به أو يبديه عضو مجلس في داخل المجلس من آراء وأفكار وأن المادة 134 من الدستور والمادة 134 من اللائحة تعطيه حماية ضد كل الإجراءات الجنائية ما عدا الجرائم المطلقة التي يتوقف أمر تقديرها على ما يقرره رئيس مجلس الشعب من موافقته على منح الإذن أو عدم منحه وفقاً لما يراه بالنسبة لجدية الشكوى كما تنص على ذلك المادة 135 من اللائحة أو ربما لأي سبب آخر إذ أن السلطة الممنوحة له في هذا الشأن هي سلطة تقديرية غير مقيدة بقيد وأن عدم منحه الإذن يعني وفق صريح نص المادة عدم جواز اتخاذ الإجراءات الجنائية بدءاً بالبلاغ وانتهاء بالمحاكمة
أخلص من كل ذلك إلي أن عضو مجلس الشعب ليس له أي نوع من الحصانة أو الحماية ضد الجرائم التي يمكن القبض فيها دون أمر قبض وهي الجرائم الخطيرة حتى لو وقعت أحداث الجريمة داخل مجلس الشعب نفسه كما أن القانون يضفي عليه حماية تامة على ما يبديه من أفكار أو آراء في أداء عمله في المجلس أو في لجنة من لجانه أما فيما يختص بالجرائم الغير مطلقة فإنه لا تتخذ ضده أي إجراءات جنائية سواء وقعت أحداث الجريمة داخل أو خارج مجلس الشعب إلا بإذن سابق من رئيس المجلس وبعد أن يتحقق شرطان هما:-
أولاً : إخطاره بماهية التهمة المدعى بها
ثانياً : تقديم شهادة بأن التهمة المدعى بها غير متصلة بعمله في مجلس الشعب
في محاولة لتدعيم وجهة نظرها القائلة بعدم ضرورة الحصول على إذن رئيس مجلس الشعب في غير حالة ما يبديه عضو مجلس الشعب من رأي أو أفكار في المجلس ذكرت محكمة الاستئناف أن مفهومها هذا يؤديه ما جرى عليه العمل في البرلمانات الديمقراطية في العالم وكمثال لذلك أفردت إنجلترا وأوردت الاقتباس الآتي :-
When a member of parliament commits a crime he is arrested like anyone else and if he is convicted the court must notify the speaker The papers are then laid before the House at their request, and the member may be expelled A member who is imprisoned by order of a court has no special privilegers
This except is from:-
Constitutional and Administrative Law :-
HOOD PHILLIPS P 204
هذا الاقتباس الذي أريد به تدعيم وجهة النظر السالفة الذكر لا يحتج به إلا إذا أحطنا علماً بأن الدستور الإنجليزي هو دستور غير مكتوب يحوي نصاً مشابها لنص المادة 134 من دستور جمهورية السودان الديمقراطية وأن لوائح تنظيم البرلمان الإنجليزي تحوي نصوصاً شبيهة بنصوص المواد 133و135 من لائحة تنظيم مجلس الشعب وإن لم يكن الأمر كذلك أي إن لم تكن توجد في الدستور والقانون الإنجليزي نصوصاً مشابهة كما في دستورنا وقانوننا فإن القياس يكون مع الفارق الكبير
وثمة أمر آخر هو أن القانون الإنجليزي يضع تفريعات وتقسيمات مختلفة للجريمة فقد جاء في كتاب hart's Criminal Law : 22nd ed P 10
جاء في السفر أن الجرائم تتفرع إلي الآتي :
1- indictable and summary Offences
2- Treason, Felonies and Misdermeanouers
3- Arrestable Offences
4- Common Law and Statutory Offences …… Etc
فأي نوع من الجرائم هي الجريمة (Crime) التي عناها المقتبس منه هل هي (The arrestable offence) بمعنى الجريمة المطلقة والتي يمكن القبض فيها دون أمر قبض إن كان كذلك فلا يجوز أدنى اختلاف لأن عضو مجلس الشعب هنا يمكن أن يقبض عليه ويتخذ ضده كل الإجراءات الجنائية في حالة الجريمة المطلقة ولم نخطر بأن الأمر غير ذلك
ومالنا نذهب بعيداً وفي قوانيناً الأخرى نصوص جاءت لتعالج أوضاعاً مشابهة لتلك التي نص عليها الدستور ولائحة تنظيم أعمال مجلس الشعب فيما يتعلق بحماية عضو مجلس الشعب من بعض الإجراءات الجنائية فدعنا نستقرئ هذه النصوص
1- نصت المادة 62 من قانون الهيئة القضائية (تعديل) سنة 1976م على ما يلي : "في غير حالات التلبس بالجريمة لا يجوز القبض على القاضي أو حبسه أو اتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق معه أو رفع دعوى جنائية عليه إلا بإذن رئيس القسم المختص"
2- المادة 31 (1) من قانون أمن الدولة (تعديل) سنة 1975م تنص على الآتي : - " لا يقدم أي شخص للمحاكمة بموجب هذا القانون إلا بعد الحصول على إذن مكتوب من رئيس الجمهورية أو من يفوضه "
3- المادة 24 (2) من قانون البوليس سنة 1970م تنص على الآتي : - " أي شخص خاضع لهذا القانون يتهم بارتكاب جريمة بموجب البند السابق (ارتكاب الجريمة تحت ستار العمل الرسمي) المادة 24 (1) يجوز محاكمته بعد موافقة المدير العام أمام محكمة قاضي من الدرجة الأولى غير إيجازياً ويعاقب بالسجن لمدة لا تتجاوز سنتين أو بغرامة لا تتجاوز مرتب ثلاثة أشهر أو بالعقوبتين معاً "
هذه النصوص مشابهة تماماً للنصوص المتعلقة بعضو مجلس الشعب فهل يمكن في غير حالة التلبس أن يقبض على القاضي أو تتخذ معه أي إجراءات بغير الحصول مسبقاً على إذن رئيسه وهل يمكن تقديم شخص للمحاكمة بموجب قانون أمن الدولة بغير الحصول على الإذن المكتوب من رئيس الجمهورية أو من يفوضه أو هل يمكن محاكمة رجل البوليس الذي يرتكب جريمة تحت ستار عمله الرسمي بغير موافقة المدير العام , وإن كان أن يحدث أي مما ذكرنا دون الإذن أو الموافقة السابقة ممن خول سلطة إعطاء هذا الإذن أو الموافقة , إن كان يمكن أن يحدث هذا رغم وضوح النصوص عندما يمكن أن تتخذ الإجراءات الجنائية ضد عضو مجلس الشعب في غير حالات الجرائم المطلقة دون إذن رئيس المجلس السابق وعندها يكون على القانون العفاء ووقتها يصير مبدأ سيادة حكم القانون مبدأ زئبقياً تحكمه النزوات المتقبلة (elusive whims)
لقد قيل أن التهمة الثانية ذات صلة وثيقة بالتهمة الأولى ولذا لم يكن من الضروري أخذ إذن جديد لان مستشار المجلس القانوني أكد أن الإذن الأول ينسحب على البلاغ الثاني وأضافت محكمة الاستئناف من عندها بل وربما ينسحب على أي بلاغ ضد المتهم إن كان التحري لا يزال مستمرا ولم يبرأ من التهمة المنسوبة إليه إن وضوح النصوص التي كثيراً ما رددناها هنا لا تترك مجالا لهذا الفهم والمادة 134 من الدستور تقول انه في غير الجرائم المطلقة لا يجوز التفتيش أو القبض على عضو مجلس الشعب إلا بعد إخطار رئيس المجلس يفهم من ذلك أنه في كل تفتيش أو قبض يجب أن يخطر رئيس المجلس وهذا النص على مطلقه ربما يعني حتى في الجريمة الواحدة أو البلاغ الواحد إن أريد إعادة قبض أو إعادة تفتيش عضو المجلس يتوجب الإخطار ثم تأتي المادة 134 من اللائحة لتقول أنه فيما عدا الجرائم المطلقة لا يجوز اتخاذ أي إجراءات جنائية ضد أي من أعضاء مجلس الشعب إلا بإذن سابق من رئيس المجلس كما سبق أن قلنا أن هذا النص أشمل واعم من النص الدستوري وأنه واضح في دلالته في أنه في أية حالة يراد فيها اتخاذ إجراءات جنائية ضد أي من أعضاء المجلس لا يجوز ذلك إلا بإذن سابق من رئيس المجلس
والكلام عن الصلة الوثيقة بين البلاغين أو تفرع التهمة الثانية من التهمة الأولى هو قول جذاف ألقى على عواهنه إذ ليس له ما يبرره من نص في التشريع أو فقه للتشريع لمجافاته لصريح النصوص وقصارى ما يمكن أن يوصف به أنه تخريج غير موفق من قبل مستشار مجلس الشعب القانوني جارته فيه المحاكم الأدنى أو ربما قصد منه أن يكون محاولة للتشريع ولم ينم إلى علمنا أن مستشار مجلس الشعب القانوني قد خول صلاحية التشريع ولا يشفع له تقمصه هذه المهمة وجوده تحت قبة مبنى مجلس الشعب الموقر
إنها محاولة يائسة لتفادي أو تلافي الخطأ والقصور الشنيعين الذين ارتكبا في عدم الحصول على إذن رئيس المجلس المسبق قبل اتخاذ الإجراءات الماثلة ضد المتهم
بعد ذلك نأتي لنعالج الشق الآخر من الموضوع وهو الأثر الذي يترتب على مخالفة أحكام المواد 134 من الدستور و 134و135 من لائحة تنظيم أعمال مجلس الشعب بعد أن قررنا ضرورة أو وجوب الحصول على إذن رئيس مجلس الشعب المسبق قبل اتخاذ الإجراءات القانونية في البلاغ الماثل ضد المتهم الذي هو عضو بمجلس الشعب القومي
لقد قال محامو المتهم بالبطلان وقالوا أنه في هذا الخصوص يلاحظ بأن المادتين المذكورتين وكل الباب الثامن من اللائحة الذي يتعرض لحصانة أعضاء مجلس الشعب لا يرد فيه أي ذكر للآثار التي تترتب على الإجراءات التي تتم بمخالفة أحكام المادتين 134و135 من اللائحة ويضيفون أن قواعد التفسير توجب البطلان في حالة المخالفة للأحكام الواجبة التطبيق ويوردون ما قاله ماكسيول في تفسير القوانين (الطبعة الحادية عشر الصفحة 364):
“It may, perhaps, be found generally correct to say that nullification is the natural and usual consequence of disobediences”
مضت مذكرة هيئة الدفاع تقول أن البطلان يجب أن يكون الأثر الطبيعي للإجراءات التي تمت بمخالفة المادتين 134و135 من اللائحة وفي هذا الخصوص نرى أن نتعرض في البداية للمادة 134 من الدستور فتفسير هذه المادة وتطبيق أحكامها يقع في اختصاص المحكمة العليا ولكن هذا لا يمنع من الاستعانة بها في إلقاء الضوء على المادتين 134و135 من اللائحة وهذه الاستعانة لا ترقى إلي تطبيق أحكام المادة المذكورة إن أحكام الدستور بحسبانه أباً للقوانين واجبه التطبيق وأي فعل أو حتى قانون يصدر بالمخالفة لها يقع باطلاً من هنا فإن وجود المادة 134 من الدستور التي تمنع القبض أو التفتيش على عضو مجلس الشعب دون إخطار رئيس المجلس بماهية التهم الموجهة للعضو وتقديم شهادة بأن التهمة غير متصلة بعملة في المجلس تعني أن المشروع قد قصد في المادتين 134و135 من اللائحة اللتين تعالجان نفس الموضوع الوارد في المادة 134 من الدستور بطلان الإجراءات الجنائية التي تتم بمخالفة المادتين المذكورتين
ومضت المذكرة تقول أنه إلي جانب ما سبق يلاحظ باستقراء المادة 134 من اللائحة التي تقول بأنه : لا يجوز اتخاذ أي إجراءات جنائية ضد أي من أعضاء مجلس الشعب إلا بإذن سابق من رئيس المجلس بعد إخطاره بماهية التهمة " يلاحظ أن الإخطار بماهية التهمة أمر وجوبي وملزم وليس أمرا إرشاديا أو توجيهياً شرحه ماكسويل بين ما هو imperative or directory في كتابه المذكور في الصفحة 361 كما يلاحظ أيضاً أنه باستقراء منطوق المادة 134 من اللائحة أن الإخطار بماهية التهمة والحصول على الإذن وارد كشرط سابق لاتخاذ الإجراءات وعلى هذا الأساس وبحسب قواعد التفسير فإن الإجراءات الجنائية التي تمت بلا إخطار وبلا إذن تقع باطلة في هذا الخصوص في صفحة 363 من كتابه المذكور يقول ماكسويل :
“The position is the same where compliance is made, in terms, a condition precedent to the validity or legality of what is done ……… The neglect of the statutory requisite in such cases would obviously be fatal”
حتى إذا تم طلب إذن رئيس مجلس الشعب وفقاً للقانون كان جائزاً لرئيس المجلس أن يمتنع وفقاً لتقديره الشخصي كما تنص على ذلك المادة 135 من اللائحة واعتمادا على عدم جدية الشكوى أن يمتنع عن إصدار الإذن باتخاذ الإجراءات الجنائية وهكذا يؤكد المشرع ببطلان الإجراءات التي تتم بمخالفة المادتين 134و135 من اللائحة
اعتمادا على كل ما سبق تطلب هيئة الدفاع الحكم ببطلان الإجراءات الجنائية التي تمت بإزاء المتهم وذلك من القبض والاستجواب وحتى آخر مرحلة في المحاكمة أمام قاضي جنايات الخرطوم جنوب والأمر بإخلاء سبيله
في ردها على السؤال المثار رأت محكمة الاستئناف أن الإجراءات لا تصبح باطلة على الرغم من عدم الحصول مسبقاً على إذن رئيس مجلس الشعب باتخاذ الإجراءات الجنائية ومضت قائلة كما هو مطلوب أن الأعضاء يجب ألا يؤاخذوا جنائياً بما يفعلونه داخل المجلس ولهذا فلابد من أن يحاط رئيس المجلس علما بالاتهام المنسوب للعضو وبعد أن يتأكد رئيس المجلس أن الاتهام لا علاقة له بعمل العضو داخل المجلس يمنح إذنه بأن تستمر الإجراءات ضده هذا هو قصد المشرع وهذا هو لب الموضوع في نظر محكمة الاستئناف
كما ذكرنا سابقاً أن اقتحام محكمة الاستئناف لنص المادة 133 من اللائحة في تفسيرها لأغراض المادة 134 من اللائحة هو الذي قادها إلي الوصول لهذه النتيجة الخاطئة لأن المادة 134 من اللائحة تمنع منعا باتا اتخاذ أي إجراءات جنائية ضد أي من أعضاء مجلس الشعب إلا بإذن سابق من رئيس المجلس بعد إخطاره بماهية التهمة ويلاحظ أنه لم يرد في هذه المادة ذكر لعمل المتهم في المجلس إذ أنه ما يبديه العضو داخل المجلس من آراء أو أفكار قد شرع له في المادة 134 من الدستور والمادة 133 من اللائحة
ومضت محكمة الاستئناف أن الأمر في نظرها هو هل أجهضت العدالة أن حوكم عضو من أعضاء مجلس الشعب دون اخذ إذن رئيس المجلس ؟ فإذا كان الجواب بالطبع هو النفي إذن رئيس المجلس هو أمر طبيعي لا يمنعه إلا إذا كان الاتهام متعلق بعمل عضو داخل المجلس
للرد على ذلك يمكن القول بأنه إن حوكم عضو من أعضاء مجلس الشعب دون إذن رئيس المجلس في الأحوال التي تتطلب اخذ هذا الإذن يكون قد ارتكبت مخالفة لقانون واجب التطبيق وإن ترتب على ذلك في نفس الوقت إجهاض للعدالة فأن مسئولية ذلك تقع على عاتق من أنيطت به مهمة رعاية سلامة الإجراءات والتحقيق من مراعاتها لمتطلبات القانون وأما القول بأن إذن رئيس المجلس هو أمر طبيعي لا يمنعه إلا إذا كان الاتهام متعلق بعمل العضو داخل المجلس فإن ذلك كما فصلنا سابقاً هو افتئات وممارسة لخيار كفله القانون لرئيس مجلس الشعب
ومضت محكمة الاستئناف تقول أن إذ رئيس المجلس أمر لا يحتج به المتهم وإنما هو أمر يتعلق بمجلس الشعب المتمثل في رئيسه إذا هو وحده الذي يقرر إن كانت لوائح مجلس الشعب قد انتهكت
للرد على ذلك نقول أن القوانين عامة يحتج بها كل من يستفيد أو يتضرر منها وأن القوانين موضوع هذه الإجراءات قد شرعت أساسا لحماية أعضاء مجلس الشعب وليس لمجلس الشعب المتمثل في رئيسه أنها تتخذ عن عضو مجلس الشعب وليس عن مجلس الشعب في مجموعه لأن مجلس الشعب كمؤسس دستورية "”constitutional Institution” ولا تصدر في ذات الوقت عن فكر أو رأي يمكن أن يكون مكان مؤاخذة حتى تحصن ضد ذلك ولا نتخيل بهذا الوصف أن ترتكب جريمة مطلقة أو غير مطلقة هذه القوانين مناطها عضو مجلس الشعب من أجل حمايته شرعت وهو المقصود بالاستفادة منها بنفس القدر الذي يستفيد منه القاضي من نص المادة 62 من قانون الهيئة القضائية إذا اتخذت ضده إجراءات جنائية دون الحصول على موافقة رئيسه المسبقة وكذلك الحال بالنسبة لرجل البوليس والمواطن العادي الذي يتهم بمخالفة قانون أمن الدولة وقد فصلنا ذلك مسبقاً
يلاحظ أن محكمة الاستئناف قد تفادت الإجابة على السؤال المطروح وهو الأثر المترتب على مخالفة الحصول على الإذن قبل اتخاذ الإجراءات وفي هذا الشأن كما أسلفت أنه يكون عبث لا طائل من ورائه أن يشرع المشرع الدستوري والمشرع القانوني قوانين لا تجد طريقها للنفاذ ولا يكون لمخالفتها أثر يذكر فعندما
يقول الدستور في مادته 134 أنه لا يجوز في غير أحوال الجريمة المطلقة القبض أو التفتيش على أي عضو من أعضاء مجلس الشعب إلا بعد إخطار رئيس المجلس بماهية التهمة الموجهة للعضو وعندما يقول القانون (المادة 134 من اللائحة) أنه فيما عدا الجرائم المطلقة لا يجوز اتخاذ أي إجراءات جنائية ضد أي من أعضاء مجلس الشعب إلا بإذن سابق من رئيس المجلس ألا نرى أن الإخطار بماهية التهمة والحصول على الإذن في هذه الحالة أمر إلزامي قصد التقيد به وهل عدم التقيد وعدم الالتزام به لا يعني البطلان ؟ وإن لم يكن يعني ذلك فأي شيء يعني ؟ إن ترتيب البطلان المطلق يجب أن يكون هو الأثر الطبيعي للإجراءات التي تمت مخالفة لنصوص القانون هذا ما يقتضيه المنطق السليم وما جرت به قواعد التفسير على النحو الذي ذهب إليه العلامة ماكسويل في مؤلفه تفسير القوانين وأورده محامو المتهم في مذكرتهم والذي لا أري داعياً لتكراره مرة أخرى
على ضوء كل ذلك أرى بطلان الإجراءات الجنائية التي تمت ضد المتهم وأرى إلغاءها وإخلاء سبيل المتهم
القاضي الأمين تاتاي :
فيما يختص بالقبض على المتهم والإجراءات الجنائية التي اتخذت ضده واضح من الإجراءات المقدمة لهذه المحكمة أن الإجراءات أعلاه والتي اتخذت في البلاغ الثاني موضوع هذا الطعن قد تمت في أثناء التحري مع المتهم في البلاغ الأول الذي فتح ضده بعد إخطار رئيس مجلس الشعب بالاتهام الموجه ضد المتهم بعد الحصول على إذن رئيس المجلس لاتخاذ الإجراءات الجنائية ضده وبناء على ذلك كونت لجنة من ثلاثة أعضاء للقيام بالتحري مع المتهم فيما يتعلق بالاتهام الموجه ضده وفعلاً بدأت اللجنة التحري وقطعت شوطاً بعيداً في ذلك وأثناء التحري مع المتهم في البلاغ الأول عرض المتهم على أحد أعضاء اللجنة الثلاثية مبلغ من المال كرشوة لكي يتحيز عضو اللجنة أثناء التحري في البلاغ الأول لجانب المتهم وقد رفض عضو اللجنة الرشوة وكان البلاغ الثاني موضوع هذا الطعن وقد اتخذت الإجراءات الجنائية ضد المتهم فيما يختص بالبلاغ الثاني وبدون الرجوع إلى رئيس المجلس بإخطاره بالاتهام أو الحصول منه على إذن لاتخاذ الإجراءات الجنائية ضد المتهم وعليه السؤال الذي تحتم الإجابة عليه هو هل ينسحب البلاغ الثاني على البلاغ الأول مما لا يستدعى إخطار رئيس المجلس بالاتهام الثاني والحصول على موافقته لاتخاذ الإجراءات الجنائية ضد المتهم ؟
تجيب هذه المحكمة على السؤال أعلاه بالإيجاب للأسباب الآتية :- أثناء سير التحري مع المتهم في البلاغ الأول حاول المتهم عرقلة سير ذلك التحري بمحاولته لتحيز أحد أعضاء اللجنة لجانبه وقد كان في ذلك الوقت الامتياز الذي منحه الدستور واللائحة للمتهم مازال مرفوعاً عنه بناء على البلاغ الأول وعليه عندما قبض المتهم واتخذت ضده الإجراءات الجنائية في البلاغ الثاني كان المتهم لا يتمتع بأي امتياز بصفته عضو بمجلس الشعب مما يستدعى إخطار رئيس المجلس بالتهمة الموجهة ضد المتهم والحصول على إذن اتخاذ إجراءات جنائية ضده هذا لان المتهم مازال التحري مستمرا ضده في البلاغ الأول ومازالت الإجراءات تتخذ ضده بناء على وأي بلاغ يتفرع من البلاغ الأول حتى يرجع الامتياز مرة أخرى للمتهم والبلاغ الثاني كان بدون شك متفرعاً من البلاغ الأول هذا لأن المتهم حاول عرقلة سير التحري في البلاغ واتخذت ضده الإجراءات الجنائية ولم يرتكب جريمة منفصلة عن البلاغ الأول وقائمة بذاتها تستدعي إخطار رئيس المجلس
للأسباب أعلاه ما زالت الإجراءات الجنائية تتخذ ضد المتهم نتيجة للبلاغ الأول وتستمر الإجراءات الجنائية تتخذ ضد المتهم بناءاً على البلاغ الأول وأي بلاغ آخر يتفرع من البلاغ الأول بدون الرجوع إلي رئيس المجلس حتى يصدر قرار ببراءة المتهم في البلاغ الأول أو أي بلاغ متفرع منه بعد ذلك يرجع الامتياز الذي منحه الدستور واللائحة للمتهم مرة أخرى
القاضي عمر بخيت العوض :
تكفل دستور السودان الدائم في المادة 134 منه بمنح عضو مجلس الشعب القومي رعاية خاصة فيما يتعلق بالجرائم غير المطلقة أي تلك التي يتم القبض والتفتيش فيها بأمر من القاضي وجعل ذلك العضو محصناً ضد القبض والتفتيش إلا بعد إخطار رئيس المجلس
ومن هنا يتضح أن نص الدستور أباح قبض وتفتيش عضو مجلس الشعب في الجرائم المطلقة دون اتخاذ أي إجراء آخر وقيد الجرائم المطلقة بضرورة الإخطار وليس الإذن
جاءت المادة 134 من لائحة تنظيم أعمال مجلس الشعب ومدت تلك الحماية لتشمل أي إجراء جنائي ولم تفرق بين الجرائم المطلقة أو غير المطلقة كما لم تفرق بين القبض والتفتيش والمحاكمة والإجراءات الجنائية الأخرى أي أنها جاءت بصورة عامة تفوق ما جاء في النص الدستوري كما أنها قيدت اتخاذ الإجراء الدستوري بالإذن السابق من رئيس مجلس الشعب وليس مجرد الإخطار
كل هذه الحماية قصد منها المشرع حماية العضو من المساءلة الجنائية عن آرائه وأفكاره في أداء عمله وفي أي لجنة من لجانه كما جاء في نص المادة 133 من الدستور وتطبيقاً لأحكامها جاءت المادة 134 لتوضح الحظر المفروض على القبض والتفتيش في الجرائم غير المطلقة مع تحرير شهادة بأن التهمة لا تتصل بعمله في مجلس الشعب
كذلك فإن لائحة تنظيم مجلس الشعب قد فصلت في المادة 135 الإجراءات التي تتبع وتقتصر في النهاية على التأكد من جدية الشكوى ولا أكثر من ذلك
بعد هذا الاستعراض نرى أن وقائع الطعن المعروض أمامنا تتلخص في أن التهمة الموجهة للطاعن تقع تحت المادة 131 من قانون العقوبات وهي جريمة غير مطلقة وبنص الدستور يجب إخطار رئيس مجلس الشعب قبل القبض والتفتيش كما يجب تحرير شهادة بأنها غير متصلة بأعماله في المجلس وهذا لم يحدث
كذلك فأن المادة 134 من لائحة تنظيم أعمال المجلس تفرض الحصول على الإذن السابق وهو أمر لم يحدث بالرغم من الجدل الذي قيل بأن خطاب مستشار مجلس الشعب القانوني قال أن الإذن السابق والذي منح بشأن جريمة أخرى يشمل الجريمة تحت المادة 131 عقوبات
إن الذي جاء في خطاب ذلك المستشار إنما هو مجرد رأي وواضح من عباراته أنه لم يصدر من رئيس المجلس كما لم يتضح منه أنه صدر بتكليف منه ولهذا فأن المستشار القانوني قد كتب خطابه ذلك دون سند ولهذا لا يعتد به لأن الجهة صاحبة الإذن هي رئيس مجلس الشعب وليس مستشاره القانوني إلا إذا فوضه الرئيس وكان ذلك التفويض جائزاً قانونياً
إذن فإن ما تم من إجراءات جاء مخالفاً لما قررته النصوص فما هو جزاء هذه المخالفة ؟ هل يترتب عليها بطلان كنتيجة حتمية لا معدي عنها ؟ إن الإجابة على ذلك تتبع من النصوص إذا وجدت وفي مجال هذه الواقعة لا نجد نصاً تشريعيا يوضح أن البطلان هو الجزاء المترتب على المخالفة وإنما نجد نص المادة 136 من لائحة تنظيم أعمال مجلس الشعب التي وضحت أن الإخلال بامتيازات الأعضاء وفقاً لتلك اللائحة يخول للمجلس أو من يكفله إجراء تحقيق وعلى ضوئه يقرر الإجراء المناسب
هذا الإجراء مناسب قد يكون أجازه التصرف وقد يكون اتخاذ عقوبة ما أن كان التشريع يجيزها وقد يكون بتوجيه الوزير المختص بإجراء محاسبة لذلك الذي اخطأ ولكن ليس هناك نص صريح على ترتيب البطلان
وباستقراء العلة من إسباغ هذه الحماية نجدها واضحة في الدستور من أنها كفالة الحرية للعضو وحمايته من التجريم عن الأعمال والأفكار والآراء التي يبديها في المجلس أو في لجانه وإذا أبعدت الجريمة عن هذا الإطار فلا حماية
ولما كان الحكم يدور مع علته وجوداً فإن الجريمة إن كانت غير متصلة بأعمال العضو في مجلس الشعب أو في لجانه فإن مخالفة لائحة تنظيم أعمال مجلس الشعب لا تقتضي بطلان الإجراء لعدم توفر العلة وهذا عكس ما إذا كانت الجريمة متعلقة بأعمال المجلس فإن مخالفة نصوص اللائحة أو الدستور تقع باطلة تمام البطلان
إذن فإن رأينا هو أن البطلان لا يقع حتماً لمخالفة النصوص وإنما يجب البحث فيما وراء ذلك باكتشاف علة النص أو الحكم فإذا توفرت العلة أو الهدف المقصود وقعت المخالفة كان البطلان حتميا وإذا تخلفت العلة وحكمة النص فلا بطلان وربما كانت هناك إجراءات محاسبة لمن خالف النص
إن هذا المنحى هو عين الذي ذهب إليه المشرع في قانون الإجراءات الجنائية حيث قرر في المادة 261 منه أن معيار البطلان لإلغاء الإجراء أو القرار أو الحكم هو مدى الضرر الذي أصاب المتهم وسلامة القرار أو الحكم أو الإجراء نفسه ومن هذا يبين أن البطلان غير مترتب على مجرد المخالفة وإنما يدور مع العدالة فإذا تحققت فلا بطلان وإذا لم تتحقق وجب البطلان ووجب إلغاء القرار أو الإدانة وبالتالي يجوز القياس في هذه الحالة على ما ورد في قانون الإجراءات الجنائية لوجود النص الصريح
وعليه على الرغم من عدم وجود الإذن السابق من رئيس مجلس الشعب كما أوجبت المادة 134 من لائحة تنظيم أعمال مجلس الشعب لسنة 1978 وبالرغم من عدم إخطار رئيس المجلس بأن التهمة لا تتصل بعمل العضو في مجلس الشعب أو لجانه فإن المخالفة الإجرائية التي وقعت لا تجعل كل الإجراءات التي تمت باطلة ولا تنفى من الوجود أن هناك اتهاماً بالرشوة وذلك لأن جريمة الرشوة غير متصلة بأعمال العضو في مجلس الشعب ولم يدع أحد ذلك كما أن الشكوى بحسب العناصر الواردة في التحري والخطوات التي وصلتها في المحاكمة توضح جديتها كما ورد في المادة 135 من لائحة تنظيم أعمال مجلس الشعب لسنة 1978 وانه لم يحدث ضرر للمتهم في دفاعه حتى الآن كما لم يصدر أي قرار غير سليم إذ قيس الأمر على ما ورد في المادة 261 من قانون الإجراءات الجنائية
ومن هنا يتضح اتفاقي في الواقع مع رأي الزميل حسن مع اختلافي معه في الأسباب والنتيجة كما يتفق رأيي مع الزميل تاتاي في النتيجة وإن اختلفت الأسباب وبالتالي فأنني أنضم إليه في رفض طلب الطعن

