حكومة السودان //ضد// البنك السعودي السوداني
المحكمة العليا
سعادة السيد/ تاج السر محمد حامد قاضي المحكمة العليا رئيسا
سعادة السيد / محمد سعيد بابكر خوجلي قاضي المحكمة العليا عضوا
سعادة السيد / سر الختم صالح علي قاضي المحكمة العليا عضوا
حكومة السودان //ضد// البنك السعودي السوداني
م ع / ط ج /376 / 1999م
قانون الاجراءات الجنائية-الدفع بالتقادم المادة (38)اجراءات جنائية
القانون الجنائى- وقت ارتكاب جريمة خيانة الامانة - المادة (177) من القانون الجنائى
ان الجرائم تتقادم وفقالنص المادة (38) من قانون الاجراءات الجنائية بدءا من تاريخ وقوع الجريمةدون أن يؤثر في ذلك جهل المجني عليه بوقوعها لأن التقادم مقرر للمصلحة العامة لا لمصلحة المتهم أو المجني عليه
إن تحديد وقت وقوع الجريمة لا يكون سهلاً في بعض الحالات ومن بينها جريمة خيانة الأمانة حيث يتعزر تعيين تاريخ وقوعها
ليس من المقبول منطقاً أن يدان المؤتمن عن فعل واحد لجريمة الاحتيال والتملك الجنائي بالإضافة إلي جريمة خيانة الأمانة
الرأي المخالف:-
إن جرييمة خيانة الأمانة لا تنشأ إلا في تاريخ طلب أداء الأمانة من جانب المودع وفشل الأمين في الأداء أو جحده الأمانة
الحكـــم
القاضي : تاج السر محمد حامد
التاريـخ : 6/ 1 /2000م
الطعن الجنائي بالرقم أعلاه تقدم به الأستاذ إبراهيم محمد الحاج المحامي نيابة عن الأستاذ محمد يوسف محمد المحامي عن الشاكي في الدعوى الجنائية غ إيجازي/114/1999م المنظورة أمام محكمة مخالفات الجهاز المصرفي ضد الحكم الصادر من محكمة استئناف محافظات الخرطوم بالرقم أ س ج/472/1999م بتاريخ 2/6/1999م ويقول مقدم الطعن بأنه علم بالحكم بتاريخ 12/6/1999م ولذا فهو مقبول شكلاً
من حيث الموضوع ينعي الطاعن بخطأ قضاء محكمة الاستئناف المطعون فيه للأسباب التالية :
1 - أخطأت محكمة الاستئناف بشطب الدعوى لانقضائها بالتقادم وفقاً لنص المادة 38 من قانون الإجراءات الجنائية علي أساس أن الجريمة وقعت في 31/12/1998م
2 - لم يقدم البنك المدان أي مستندات تثبت تحويل مبلغ 818957 دولار أمريكي إلي باريس بخلاف صورة التلكس التي رفضت محكمة الموضوع قبولها
3 - لم يعلم الشاكي بتصرف البنك في أمواله قبل عام 1995م عندما تقدم لسحب جزء من رصيده وفتح البلاغ في 14/10/1997م
4 - إن سريان التقادم لديون الشاكي لا يبدأ إلا من تاريخ تحقق الضرر وأشار إلي مؤلف الدكتور السنهوري في القانون المدني
5 - يقول الفقه والقانون المصري بأنه لا يسري التقادم كلما وجد مانع يتعذر معه علي الدائن أن يطالب بحقه ولو كان المانع أدبيا كما أن التقادم لا يسري بين الدائن والأصيل
بعد الاطلاع علي الأوراق تتلخص وقائع الدعوى موضوع هذا الطعن في أن الشاكي أودع في حسابه لدي المتهم ستة ألف دولار بشيك مسحوب علي البنك الإسلامي لغرب السودان في عام 1989م ومبلغ ثمانية ألف ومائة تسعة وثمانون دولار وسبعة وخمسون سنت في 27/9/1989م وعندما تقدم ليسحب مبلغ خمسة ألف دولار في عام 1995م اخطر بقفل حسابه في عام 1989م فتقدم الشاكي لتحريك الدعوى أمام النيابة التي أمرت بفتح البلاغ تحت المواد 177/178/180 من القانون الجنائي فتم تدوين البلاغ 2553/97 بقسم شرطة الخرطوم شمال
لم تقتنع محكمة الجنايات بدفاع المتهم بأنه قام بتحويل مبلغ ثمانية ألف دولار إلي مواطن سوداني بإنجلترا بناء علي تفويض الشاكي وبعدم تصرفه في مبلغ الستة ألف دولار المسحوب علي البنك الإسلامي لغرب السودان وقضت بإدانته تحت المواد 177/178/180 من القانون الجنائي وحكمت بأن يدفع مبلغ 57/189/14 دولار أمريكي أو ما يعادله علي أن يتم تحصيله عن طريق حجز وبيع أموال المتهم وفقاً لنص المادة 198 من قانون الإجراءات الجنائية
استؤنف الحكم لدي محكمة الاستئناف فأمرت بآلاء الإدانة والعقوبة تأسيساً علي أن الوقائع لا تكشف عن توافر عناصر الجريمة المنصوص عليها في المادة 178 وبأنه كان علي الشاكي إثبات استلام المتهم لمبلغ 6 آلاف دولار من البنك المسحوب عليه وقررت بأن مدة التقادم بالنسبة للجريمة الأخرى بدأت منذ 31/12/1989م تاريخ التصرف في مبلغ ال 8 آلاف دولار دون علم الشاكي وبأن الجريمة تقادمت وفقاً لنص المادة (38) من قانون الإجراءات الجنائية حيث تم تحريك الدعوى بوساطة الشاكي في 14/10/1997م
وبعد المداولة ففي واقع الأمر أن الجرائم تتقادم وفقاً لنص المادة (38) من القانون ( بدءاً من تاريخ وقوع الجريمة دون أن يؤثر في ذلك جهل المجني عليه بوقوعها لأن التقادم مقرر للمصلحة العامة لا مصلحة المتهم أو المجني عليه إلا أن تحديد وقت وقوع الجريمة لا يكون سهلاً في بعض الحالات ومن بينها جريمة خيانة الأمانة حيث يتعذر تعيين تاريخ وقوعها ويري الفقه بأن يتم تحديد تاريخ وقوع تلك الجريمة في حالة الفشل في الاهتداء إلي تاريخ جحد المال المودع كأمانة بتاريخ امتناع الأمين عن رد الأمانة أو عجزه عن ردها بعد مطالبته ( د· محمود محمود مصطفي - شرح قانون الإجراءات الجنائية ط 197ص 144) لذلك لا نتفق مــع محكمة الاستئناف في هذا الجانب ومع ذلك فإننا نتفق مع ما توصلت إليه محكمة الاستئناف بإلغاء حكم محكمة الجنايات لأن البينات التي اعتمدت عليها محكمة الموضوع لا تؤدي إلــي تجريم فعل المتهم فقد أسست محكمة الموضوع قضاءها علي فشل المتهم في إبراز الطلب الذي تمّ بموجبه تحويل مبلغ ال 8 آلاف دولار إلي الخارج ولعدم إعادة المتهم الشيك الذي كان من المفترض تحصيله من بنك الغرب الإسلامي لصالح الشاكــي إذا لم يتم تحصيله فعلاً واعتبرت فعل المتهم لذلك إهمالا فاحشاً ولم تكن محكمة الموضوع محقة فــي ذلك إذ لم تكترث لدفاع المتهم قبل التقرير في الإدانة بجريمة خيانة الأمانة علي أساس التصرف بإهمال فاحش في أموال الشاكي فقد دفع المتهم بأنه تصرف في مبلغ ال 8000 دولار بتحويله إلي بنك وست منستر بلندن بناء علي تعليمات الشاكي وتقدم بصورة من التلكس والشفره التي تمّ بموجبها تحويل المبلغ (ص3) من المحضر كما دفع بأنه لا يستطيع التأكد من صرف مبلغ ال 6000 دولار من بنك الغرب الإسلامي لحساب الشاكي لعدم توافر المستندات لإعدامها بانقضاء المدة المحددة للحفظ ) وفقاً لتعليمات بنك السودان والقى باللوم علي الشاكي لعدم اتصاله بالبنك خلال الخمسة عشر يوماً التالية لتوريد الشيك للتأكد من صرف قيمته وفقاً للنظم المصرفية وهذه الدفوع تلقي علي الأقل بظلال الشك المعقول في أن هنالك تصرفاً قد تم في أموال الشاكي بإهمال فاحش لا سيما وقد أكد الشاكي أن هنالك تعليمات من بنك السودان بشأن مدة الاحتفاظ بالمستندات أقواله ص 33 كما لم يؤكد بأن المبلغ قد تم صرفه من بنك الغرب أم لا بل ولم يكلف نفسه الاستفسار عن واقعة الصرف من عدمه ولذلك فإن البينات المقدمة من الاتهام لا ترقي إلي الإدانة فالإدانة في المسائل الجنائية تقام علي الجزم واليقين لا علي الشك أو علي مجرد الافتراض كما فعلت محكمة الموضوع والذي جاء حكمها شديد الاضطراب إذ ليس من المقبول منطقاً أن يدان المؤتمن عن فعل واحد لجريمة الاحتيال والتملك الجنائي بالإضافة إلي جريمة خيانة الآمنة لذلك نتفق مع النتيجة التي توصلت إليها محكمة الاستئناف
القاضي : سرالختم صالح علي
التاريـخ : 8 /1 /2000م
أوافق
القاضي : محمد سعيد بابكر خوجلي
التاريـخ :
مع أكيد وبالغ التقدير لما ذهب إليه زميلي صاحب الرأي الأول فإنني لا أتفق معه الرأي بأن جريمة خيانة الأمانة من العسير معرفة أو تحديد تاريخ وقوعها
إن جريمة خيانة الأمانة من عناصرها الأساسية وجود عقد أمانة مما يعني إثبات عقد الأمانة وفق مقتضى أحكام قانون المعاملات المدنية ومصدره الأساسي وهو الشريعة الإسلامية الغراء لقد تناول فقهاء الشريعة الإسلامية الغراء أحكام عقد الوديعة وهي تعتبر أمانة عند المودع لديه يري الفقيه المالكي ابن جُزي في القوانين الفقهية صفحة (2) في باب الوديعة ( إن الوديعة استنابة في حفظ المال وهي أمانة جائزة من جهتين فلكل واحد منهما حلها متي شاء ) وجحد الأمانة أو التصرف فيها من المحرمات الشرعية بالكتاب والسنة والإجماع ولا يجوز شرعاً اعتبار المودع لديه أو الأمين جاحداً للأمانة أو خائناً للوديعة إلا من وقت طلبها من جانب المودع
أما قانون المعاملات المدنية فقد نظم عقد الوديعة وأحكامها مكان وزمان أدائها بمقتضى نص المادة 445 من قانون المعاملات المدنيـــة فإن الوديعة عقد يخــول به المالك غيره حفظ ماله ويلتزم الآخر بحفظ هذا المال ورده وقد حددت المادة 450(1) معاملات مدنية زمان ومكان أداء الوديعة أو الأمانة إذ نصت علي أن الأداء يكون في مكان إيداعها وزمان ذلك وقت طلبها من جانب المودع وعليه فإن جريمة خيانة الأمانة لا تنشأ إلا فـــي تاريخ طلب أداء الأمانة مــن جانب المودع وحتى إذا تصرف المودع لديه الأمانة بأي تصرف فانه لا يعتبر خائناً للأمانة إلا من تاريخ طلب أداء الأمانة وفشله في الأداء أو جحد الأمانة إنكارا لها إذ أن الإخلال بعقد الأمانة هـو الذي يحدد تاريــخ ارتكاب جريمـــة خيانة الأمانة فهي لا تنشأ إلا في وقت طلبها وفشل الأمين في الأداء أو جحــده الأمانة وعليه فإذا كان من الثابت أن البنك المتهم قـــد فشل فـــي الأداء فإن جريمـــة خيانة الأمانة تكون قد ارتكبت في يونيو 1997م يـــوم طـلبها وفق مقتضى نص المــادة ( 450) من قانون المعاملات المدنية ولما كان من الثابت فتح الدعوى الجنائية في 14/10/1997م فلا يجوز القـول بانقضـــاء مــدة التقادم المحددة في المادة 38 من قانون الإجراءات الجنائية
بالاطلاع على البينة الواردة نري صحة الإدانة ومناسبة العقوبة الأمر الذي يوجب إلغاء حكم محكمة الاستئناف واستعادة حكم محكمة الموضوع

