حكومة السودان /ضد/ الأمين سعيد أم دبكه
المحكمة العليا
حكومة السودان /ضد/ الأمين سعيد أم دبكه
م ع /ف ج/31/1406هـ
المبادئ:
قانون جنائي – السرقة الحدية – سقوط حد القطع إذا لم يخاصم صاحب الحق
أن عدم مخاصمة من يملك حق الخصومة لم يسرق ممتلكاته تترتب عليها سقوط القطع ودرء الحد في حق السارق
الحكـــم
التاريخ : 16/2/1406هـ
الموافق : 30/10/1985م
القاضي / علي يوسف الولي :
أوراق هذه القضية وصلت لهذه المحكمة لمراجعة الحكم الحدي فيها وفحصه والتثبت من سلامته وشرعيته وذلك عملاً بالمنشور الجنائي رقم 3/1405هـ المتعلق بالفحص في جرائم الحدود والقصاص
ونوجز الوقائع في أنه بتاريخ 28/11/1405هـ بلغ الشاكي جندي طه البشير طه لدى شرطة جبل أولياء في أنه وجد حيازة المتهمين (1) الأمين سيد أم دبكه (2) أحمد عثمان 34 ملاية و7 جلابيب رجالية و17 ثوب نسائي وعدد 2 عمه و3 بلوزة و7 فساتين نسائي و10 قطعة أطفال وقطعة واحدة من القماش وفتيلين من العطر وشنطة سمسنايت و3 ساعات ومبلغ 940/20 مليمجـ وقد اشتبه بأنها مسروقة أسفر التحقيق علي أن المتهمين المذكورين في الليلة التي سبقت تاريخ البلاغ قاما بسرقة بعض الأشياء المذكور من منزل المواطنة بثينة حاج عثمان التي تسكن بالقطينة أقر المتهمان بجريمتهما وأدانتهما محكمة جنايات القطينة بجريمة السرقة الحدية تحت المادة 322 (2) مقروءة مع المادة 320(2) من قانون العقوبات لسنة 1983 وقضت علي كل منهما بقطع يده اليمني من مفصل الكف عند الفحص أيدت محكمة استئناف الإقليم الأوسط الإدانة والعقوبة معناً
الأسبـاب
باستقراء محضر المحاكمة الذي أعدته محكمة الموضوع ومذكرة محكمة الاستئناف أجدني لا أوافق علي إدانة المدانين الأمين سعيد أم دبكه وأحمد عثمان بجريمة السرقة الحدية تحت المادة 322(2) مقروءة مع المادة 320 (2) ولكن أرى أن أدانتهما الصحيحة هي جريمة السرقة غير ا لحدية تحت المادة 322 (1) مقروءة مع المادة 320 (2) من قانون العقوبات لسنة 1983 وذلك لقيام شبهة انعدام الخصومة ممن يملك حق الخصومة
باستقراء الأدلة تبين أن محكمة الموضوع ارتكزت في الإدانة علي الإقرار وحده دون سواه من الأدلة الأخرى ومن القواعد التي استقر عليها شرعاً وفقهاً وقانوناً هي ضرورة توفر شرطين أساسين قبل إقامة الحد في كل جريمة عقوبتها حد من الحدود التي شرعها الله عز وجل لجميع خلقه من البشر وهما :
1- توفر البينة الشرعية لاثبات أركان الجريمة الحدية فوق مرحلة الشك المعقول وهي الإقرار أو شهادة الشهود حسب النصاب الشرعي
2- انعدام أي شبهة من الشبهات المدرئة للحدود
وإذا كانت إدانة المدانين بجريمة السرقة الحدية تحت المادة 322(2) مقروءة مع المادة 320 (2) من قانون العقوبات لسنة 1983 جاءت صحيحة ارتكازاً على إقرارهما الذي استوفى جميع شرائطه وضوابطه الشرعية إلا أن قيام شبهة من الشبهات المد رئة للحدود وهي شبهة انعدام الخصومة ممن يملك الخصومة ينزل بجريمة السرقة الحدية التي ارتكبها المدانان إلى جريمة السرقة غير الحدية لتصبح جريمة تعزيرية تحت المادة 322 (1) مقروءة مع المادة 320 (2) من قانون العقوبات لسنة 1983 إن قاعدة درء الحدود بالشبهات أخذت من السنة المطهرة ومن أقوال بعض الفقهاء فقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:
"إدروءا الحدود بالشبهات" رواه ابن عدي وقد أخذت بنص هذا الحديث الشريف المادة 80 (1) من قانون الإثبات لسنة 1983 والمادة 458 (ج) من قانون العقوبات لسنة 1983 وقال أيضاً عليه السلام :
"إدروءا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة" رواه الترمذي
وقد روي عن سيدنا عمر رضي الله قوله لأن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات
وقد روي عن سيدنا علي رضي الله عنه تعالى عنه قوله إذا وقع في الحد عسى ولعل فقد بطل
وروي عن معاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وعقبة بن عامر رضي الله تعالى عنهم أنهم قالوا إذا اشتبه عليك الحد فادرأه
وقال الفقيه عبد القادر عودة في كتابه التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي الجزء الثاني ص118 معني قاعدة درء الحدود بالشبهات :
"فمعنى هذه القاعدة أن كل شبهه قامت في فعل الجاني أو قصده يترتب عليها درء الحد إذا كانت الجريمة من جرائم الحدود ويعاقب الجاني بدلاً من عقوبة الحد بعقوبة تعزيرية ومن السهل تطبيق هذه القاعدة في جرائم الحدود جميعاً علي هذه الصورة "
فالثابت في هذه القضية التي بين أيدينا أن المسروقات ملك المواطنة بثينة حاج عثمان وقد سرقها المدانان المذكوران من داخل بيتها والثابت أيضاً أنها أدلت بأقوالها لدي المتحري في مرحلة التحريات إلا أنها لم تحضر في مرحلة المحاكمة لدى محكمة الموضوع لتستمع المحكمة لأقوالها على اليمين ومن ثم فهي لم تخاصم المدانين أمام القضاء بشأن السرقة موضوع هذه القضية
عند ثبوت جريمة السرقة الحدية بالإقرار أو بشهادة الشهود أي عند ثبوتها بالبينة الشرعية اشترط أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه قيام المخاصمة للقطع ويملك حق الخصومة كل من لديه يد صحيحة علي الشئ المسروق وتكون يده صحيحة كما كانت يد ملك أو أمانة أو ضمان الخ
إن عدم مخاصمة من يملك حق الخصومة لمن يسرق ممتلكاته تترتب عليه سقوط القطع ودرء الحد في حق السارق
إن أبا حنيفة ومن شاركه الرأي في اشتراط حضور المسروق منه للمحكمة للإدلاء بإفادته اتخذوا من عدم حضوره شبهة أن يكون المال غير مسروق أو أن للسارق حقاً فيه أو انه سرق غير حرز أو أن المتهم أذن له في الدخول الحرز وبأنه الظاهر أن من في يده شئ فهو يفترض بأنه ملكه فإن أقر به لغيره لم يحكم بزوال ملكه حتى يصدقه المقر له والغائب يجوز أن يصدقه ويجوز أن يكذبه فاحتمال التكذيب شبهة تدرأ الحد عن السارق واحتجوا بأن سمرة لما أقر للرسول صلي الله عليه وسلم أن سرق بعيراً أرسل الرسول وسأل المجني عليهم فقالوا : فقدنا بعيراً في ليلة كذا فقطعه
جاء في كتاب التشريع الإسلامي الجزء الثاني – ص612-616
"ويشترط أبو حنيفة لقبوله الشهادة علي السرقة الموجبة للقطع قيام الخصومة ممن له يد صحيحة علي الشئ المسروق فإذا حضر الشهود وقبل المجني عليه أو من له حق الخصومة وشهدوا بالسرقة لك تقبل شهادتهم ما لم يحضر من حق له المخاصمة أو المجني عليه ويخاصم لان من شرط السرقة أن يكون الشئ مملوكاً لغير السارق فلا تظهر السرقة بالخصومة فإذا لم توجد الخصومة لم تقبل الشهادة فإذا حضر المجني عليه أو غيره ممن له حق الخصومة وادعى ملكية المسروق قبلت الشهادة واختلف في اشتراط الخصومة مع الإقرار فأبو حنيفة والشافعي وأحمد يشترطون المخاصمة مع الإقرار فلا يقطع المقر بسرقة مال من مجهول أو من غائب إلا إذا خاصمه من يملك المخاصمة كما هو الحال في حالة الثبوت بالبينة "
ففي القضية التي بين أيدينا فإن المواطنة بثينة حاج عثمان تملك حق المخاصمة – كما أسلفنا – ولكنها لم تحضر لتخاصم المدانين المقرين الأمين سعيد أم دبكه وأحمد عمان مما قام شبهة عدم المخاصمة التي تدرأ الحد عنهما ومن ثم نعدل جريمة السرقة الحدية إلي جريمة السرقة غير الحدية تحت المادة 322 (1) مقروءة مع المادة 320(2) من قانون العقوبات لسنة 1983وعليه نقرر الآتي :
1- إلغاء الإدانة تحت المادة 322(2) مقروءة مع المادة 320(2) بجريمة السرقة الحدية واستبدالها بالإدانة تحت المادة 322 (1) مقروءة مع المادة 320 (2) من قانون العقوبات لسنة 1983م
2- تعاد الأوراق لمحكمة الموضوع لتوقيع العقوبة التعزيرية حسب نص المادة 322(1) من قانون العقوبات لسنة 1983 وذلك بعد سماع إفادات شهود الأخلاق "إن وجدوا" وبعد الاطلاع علي صفحات السوابق

