تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
  • دخول/تسجيل
08-04-2026
  • العربية
  • English

استمارة البحث

  • الرئيسية
  • من نحن
    • السلطة القضائية
    • الأجهزة القضائية
    • الرؤية و الرسالة
    • الخطط و الاستراتيجية
  • رؤساء القضاء
    • رئيس القضاء الحالي
    • رؤساء القضاء السابقين
  • القرارات
  • الادارات
    • إدارة التدريب
    • إدارة التفتيش القضائي
    • إدارة التوثيقات
    • إدارة تسجيلات الاراضي
    • ادارة خدمات القضاة
    • الأمانة العامة لشؤون القضاة
    • المكتب الفني
    • رئاسة ادارة المحاكم
    • شرطة المحاكم
  • الخدمات الإلكترونية
    • البريد الالكتروني
    • الدليل
    • المكتبة
    • خدمات التقاضي
    • خدمات التوثيقات
    • خدمات عامة
  • المكتبة التفاعلية
    • معرض الصور
    • معرض الفيديو
  • خدمات القضاة
  • اتصل بنا
    • اتصل بنا
    • تقديم طلب/شكوى
  • دخول/تسجيل

استمارة البحث

08-04-2026
  • العربية
  • English
    • الرئيسية
    • من نحن
      • السلطة القضائية
      • الأجهزة القضائية
      • الرؤية و الرسالة
      • الخطط و الاستراتيجية
    • رؤساء القضاء
      • رئيس القضاء الحالي
      • رؤساء القضاء السابقين
    • القرارات
    • الادارات
      • إدارة التدريب
      • إدارة التفتيش القضائي
      • إدارة التوثيقات
      • إدارة تسجيلات الاراضي
      • ادارة خدمات القضاة
      • الأمانة العامة لشؤون القضاة
      • المكتب الفني
      • رئاسة ادارة المحاكم
      • شرطة المحاكم
    • الخدمات الإلكترونية
      • البريد الالكتروني
      • الدليل
      • المكتبة
      • خدمات التقاضي
      • خدمات التوثيقات
      • خدمات عامة
    • المكتبة التفاعلية
      • معرض الصور
      • معرض الفيديو
    • خدمات القضاة
    • اتصل بنا
      • اتصل بنا
      • تقديم طلب/شكوى
  • دخول/تسجيل

استمارة البحث

08-04-2026
  • العربية
  • English
      • الرئيسية
      • من نحن
        • السلطة القضائية
        • الأجهزة القضائية
        • الرؤية و الرسالة
        • الخطط و الاستراتيجية
      • رؤساء القضاء
        • رئيس القضاء الحالي
        • رؤساء القضاء السابقين
      • القرارات
      • الادارات
        • إدارة التدريب
        • إدارة التفتيش القضائي
        • إدارة التوثيقات
        • إدارة تسجيلات الاراضي
        • ادارة خدمات القضاة
        • الأمانة العامة لشؤون القضاة
        • المكتب الفني
        • رئاسة ادارة المحاكم
        • شرطة المحاكم
      • الخدمات الإلكترونية
        • البريد الالكتروني
        • الدليل
        • المكتبة
        • خدمات التقاضي
        • خدمات التوثيقات
        • خدمات عامة
      • المكتبة التفاعلية
        • معرض الصور
        • معرض الفيديو
      • خدمات القضاة
      • اتصل بنا
        • اتصل بنا
        • تقديم طلب/شكوى

مجلة الاحكام

  • المجلات من 1900 إلي 1930
  • المجلات من 1931 إلي 1950
  • المجلات من 1956 إلي 1959
  • المجلات من 1960 إلي 1969
  • المجلات من 1970 إلي 1979
  • المجلات من 1980 إلي 1989
  • المجلات من 1990 إلي 1999
  • المجلات من 2000 إلي 2009
  • المجلات من 2010 الى 2019
  • المجلات من 2020 الى 2029
  1. مجلة الاحكام
  2. المجلات من 1980 إلي 1989
  3. العدد 1985
  4. حكومة السودان /ضد/إبراهيم وادي إبراهيم

حكومة السودان /ضد/إبراهيم وادي إبراهيم

المحكمة العليا

حكومة السودان /ضد/إبراهيم وادي إبراهيم

(م ع/م ك/79/1405هـ)

المبادئ:

قانون جنائي – حكم الشريك في فعل قام به مانع من موانع المسئولية وفي فعل قام به سبب من أسباب الإباحة

قانون جنائي – الدفاع الشرعي من أسباب الإباحة

-     لا يعفى الشريك من العقاب عن فعل ارتكبه شخص قام به أي مانع من موانع المسئولية في حين أن قيام سبب من أسباب الإباحة يعفي من  المسئولية الجنائية والمسئولية المدنية

-     1-     السبب المانع للمسئولية مثل صغر السن أو اختلال العقل يؤثر على الإرادة المتعلقة بالشخص ذاته وبإرادته لا بالفعل ومن ثم فهو يهدم الركن النفسي للجريمة

2-     سبب الإباحة سبب موضوعي يؤثر على فعل المتهم فهو يرفع الصفة الإجرامية عن الفعل فيجعله مشروعاً لذلك فإن الدفاع الشرعي يعتبر من أسباب الإباحة

 

الحكــــــم

القاضي / د أحمد إدريس أحمد

التاريخ:13/8/1985م

أدانت محكمة جنايات المناقل برئاسة قاضي المديرية السيد/ كمال مالك محمد صالح المحكوم عليه إبراهيم وادي إبراهيم بجريمة القتل العمد تحت طائلة المادة 251 عقوبات لسنة 1983 لقتله المجني عليه خديجة يعقوب عيسى وحكمت عليه بالإعدام شنقاً حتى الموت وذلك بتاريخ 24 جمادى الآخرة 1405هـ الموافق 20/مارس 1985م

تقدم المحكوم عليه باستئناف ذكر فيه أ نه عندما طعن المجني عليه كان في حالة دفاع شرعي عن نفسه

قبل الخوض في أسباب القرار حول الإدانة أرى أن هناك بعض الملاحظات في إجراءات المحاكمة لا بد من الإشارة إليها كي ينتبه رئيس المحكمة إليها مستقبلاً وهى :

1-     أن ملخص الوقائع الجوهرية ( Summary of Salient Facts ) جاء مقتضباً ولا يفي بالغرض المطلوب منه والمفروض أن يكون ملخص الوقائع مستوفياً لطريقة وقوع الحادث والحقائق المتعلقة به ومفصلاً للحد الذي يمكن للسلطة المؤيدة من تتبع مجريات الحادث في سهولة ويسر ( أنظر حكومة السودان ضد فاروق إبراهيم أحمد  - مجلة الأحكام القضائية سنة 1978 ص 320 – 321 )

2-     أن بعض الحقائق التي وردت في الملخص لم تؤسس على البينات المطروحة أمام محكمة الموضوع وإنما وردت في يومية التحري

3-     أن استجواب المتهم كان مقتضباً أيضاً علماً بأن الوقائع مأخوذة من أقوال المتهم التي أدلى بها للمتحري ولم تستجوبه عنها المحكمة تفصيلاً في حين أنهاأشارت إلى بعض ما ورد في أقواله للمتحري في ملخص الوقائع التي جاءت مقتضبة على ما سبق البيان

وباستقراء محضر التحري ومحضر المحاكمة يمكن تلخيص الوقائع الجوهرية في الآتي :

 أن المجني عليها خديجة يعقوب عيسى وابنتها سعدية آدم تعيشان في منزل واحد ( بكمبو ود بلة ) وكان المحكوم عليه إبراهيم وادي إبراهيم على علاقة غير شرعية مع المجني عليها وكان يرعى بهائمها وكانت المجني عليها تصنع المريسة وتبيعها للشاربين ومن بينهم المحكوم عليه

 ولسبب أو لآخر دب الخلاف بين المحكوم عليه وخليلته المجني عليها وربما كان ذلك بسبب تواجد الرجال بمنزلها مما أثار حفيظته عليها

 وفي يوم الحادث جاء المحكوم عليه في الصباح إلى منزل المجني عليه وطلب منها أن تحجز له مريسة بما قيمته جنيهاً وفي السابعة مساء من نفس اليوم عاد إلى منزلها وسألها إلا أنها لم ترد عليه فخرج من ا لمنزل ثم عاد إليه يحمل عكازاً وسأل المجني عليها عن المريسة فقالت له ( نحن في الصباح كنا ما كويسين ) فقال لها  المحكوم عليه ( بعد كده أمسكي بهايمك أنا ما بسرح بيهن ) فشتمته المجني عليها بقولها ( يا ود الحرام يا ود الشرموطة يا بعاتي ) وأراد المحكوم عليه أن يضربها بعكازه الذي كان يحمله إلا أنها أمسكته منه فرماها أرضاً واستل مديته وسدد لها طعنة نجلاء في بطنها حتى خرجت أمعاؤها وجاءت ابنتها سعدية آدم وضربته بذلك العكاز  على رأسه فنهض من المجني عليها وخرج وفي الطريق قابله شيخ كمبو ود بلة وسأله عن أمره فاعترف  له على الفور بأنه طعن المجني عليها بالسكين

 أرسلت المجني  عليها إلى مستشفى العزازي ومن هناك أرسلت إلى مستشفى المناقل حيث حاول الطبيب إجراء عملية لإنقاذ حياتها إلا أنها توفيت قبل إجراء العملية فكتب عنها الطبيب قراراه موضحاً أن سبب الوفاة هو النزيف الخارجي الناتج عن الإصابة بآلة حادة صلبة في الجزء الأيسر من أسفل البطن

 هذه الحقائق تثبتها بينات كافية : فقد اعترف المحكوم عليه قضائياً على الصحيفة السادسة من يومية التحري أمام رئيس محكمة العزازى الشعبية بأنه طعن المجني عليها بالسكين في كلوتها وقد مثل رئيس المحكمة المذكور أمام محكمة الموضوع كشاهد محكمة وأكد صدور هذا الاعتراف من المحكوم عليه كذلك بعد أن حذره التحذير القانوني وبعد أن عرفه بصفته القضائية وقد اعترف المحكوم عليه كذلك أمام محكمة الموضوع بواقعة الطعن وهناك بينة مباشرة تؤيد صحة هذا الاعتراف وهي بينة الشاهدة سعدية آدم وهي شاهدة عيان وقد أكدت أنها رأت المحكوم عليه يطعن المجني عليها بالسكين في بطنها

وقد ثبت من قرار التشريح ( م اتهام 1) الذي كتبه أخصائي الجراحة بمستشفى المناقل أن هناك جرحاً قاطعاً نافذاً بالجانب الأيسر من أسفل البطن مخترقاً الجدار الأمامي للبطن مما سبب بروز الأمعاء الغليظة خارج البطن وأدى  إلى تهتك الأمعاء الغليظة مما سبب تلوث التجويف البطني بالبراز وبعض الديدان التي كانت تعاني منها المريضة وجاء فيه أنه تم الشروع في استعادة ضغط دم المريضة وتقرر إجراء عملية عاجلة لها بعد إنعاشها إلا أنها توفيت في تربيزة العملية قبل الشروع في العملية وأن سب الوفاة هو النزيف الخارجي الناتج عن الإصابة بآلة حادة صلبة في الجزء الأيسر من أسفل البطن

وبذلك يثبت بيقين أن المحكوم عليه قد سبب موت المجني عليها نتيجة لتلك الطعنة لتي سددها لها دون تدخل أي عوامل أخرى تقطع رابطة السببية بين الفعل والنتيجة وبعبارة أخرى قد توافرت علاقة السببية بين النشاط الإجرامي الذي أتاه المحكوم عليه وبين النتيجة وهي حدوث الوفاة وبذلك تكون عناصر الركن المادية لجريمة القتل قد اكتملت وهي النشاط الإجرامي والنتيجة وعلاقة السببية بين النشاط والنتيجة

على أنه لا يكفي توافر الركن المادي في الجريمة حتى يمكن عقاب الفعل وإنما يجب أن يتوافر القصد الجنائي وهو الركن المعنوي في الجريمة فهل توافر هذا الركن في حق المحكوم عليه ؟

إن القصد الجنائي الذي يلزم توافره في الجرائم  العمدية كما هو الشأن في قضيتنا هذه يتحقق إذا أراد الجاني بنشاطه الفعل وأراد النتيجة فالمحكوم عليه قد طعن المجني  عليها وهذا هو الفعل وأراد إزهاق روحها وهذه هي النتيجة التي أرادها فالإرادة هي نشاط نفسي يتجه إلى تحقيق نتيجة معينة بوسيلة معينة وهذا النشاط النفسي أمر داخلي يستدل عليه بظواهر خارجية وقد استقر القضاء في مثل هذه الأحول على النظر إلى الآلة المستخدمة وقوة استخدامها ثم موضع تسديدها من جسم المجني عليها وفي هذه القضية قد استخدم المحكوم عليه السكين وهي بطبيعتها آلة خطرة وقاتلة كما معلوم لدى الكافة وقد سدد بها المحكوم عليه طعنة في بطن المجني عليها والبطن جزء حساس من جسم الإنسان حيث توجد الأمعاء والكبد والطحال وغيرها من الأعضاء الحساسة , ولا بد انه سدد طعنة قوية لأن الطعنة تسببت في بروز الأمعاء الغليظة مع تهتكها ولا شك أن كل ذلك يدل على أن المتهم إن لم يقصد تسبيب مون المجني عليها فعلى الأقل كان يعلم أن موتها سيكون النتيجة المرجحة لفعله لا مجرد نتيجة محتملة

ومن ثم يصح التقرير بأن المحكوم عليه وبصفة مبدئية قد ارتكب جريمة القتل العمد غير أنه يتعين لصحة الإدانة بصفة نهائية أن يثبت الاتهام أن فعل المتهم لم يقترن بأي ظرف من الظروف القانونية المنصوص عليها في المادة 249 عقوبات والتي تغير من وصف الجريمة فتجعل القتل قتلاً جنائياً لا يبلغ مرتبة القتل العمد ذلك أن خلو الفعل من أي ظرف من هذه الظروف المخففة هو ركن من أركان جريمة القتل العمد وفقاً لما تقضي المادة 248 من قانون العقوبات

ويتعين كذلك لصحة الإدانة عدم توافر أي مانع من موانع المسئولية الجنائية في جانب المحكوم عليه وعدم قيام أي سبب من أسباب الإباحة في حقه

لم يدفع المحكوم عليه بوجود أي مانع من موانع المسئولية الجنائية لديه كما أنه لم يتبين من ظروف الدعوى وما قدم من بينات وجود أي مانع من موانع المسئولية الجنائية من جانب المحكوم عليه

أما سبب الإباحة الذي يدفع به المحكوم عليه فهو حق الدفاع الشرعي عن النفس فهل كان المحكوم عليه وقت ارتكاب الفعل في حالة دفاع شرعي عن نفسه وبالتالي لا يعد فعله جريمة وفقاً لنص المادة 55 من قانون العقوبات؟

لذا ناقشت محكمة الموضوع هذا الدفع نقاشاً مستفيضاً وقررت أن المحكوم عليه لم يكن في حالة دفاع شرعي عن نفسه واستندت في قراراها هذا إلى أسباب سائغة تكفي لحمله فالمحكوم عليه لم يكن يواجه اعتداءً حالا أو وشيك الوقوع على نفسه يخشى منه الموت أو الأذى الجسيم فهو قد بدأ بالاعتداء كما هو ثابت من أقوال شاهدة الإثبات الثالثة سعدية آدم وثابت من أقواله للتحري أنه ألقى بالمرحومة أرضاً ثم جثم على صدرها وطعنها لكنه عدل عن أقواله هذة  أمام محكمة الموضوع وادعى أن المجني عليها اعتدت عليه بالضرب ومسكته من خصيته وذكره وجذبته وهذا القول إن كان صحيحاً لذكره منذ أول وهلة للمتحري وإني أتفق مع محكمة الموضوع في أن المجني عليها وهي امرأة لا تستطيع أن ترمي المحكوم عليه أرضاً واتفق معها في أن أقواله جاءت متناقضة مما يدل على الكذب والتلفيق وبناء على ما تقدم اتفق كل الاتفاق مع محكمة الموضوع فيما توصلت إليه من أن المحكوم عليه  لم يكن في حالة دفاع شرعي عن نفسه عندما سبب في موت المجني عليها

على  أن محكمة الموضوع عند مناقشتها لحق الدفاع الشرعي عن الجسم لم تتحر الدقة في التعبير فهي تقول على حد تعبيرها : إن المانع الذي تنص عليه المادة 61 من قانون العقوبات وهو حق الدفاع الشرعي عن الجسم أي تسبيب الموت ( قد يفهم من عبارة ) ( أي تسبيب الموت ) التي جاءت بعد عبارة حق الدفاع الشرعي عن الجسم أن هذا الحق يعني تسبيب الموت في كل حالة في حين أن هذا الحق إنما يبيح تسبيب الموت عمداًَ في حالات معينة نصت عليها المادة 61 عقوبات على سبيل الحصر وبعبارة أخر فإن هذه الحالات المنصوص عليها على سبيل الحصر هي قيد على استعمال هذا الحق ويفهم من ذلك أن هذا الحق في تسبيب الموت عمداً ليس مطلقاً بل يشترط أن يكون تسبيب الموت لازماً لرد الاعتداء بحيث لا تفلح أية وسيلة أخرى دونه لتحقيق الدفاع أما إذا كان رد الاعتداء ممكناً بوسيلة أخرى دون تسبيب الموت فلا يجوز الالتجاء إليه حتى ولو كان في إحدى الحالات التي أباح فيها القانون تعمد تسبيب الموت دفاعاً عن النفس كذلك لا يجوز الالتجاء إلى تسبيب الموت في غير تلك الحالات الواردة على سبيل الحصر في صلب المادة المذكور ولو كان تسبيب الموت هو الوسيلة الوحيدة لرد الاعتداء

وكذلك فإن كلمة ( المانع ) التىعبرت بها محكمة الموضوع عن حق الدفاع الشرعي هي كلمة غير دقيقة إذ يفهم منها أن الدفاع الشرعي من موانع المسئولية في حين أنه من أساب الإباحة وهناك فرقان جوهريان بين موانع المسئولية الجنائية وأسباب الإباحة أولهما هو أن أسباب الإباحة أسباب موضوعية تؤثر في الفعل أما موانع  المسئولية فهي ظروف شخصية متعلقة بالفاعل نفسه وما يؤثر على إرادته ولا تؤثر على الفعل وإنما على مسئولية من قام به السبب المانع

وثانيهما يترتب على الأول وهو أن أسباب الإباحة ترفع الصفة الإجرامية عن الفعل فتجعله مشروعاً أما موانع المسئولية فلا علاقة لها بتكييف الجريمة وإنما يظل الفعل غير مشروع ولكن نص التجريم لا ينطبق على هذا الفاعل بالذات لوجود هذا السبب المانع من المسئولية ( راجع دمحمود محمود مصطفى شرح قانون العقوبات القسم العام الطبعة الثامنة سنة 1969 ص 138 )

وواضح من هذه التفرقة أن السبب المانع من المسئولية إنما يؤثر على الإرادة المتعلقة بالشخص ذاته وبإرادته لا بالفعل ومن ثم فلا علاقة له بنفسية الفاعل الذي تتوافر لديه حرية الاختيار وقت ارتكاب الفعل وليس أدل على ذك من أن نصوص الدفاع الشرعي وهو من أساب الإباحة تفترض في المدافع سلامة الإرادة وأن لديه القدر الكافي من حرية الاختيار والدليل على ذلك أنها تتطلب من المدافع سلامة التقدير في رد الاعتداء بحيث لا يمتد حق الدفاع الشرعي إلى إلحاق الأذى بما يجاوز القدر اللازم لغرض الدفاع وبحيث  يكون هناك متسع من الوقت للجوء الى حماية السلطات العامة ولو كانت إرادة المدافع معيبة إلى الحد الذي يمنع المسئولية لما عاقبه القانون إذا ما تجاوز حدود حق الدفاع ( المرجع الذي يمنح المسئولية لما عاقبه القانون إذا ما تجاوز حدود حق الدفاع ( المرجع السابق 139) وليست هذه التفرقة بين أسباب الإباحة وموانع المسئولية نظرية بل تترتب عليها نتائج خاصة تتلخص فيما يلي أن الشريك في فعل قام بشأنه سبب من أسباب الإباحة لا يعاقب لأن  الاشتراك يجب أن يكون في جريمة

أما الاشتراك في فعل ارتكبه شخص قام به أي مانع من موانع المسئولية فلا يعفى الشريك من العقاب كذلك فإن قيام أي سبب من أسباب الإباحة يمنع من تطبيق أي تدبير وقائي بينما لا يحول دون ذلك قيام مانع من موانع المسئولية ( كالجنون ) كذلك فإن قيام سبب من أسباب الإباحة يمنع المطالبة بتعويض مدني بينما يحول دون ذلك قيام مانع من موانع  المسئولية  فيمكن انقضاء التعويض من الفاعل إذا كان مميزاً أو من المسئول عنه إذا كان غير مميزاً ( المرجع السابق ص119 140 )

وحقيقة أنه إذا رجعنا إلى نصوص قانون العقوبات السوداني التي تتكلم عن المسئولية الجنائية نجدها تبدأ بعبارة ( لا جريمة ) أو ( لا يعد الفعل جريمة ) دون تفرقة بين ما إذا كان الفعل الذي لا يعد جريمة راجعاً إلى سبب من أسباب الإباحة كالدفاع الشرعي وما إذ كان راجعاً إلى مانع من موانع المسئولية لعارض من عوارض الأهلية كالجنون ولكن هذا لا يعني أن هذا القانون لا يفرق بين أسباب الإباحة وموانع المسئولية ولا يترتب على هذه التفرقة تلك النتائج التي سبقت الإشارة إليها

ولتوضيح ذلك أسوق على سبيل المثال نص المادتين 49 50 من قانون العقوبات فالمادة 49 تنص بقولها ( لا جريمة في فعل يرتكبه الصغير الذي لم يبلغ الحلم على أنه يعاقب كل شخص يحرض أو يساعد أو يغري الصغير على ارتكاب أي جريمة بموجب أحكام هذا القانون ) والمادة 50 تنص بقولها : لا جريمة في فعل يقع من شخص تعوزه وقت ارتكابه ذلك الفعل القدرة على إدراك ماهية أفعاله أو السيطرة عليها بسبب الجنون الدائم أو المؤقت أو العاهة العقلية على  أنه يعاقب كل شخص يحرض أو يساعد أو يغري فاقد التمييز والاختيار على ارتكاب أي جريمة بموجب احكام هذا القانون

ويفهم من هذين النصين أن عديم الأهلية كالصغير أو المجنون لا يعد فعلهما جريمة ومن ثم فهما لا يعاقبان ولكن من يحرضهما و يساعدهما أو يغريهما على ارتكاب أي جريمة يكون مسؤولاًَ جنائياً عما يرتكبانه من جرائم يعاقب عليها بموجب هذا القانون في حين أن من يساعد شخصاً يمارس حقه المشروع في الدفاع الشرعي عن نفسه لا يعاقب لأنه إنما يشارك في أمر مباح ومن ثم فلا يعد شريكاً في جريمة وأسباب الإباحة تمنع من تطبيق أي تدبير وقائي بينما يجوز اتخاذ هذا التدبير في مواجهة المعتوه وذلك وفقاً لما تقضي به المادة 286(4) من قانون الإجراءات الجنائية

يتضح مما تقدم أن نصوص قانون العقوبات السوداني التي تتكلم عن المسئولية الجنائية وإن كانت لا تفرق بين أسباب الإباحة وموانع المسئولية من حيث أنها تنص على أن الفعل لا يعد جريمة سواء أكان الفعل راجعاً إلى سبب من أسباب الإباحة أم كان راجعاً إلى مانعاً من موانع المسئولية الجنائية إلا أن هذا القانون رغماً عن ذلك يرتب نفس النتائج القانونية والمنطقية التي سبق ذكرها والتي أوضحت أنها تترتب على التفرقة بين أسباب الإباحة وموانع المسئولية ومن ثم يجب عدم الخلط بين سبب الإباحة والسبب المانع من المسئولية الجنائية كما يجب التزام الدقة في التعبير فلا يعبر عن أحدهما باسم الآخر كأنهما مترادفان في حين أنهما مختلفان كما سبق البيان

ونسبة لهذا الاختلاف بين أسباب الإباحة وموانع المسئولية وما يترتب عليه من آثار قانونية هامة كان يجب أن تجيء نصوص كل من النوعين معبرة عن هذا الاختلاف بينهما فسبب الإباحة يرفع الصفة الإجرامية عن الفعل فيجعله مشروعا ومن ثم يصح أن ينص على أن الفعل لا يعد جريمة ومادام كذلك فلا تترتب عليه أية مسئولية لا على الفاعل ولا على شريكه أما مانع المسئولية فلا يؤثر على الفعل الذي يظل غير مشروع وإنما لا ينطبق نص التجريم على الفاعل شخصياً دون غيره من الشركاء ومن ثم لا يصح أن ينص على فعل لا يعد جريمة وإنما يجب أن ينص على عدم عقاب الفاعل الذي قام به السبب المانع من المسئولية كأن ينص القانون على سبيل المثال بأنه : لا عقاب على الصغير الذي لم يبلغ الحلم وقت ارتكابه الفعل سبع سنين كاملة وأنه لا عقاب على من تعوزه وقت ارتكاب  الفعل القدرة على إدراك ماهية أفعاله أو السيطرة عليها بسبب الجنون الدائم أو المؤقت أو العاهة العقلية بعد توضيح هذا الاختلاف بين أسباب الإباحة وموانع المسئولية والنتائج التي تترب عليه ننتقل لمناقشة الظروف القانونية المنصوص عليها في المادة 249 عقوبات والتي تغير من وصف الجريمة لنرى ما إذا كان الفعل الذي ارتكبه المحكوم عليه قد اقترن بأي واحد منها

لقد ناقشت محكمة الموضوع هذه الظروف القانونية الواحد تلو الآخر رغم أن معظمها لا مجال لمناقشته حسب ظروف هذه القضية وقد انتهت محكمة الموضوع إلى أن فعل المحكوم عليه لم يقترن بأي ظرف من هذه الظروف التي تغير من وصف الجريمة وأنى أتفق معها فيما انتهت إليه ولكن كان على محكمة الموضوع أن تقتصر علي مناقشة الأعذار القانونية التي تسمح ظروف القضية وملابساتها بمناقشتها وهي حسب ظروف هذه القضية والبينات المطروحة تنحصر في عذري الاستفزاز الشديد المفاجئ ( المادة249/1) والمعركة المفاجئة (المادة249/4) أما عذر حق الدفاع الشرعي بحسن نية ( المادة 249/3) فلا مجال لمناقشته ذلك أنه قد ثبت عند مناقشتنا لحق الدفاع الشرعي أن هذا الحق لم ينشأ للمحكوم عليه أصلاً ومن ثم فلا مجال للحديث عن تجاوز لحق لم ينشأ أساساً للمحكوم عليه

أما فيما يتعلق بعذر الاستفزاز الشديد المفاجئ فإن شهادة شاهد الإثبات الثالثة سعدية آدم وهي شاهدة العيان الوحيدة يستفاد منها أن مشادة كلامية دارت بين المحكوم عليه والمجني عليها بخصوص مجيء بهائمها إلى ( الدكة ) وأن ما دار بينهما لا يرقى إلى درجة الاستفزاز الشديد المفاجئ الذي يفقد المحكوم عليه السيطرة على نفسه حتى يسبب موت المجني عليها وحتى إذا صدقنا – جدلاً – ما قاله المحكوم عليه من أن المجني عليها شتمته بالألفاظ التي قالها فإن مثل هذه الشتائم في مثل هذه البيئة هي أمر عادي لا يدعو إلى مثل هذه الثورة العنيفة ولكن يبدو أن المحكوم عليه قد ضاق ذرعاً بعلاقة المجني عليها الغرامية مع غيره من الذين يترددون على منزلها لشرب المريسة وهو الذي ينفق عليها كعشيقة له إلى جانب أنه يتعهد برعي بهائمها وذلك واضح من اعترافه القضائي المدون على الصحيفة السادسة من يومية التحري ولما لم يجد عنده قبولاً أعمل فيها سكينه حتى أزهق روحها ولكن هذه الظروف لا تشكل إثارة عنيفة ومفاجئة تجعله يستفيد من عذر الاستفزاز الشديد المفاجئ المنصوص عليه في الفقرة الأولى من المادة 249 من قانون العقوبات

وأخيراً فإن وقائع هذه القضية لا تجعل المحكوم عليه يستفيد من عذر المعركة المفاجئة لأنه قد سلك سلوكاً قاسياًُ عندما عمد إلى سكينه في مواجهة امرأة ضعيفة لا حول لها ولا قوة وهي لا تحمل أي سلاح وبقر بطنها بسكينه حتى خرجت أمعاؤها ولا شك أن هذه القسوة ما بعدها قسوة مما يحرمه من الاستفادة من عذر المعركة المفاجئة المنصوص عليه في الفقرة الرابعة من المادة 249 من قانون العقوبات

لكل هذه الأسباب مجتمعة فإنني أؤيد قرار محكمة الموضوع القاضي بإدانة المحكوم عليه بجريمة القتل العمد تحت المادة 251 من قانون العقوبات

القرار حول العقوبة :

وقعت حوادث هذه القضية في ظل قانون سنة 1983م المستمد من الشريعة الإسلامية الغراء وقد أدانت محكمة الموضوع المحكوم عليه بجريمة القتل العمد تحت طائلة المادة 251 عقوبات وعقوبتها هي الإعدام أو الدية إذا قبلها ولي المقتول ومعنى ذلك يجب تخيير أولياء المقتول بعد حصرهم بموجب إعلام شرعي بين المطالبة بحقهم في القصاص أو العفو وقبول الدية وإن الإجراء القانوني  الصحيح المفروض اتباعه هو صدور إعلام شرعي من محكمة شرعية مختصة بحصر الورثة وإذا كان من بين الورثة قصر ووالدهم على قيد الحياة فهو وليهم وفي هذه الحالة لا يقام عليهم وصي أما إذا كان متوفى فيجب إقامة وصي عليهم في الإعلام الشرعي الذي يحصر الورثة ثم يحضر الورثة البالغون بأنفسهم ومعهم الوالي عن القصر أو الوصي عليهم أمام محكمة الموضوع التي يجب عليها أن تدون أسماؤهم في محضرها من الإعلام الشرعي ثم تسألهم عن رأيهم في المطالبة بالقصاص أو العفو أو الدية وعلى ضوء أقوالهم تصدر قرارها مع ملاحظة أنه لا يجوز العفو في حق القصر

ولكن محكمة الموضوع لم تتبع هذا الإجراء القانوني ويتضح ذلك من قولها على الصحيفة (8) من محضر حيثياتها الذي يبدأ بالأورنيك(2) حيث تقول : " إحضار الإعلام الشرعي لقصر وحضور خالهم عنهم " ثم أضافت قائلة : أهل المرحومة : نحن نقبل الدية

ولم أجد بين أوراق القضية أي إعلام شرعي ولكن وجدت أورنيك استفتاء وراثي ( به أسماء الأشخاص ) وواضح أن هذا مجرد طلب استفتاء وراثي وليس به قرار من محكمة شرعية مختصة بإثبات الورثة الشرعيين لمتوفاة الذين يحق لهم أن يطالبوا بحقهم في القصاص أو الدية أو العفو

ومن ثم فإن قرار محكمة الموضوع الذي استند إلى هذا الطلب يكون قراراً غير صحيح ولا بد من أن تتبع محكمة الموضوع الإجراء القانوني الصحيح حسبما أوضحت أعلاه

وألفت نظر محكمة الموضوع إلى أ نه يجب عليها أن تتحرى عن مقدرة المحكوم عليه على دفع الدية إذا ما قبل أولياء المقتولة الدية ولا تكتفي بقوله : أنا ليست لدي أي مقدرة على دفع الدية كما فعلت هذه المرة ويمكنها أن تتحرى عن مقدرة المحكوم عليه على دفع الدية بكل الطرق المختلفة ثم تعاد الأوراق بعد اتباع هذه الإجراءات لتأمر هذه المحكمة بما تراه مناسباً وفقاً للقانون

أوامـــر:

1-     تعاد الأوراق إلى محكمة الموضوع وعليها أن تتبع الإجراء القانوني الصحيح بشأن الإعلام الشرعي وفق ما جاء في هذه المذكرة

2-     تعاد الأوراق إلى هذه المحكمة لتأمر بما تراه مناسباً وفقاً للقانون 

▸ حكومة السودان /ضد/ الأمين سعيد أم دبكه فوق حكومة السودان /ضد/عوض الحاج محجوب ◂

مجلة الاحكام

  • المجلات من 1900 إلي 1930
  • المجلات من 1931 إلي 1950
  • المجلات من 1956 إلي 1959
  • المجلات من 1960 إلي 1969
  • المجلات من 1970 إلي 1979
  • المجلات من 1980 إلي 1989
  • المجلات من 1990 إلي 1999
  • المجلات من 2000 إلي 2009
  • المجلات من 2010 الى 2019
  • المجلات من 2020 الى 2029
  1. مجلة الاحكام
  2. المجلات من 1980 إلي 1989
  3. العدد 1985
  4. حكومة السودان /ضد/إبراهيم وادي إبراهيم

حكومة السودان /ضد/إبراهيم وادي إبراهيم

المحكمة العليا

حكومة السودان /ضد/إبراهيم وادي إبراهيم

(م ع/م ك/79/1405هـ)

المبادئ:

قانون جنائي – حكم الشريك في فعل قام به مانع من موانع المسئولية وفي فعل قام به سبب من أسباب الإباحة

قانون جنائي – الدفاع الشرعي من أسباب الإباحة

-     لا يعفى الشريك من العقاب عن فعل ارتكبه شخص قام به أي مانع من موانع المسئولية في حين أن قيام سبب من أسباب الإباحة يعفي من  المسئولية الجنائية والمسئولية المدنية

-     1-     السبب المانع للمسئولية مثل صغر السن أو اختلال العقل يؤثر على الإرادة المتعلقة بالشخص ذاته وبإرادته لا بالفعل ومن ثم فهو يهدم الركن النفسي للجريمة

2-     سبب الإباحة سبب موضوعي يؤثر على فعل المتهم فهو يرفع الصفة الإجرامية عن الفعل فيجعله مشروعاً لذلك فإن الدفاع الشرعي يعتبر من أسباب الإباحة

 

الحكــــــم

القاضي / د أحمد إدريس أحمد

التاريخ:13/8/1985م

أدانت محكمة جنايات المناقل برئاسة قاضي المديرية السيد/ كمال مالك محمد صالح المحكوم عليه إبراهيم وادي إبراهيم بجريمة القتل العمد تحت طائلة المادة 251 عقوبات لسنة 1983 لقتله المجني عليه خديجة يعقوب عيسى وحكمت عليه بالإعدام شنقاً حتى الموت وذلك بتاريخ 24 جمادى الآخرة 1405هـ الموافق 20/مارس 1985م

تقدم المحكوم عليه باستئناف ذكر فيه أ نه عندما طعن المجني عليه كان في حالة دفاع شرعي عن نفسه

قبل الخوض في أسباب القرار حول الإدانة أرى أن هناك بعض الملاحظات في إجراءات المحاكمة لا بد من الإشارة إليها كي ينتبه رئيس المحكمة إليها مستقبلاً وهى :

1-     أن ملخص الوقائع الجوهرية ( Summary of Salient Facts ) جاء مقتضباً ولا يفي بالغرض المطلوب منه والمفروض أن يكون ملخص الوقائع مستوفياً لطريقة وقوع الحادث والحقائق المتعلقة به ومفصلاً للحد الذي يمكن للسلطة المؤيدة من تتبع مجريات الحادث في سهولة ويسر ( أنظر حكومة السودان ضد فاروق إبراهيم أحمد  - مجلة الأحكام القضائية سنة 1978 ص 320 – 321 )

2-     أن بعض الحقائق التي وردت في الملخص لم تؤسس على البينات المطروحة أمام محكمة الموضوع وإنما وردت في يومية التحري

3-     أن استجواب المتهم كان مقتضباً أيضاً علماً بأن الوقائع مأخوذة من أقوال المتهم التي أدلى بها للمتحري ولم تستجوبه عنها المحكمة تفصيلاً في حين أنهاأشارت إلى بعض ما ورد في أقواله للمتحري في ملخص الوقائع التي جاءت مقتضبة على ما سبق البيان

وباستقراء محضر التحري ومحضر المحاكمة يمكن تلخيص الوقائع الجوهرية في الآتي :

 أن المجني عليها خديجة يعقوب عيسى وابنتها سعدية آدم تعيشان في منزل واحد ( بكمبو ود بلة ) وكان المحكوم عليه إبراهيم وادي إبراهيم على علاقة غير شرعية مع المجني عليها وكان يرعى بهائمها وكانت المجني عليها تصنع المريسة وتبيعها للشاربين ومن بينهم المحكوم عليه

 ولسبب أو لآخر دب الخلاف بين المحكوم عليه وخليلته المجني عليها وربما كان ذلك بسبب تواجد الرجال بمنزلها مما أثار حفيظته عليها

 وفي يوم الحادث جاء المحكوم عليه في الصباح إلى منزل المجني عليه وطلب منها أن تحجز له مريسة بما قيمته جنيهاً وفي السابعة مساء من نفس اليوم عاد إلى منزلها وسألها إلا أنها لم ترد عليه فخرج من ا لمنزل ثم عاد إليه يحمل عكازاً وسأل المجني عليها عن المريسة فقالت له ( نحن في الصباح كنا ما كويسين ) فقال لها  المحكوم عليه ( بعد كده أمسكي بهايمك أنا ما بسرح بيهن ) فشتمته المجني عليها بقولها ( يا ود الحرام يا ود الشرموطة يا بعاتي ) وأراد المحكوم عليه أن يضربها بعكازه الذي كان يحمله إلا أنها أمسكته منه فرماها أرضاً واستل مديته وسدد لها طعنة نجلاء في بطنها حتى خرجت أمعاؤها وجاءت ابنتها سعدية آدم وضربته بذلك العكاز  على رأسه فنهض من المجني عليها وخرج وفي الطريق قابله شيخ كمبو ود بلة وسأله عن أمره فاعترف  له على الفور بأنه طعن المجني عليها بالسكين

 أرسلت المجني  عليها إلى مستشفى العزازي ومن هناك أرسلت إلى مستشفى المناقل حيث حاول الطبيب إجراء عملية لإنقاذ حياتها إلا أنها توفيت قبل إجراء العملية فكتب عنها الطبيب قراراه موضحاً أن سبب الوفاة هو النزيف الخارجي الناتج عن الإصابة بآلة حادة صلبة في الجزء الأيسر من أسفل البطن

 هذه الحقائق تثبتها بينات كافية : فقد اعترف المحكوم عليه قضائياً على الصحيفة السادسة من يومية التحري أمام رئيس محكمة العزازى الشعبية بأنه طعن المجني عليها بالسكين في كلوتها وقد مثل رئيس المحكمة المذكور أمام محكمة الموضوع كشاهد محكمة وأكد صدور هذا الاعتراف من المحكوم عليه كذلك بعد أن حذره التحذير القانوني وبعد أن عرفه بصفته القضائية وقد اعترف المحكوم عليه كذلك أمام محكمة الموضوع بواقعة الطعن وهناك بينة مباشرة تؤيد صحة هذا الاعتراف وهي بينة الشاهدة سعدية آدم وهي شاهدة عيان وقد أكدت أنها رأت المحكوم عليه يطعن المجني عليها بالسكين في بطنها

وقد ثبت من قرار التشريح ( م اتهام 1) الذي كتبه أخصائي الجراحة بمستشفى المناقل أن هناك جرحاً قاطعاً نافذاً بالجانب الأيسر من أسفل البطن مخترقاً الجدار الأمامي للبطن مما سبب بروز الأمعاء الغليظة خارج البطن وأدى  إلى تهتك الأمعاء الغليظة مما سبب تلوث التجويف البطني بالبراز وبعض الديدان التي كانت تعاني منها المريضة وجاء فيه أنه تم الشروع في استعادة ضغط دم المريضة وتقرر إجراء عملية عاجلة لها بعد إنعاشها إلا أنها توفيت في تربيزة العملية قبل الشروع في العملية وأن سب الوفاة هو النزيف الخارجي الناتج عن الإصابة بآلة حادة صلبة في الجزء الأيسر من أسفل البطن

وبذلك يثبت بيقين أن المحكوم عليه قد سبب موت المجني عليها نتيجة لتلك الطعنة لتي سددها لها دون تدخل أي عوامل أخرى تقطع رابطة السببية بين الفعل والنتيجة وبعبارة أخرى قد توافرت علاقة السببية بين النشاط الإجرامي الذي أتاه المحكوم عليه وبين النتيجة وهي حدوث الوفاة وبذلك تكون عناصر الركن المادية لجريمة القتل قد اكتملت وهي النشاط الإجرامي والنتيجة وعلاقة السببية بين النشاط والنتيجة

على أنه لا يكفي توافر الركن المادي في الجريمة حتى يمكن عقاب الفعل وإنما يجب أن يتوافر القصد الجنائي وهو الركن المعنوي في الجريمة فهل توافر هذا الركن في حق المحكوم عليه ؟

إن القصد الجنائي الذي يلزم توافره في الجرائم  العمدية كما هو الشأن في قضيتنا هذه يتحقق إذا أراد الجاني بنشاطه الفعل وأراد النتيجة فالمحكوم عليه قد طعن المجني  عليها وهذا هو الفعل وأراد إزهاق روحها وهذه هي النتيجة التي أرادها فالإرادة هي نشاط نفسي يتجه إلى تحقيق نتيجة معينة بوسيلة معينة وهذا النشاط النفسي أمر داخلي يستدل عليه بظواهر خارجية وقد استقر القضاء في مثل هذه الأحول على النظر إلى الآلة المستخدمة وقوة استخدامها ثم موضع تسديدها من جسم المجني عليها وفي هذه القضية قد استخدم المحكوم عليه السكين وهي بطبيعتها آلة خطرة وقاتلة كما معلوم لدى الكافة وقد سدد بها المحكوم عليه طعنة في بطن المجني عليها والبطن جزء حساس من جسم الإنسان حيث توجد الأمعاء والكبد والطحال وغيرها من الأعضاء الحساسة , ولا بد انه سدد طعنة قوية لأن الطعنة تسببت في بروز الأمعاء الغليظة مع تهتكها ولا شك أن كل ذلك يدل على أن المتهم إن لم يقصد تسبيب مون المجني عليها فعلى الأقل كان يعلم أن موتها سيكون النتيجة المرجحة لفعله لا مجرد نتيجة محتملة

ومن ثم يصح التقرير بأن المحكوم عليه وبصفة مبدئية قد ارتكب جريمة القتل العمد غير أنه يتعين لصحة الإدانة بصفة نهائية أن يثبت الاتهام أن فعل المتهم لم يقترن بأي ظرف من الظروف القانونية المنصوص عليها في المادة 249 عقوبات والتي تغير من وصف الجريمة فتجعل القتل قتلاً جنائياً لا يبلغ مرتبة القتل العمد ذلك أن خلو الفعل من أي ظرف من هذه الظروف المخففة هو ركن من أركان جريمة القتل العمد وفقاً لما تقضي المادة 248 من قانون العقوبات

ويتعين كذلك لصحة الإدانة عدم توافر أي مانع من موانع المسئولية الجنائية في جانب المحكوم عليه وعدم قيام أي سبب من أسباب الإباحة في حقه

لم يدفع المحكوم عليه بوجود أي مانع من موانع المسئولية الجنائية لديه كما أنه لم يتبين من ظروف الدعوى وما قدم من بينات وجود أي مانع من موانع المسئولية الجنائية من جانب المحكوم عليه

أما سبب الإباحة الذي يدفع به المحكوم عليه فهو حق الدفاع الشرعي عن النفس فهل كان المحكوم عليه وقت ارتكاب الفعل في حالة دفاع شرعي عن نفسه وبالتالي لا يعد فعله جريمة وفقاً لنص المادة 55 من قانون العقوبات؟

لذا ناقشت محكمة الموضوع هذا الدفع نقاشاً مستفيضاً وقررت أن المحكوم عليه لم يكن في حالة دفاع شرعي عن نفسه واستندت في قراراها هذا إلى أسباب سائغة تكفي لحمله فالمحكوم عليه لم يكن يواجه اعتداءً حالا أو وشيك الوقوع على نفسه يخشى منه الموت أو الأذى الجسيم فهو قد بدأ بالاعتداء كما هو ثابت من أقوال شاهدة الإثبات الثالثة سعدية آدم وثابت من أقواله للتحري أنه ألقى بالمرحومة أرضاً ثم جثم على صدرها وطعنها لكنه عدل عن أقواله هذة  أمام محكمة الموضوع وادعى أن المجني عليها اعتدت عليه بالضرب ومسكته من خصيته وذكره وجذبته وهذا القول إن كان صحيحاً لذكره منذ أول وهلة للمتحري وإني أتفق مع محكمة الموضوع في أن المجني عليها وهي امرأة لا تستطيع أن ترمي المحكوم عليه أرضاً واتفق معها في أن أقواله جاءت متناقضة مما يدل على الكذب والتلفيق وبناء على ما تقدم اتفق كل الاتفاق مع محكمة الموضوع فيما توصلت إليه من أن المحكوم عليه  لم يكن في حالة دفاع شرعي عن نفسه عندما سبب في موت المجني عليها

على  أن محكمة الموضوع عند مناقشتها لحق الدفاع الشرعي عن الجسم لم تتحر الدقة في التعبير فهي تقول على حد تعبيرها : إن المانع الذي تنص عليه المادة 61 من قانون العقوبات وهو حق الدفاع الشرعي عن الجسم أي تسبيب الموت ( قد يفهم من عبارة ) ( أي تسبيب الموت ) التي جاءت بعد عبارة حق الدفاع الشرعي عن الجسم أن هذا الحق يعني تسبيب الموت في كل حالة في حين أن هذا الحق إنما يبيح تسبيب الموت عمداًَ في حالات معينة نصت عليها المادة 61 عقوبات على سبيل الحصر وبعبارة أخر فإن هذه الحالات المنصوص عليها على سبيل الحصر هي قيد على استعمال هذا الحق ويفهم من ذلك أن هذا الحق في تسبيب الموت عمداً ليس مطلقاً بل يشترط أن يكون تسبيب الموت لازماً لرد الاعتداء بحيث لا تفلح أية وسيلة أخرى دونه لتحقيق الدفاع أما إذا كان رد الاعتداء ممكناً بوسيلة أخرى دون تسبيب الموت فلا يجوز الالتجاء إليه حتى ولو كان في إحدى الحالات التي أباح فيها القانون تعمد تسبيب الموت دفاعاً عن النفس كذلك لا يجوز الالتجاء إلى تسبيب الموت في غير تلك الحالات الواردة على سبيل الحصر في صلب المادة المذكور ولو كان تسبيب الموت هو الوسيلة الوحيدة لرد الاعتداء

وكذلك فإن كلمة ( المانع ) التىعبرت بها محكمة الموضوع عن حق الدفاع الشرعي هي كلمة غير دقيقة إذ يفهم منها أن الدفاع الشرعي من موانع المسئولية في حين أنه من أساب الإباحة وهناك فرقان جوهريان بين موانع المسئولية الجنائية وأسباب الإباحة أولهما هو أن أسباب الإباحة أسباب موضوعية تؤثر في الفعل أما موانع  المسئولية فهي ظروف شخصية متعلقة بالفاعل نفسه وما يؤثر على إرادته ولا تؤثر على الفعل وإنما على مسئولية من قام به السبب المانع

وثانيهما يترتب على الأول وهو أن أسباب الإباحة ترفع الصفة الإجرامية عن الفعل فتجعله مشروعاً أما موانع المسئولية فلا علاقة لها بتكييف الجريمة وإنما يظل الفعل غير مشروع ولكن نص التجريم لا ينطبق على هذا الفاعل بالذات لوجود هذا السبب المانع من المسئولية ( راجع دمحمود محمود مصطفى شرح قانون العقوبات القسم العام الطبعة الثامنة سنة 1969 ص 138 )

وواضح من هذه التفرقة أن السبب المانع من المسئولية إنما يؤثر على الإرادة المتعلقة بالشخص ذاته وبإرادته لا بالفعل ومن ثم فلا علاقة له بنفسية الفاعل الذي تتوافر لديه حرية الاختيار وقت ارتكاب الفعل وليس أدل على ذك من أن نصوص الدفاع الشرعي وهو من أساب الإباحة تفترض في المدافع سلامة الإرادة وأن لديه القدر الكافي من حرية الاختيار والدليل على ذلك أنها تتطلب من المدافع سلامة التقدير في رد الاعتداء بحيث لا يمتد حق الدفاع الشرعي إلى إلحاق الأذى بما يجاوز القدر اللازم لغرض الدفاع وبحيث  يكون هناك متسع من الوقت للجوء الى حماية السلطات العامة ولو كانت إرادة المدافع معيبة إلى الحد الذي يمنع المسئولية لما عاقبه القانون إذا ما تجاوز حدود حق الدفاع ( المرجع الذي يمنح المسئولية لما عاقبه القانون إذا ما تجاوز حدود حق الدفاع ( المرجع السابق 139) وليست هذه التفرقة بين أسباب الإباحة وموانع المسئولية نظرية بل تترتب عليها نتائج خاصة تتلخص فيما يلي أن الشريك في فعل قام بشأنه سبب من أسباب الإباحة لا يعاقب لأن  الاشتراك يجب أن يكون في جريمة

أما الاشتراك في فعل ارتكبه شخص قام به أي مانع من موانع المسئولية فلا يعفى الشريك من العقاب كذلك فإن قيام أي سبب من أسباب الإباحة يمنع من تطبيق أي تدبير وقائي بينما لا يحول دون ذلك قيام مانع من موانع المسئولية ( كالجنون ) كذلك فإن قيام سبب من أسباب الإباحة يمنع المطالبة بتعويض مدني بينما يحول دون ذلك قيام مانع من موانع  المسئولية  فيمكن انقضاء التعويض من الفاعل إذا كان مميزاً أو من المسئول عنه إذا كان غير مميزاً ( المرجع السابق ص119 140 )

وحقيقة أنه إذا رجعنا إلى نصوص قانون العقوبات السوداني التي تتكلم عن المسئولية الجنائية نجدها تبدأ بعبارة ( لا جريمة ) أو ( لا يعد الفعل جريمة ) دون تفرقة بين ما إذا كان الفعل الذي لا يعد جريمة راجعاً إلى سبب من أسباب الإباحة كالدفاع الشرعي وما إذ كان راجعاً إلى مانع من موانع المسئولية لعارض من عوارض الأهلية كالجنون ولكن هذا لا يعني أن هذا القانون لا يفرق بين أسباب الإباحة وموانع المسئولية ولا يترتب على هذه التفرقة تلك النتائج التي سبقت الإشارة إليها

ولتوضيح ذلك أسوق على سبيل المثال نص المادتين 49 50 من قانون العقوبات فالمادة 49 تنص بقولها ( لا جريمة في فعل يرتكبه الصغير الذي لم يبلغ الحلم على أنه يعاقب كل شخص يحرض أو يساعد أو يغري الصغير على ارتكاب أي جريمة بموجب أحكام هذا القانون ) والمادة 50 تنص بقولها : لا جريمة في فعل يقع من شخص تعوزه وقت ارتكابه ذلك الفعل القدرة على إدراك ماهية أفعاله أو السيطرة عليها بسبب الجنون الدائم أو المؤقت أو العاهة العقلية على  أنه يعاقب كل شخص يحرض أو يساعد أو يغري فاقد التمييز والاختيار على ارتكاب أي جريمة بموجب احكام هذا القانون

ويفهم من هذين النصين أن عديم الأهلية كالصغير أو المجنون لا يعد فعلهما جريمة ومن ثم فهما لا يعاقبان ولكن من يحرضهما و يساعدهما أو يغريهما على ارتكاب أي جريمة يكون مسؤولاًَ جنائياً عما يرتكبانه من جرائم يعاقب عليها بموجب هذا القانون في حين أن من يساعد شخصاً يمارس حقه المشروع في الدفاع الشرعي عن نفسه لا يعاقب لأنه إنما يشارك في أمر مباح ومن ثم فلا يعد شريكاً في جريمة وأسباب الإباحة تمنع من تطبيق أي تدبير وقائي بينما يجوز اتخاذ هذا التدبير في مواجهة المعتوه وذلك وفقاً لما تقضي به المادة 286(4) من قانون الإجراءات الجنائية

يتضح مما تقدم أن نصوص قانون العقوبات السوداني التي تتكلم عن المسئولية الجنائية وإن كانت لا تفرق بين أسباب الإباحة وموانع المسئولية من حيث أنها تنص على أن الفعل لا يعد جريمة سواء أكان الفعل راجعاً إلى سبب من أسباب الإباحة أم كان راجعاً إلى مانعاً من موانع المسئولية الجنائية إلا أن هذا القانون رغماً عن ذلك يرتب نفس النتائج القانونية والمنطقية التي سبق ذكرها والتي أوضحت أنها تترتب على التفرقة بين أسباب الإباحة وموانع المسئولية ومن ثم يجب عدم الخلط بين سبب الإباحة والسبب المانع من المسئولية الجنائية كما يجب التزام الدقة في التعبير فلا يعبر عن أحدهما باسم الآخر كأنهما مترادفان في حين أنهما مختلفان كما سبق البيان

ونسبة لهذا الاختلاف بين أسباب الإباحة وموانع المسئولية وما يترتب عليه من آثار قانونية هامة كان يجب أن تجيء نصوص كل من النوعين معبرة عن هذا الاختلاف بينهما فسبب الإباحة يرفع الصفة الإجرامية عن الفعل فيجعله مشروعا ومن ثم يصح أن ينص على أن الفعل لا يعد جريمة ومادام كذلك فلا تترتب عليه أية مسئولية لا على الفاعل ولا على شريكه أما مانع المسئولية فلا يؤثر على الفعل الذي يظل غير مشروع وإنما لا ينطبق نص التجريم على الفاعل شخصياً دون غيره من الشركاء ومن ثم لا يصح أن ينص على فعل لا يعد جريمة وإنما يجب أن ينص على عدم عقاب الفاعل الذي قام به السبب المانع من المسئولية كأن ينص القانون على سبيل المثال بأنه : لا عقاب على الصغير الذي لم يبلغ الحلم وقت ارتكابه الفعل سبع سنين كاملة وأنه لا عقاب على من تعوزه وقت ارتكاب  الفعل القدرة على إدراك ماهية أفعاله أو السيطرة عليها بسبب الجنون الدائم أو المؤقت أو العاهة العقلية بعد توضيح هذا الاختلاف بين أسباب الإباحة وموانع المسئولية والنتائج التي تترب عليه ننتقل لمناقشة الظروف القانونية المنصوص عليها في المادة 249 عقوبات والتي تغير من وصف الجريمة لنرى ما إذا كان الفعل الذي ارتكبه المحكوم عليه قد اقترن بأي واحد منها

لقد ناقشت محكمة الموضوع هذه الظروف القانونية الواحد تلو الآخر رغم أن معظمها لا مجال لمناقشته حسب ظروف هذه القضية وقد انتهت محكمة الموضوع إلى أن فعل المحكوم عليه لم يقترن بأي ظرف من هذه الظروف التي تغير من وصف الجريمة وأنى أتفق معها فيما انتهت إليه ولكن كان على محكمة الموضوع أن تقتصر علي مناقشة الأعذار القانونية التي تسمح ظروف القضية وملابساتها بمناقشتها وهي حسب ظروف هذه القضية والبينات المطروحة تنحصر في عذري الاستفزاز الشديد المفاجئ ( المادة249/1) والمعركة المفاجئة (المادة249/4) أما عذر حق الدفاع الشرعي بحسن نية ( المادة 249/3) فلا مجال لمناقشته ذلك أنه قد ثبت عند مناقشتنا لحق الدفاع الشرعي أن هذا الحق لم ينشأ للمحكوم عليه أصلاً ومن ثم فلا مجال للحديث عن تجاوز لحق لم ينشأ أساساً للمحكوم عليه

أما فيما يتعلق بعذر الاستفزاز الشديد المفاجئ فإن شهادة شاهد الإثبات الثالثة سعدية آدم وهي شاهدة العيان الوحيدة يستفاد منها أن مشادة كلامية دارت بين المحكوم عليه والمجني عليها بخصوص مجيء بهائمها إلى ( الدكة ) وأن ما دار بينهما لا يرقى إلى درجة الاستفزاز الشديد المفاجئ الذي يفقد المحكوم عليه السيطرة على نفسه حتى يسبب موت المجني عليها وحتى إذا صدقنا – جدلاً – ما قاله المحكوم عليه من أن المجني عليها شتمته بالألفاظ التي قالها فإن مثل هذه الشتائم في مثل هذه البيئة هي أمر عادي لا يدعو إلى مثل هذه الثورة العنيفة ولكن يبدو أن المحكوم عليه قد ضاق ذرعاً بعلاقة المجني عليها الغرامية مع غيره من الذين يترددون على منزلها لشرب المريسة وهو الذي ينفق عليها كعشيقة له إلى جانب أنه يتعهد برعي بهائمها وذلك واضح من اعترافه القضائي المدون على الصحيفة السادسة من يومية التحري ولما لم يجد عنده قبولاً أعمل فيها سكينه حتى أزهق روحها ولكن هذه الظروف لا تشكل إثارة عنيفة ومفاجئة تجعله يستفيد من عذر الاستفزاز الشديد المفاجئ المنصوص عليه في الفقرة الأولى من المادة 249 من قانون العقوبات

وأخيراً فإن وقائع هذه القضية لا تجعل المحكوم عليه يستفيد من عذر المعركة المفاجئة لأنه قد سلك سلوكاً قاسياًُ عندما عمد إلى سكينه في مواجهة امرأة ضعيفة لا حول لها ولا قوة وهي لا تحمل أي سلاح وبقر بطنها بسكينه حتى خرجت أمعاؤها ولا شك أن هذه القسوة ما بعدها قسوة مما يحرمه من الاستفادة من عذر المعركة المفاجئة المنصوص عليه في الفقرة الرابعة من المادة 249 من قانون العقوبات

لكل هذه الأسباب مجتمعة فإنني أؤيد قرار محكمة الموضوع القاضي بإدانة المحكوم عليه بجريمة القتل العمد تحت المادة 251 من قانون العقوبات

القرار حول العقوبة :

وقعت حوادث هذه القضية في ظل قانون سنة 1983م المستمد من الشريعة الإسلامية الغراء وقد أدانت محكمة الموضوع المحكوم عليه بجريمة القتل العمد تحت طائلة المادة 251 عقوبات وعقوبتها هي الإعدام أو الدية إذا قبلها ولي المقتول ومعنى ذلك يجب تخيير أولياء المقتول بعد حصرهم بموجب إعلام شرعي بين المطالبة بحقهم في القصاص أو العفو وقبول الدية وإن الإجراء القانوني  الصحيح المفروض اتباعه هو صدور إعلام شرعي من محكمة شرعية مختصة بحصر الورثة وإذا كان من بين الورثة قصر ووالدهم على قيد الحياة فهو وليهم وفي هذه الحالة لا يقام عليهم وصي أما إذا كان متوفى فيجب إقامة وصي عليهم في الإعلام الشرعي الذي يحصر الورثة ثم يحضر الورثة البالغون بأنفسهم ومعهم الوالي عن القصر أو الوصي عليهم أمام محكمة الموضوع التي يجب عليها أن تدون أسماؤهم في محضرها من الإعلام الشرعي ثم تسألهم عن رأيهم في المطالبة بالقصاص أو العفو أو الدية وعلى ضوء أقوالهم تصدر قرارها مع ملاحظة أنه لا يجوز العفو في حق القصر

ولكن محكمة الموضوع لم تتبع هذا الإجراء القانوني ويتضح ذلك من قولها على الصحيفة (8) من محضر حيثياتها الذي يبدأ بالأورنيك(2) حيث تقول : " إحضار الإعلام الشرعي لقصر وحضور خالهم عنهم " ثم أضافت قائلة : أهل المرحومة : نحن نقبل الدية

ولم أجد بين أوراق القضية أي إعلام شرعي ولكن وجدت أورنيك استفتاء وراثي ( به أسماء الأشخاص ) وواضح أن هذا مجرد طلب استفتاء وراثي وليس به قرار من محكمة شرعية مختصة بإثبات الورثة الشرعيين لمتوفاة الذين يحق لهم أن يطالبوا بحقهم في القصاص أو الدية أو العفو

ومن ثم فإن قرار محكمة الموضوع الذي استند إلى هذا الطلب يكون قراراً غير صحيح ولا بد من أن تتبع محكمة الموضوع الإجراء القانوني الصحيح حسبما أوضحت أعلاه

وألفت نظر محكمة الموضوع إلى أ نه يجب عليها أن تتحرى عن مقدرة المحكوم عليه على دفع الدية إذا ما قبل أولياء المقتولة الدية ولا تكتفي بقوله : أنا ليست لدي أي مقدرة على دفع الدية كما فعلت هذه المرة ويمكنها أن تتحرى عن مقدرة المحكوم عليه على دفع الدية بكل الطرق المختلفة ثم تعاد الأوراق بعد اتباع هذه الإجراءات لتأمر هذه المحكمة بما تراه مناسباً وفقاً للقانون

أوامـــر:

1-     تعاد الأوراق إلى محكمة الموضوع وعليها أن تتبع الإجراء القانوني الصحيح بشأن الإعلام الشرعي وفق ما جاء في هذه المذكرة

2-     تعاد الأوراق إلى هذه المحكمة لتأمر بما تراه مناسباً وفقاً للقانون 

▸ حكومة السودان /ضد/ الأمين سعيد أم دبكه فوق حكومة السودان /ضد/عوض الحاج محجوب ◂

مجلة الاحكام

  • المجلات من 1900 إلي 1930
  • المجلات من 1931 إلي 1950
  • المجلات من 1956 إلي 1959
  • المجلات من 1960 إلي 1969
  • المجلات من 1970 إلي 1979
  • المجلات من 1980 إلي 1989
  • المجلات من 1990 إلي 1999
  • المجلات من 2000 إلي 2009
  • المجلات من 2010 الى 2019
  • المجلات من 2020 الى 2029
  1. مجلة الاحكام
  2. المجلات من 1980 إلي 1989
  3. العدد 1985
  4. حكومة السودان /ضد/إبراهيم وادي إبراهيم

حكومة السودان /ضد/إبراهيم وادي إبراهيم

المحكمة العليا

حكومة السودان /ضد/إبراهيم وادي إبراهيم

(م ع/م ك/79/1405هـ)

المبادئ:

قانون جنائي – حكم الشريك في فعل قام به مانع من موانع المسئولية وفي فعل قام به سبب من أسباب الإباحة

قانون جنائي – الدفاع الشرعي من أسباب الإباحة

-     لا يعفى الشريك من العقاب عن فعل ارتكبه شخص قام به أي مانع من موانع المسئولية في حين أن قيام سبب من أسباب الإباحة يعفي من  المسئولية الجنائية والمسئولية المدنية

-     1-     السبب المانع للمسئولية مثل صغر السن أو اختلال العقل يؤثر على الإرادة المتعلقة بالشخص ذاته وبإرادته لا بالفعل ومن ثم فهو يهدم الركن النفسي للجريمة

2-     سبب الإباحة سبب موضوعي يؤثر على فعل المتهم فهو يرفع الصفة الإجرامية عن الفعل فيجعله مشروعاً لذلك فإن الدفاع الشرعي يعتبر من أسباب الإباحة

 

الحكــــــم

القاضي / د أحمد إدريس أحمد

التاريخ:13/8/1985م

أدانت محكمة جنايات المناقل برئاسة قاضي المديرية السيد/ كمال مالك محمد صالح المحكوم عليه إبراهيم وادي إبراهيم بجريمة القتل العمد تحت طائلة المادة 251 عقوبات لسنة 1983 لقتله المجني عليه خديجة يعقوب عيسى وحكمت عليه بالإعدام شنقاً حتى الموت وذلك بتاريخ 24 جمادى الآخرة 1405هـ الموافق 20/مارس 1985م

تقدم المحكوم عليه باستئناف ذكر فيه أ نه عندما طعن المجني عليه كان في حالة دفاع شرعي عن نفسه

قبل الخوض في أسباب القرار حول الإدانة أرى أن هناك بعض الملاحظات في إجراءات المحاكمة لا بد من الإشارة إليها كي ينتبه رئيس المحكمة إليها مستقبلاً وهى :

1-     أن ملخص الوقائع الجوهرية ( Summary of Salient Facts ) جاء مقتضباً ولا يفي بالغرض المطلوب منه والمفروض أن يكون ملخص الوقائع مستوفياً لطريقة وقوع الحادث والحقائق المتعلقة به ومفصلاً للحد الذي يمكن للسلطة المؤيدة من تتبع مجريات الحادث في سهولة ويسر ( أنظر حكومة السودان ضد فاروق إبراهيم أحمد  - مجلة الأحكام القضائية سنة 1978 ص 320 – 321 )

2-     أن بعض الحقائق التي وردت في الملخص لم تؤسس على البينات المطروحة أمام محكمة الموضوع وإنما وردت في يومية التحري

3-     أن استجواب المتهم كان مقتضباً أيضاً علماً بأن الوقائع مأخوذة من أقوال المتهم التي أدلى بها للمتحري ولم تستجوبه عنها المحكمة تفصيلاً في حين أنهاأشارت إلى بعض ما ورد في أقواله للمتحري في ملخص الوقائع التي جاءت مقتضبة على ما سبق البيان

وباستقراء محضر التحري ومحضر المحاكمة يمكن تلخيص الوقائع الجوهرية في الآتي :

 أن المجني عليها خديجة يعقوب عيسى وابنتها سعدية آدم تعيشان في منزل واحد ( بكمبو ود بلة ) وكان المحكوم عليه إبراهيم وادي إبراهيم على علاقة غير شرعية مع المجني عليها وكان يرعى بهائمها وكانت المجني عليها تصنع المريسة وتبيعها للشاربين ومن بينهم المحكوم عليه

 ولسبب أو لآخر دب الخلاف بين المحكوم عليه وخليلته المجني عليها وربما كان ذلك بسبب تواجد الرجال بمنزلها مما أثار حفيظته عليها

 وفي يوم الحادث جاء المحكوم عليه في الصباح إلى منزل المجني عليه وطلب منها أن تحجز له مريسة بما قيمته جنيهاً وفي السابعة مساء من نفس اليوم عاد إلى منزلها وسألها إلا أنها لم ترد عليه فخرج من ا لمنزل ثم عاد إليه يحمل عكازاً وسأل المجني عليها عن المريسة فقالت له ( نحن في الصباح كنا ما كويسين ) فقال لها  المحكوم عليه ( بعد كده أمسكي بهايمك أنا ما بسرح بيهن ) فشتمته المجني عليها بقولها ( يا ود الحرام يا ود الشرموطة يا بعاتي ) وأراد المحكوم عليه أن يضربها بعكازه الذي كان يحمله إلا أنها أمسكته منه فرماها أرضاً واستل مديته وسدد لها طعنة نجلاء في بطنها حتى خرجت أمعاؤها وجاءت ابنتها سعدية آدم وضربته بذلك العكاز  على رأسه فنهض من المجني عليها وخرج وفي الطريق قابله شيخ كمبو ود بلة وسأله عن أمره فاعترف  له على الفور بأنه طعن المجني عليها بالسكين

 أرسلت المجني  عليها إلى مستشفى العزازي ومن هناك أرسلت إلى مستشفى المناقل حيث حاول الطبيب إجراء عملية لإنقاذ حياتها إلا أنها توفيت قبل إجراء العملية فكتب عنها الطبيب قراراه موضحاً أن سبب الوفاة هو النزيف الخارجي الناتج عن الإصابة بآلة حادة صلبة في الجزء الأيسر من أسفل البطن

 هذه الحقائق تثبتها بينات كافية : فقد اعترف المحكوم عليه قضائياً على الصحيفة السادسة من يومية التحري أمام رئيس محكمة العزازى الشعبية بأنه طعن المجني عليها بالسكين في كلوتها وقد مثل رئيس المحكمة المذكور أمام محكمة الموضوع كشاهد محكمة وأكد صدور هذا الاعتراف من المحكوم عليه كذلك بعد أن حذره التحذير القانوني وبعد أن عرفه بصفته القضائية وقد اعترف المحكوم عليه كذلك أمام محكمة الموضوع بواقعة الطعن وهناك بينة مباشرة تؤيد صحة هذا الاعتراف وهي بينة الشاهدة سعدية آدم وهي شاهدة عيان وقد أكدت أنها رأت المحكوم عليه يطعن المجني عليها بالسكين في بطنها

وقد ثبت من قرار التشريح ( م اتهام 1) الذي كتبه أخصائي الجراحة بمستشفى المناقل أن هناك جرحاً قاطعاً نافذاً بالجانب الأيسر من أسفل البطن مخترقاً الجدار الأمامي للبطن مما سبب بروز الأمعاء الغليظة خارج البطن وأدى  إلى تهتك الأمعاء الغليظة مما سبب تلوث التجويف البطني بالبراز وبعض الديدان التي كانت تعاني منها المريضة وجاء فيه أنه تم الشروع في استعادة ضغط دم المريضة وتقرر إجراء عملية عاجلة لها بعد إنعاشها إلا أنها توفيت في تربيزة العملية قبل الشروع في العملية وأن سب الوفاة هو النزيف الخارجي الناتج عن الإصابة بآلة حادة صلبة في الجزء الأيسر من أسفل البطن

وبذلك يثبت بيقين أن المحكوم عليه قد سبب موت المجني عليها نتيجة لتلك الطعنة لتي سددها لها دون تدخل أي عوامل أخرى تقطع رابطة السببية بين الفعل والنتيجة وبعبارة أخرى قد توافرت علاقة السببية بين النشاط الإجرامي الذي أتاه المحكوم عليه وبين النتيجة وهي حدوث الوفاة وبذلك تكون عناصر الركن المادية لجريمة القتل قد اكتملت وهي النشاط الإجرامي والنتيجة وعلاقة السببية بين النشاط والنتيجة

على أنه لا يكفي توافر الركن المادي في الجريمة حتى يمكن عقاب الفعل وإنما يجب أن يتوافر القصد الجنائي وهو الركن المعنوي في الجريمة فهل توافر هذا الركن في حق المحكوم عليه ؟

إن القصد الجنائي الذي يلزم توافره في الجرائم  العمدية كما هو الشأن في قضيتنا هذه يتحقق إذا أراد الجاني بنشاطه الفعل وأراد النتيجة فالمحكوم عليه قد طعن المجني  عليها وهذا هو الفعل وأراد إزهاق روحها وهذه هي النتيجة التي أرادها فالإرادة هي نشاط نفسي يتجه إلى تحقيق نتيجة معينة بوسيلة معينة وهذا النشاط النفسي أمر داخلي يستدل عليه بظواهر خارجية وقد استقر القضاء في مثل هذه الأحول على النظر إلى الآلة المستخدمة وقوة استخدامها ثم موضع تسديدها من جسم المجني عليها وفي هذه القضية قد استخدم المحكوم عليه السكين وهي بطبيعتها آلة خطرة وقاتلة كما معلوم لدى الكافة وقد سدد بها المحكوم عليه طعنة في بطن المجني عليها والبطن جزء حساس من جسم الإنسان حيث توجد الأمعاء والكبد والطحال وغيرها من الأعضاء الحساسة , ولا بد انه سدد طعنة قوية لأن الطعنة تسببت في بروز الأمعاء الغليظة مع تهتكها ولا شك أن كل ذلك يدل على أن المتهم إن لم يقصد تسبيب مون المجني عليها فعلى الأقل كان يعلم أن موتها سيكون النتيجة المرجحة لفعله لا مجرد نتيجة محتملة

ومن ثم يصح التقرير بأن المحكوم عليه وبصفة مبدئية قد ارتكب جريمة القتل العمد غير أنه يتعين لصحة الإدانة بصفة نهائية أن يثبت الاتهام أن فعل المتهم لم يقترن بأي ظرف من الظروف القانونية المنصوص عليها في المادة 249 عقوبات والتي تغير من وصف الجريمة فتجعل القتل قتلاً جنائياً لا يبلغ مرتبة القتل العمد ذلك أن خلو الفعل من أي ظرف من هذه الظروف المخففة هو ركن من أركان جريمة القتل العمد وفقاً لما تقضي المادة 248 من قانون العقوبات

ويتعين كذلك لصحة الإدانة عدم توافر أي مانع من موانع المسئولية الجنائية في جانب المحكوم عليه وعدم قيام أي سبب من أسباب الإباحة في حقه

لم يدفع المحكوم عليه بوجود أي مانع من موانع المسئولية الجنائية لديه كما أنه لم يتبين من ظروف الدعوى وما قدم من بينات وجود أي مانع من موانع المسئولية الجنائية من جانب المحكوم عليه

أما سبب الإباحة الذي يدفع به المحكوم عليه فهو حق الدفاع الشرعي عن النفس فهل كان المحكوم عليه وقت ارتكاب الفعل في حالة دفاع شرعي عن نفسه وبالتالي لا يعد فعله جريمة وفقاً لنص المادة 55 من قانون العقوبات؟

لذا ناقشت محكمة الموضوع هذا الدفع نقاشاً مستفيضاً وقررت أن المحكوم عليه لم يكن في حالة دفاع شرعي عن نفسه واستندت في قراراها هذا إلى أسباب سائغة تكفي لحمله فالمحكوم عليه لم يكن يواجه اعتداءً حالا أو وشيك الوقوع على نفسه يخشى منه الموت أو الأذى الجسيم فهو قد بدأ بالاعتداء كما هو ثابت من أقوال شاهدة الإثبات الثالثة سعدية آدم وثابت من أقواله للتحري أنه ألقى بالمرحومة أرضاً ثم جثم على صدرها وطعنها لكنه عدل عن أقواله هذة  أمام محكمة الموضوع وادعى أن المجني عليها اعتدت عليه بالضرب ومسكته من خصيته وذكره وجذبته وهذا القول إن كان صحيحاً لذكره منذ أول وهلة للمتحري وإني أتفق مع محكمة الموضوع في أن المجني عليها وهي امرأة لا تستطيع أن ترمي المحكوم عليه أرضاً واتفق معها في أن أقواله جاءت متناقضة مما يدل على الكذب والتلفيق وبناء على ما تقدم اتفق كل الاتفاق مع محكمة الموضوع فيما توصلت إليه من أن المحكوم عليه  لم يكن في حالة دفاع شرعي عن نفسه عندما سبب في موت المجني عليها

على  أن محكمة الموضوع عند مناقشتها لحق الدفاع الشرعي عن الجسم لم تتحر الدقة في التعبير فهي تقول على حد تعبيرها : إن المانع الذي تنص عليه المادة 61 من قانون العقوبات وهو حق الدفاع الشرعي عن الجسم أي تسبيب الموت ( قد يفهم من عبارة ) ( أي تسبيب الموت ) التي جاءت بعد عبارة حق الدفاع الشرعي عن الجسم أن هذا الحق يعني تسبيب الموت في كل حالة في حين أن هذا الحق إنما يبيح تسبيب الموت عمداًَ في حالات معينة نصت عليها المادة 61 عقوبات على سبيل الحصر وبعبارة أخر فإن هذه الحالات المنصوص عليها على سبيل الحصر هي قيد على استعمال هذا الحق ويفهم من ذلك أن هذا الحق في تسبيب الموت عمداً ليس مطلقاً بل يشترط أن يكون تسبيب الموت لازماً لرد الاعتداء بحيث لا تفلح أية وسيلة أخرى دونه لتحقيق الدفاع أما إذا كان رد الاعتداء ممكناً بوسيلة أخرى دون تسبيب الموت فلا يجوز الالتجاء إليه حتى ولو كان في إحدى الحالات التي أباح فيها القانون تعمد تسبيب الموت دفاعاً عن النفس كذلك لا يجوز الالتجاء إلى تسبيب الموت في غير تلك الحالات الواردة على سبيل الحصر في صلب المادة المذكور ولو كان تسبيب الموت هو الوسيلة الوحيدة لرد الاعتداء

وكذلك فإن كلمة ( المانع ) التىعبرت بها محكمة الموضوع عن حق الدفاع الشرعي هي كلمة غير دقيقة إذ يفهم منها أن الدفاع الشرعي من موانع المسئولية في حين أنه من أساب الإباحة وهناك فرقان جوهريان بين موانع المسئولية الجنائية وأسباب الإباحة أولهما هو أن أسباب الإباحة أسباب موضوعية تؤثر في الفعل أما موانع  المسئولية فهي ظروف شخصية متعلقة بالفاعل نفسه وما يؤثر على إرادته ولا تؤثر على الفعل وإنما على مسئولية من قام به السبب المانع

وثانيهما يترتب على الأول وهو أن أسباب الإباحة ترفع الصفة الإجرامية عن الفعل فتجعله مشروعاً أما موانع المسئولية فلا علاقة لها بتكييف الجريمة وإنما يظل الفعل غير مشروع ولكن نص التجريم لا ينطبق على هذا الفاعل بالذات لوجود هذا السبب المانع من المسئولية ( راجع دمحمود محمود مصطفى شرح قانون العقوبات القسم العام الطبعة الثامنة سنة 1969 ص 138 )

وواضح من هذه التفرقة أن السبب المانع من المسئولية إنما يؤثر على الإرادة المتعلقة بالشخص ذاته وبإرادته لا بالفعل ومن ثم فلا علاقة له بنفسية الفاعل الذي تتوافر لديه حرية الاختيار وقت ارتكاب الفعل وليس أدل على ذك من أن نصوص الدفاع الشرعي وهو من أساب الإباحة تفترض في المدافع سلامة الإرادة وأن لديه القدر الكافي من حرية الاختيار والدليل على ذلك أنها تتطلب من المدافع سلامة التقدير في رد الاعتداء بحيث لا يمتد حق الدفاع الشرعي إلى إلحاق الأذى بما يجاوز القدر اللازم لغرض الدفاع وبحيث  يكون هناك متسع من الوقت للجوء الى حماية السلطات العامة ولو كانت إرادة المدافع معيبة إلى الحد الذي يمنع المسئولية لما عاقبه القانون إذا ما تجاوز حدود حق الدفاع ( المرجع الذي يمنح المسئولية لما عاقبه القانون إذا ما تجاوز حدود حق الدفاع ( المرجع السابق 139) وليست هذه التفرقة بين أسباب الإباحة وموانع المسئولية نظرية بل تترتب عليها نتائج خاصة تتلخص فيما يلي أن الشريك في فعل قام بشأنه سبب من أسباب الإباحة لا يعاقب لأن  الاشتراك يجب أن يكون في جريمة

أما الاشتراك في فعل ارتكبه شخص قام به أي مانع من موانع المسئولية فلا يعفى الشريك من العقاب كذلك فإن قيام أي سبب من أسباب الإباحة يمنع من تطبيق أي تدبير وقائي بينما لا يحول دون ذلك قيام مانع من موانع المسئولية ( كالجنون ) كذلك فإن قيام سبب من أسباب الإباحة يمنع المطالبة بتعويض مدني بينما يحول دون ذلك قيام مانع من موانع  المسئولية  فيمكن انقضاء التعويض من الفاعل إذا كان مميزاً أو من المسئول عنه إذا كان غير مميزاً ( المرجع السابق ص119 140 )

وحقيقة أنه إذا رجعنا إلى نصوص قانون العقوبات السوداني التي تتكلم عن المسئولية الجنائية نجدها تبدأ بعبارة ( لا جريمة ) أو ( لا يعد الفعل جريمة ) دون تفرقة بين ما إذا كان الفعل الذي لا يعد جريمة راجعاً إلى سبب من أسباب الإباحة كالدفاع الشرعي وما إذ كان راجعاً إلى مانع من موانع المسئولية لعارض من عوارض الأهلية كالجنون ولكن هذا لا يعني أن هذا القانون لا يفرق بين أسباب الإباحة وموانع المسئولية ولا يترتب على هذه التفرقة تلك النتائج التي سبقت الإشارة إليها

ولتوضيح ذلك أسوق على سبيل المثال نص المادتين 49 50 من قانون العقوبات فالمادة 49 تنص بقولها ( لا جريمة في فعل يرتكبه الصغير الذي لم يبلغ الحلم على أنه يعاقب كل شخص يحرض أو يساعد أو يغري الصغير على ارتكاب أي جريمة بموجب أحكام هذا القانون ) والمادة 50 تنص بقولها : لا جريمة في فعل يقع من شخص تعوزه وقت ارتكابه ذلك الفعل القدرة على إدراك ماهية أفعاله أو السيطرة عليها بسبب الجنون الدائم أو المؤقت أو العاهة العقلية على  أنه يعاقب كل شخص يحرض أو يساعد أو يغري فاقد التمييز والاختيار على ارتكاب أي جريمة بموجب احكام هذا القانون

ويفهم من هذين النصين أن عديم الأهلية كالصغير أو المجنون لا يعد فعلهما جريمة ومن ثم فهما لا يعاقبان ولكن من يحرضهما و يساعدهما أو يغريهما على ارتكاب أي جريمة يكون مسؤولاًَ جنائياً عما يرتكبانه من جرائم يعاقب عليها بموجب هذا القانون في حين أن من يساعد شخصاً يمارس حقه المشروع في الدفاع الشرعي عن نفسه لا يعاقب لأنه إنما يشارك في أمر مباح ومن ثم فلا يعد شريكاً في جريمة وأسباب الإباحة تمنع من تطبيق أي تدبير وقائي بينما يجوز اتخاذ هذا التدبير في مواجهة المعتوه وذلك وفقاً لما تقضي به المادة 286(4) من قانون الإجراءات الجنائية

يتضح مما تقدم أن نصوص قانون العقوبات السوداني التي تتكلم عن المسئولية الجنائية وإن كانت لا تفرق بين أسباب الإباحة وموانع المسئولية من حيث أنها تنص على أن الفعل لا يعد جريمة سواء أكان الفعل راجعاً إلى سبب من أسباب الإباحة أم كان راجعاً إلى مانعاً من موانع المسئولية الجنائية إلا أن هذا القانون رغماً عن ذلك يرتب نفس النتائج القانونية والمنطقية التي سبق ذكرها والتي أوضحت أنها تترتب على التفرقة بين أسباب الإباحة وموانع المسئولية ومن ثم يجب عدم الخلط بين سبب الإباحة والسبب المانع من المسئولية الجنائية كما يجب التزام الدقة في التعبير فلا يعبر عن أحدهما باسم الآخر كأنهما مترادفان في حين أنهما مختلفان كما سبق البيان

ونسبة لهذا الاختلاف بين أسباب الإباحة وموانع المسئولية وما يترتب عليه من آثار قانونية هامة كان يجب أن تجيء نصوص كل من النوعين معبرة عن هذا الاختلاف بينهما فسبب الإباحة يرفع الصفة الإجرامية عن الفعل فيجعله مشروعا ومن ثم يصح أن ينص على أن الفعل لا يعد جريمة ومادام كذلك فلا تترتب عليه أية مسئولية لا على الفاعل ولا على شريكه أما مانع المسئولية فلا يؤثر على الفعل الذي يظل غير مشروع وإنما لا ينطبق نص التجريم على الفاعل شخصياً دون غيره من الشركاء ومن ثم لا يصح أن ينص على فعل لا يعد جريمة وإنما يجب أن ينص على عدم عقاب الفاعل الذي قام به السبب المانع من المسئولية كأن ينص القانون على سبيل المثال بأنه : لا عقاب على الصغير الذي لم يبلغ الحلم وقت ارتكابه الفعل سبع سنين كاملة وأنه لا عقاب على من تعوزه وقت ارتكاب  الفعل القدرة على إدراك ماهية أفعاله أو السيطرة عليها بسبب الجنون الدائم أو المؤقت أو العاهة العقلية بعد توضيح هذا الاختلاف بين أسباب الإباحة وموانع المسئولية والنتائج التي تترب عليه ننتقل لمناقشة الظروف القانونية المنصوص عليها في المادة 249 عقوبات والتي تغير من وصف الجريمة لنرى ما إذا كان الفعل الذي ارتكبه المحكوم عليه قد اقترن بأي واحد منها

لقد ناقشت محكمة الموضوع هذه الظروف القانونية الواحد تلو الآخر رغم أن معظمها لا مجال لمناقشته حسب ظروف هذه القضية وقد انتهت محكمة الموضوع إلى أن فعل المحكوم عليه لم يقترن بأي ظرف من هذه الظروف التي تغير من وصف الجريمة وأنى أتفق معها فيما انتهت إليه ولكن كان على محكمة الموضوع أن تقتصر علي مناقشة الأعذار القانونية التي تسمح ظروف القضية وملابساتها بمناقشتها وهي حسب ظروف هذه القضية والبينات المطروحة تنحصر في عذري الاستفزاز الشديد المفاجئ ( المادة249/1) والمعركة المفاجئة (المادة249/4) أما عذر حق الدفاع الشرعي بحسن نية ( المادة 249/3) فلا مجال لمناقشته ذلك أنه قد ثبت عند مناقشتنا لحق الدفاع الشرعي أن هذا الحق لم ينشأ للمحكوم عليه أصلاً ومن ثم فلا مجال للحديث عن تجاوز لحق لم ينشأ أساساً للمحكوم عليه

أما فيما يتعلق بعذر الاستفزاز الشديد المفاجئ فإن شهادة شاهد الإثبات الثالثة سعدية آدم وهي شاهدة العيان الوحيدة يستفاد منها أن مشادة كلامية دارت بين المحكوم عليه والمجني عليها بخصوص مجيء بهائمها إلى ( الدكة ) وأن ما دار بينهما لا يرقى إلى درجة الاستفزاز الشديد المفاجئ الذي يفقد المحكوم عليه السيطرة على نفسه حتى يسبب موت المجني عليها وحتى إذا صدقنا – جدلاً – ما قاله المحكوم عليه من أن المجني عليها شتمته بالألفاظ التي قالها فإن مثل هذه الشتائم في مثل هذه البيئة هي أمر عادي لا يدعو إلى مثل هذه الثورة العنيفة ولكن يبدو أن المحكوم عليه قد ضاق ذرعاً بعلاقة المجني عليها الغرامية مع غيره من الذين يترددون على منزلها لشرب المريسة وهو الذي ينفق عليها كعشيقة له إلى جانب أنه يتعهد برعي بهائمها وذلك واضح من اعترافه القضائي المدون على الصحيفة السادسة من يومية التحري ولما لم يجد عنده قبولاً أعمل فيها سكينه حتى أزهق روحها ولكن هذه الظروف لا تشكل إثارة عنيفة ومفاجئة تجعله يستفيد من عذر الاستفزاز الشديد المفاجئ المنصوص عليه في الفقرة الأولى من المادة 249 من قانون العقوبات

وأخيراً فإن وقائع هذه القضية لا تجعل المحكوم عليه يستفيد من عذر المعركة المفاجئة لأنه قد سلك سلوكاً قاسياًُ عندما عمد إلى سكينه في مواجهة امرأة ضعيفة لا حول لها ولا قوة وهي لا تحمل أي سلاح وبقر بطنها بسكينه حتى خرجت أمعاؤها ولا شك أن هذه القسوة ما بعدها قسوة مما يحرمه من الاستفادة من عذر المعركة المفاجئة المنصوص عليه في الفقرة الرابعة من المادة 249 من قانون العقوبات

لكل هذه الأسباب مجتمعة فإنني أؤيد قرار محكمة الموضوع القاضي بإدانة المحكوم عليه بجريمة القتل العمد تحت المادة 251 من قانون العقوبات

القرار حول العقوبة :

وقعت حوادث هذه القضية في ظل قانون سنة 1983م المستمد من الشريعة الإسلامية الغراء وقد أدانت محكمة الموضوع المحكوم عليه بجريمة القتل العمد تحت طائلة المادة 251 عقوبات وعقوبتها هي الإعدام أو الدية إذا قبلها ولي المقتول ومعنى ذلك يجب تخيير أولياء المقتول بعد حصرهم بموجب إعلام شرعي بين المطالبة بحقهم في القصاص أو العفو وقبول الدية وإن الإجراء القانوني  الصحيح المفروض اتباعه هو صدور إعلام شرعي من محكمة شرعية مختصة بحصر الورثة وإذا كان من بين الورثة قصر ووالدهم على قيد الحياة فهو وليهم وفي هذه الحالة لا يقام عليهم وصي أما إذا كان متوفى فيجب إقامة وصي عليهم في الإعلام الشرعي الذي يحصر الورثة ثم يحضر الورثة البالغون بأنفسهم ومعهم الوالي عن القصر أو الوصي عليهم أمام محكمة الموضوع التي يجب عليها أن تدون أسماؤهم في محضرها من الإعلام الشرعي ثم تسألهم عن رأيهم في المطالبة بالقصاص أو العفو أو الدية وعلى ضوء أقوالهم تصدر قرارها مع ملاحظة أنه لا يجوز العفو في حق القصر

ولكن محكمة الموضوع لم تتبع هذا الإجراء القانوني ويتضح ذلك من قولها على الصحيفة (8) من محضر حيثياتها الذي يبدأ بالأورنيك(2) حيث تقول : " إحضار الإعلام الشرعي لقصر وحضور خالهم عنهم " ثم أضافت قائلة : أهل المرحومة : نحن نقبل الدية

ولم أجد بين أوراق القضية أي إعلام شرعي ولكن وجدت أورنيك استفتاء وراثي ( به أسماء الأشخاص ) وواضح أن هذا مجرد طلب استفتاء وراثي وليس به قرار من محكمة شرعية مختصة بإثبات الورثة الشرعيين لمتوفاة الذين يحق لهم أن يطالبوا بحقهم في القصاص أو الدية أو العفو

ومن ثم فإن قرار محكمة الموضوع الذي استند إلى هذا الطلب يكون قراراً غير صحيح ولا بد من أن تتبع محكمة الموضوع الإجراء القانوني الصحيح حسبما أوضحت أعلاه

وألفت نظر محكمة الموضوع إلى أ نه يجب عليها أن تتحرى عن مقدرة المحكوم عليه على دفع الدية إذا ما قبل أولياء المقتولة الدية ولا تكتفي بقوله : أنا ليست لدي أي مقدرة على دفع الدية كما فعلت هذه المرة ويمكنها أن تتحرى عن مقدرة المحكوم عليه على دفع الدية بكل الطرق المختلفة ثم تعاد الأوراق بعد اتباع هذه الإجراءات لتأمر هذه المحكمة بما تراه مناسباً وفقاً للقانون

أوامـــر:

1-     تعاد الأوراق إلى محكمة الموضوع وعليها أن تتبع الإجراء القانوني الصحيح بشأن الإعلام الشرعي وفق ما جاء في هذه المذكرة

2-     تعاد الأوراق إلى هذه المحكمة لتأمر بما تراه مناسباً وفقاً للقانون 

▸ حكومة السودان /ضد/ الأمين سعيد أم دبكه فوق حكومة السودان /ضد/عوض الحاج محجوب ◂
  • الرئيسية
  • السلطة القضائية
  • رئيس القضاء
  • الأخبار
  • المكتبة التفاعلية
  • اتصل بنا
  • خريطة الموقع
جميع الحقوق للسلطة القضائية السودانية 2026 ©
  • الرئيسية
  • السلطة القضائية
  • رئيس القضاء
  • الأخبار
  • المكتبة التفاعلية
  • اتصل بنا
  • خريطة الموقع
جميع الحقوق للسلطة القضائية السودانية 2026 ©
  • الرئيسية
  • السلطة القضائية
  • رئيس القضاء
  • الأخبار
  • المكتبة التفاعلية
  • اتصل بنا
  • خريطة الموقع
جميع الحقوق للسلطة القضائية السودانية 2026 ©