الدكتور/ جعفر ابن عوف الطاعن // ضد // وزير الصحة بولاية الخرطوم المطعون ضده
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة القومية العليا
القضاة:
سعادة السيد / مصطفى حسـن النـور قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد / نجم الدين حامـد بشـير قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / الأمـين الطيـب البشـير قاضي المحكمة العليا عضواً
الأطراف:
الدكتور/ جعفر ابن عوف الطاعن
// ضد //
وزير الصحة بولاية الخرطوم المطعون ضده
الرقم م ع/ط أ س/110/2013م
قانون القضاء الإداري لسنة 2005م – المادة 7(1)(أ) منه – شروط قبول الطعن الإداري - شـرط المصلحة – ما يقوم عليه.
المبدأ:
شرط المصلحة لا يقوم على حق الطاعن المادي فقط ، وإنما يقوم على أهمية القرار بالنسبة للمراكز المتأثرة به.
الحكـــم
القاضي: مصطفى حسن النور
التاريخ: 16/6/2013م
هذا طعن بطريق الاستئناف مقدم ضد الأمر الصادر من القاضي المختص بمحكمة استئناف ولاية الخرطوم في 6/5/2013م والقاضي برفض العريضة إيجازياً.
تتحصل وقائع الاستئناف في أن المستأنف وآخرين تقدموا بعريضة الطعن الإداري رقم 43/2013م لدى القاضي المختص بمحكمة استئناف الخرطوم تأسيساً على أن المستأنف الأول هو أقدم أخصائي أطفال بين جميع العاملين في الحقل الصحي القومي والولائي العام والخاص بالبلاد . وأنه أول من أنشأ قسماً للأطفال في الحقل الصحي السوداني وذلك بفصل قسم الأطفال عن قسم الباطنية في وزارة الصحة وإنشاء وحدة أطفال مستقلة وقد نجم عن ذلك قيام وحدات وقائية وعلاجية مختلفة خاصة بالأطفال في مختلف الجامعات والمستشفيات وقام بصفته الوظيفية بإنشاء حوادث للأطفال عام 1977م وبمبادرة شخصية منه قام باستقطاب الدعم المالي لقيام مستشفى الأطفال والذي يعتبر مستشفى الأطفال الثاني في العالم من حيث قدرته الاستيعابية ونتيجةً لكل ذلك فقد عرف المستشفى باسمه بين مرضاه والعاملين به وغلب عليه ذلك الاسم بين عموم الناس حتى قرر رئيس الجمهورية إطلاق اسمه رسمياً على المستشفى في عام 2002م وذلك إقراراً من الدولة بدوره في إنشاء وتطوير المستشفى.
وفي 14/2/2013م أخطر وزير الصحة بالخرطوم مدير مستشفى ابن عوف للأطفال بالقرار المطعون فيه والذي تم تنفيذه في 16/2/2013م حيث علم الطاعنون به في هذا التاريخ ولم يتم نشر ذلك القرار في الجريدة الرسمية ولم يتم تسليمهم صورة منه.
والقرار المطعون فيه مخالف لقانون الصحة العامة القومي لأنه أدى وما زال يؤدي لتأخير تقديم الخدمات الطبية الطارئة في مخالفة للمادة (22) من قانون الصحة العامة القومي ذلك أنه في 16/2/2013م تم رفض تقديم الخدمات الطبية لطالبيها في ذات المستشفى في مخالفة واضحة لالتزام وحدات الطوارئ بتقديم الخدمة لمن يطلبها مما أدى لأضرار بالغة لبعض المرضى.
ومن شأن تحويل خدمات الطوارئ إلى جنوب الخرطوم أن يؤدي إلى عرقلة تقديم الخدمات للسكان في المناطق التي تقع في الأطراف الأخرى من الخرطوم ، خاصة وأن كل المواصلات العامة تقوم على الخطوط الإشعاعية التي تنقل الركاب من المركز لأحد الأطراف وبالعكس ولا توجد خطوط عرضية توصل الأطراف بعضها ببعض . كما أن إغلاق أكبر مركز لتقديم خدمات الطوارئ والاكتفاء بالمراكز القائمة بدون زيادة قدراتها الاستيعابية يؤدي بالضرورة لتقليل القدرة على تقديم خدمة قسم الطوارئ بمستشفى جعفر ابن عوف الذي يحتوي على جميع الخدمات التشخيصية في حين أن أقسام الطوارئ في المستشفيات الطرفية التي تم تحويل حوادث الأطفال لها لا تحتوي على كل الخدمات التشخيصية مما يؤخر تقديم الخدمة الطبية.
والمستشفيات الطرفية التي تم تحويل حوادث الأطفال لها هي مستشفيات عامة في حين أن مستشفى ابن عوف هو مستشفى تخصصي للأطفال . وحوادث جعفر ابن عوف تحتوي على كل الترتيبات الطبية في التخصصات المختلفة في نوبة العمل الواحد وهو الأمر غير المتوفر في أقسام الطوارئ في المستشفيات الطرفية . وحوادث جعفر ابن عوف تستقبل ما بين 800 ـ 1000 طفل يومياً من سائر الولايات وتقدم خدمة مجانية وهي طاقة تفوق أضعافاً مضاعفة كافة أقسام الطوارئ في المستشفيات الطرفية التي تم تحويل حوادث الأطفال لها مجتمعة.
والمعايير الصحية المعتمدة التي تحكم الخدمات الصحية بالمستشفيات التي نقلت إليها حوادث الأطفال والموصوفة بكونها مستشفيات ريفية لا تحقق الهدف من تعزيز وحماية حقوق الإنسان وفقاً للمادة (6) من قانون الصحة العامة القومي لعام 2008م وإغلاق حوادث ابن عوف دون زيادة الطاقة الاستيعابية للمستشفيات التي حول لها طالب الخدمة يؤدي بالضرورة إلى الإقلال من نوعية الخدمة والقدرة على تقديمها لطالبيها . ومستشفى جعفر ابن عوف للأطفال هو المستشفى الوحيد في الخرطوم الذي يلبي متطلبات المادة 28(أ) (ب) (د) من قانون الصحة العامة القومي وبالتالي فإن إغلاقه مخالف للقانون.
ويطالب الطاعنون بإلغاء القرار المطعون فيه.
وفي 6/5/2013م أصدر القاضي المختص الأمر المستأنف.
لم يلق هذا الأمر قبولاً لدى المستأنفين فطعنوا فيه بالاستئناف الماثل.
وينعى المستأنفون على الأمر المستأنف بأنه قد خالف القانون وأخطأ في تأويله وفي تفسيره لأن القاضي المختص تعجل في إصدار القرار بشأن المصلحة دون أن يتيح لنفسه الزمن الكافي ليغوص في هذه المسألة . والمفاهيم السائدة في فقه القانون الإداري لا تجيز التقرير في شرط المصلحة في مفتتح الخصومة في دعاوى الشأن العام بل تتطلب فحصه في ظل وقائع الدعوى نفسها وأهميتها وأهمية إخضاع قرار الإدارة بشأنها للمراجعة القضائية إعمالاً لسيادة حكم القانون.
في بعض الدعاوى البسيطـة يمكن التقرير بشأن المصلحة في مرحلة مبكرة ، أما في مثل الدعوى الماثلة لا يمكن التقرير في مسألة المصلحة الكافية بشكل مجرد أو بوصفها مسألة معزولة بل يجب أن تؤخذ جنباً إلى جنب مع السياق القانوني والوقائعي للدعوى.
وقد أخطأ القاضي المختص عندما فسّر المصلحة بأنها تتطلب مصلحة مادية مباشرة تتعلق بملكية المستشفى أو معداته لأن هذا التفسير يخالف ما استقر عليه الفقه والقضاء في القانون الإداري بعد انتشار مبادئ الحكم الراشد وسيادة حكم القانون وهي مبادئ ترتكز على سلطة المراجعة القضائية لأعمال الإدارة وشرط المصلحة هنا لا يقوم على حق الطاعن المادي ، وإنما يقوم على أهمية القرار نفسه للمجتمع ككل ودرجة اهتمام الطاعن نفسـه بالمسألة المتأثرة بالقرار . راجع شرط المصلحة في دعـوى الإلغاء دراسة مقارنة د. فيصل عبد الحافظ ، والقضاء الإنجليزي يرى أن المصلحة المادية ليست ضرورية في وجود المصلحة الشخصية في الدعوى.
R . Independent Broadcasting Authority exported Whitehouse (1984) times exparte14April
رأت المحكمة أن صفة المدعية كحاملة لرخصه لمشاهدة التلفزيون يمنحها الحق في رفع دعوى لمنع عرض فيلم ترى أنه يجرح مشاعر المشاهد.
والقضاء السوداني لا يوجب توافر المصلحة المادية ـ راجع : فريق النيل الرياضي//ضد// فريق الوادي الرياضي - فريق الدينمو الرياضي//ضد// (1) معتمد العاصمة القومية (2) سيف الدين محمد أحمد م ع/ط أ س/41/1406هـ.
والوضع الخاص جداً للطاعن من حيث كونه هو الشخص الذي كان وراء إنشاء مستشفى الأطفال وفق ما سطر في عريضة الطعن يجعله في حالة قانونية أثر فيه القرار فعلاقته بالمستشفى ليست كعلاقة باقي الناس إذ هو أوقف حياته لإنشائها وتطويرها حتى نافس بها باقي المستشفيات في العالم كله وهذا يضعه في حالة خاصة تؤهله في الطعن في القرار الذي يمس المستشفى بأن يفقده جزءاً من مكوناته ليس لاعتبارات عاطفية بل استناداً على مخالفة القرار لقانون الصحة العامة القومي من حيث إن القرار يؤدي للإخلال بواجبات الوزارة تجاه الأطفال المرضى وفقاً للقانون المشار إليه وهي مسألة من الأهمية بحيث يجب أن يخضع قرار الإدارة فيها للمراجعة القضائية وهو في حد ذاته شرط لقبول الطعن . والطعن المقدم يدخل تحت مظلة الـ certiorari وهي طعون يتم التعامل فيها مع شرط المصلحة بمرونة تامة حسبما جاء في قضية علي محمود وآخر //ضد// إبراهيم أحمد علي م ا/أ س م/61/1990م . وهذا يظهر أن المستقر فقهاً وقضاءً أن دعوى الإلغاء لا توجد ضرورة أو شرط لأن تستند للمصلحة المبررة لقبول الطعن إلى حق اعتدى عليه من جانب الإدارة بل الشرط اللازم أن يتواجد الطاعن في حالة قانونية أثر فيها القرار المطلوب إلغاؤه تأثيراً مباشراً .
والمحكمة عند بحث المصلحة في قرار إداري يمس الشأن العام عليها أن تأخذ في الاعتبار شخص المدعي وخبرته في المسائل المثارة - راجع
R V . Inspectorate of Pollution exparte Green Peace (1994) 4 All E R 329
كما يتعين الأخذ في الاعتبار مدى أهمية المسائل التي يثيرها الطعن من حيث إخلال السلطة العامة بالقيام بواجباتها راجع :
R V . Secretary of state for Foreign and Common Wealth Affairs Exp .World Development movement LTD (1995) W . L . R 0 386 .
وشرط المصلحة في دعوى الإلغاء يختلف في أبعاده ومفهومه عن دعوى قضاء التعويض . على محمود وآخر//ضد// إبراهيم أحمد المشار إليها آنفاً.
ولم تفطن المحكمة إلى ما أثاره الطاعن لإثبات الحالة الخاصة التي تربطه بالمستشفى بحيث تجعل للقرار المطعون فيه تأثيراً عليه يختلف عن تأثيره على باقي الناس واختزلت مصلحته الأدبية على إطلاق اسمه على المستشفى وقالت إن المصلحة الأدبية بإطلاق الاسم لا تشكل حالة قانونية تخول له المقاضاة بتحويل قسم الطوارئ . وهذا غير صحيح فالمصلحة الأدبية كافية في نظر القانون ثابتة فقهاً وقضاءً ولكن المصلحة لا تتصل باسم المستشفى وتم ذكر ذلك لتوضيح درجة اهتمامه بشؤونه وليس لإثبات المصلحة بشكل معزول عن باقي الاعتبارات لأن الطاعن لا يدافع عن اسمه فاسمه باقٍ لم يمسه القرار ولكنه يدافع عن المستشفى نفسه وعن قدرته على القيام بواجباته القانونية تجاه مرضاه . وأساس الطعن أن قسم الحوادث في مستشفى جعفر بن عوف للأطفال الذي تم إغلاقه هو القسم الوحيد في الخرطوم الذي يلبي متطلبات المادة 28(أ) العلاج المجاني في حالات الطوارئ و(ب) العلاج المجاني للأطفال أقل من الخامسة و(ج) النقص في الخدمات الأساسية من قانون الصحة العامة القومي وبالتالي فإن إغلاقها مخالف للقانون ، ويجب الأخذ في الاعتبار درجة اهتمام الطاعن بالموضوع محل الدعوى ـ راجع:
Minister of Justice (can) v .Borowski (1981) 2 .S.C.R 575 .
كما أغفلت المحكمة مصلحة المهنيين المفترضة فيما يتعلق بالقرارات الإدارية التي تمس ممارستهم لمهنتهم أو تؤثر على عملائهم أو علاقتهم بهم مع أن الراسخ في فقه القانون الإداري هو أن هناك مصلحة لأعضاء مصلحة معينة في القرار الإداري الذي يمس تلك المهنة ـ راجع دعوى:
Veriava and others v 0 President . S A Medical and dental council and others
التي قررت أن أعضاء المهن الطبية لهم مصلحة في كل ما يتعلق بسمعة المهنة وأنه فيما يتعلق بدعوى متعلقة بسلوك يؤثر سلباً على المهنة يكون لكل منهم مصلحة في رفع الدعوى . وقد أقرت محكمة العدل العليا بالأردن هذا الرأي بأن قالت بأن لأصحاب مهن مختلفة مصلحة تبرر قبول طلب إلغاء أي قرارات تمس المهن التي يزاولونها . كتاب د. فيصل عبد الحافظ ... إن القاعدة وفقاً لنص المادة 164(1) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م وتعديلاته أنه :( لا يجوز للمحكمة المرفوع إليها الطعن أن تقضي بإلغاء أو تعديل الحكم المطعون فيه إلا بعد إخطار الطرف الآخر بالطعن ومنحه فرصة للرد عليه كتابة أو شفاهة ).
والدعوى لا تكون مرفوعة إلا بعد سداد الرسوم القضائية عملاً بالمادة (35) من ذات القانون ، ومن وقت سداد الرسوم تسمى المنازعة القضائية دعوى . ولما كان القاضي المختص لم يصرح عريضة الطعن الإداري ولم يسدد الرسم فإن طلب المستأنفين مجرد عريضة طعن إداري ومن ثم فإن المطعون ضده - المستأنف ضده الآن - لا يكون طرفاً في تلك الإجراءات وليس طرفاً في الأمر المستأنف ويترتب على ذلك أن لا حاجة لنا بإعلانه بعريضة الاستئناف لأن عريضة الطعن الإداري شطبت قبل إقامة الدعوى.
في قضية سابقة هي قضية د. عبدالغني محمد صالح وآخر//ضد// وزير التعليم العالي والبحث العلمي وآخرين بالرقم م ع/ط أ س/243/2010م مرافعة رقم 33/2011م غير منشورة تعرضنا لمسألة المصلحة في حالة شبيهة وقلنا الآتي: ( يشترط لقبول دعوى الإلغاء أن يكون للطاعن مصلحة شخصية في الطعن وفقاً للمادة 7(1)(أ) من قانون القضاء الإداري لسنة 2005م) والمصلحة الشخصية هي الحالة التي يكون فيها الطاعن في مركز قانوني خاص يميزه عن بقية الناس ويؤثر القرار محل دعوى الإلغاء على هذه المصلحة تأثيراً مباشراً . والقرار المطعون فيه متعلق بهيكلة جامعة الجزيرة بضم كلية الزراعة بأبي حراز لجامعة البطانة فهل يمكن الطعن في مثل هذا القرار بالإلغاء ؟ الإجابة بالنفي إذ جاء في كتاب الموسوعة الإدارية الشاملة في إلغاء القرار الإداري وتأديب الموظف العام الجزء الأول أسباب وشروط قبول دعوى إلغاء القرار الإداري للدكتور عبدالعزيز عبدالمنعم خليفة على الصفحتين 653 - 654 - ما يلي: ( .. والأصل أنه لا يجوز الطعن بإلغاء قرار أصدرته الإدارة بغرض تنظيم المرفق عضوياً ، حيث يشترط لقبول دعوى الإلغاء توافر المصلحة ولا مصلحة للموظف في الطعن في هذه القرارات .. كما أن الغرض من حظـر الطعن على القرارات الإدارية المتعلقة بالتنظيم العضوي للمرفق هو توفير أكبر قدر من الفاعلية للسلطة الرئاسية ..).
وجاء في كتاب القضاء الإداري للدكتور عبدالغني بسيوني عبدالله ـ الطبعة الثالثة 2006م على الصفحة 510 ما يلي: ( أما القرارات المتعلقة بتنظيم المرفق أو المصلحة التي يعمل بها الموظف وتلك المتعلقة بسير العمل فيها فلا يقبل الطعن فيها بالإلغاء من جانب الموظف طبقاً لما استقر عليه القضاء الإداري ..).
وجاء في كتاب القضاء الإداري الكتاب الأول قضاء الإلغاء للدكتور سليمان محمد الطماوي على الصفحتين 553 ـ 554 ما يلي:
أولاً: بالنسبة للقرارات لا تنصب مباشرة على قوانين التوظيف ، ولكن قد يمتد أثرها بطريق غير مباشر إلى الموظف . ولهذا فقد بدأ مجلس الدولة الفرنسي أول الأمر بعدم التمييز بينها وبين القرارات التي تنصب مباشرة على قوانين التوظيف . ومن ثم فقد سمح المجلس في أول الأمر للموظفين الطعن في هذه القرارات مثال ذلك قبوله الطعن المرفوع من مدرسة التعليم الثانوي بطلب إلغاء المرسوم الصادر بإقرار بعض المعادلات بين شهادة البكالوريا وبعض الشهادات الأخرى بصدد القبول في الجامعة . فهذا المرسوم لا يمس قوانين التوظيف الخاصـة بهؤلاء المدرسين . ولكنه يتعلق بتنظيم مرفق التعليم .. ولكن سرعان ما تبين للمجلس طبيعة القرارات واستقر قضاؤه على أن الموظف لا يمكن أن يستمد من صفته كموظف وحدها حق الطعن في القرارات المتعلقة بتنظيم المرفق الذي ينتمي إليه لأن هذا التنظيم مقصود به الصالح العام لا صالح الموظف . والقاعدة أن الموظف يجب أن يؤدي واجبات وظيفته على النحو الذي تحدده القوانين والقرارات وقد بدأ هذا الاتجاه بحكم المجلس الصادر في 21 مايو سنة 1920م في قضية : Deslandes بصدد الطعن في مرسوم صادر بإنشاء إدارة للبوليس القضائي في المركز العام للبوليس بباريس ، فقد قرر في هذا الخصوص (... وحيث إن الأمر المطعون فيه لا يقصد به إلا تكملة تنظيم البوليس في مدينة باريس بصفة عامة دون أن يمس نظام الموظفين بهذه الإدارة فإنه ليس لهؤلاء الموظفين مصلحة شخصية تخول لهم الطعن في هذا التنظيم) .. ما تزال الأحكام الحديثة للمجلس تصدر عن المبدأ السابق.
وجاء في كتاب ضوابط مشروعية القرارات الإدارية وفقاً للمنهج القضائي للمستشار الدكتور محمد ماهر أبو العينين الكتاب الثالث على الصفحتين 506 - 507 ما يلي : ومن أحكامها ذات الأهمية الخاصة ما ذهبت إليه حول القرار الذي لا يرتب مراكز قانونية ذاتية حيث يجوز تعديله في أي وقت فذهبت إلى أن القرار الصادر باختيار موقع وحدة مجتمعية عدم ترتيبه مراكز قانونية ذاتية جواز تعديله في كل وقت وفقاً لمقتضيات الصالح العام ولا يجوز الطعن على مثل هذا القرار إلا إذا شابه عيب إساءة استعمال السلطة وذهبت في تفسير ذلك إلى : (ما من شك في أن اختيار أيٍ من المكانين لإقامة الوحدة المجتمعية هو من الملائمات المتروكة لتقدير الإدارة بما لا مقصد عليها في هذا الشأن وإن قراراتها في مثل هذه الأمور هي من القرارات العامة التي لا تترتب عليها مراكز قانونية ذاتية ويجوز تعديلها في كل وقت طالما كانت هناك مصلحة عامة تقضي بهذا التعديل . ولا وجه للطعن على هذه القرارات إلا إذا شابها عيب إساءة استعمال السلطة).
والسؤال الذي يثور هو هل ما أسلفنا ينطبق على الحالة المعروضة أمامنا؟ إن المستأنف في عريضة طعنه الإداري وفي عريضة الاستئناف أسهب لبيان أن علاقته بمستشفى جعفر ابن عوف ليست مجرد علاقة طبيب بمستشفى بل هو يرى أن هناك رابطة قوية تربطه به فهو قد بذل جهداً مقدراً في قيامه وفي أداء رسالته ويناهض أي مساس به حتى ولو كان بتحويل جزء منه فوضعه من ثمّ يختلف عن وضع الموظف العادي أو وضع الأستاذين الجليلين في القضية التي أوردناها وبالتالي فإنه يكون له ولا شك مصلحة محققة في التدخل دفاعاً عن مبادئه وقيامه على أداء رسالته كشخص نذر وقته وجهده في قيام المستشفى وتقديم الخدمة العلاجية للجمهور وليس مجرد شخص فضولي ومشاكس ، ولو رجعنا لكتاب ترشيد الفكر القانوني للّورد ديننج ترجمة هنري رياض بشأن قضايا بلاكبرن الصفحة 82 وما بعدها من صفحات لوجدنا أن المستأنف الأول في وضع أفضل من بلاكبرن ومصلحته محققة أكثر وهو في حالة قانونية خاصة بالنسبة للقرار المطعون فيه أثر في وضعه وينطبق عليه ما قاله اللّورد ديننج على الصفحة 93 من ذات المرجع: ( وأنني آمل في أن أكون قد وفقت في إيضاح أنه من الجائز أن يكون لكل مواطن مسؤول مصلحة كافية تمكنه من اللجوء إلى القضاء للاستماع لوجهة نظره وذلك بسبب شكواه من أن القانون لم ينفذ على الوجه الصحيح ).
وعليه أرى أن نقرر إلغاء قرار القاضي المختص القاضي بشطب العريضة إيجازياً وإعادة الأوراق له لموالاة نظرها.
القاضي: نجم الدين حامد بشير
التاريخ : 19/6/2013م
أوافق على إلغاء قرار القاضي المختص بنظر الطعون الإدارية وإعادة الأوراق لذات الأسباب التي ساقها الزميل مصطفى.
القاضي: الأمين الطيب البشير
التاريخ : 19/6/2013م
أوافق الزميلين وكان ينبغي قبول الطعن أولاً والفصل فيه وأن لا تتصدى المحكمة إلى المسائل التي ليست شرطاً لقبول عريضة الطعن كالاختصاص النوعي للمحكمة أو القيد الزمني لقبول الطعن بعد العلم بالقرار . وأرى أن المحكمة قد تعجلت في قرارها.
الأمر النهائي:
1- يلغى قرار القاضي المختص بشطب العريضة إيجازياً وتعاد له الأوراق لموالاة نظرها.
2- يخطر الطرفان.
مصطفى حسـن النـور
قاضي المحكمة العليا
ورئيس الدائرة
20/6/2013م

