اسحق الطيب أحمد وآخرين ضد وزارة الإسكان
المحكمــــة العليــا
الدائرة الإدارية
القضاة :
سعادة السيد/ محمـد محمود أبو قصيصـة قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد/ يوسف دفــــع الله قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ إمام البـدري علــي قاضي المحكمة العليا عضواً
الأطراف :
إسحق الطيب أحمد وآخرين الطاعنون
// ضد //
وزارة الإسكان المطعون ضدهــا
( النمرة م ع / ط إ س / 34/ 1993م )
المبادئ:
إجراءات مدنية - اختصاص - مخالفة قانون تسوية الأراضي وتسجيلها - المحكمة المختصة - المحكمة المدنية
قانون إداري - القرار الإداري - مخالفته للقانون - وجوب توضيح القانون موضوع المخالفة في عريضة الدعوى - المادة 312- من قانون الإجراءات المدنية 1983م
الدعوى بمخالفة قانون تسوية الأراضي وتسجيلها - من اختصاص المحكمة المدنية وليس الإدارية
إذا أسس الطعن في القرار الإداري علي مخالفة القانون - يتعين توضيح ذلك القانون في عريضة الدعوى
المحامـون :
الأستاذ / الطيب إبراهيم عبد الرحمن عـن الطاعنـين
ديوان النائـب العــام عن المطعون ضـده
الحكـــم
القاضي : محمد محمود أبوقصيصة
التاريــخ : 26/ 10/ 1993م
وقائع الدعوى الإدارية رقم 16/ 92 المقامة أمام محكمة المديرية بأم درمــان سهلة فقد اقتضى تخطيط مدينة أمبده أن يحال بعض الساكنين فيها عشوائياً إلي الحارة السادسة (أ) و (ب) و (ج)
ومنحت لهم قطع سكنية في هذا الموضع وسجلت بأسمائهم ومضت بعض سنوات ولم ينفذ تسليمهم هذه القطع علي الطبيعة في هذا الأثناء قامت منطقة عشوائية أخري في هذا الموضع وغدا من الصعب علي السلطات أن تزيل ساكنيها لتتمكن من تسليمها إلي أصحابها المحولين لها ولحل هذه الأزمة شكلت لجنة أوصت بتحويل الخطة من الحارة السادسة إلي الحارات 22 - 31- 32 ووافق السيد وزير الإسكان علي هذه التوصية
لم يرض المدعون بتحويلهم مرة أخري من الحارة السادسة أ - ب - ج إلي الحارات 22 - 31- 32 وهم الذين تم تحويلهم من قبل من حيث كانوا يقيمون بامبدة وطالب المدعون بإلغاء قرار وزير الإسكان بناء علي أن قرار وزير الإسكان فيه ضرر بليغ علي المدعين وفيه سوء وتعسف في استعمال السلطة ومخالفة للقانون
قدم المدعي عليه دفاعه بأنه لم يتم إلغاء التخطيط المصدق للحارة السادسة أ - ب - ج ولم يتم إلغاء أو تعديل للقطع السكنية وإنما الذي حدث هو تغيير بسيط لمواقع الحارات سببه استحالة التسليم في الحارة السادسة أ - ب - ج نسبة لضخامة السكن العشوائي
وبعد أن خاطب الطرفان المحكمة أصدرت حكمها بشطب دعوى المدعين وكانت أسبابها :
1 - أن المدعين لم يحددوا القانون الذي تمت مخالفته
2 - أن المحكمة لا تتدخل في السلطة التقديرية للإدارة
3 - أن الإدارة أصدرت قراراً يحوي أسبابه
4 - أنه لم تلغ عقود المدعين وإنما حولت مواقعها ولم تثبت إساءة استعمال السلطة من حيث : -
(أ ) مخالفة الأهداف المتعلقة بالمصلحة العامة
(ب) الخطأ
(ج) انعدام التسبيب أو خطأه
(د ) بيان الغاية
(هـ) تخلف عنصر المعقولية
(و ) العدل
رفع المدعون الاستئناف رقم أ س/ ط أ / 1 / 93 أمام محكمة الاستئناف وقررت المحكمة بالأغلبية شطبه
ورأي الرأي المخالف أن يبطل القرار الوزاري محل الطعن وكانت أسبابه : -
1 - أن القرار يشكل سابقة خطيرة في تقنين السكن العشوائي ودافعاً قوياً للتعدي علي ملكية المواطنين والدولة
2 - يمثل القرار مخالفة صريحة لحجية السجل وانتهاكا لنصوص قانون تسوية الأراضي وتسجيلها
3 - كان من الواجب حل معالجة الوضع الذي فرضه وجود هؤلاء المواطنين العشوائي دون المساس بحق الدولة في مراعاة التزاماتها الدستورية والقانونية نحو مواطنيها
4 - تجاوز قرار وزير الإسكان حدود سلطته التقديرية لقبوله أمراً واقعاً مخالفاً لقوة القانون وهيبته
5 - تحمل المدعون إزالة مبانيهم ورضوا بتعويضهم في الحارة السادسة ثم حرمهم قرار الوزير من الأرض التي قررت لهم
6 - لا يتسم قرار الوزير بالمعقولية
وتقدم المدعون أمامنا بهذا الطعن في حكم محكمة الاستئناف ومحكمة المديرية وأسبابهم هي : -
1 - تعرض المدعون للظلم مرتين حيث أزيلت مبانيهم وتقرر نقلهم إلي موضع آخر ثم تقرر نقلهم إلي موضع ثالث
2 - هذا القرار يخالف السياسة العامة التي توجهت نحو القضاء علي السكن العشوائي بل أن مجلس قيادة الثورة أصــدر قراراً بإزالة السكن العشوائي
3 - يخالف القرار قانون تسوية الأراضي وتسجيلها لسنة 1925م وقرار مجلس قيادة الثورة
أعلن المدعي عليهم للرد علي أسباب الطعن فتقدموا بالآتي : -
1 - لم يبين المدعون في عريضة دعواهم ما هو عيب القرار الإداري المطعون فيه علي وجه التحديد وما هي النصوص القانونية التي خالفها القرار وفيم تمثل سوء استعمال السلطة
2 - الأشخاص الموصي لهم بالتسجيل في الحارة أ - ب - ج اثنا عشر شخصاً فقط ليس من بينهم المدعون الحاليون
3 - لم يأت قرار الوزير من فراغ وإنما بني علي توصيات لجنة من أهل الخبرة وذوي التخصص درست الموضوع من جوانبه الفنية والاقتصادية والاجتماعية والآثار المترتبة عليه
4 - لقد كان القرار من أجل المصلحة العامة حيث يتأثر به أكثر من خمسة ألف شخص بينما عدد المدعين 256 شخصاً وقد وافقت الأغلبية علي استلام القطع البديلة
5 - أصاب حكم محكمة الاستئناف عندما قرر أن ليس من شأن المحاكم النظر في ملاءمة القرار الإداري
ولا خلاف بين الطرفين في الوقائع فلقد تقرر تحويل بعض المواطنين إلي مواقع في الحارة السادسة أ - ب - ج وقبل أن يستلموها تقرر تحويلهم إلي مواقع أخري في الحارات 22 - 31- 32 بسبب وجود قاطنين عشوائيين تعذرت إزالتهم من الموقع الأسبق والسؤال هو هل أصابت الإدارة في اتخاذ هذا القرار بتحويل المدعين مرة ثانية إلي موقع ثالث ؟
إذا أراد شخص أن يطعن في صحة ذلك القرار بادعاء أنه مخالف للقانون فان عليه أن يرجع إلي القانون الذي إدعى أن المدعي عليه قد خالفه هل صدر هذا القرار بناء علي قانون ؟ وما هو ذلك القانون ؟ وأي مادة فيه كانت موضوع المخالفة ؟
وإذا رجعنا إلي مذكرة الإدعاء - وهي عريضة الدعوى نجدها خالية من كل ذلكلقد بني المدعون دعواهم في الفقرة السابعة من مذكرة الإدعاء علي سوء استعمال السلطة والتعسف في استعمالها ومخالفة القانون ولكن ما هو القانون الذي خالفه المدعي عليه في رأي المدعين ؟ وفي أي مادة من مواده كانت المخالفة ؟ وفي ظل أي مادة كان التعسف أو سوء استعمال السلطة ؟
إن أول شيء تطلبه المادة 73 من قانون الإجراءات المدنية عند تقديم مذكرة الإدعاء أن تحتوي علي الوقائع الجوهرية وأول الوقائع الجوهرية في هذا النزاع هو وجود قانون يدعي المدعون أن المدعي عليه قد خالفه عند إصدار القرار المطعون فيه ولم يوضح لنا المدعون ذلك القانون مع أنه هو الواقعة الجوهرية الأولي التي يعتمدون فيها علي طلب إلغاء القرار المطعون فيه فتحويل المدعين من موقع إلي آخر لا يكون عرضة للإلغاء إلا إذا كان مخالفاً لقانون من القوانين ولم يسم المدعون هذا القانون ولم يشيروا إلي نص فيه يعتمدون عليه "
نحن نعلم أن المطلوب في مذكرة الإدعاء هو الوقائع فقط وليس القانون ولكن ما معني هذا ؟ فقد يكون القانون مسألة وقائع من ناحية وجود أو عدم وجود ذلك القانون المدعي به إن المادة المذكورة عندما طلبت إيراد الوقائع وحدها إنما تترك مسألة الحجج القانونية التي يعتمد عليها المدعي لنجاح دعواه لتقدم فـي المراحل اللاحقة في الدعوى
أما حيث تكون مخالفة القانون نفسه مسألة جوهرية في الدعوى فإن علي المدعي إيراد اسم القانون والنص المعتمد عليه عند إعداد مذكرة إدعائه وعليه أن يحتفظ بالحجج التي يستند عليها في شأن ذلك إلي المراحل اللاحقة في الدعوى فإسم القانون أو النص المعتمد عليه هو واقعة أم الحجج والأسانيد التي يعتمد عليها فهي مسائل قانون تناقش عند مخاطبة المحكمة في آخر الدعوى أو عند تحديد نقاط النزاع إذا اقتضى الحال صياغة نقطة نزاع قانونية
أردنا أن نتوسع في ذلك لأن بعض الناس يعتقد أن الإشارة إلـي تشريع معين تعتبر مسألة قانون صرفة لا تذكر في المذكرات ونود أن نوضح أن القانون نفسه قد يكون واقعة وفي هذه الحالة يجب ذكره في مذكرة الإدعاء ( أو الدفاع ) حسب نوع الدعوى وإذا عجز المدعي عن إيراده كانت مذكرة ادعائه مفتقرة إلي شيء أساسي ينتهي إلي شطب دعواه
إن الغرض من المذكرات وبقية الإجراءات حتى تحديد نقاط النزاع هو أن يحيط كل طرف من الطرفين الطرف الآخر بدعواه أو دفاعه حتى تظهر مواطن الاتفـاق والخلاف وتنصرف المحكمة بعد ذلك إلي الفصل في مواضع الخلاف بعد الاستماع إلي الطرفين في هذه الحالة لا تكون هنالك مفاجأة لطرف من الأطراف حيث يكون كل منهما علي علم بالنزاع ليعد دعواه أو دفاعه أما إذا كان أساس النزاع مجهولاً فلا يصبح هناك ما يعرض للفصل وهذا ما حدث في هذه الدعوى كيف يمكن أن يصدر قرار بإلغاء قرار الوزير بادعاء مخالفته للقانون إذا لم يوضح المدعي ما هو ذلك القانون الذي خالفه الوزير ؟ ذلك لأن الوزير - أي وزير - يصدر قراره بطبيعة الحال اعتماداً علي قانون يمنحه سلطة إصدار ذلك القرار وإذا لم يكن أحد الناس راضياً بذلك القرار فعليه أن يوضح أين تكمن مخالفة القانون وعليه في هذه الحالة أن يشير إلي القانون الذي صدر بموجبه القرار وإلي النص الذي يدعي ذلك الشخص أن الوزير خالفه أو تجاوزه أو أساء استعمال سلطته فيه
لقد وعي ذلك السيد قاضي المديرية جيداً حين ذكر أن المدعين لم يحددوا القانون الذي يعتمدون عليه وقد أصاب في ذلك فإذا لم يوضح المدعون أساس دعواهم في مخالفة القانون عند عدم تحديدهم للقانون الذي يدعون مخالفته فإن قرار محكمة المديرية يكون صائباً في شطب دعواهم فقد فشل المدعون في إثبات مخالفة القانون لأنهم فشلوا في تحديد القانون نفسه وهو الذي يعتمدون علي مخالفة المدعي عليه إياه
لقد أراد المدعون أن يبرزوا وجه إساءة السلطة في تحويل المدعين من موقع إلي موقع ثم إلي موقع ثالث ولكن في ظل أي قانون ؟
والجواب هو نفس الجواب السابق إذ عجز المدعون عن إيراد القانون الذي يعتمدون عليه للوصول إلي أن المدعي عليه أساء استعمال سلطته فيه
ثم يشير المدعون إلي أن القرار يخالف قانون تسوية الأراضي وتسجيلها في المادة 85 وما بعدها وهذا الطعن مردود عليه من ناحيتين الناحية الأولي أنه لم يرد في مذكرة الإدعاء والناحية الثانية أن الاحتجاج بقانون تسوية الأراضي وتسجيلها يخضع لنصوص ذلك القانون وهو من اختصاص المحكمة المدنية وليس المحكمة الإدارية
وأخيراً نأتي إلي إشارة المدعين إلي قرار مجلس قيادة الثورة بإزالة السكن العشوائي ماذا في هذا القرار ؟ وهل يمنع ذلك القرار منح قطع قانونية لأي جزء من المواطنين بغرض التخلص من السكن العشوائي ؟
إن الذي يبدو من الوقائع أن الإدارة عنيت بإيجاد السكن القانوني لكافة المواطنين الذين يسكنون عشوائياً ومن بينهم المدعين ووضعت الإدارة خطة لإستيعاب المدعين في الحارة السادسة وأعقبت ذلك دراسة من لجنة تمخضت عن إيجاد حلول تكفل السكن القانوني للمدعين ولغيرهم من السكان العشوائيين وذلك بتعديل المواقع ولم يوضح المدعون وجه مخالفة القانون لذلك بل لم يشيروا إلي القانون الذي خالفه المدعي عليه في رأيهم وبذلك فهم عجزوا عن إثبات سبب دعواهم نري في تلك الأحوال أن دعوى المدعين لا تنجح وقد أصابت محكمة المديرية عندما قضت بشطبها وكذلك محكمة الاستئناف عندما أيدتها وقد أصاب أيضا المدعي عليه عندما أثار في رده أن الطاعنين ( المدعين ) عجزوا عن بيان القانون المدعي مخالفته
نري لهذه الأسباب شطب هذا الطعن وأن يتحمل الطاعنون رسومه
القاضي : يوسـف دفــع اللـــــه
التاريـخ : 15/ 10/ 1993م
أوافق
وأود أن أضيف أنه خلافاً لقصور المدعين في عريضتهم وفي تبيان القانون يدخل الأمر في السلطة التقديرية للحكومة وهو أمر ليس للمحاكم أن تبت فيه وإلا حلــت السلطة القضائية محل السلطة التنفيذية
القاضي : إمــــام البدري علـــي
التاريـخ : 26/ 10/ 1993م
أوافق

