أحمد سر الختم محمد الطاعن // ضد // والي ولاية البحر الأحمر المطعون ضده
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة القومية العليا
دائرة ولايتي البحر الأحمر وكسلا
ببورتسودان
القضاة:
سعادة السيد / عبدالرؤوف حسب الله ملاسي قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد / إبراهيـم محمـد المكــي قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / عبدالرحيم عبدالوهاب التهامي قاضي المحكمة العليا عضواً
الأطراف:
أحمد سر الختم محمد الطاعن
// ضد //
والي ولاية البحر الأحمر المطعون ضده
الرقم م ع/ط إ/37/2012م
دستور السودان الانتقالي لسنة 2005م – المادة 61(ب) منه – الطعن في قرارات رئيس الجمهورية.
قانون القضاء الإداري لسنة 2005م – المادة 4(1) منه - القرارات التي يصدرها الوالي بنزع الملكية للمصلحة العامة بناءً على تفويض صادر إليه من رئيس الجمهورية - المحكمة المختصة بالطعن فيها.
المبدأ:
القرارات التي يصدرها الوالي بالتفويض إليه من رئيس الجمهورية والمتعلقة بنزع الملكية للمصلحة العامة يطعن فيها إدارياً أمام قاضي المحكمة العليا المختص وفقاً للمادة 16(ب) من دستور السودان الانتقالي لسنة 2005م والمادة 4(1) من قانون القضاء الإداري لسنة 2005م.
ملحوظة محرر:
لا يقتصر الأمر على نزع الملكية وحده بل كل القرارات التي تصدر من سلطة مفوَّضه عند الطعن فيها إدارياً أمام القضاء الإداري فإنه عند تحديد المحكمة المختصـة بالطعـن ينظر إلـى المفوَّض (بكسر الواو) وليس المفوَّض (بفتح الواو).
المحامون:
الأستاذ/ طارق عثمان عن المطعون ضده
الحكــم
القاضي: عبدالرؤوف حسب الله ملاسي
التاريخ: 24/10/2012م
هذا استئناف إداري مقدم من الأستاذ/ طارق عثمان المحامي عن موكله المحكوم ضده في الدعوى الإدارية رقم/ط إ/4/2010م والقاضي الحكم فيها بشطب الدعوى لعدم الاختصاص بتاريخ 10/مايو/2012م ويدور محور الطعن في الأسباب التالية:
1- صرحت الدعوى وسارت إجراءاتها إلى مرحلة تبادل المذكرات .
2- استندت المحكمة (القاضي الإداري) لتقرير عدم الاختصاص على نص المادة 7 فقرة (1) من قانون القضاء الإداري سنة 2005م وقد جانب القرار الصواب فالمفترض أنه متى تبين لها عدم الاختصاص أن تحيل الدعوى إلى القاضي المختص وليس الشطب وفق السابقة/م ع/ط إ/57/2010م الجمعية السودانية لحماية البيئة //ضد// ولاية البحر الأحمر غير منشورة دائرة البحر الأحمر وكسلا.
صرح الاستئناف وجاء رد المستشار القانوني عن وزير العدل عن المطعون ضده بالآتي:
1- القرار محل الطعن صادر من والي ولاية البحر الأحمر بسلطة رئيس الجمهورية التفويضية بالقرار الجمهوري 1/2008م الذي فوض الوالي سلطة رئيس الجمهورية في نزع الملكية تحت قانون نزع الملكية 1930م.
2- القرار الصادر بالسلطة التفويضية بمثابة قرار صادر من رئيس الجمهورية لأن الوالي فوض بها من رئيس الجمهورية وبالتالي ينعقد الاختصاص لقاضي المحكمة العليا المختص وفق أحكام المادة 61 (ب) من الدستور الانتقالي سنة 2005م وقانون القضاء الإداري سنة 2005م وبالتالي جاء شطب الطعن لعدم الاختصاص صائباً ويتعين تأييده.
وفي تقديري أن الطعن يتعين قبوله ولما يلي من أسباب :
أولاً: المستقر قانوناً وفق قانون القضاء الإداري سنة 2005م وفي العديد من السوابق القضائية أن المحكمة الإدارية لها اختصاص يختص به قاضي المحكمة العليا المختص وفق المادة 4(1) من القانون التي تحدد اختصاص قاضي المحكمة العليا في شأن الطعن الإداري في مواجهة قرارات رئيس الجمهورية الإدارية ووفق أحكام المادة 61 (ب) من الدستور سنة 2005م التي تنص على ذلك بقولها:
يجوز لكل شخص متضرر من أعمال رئيس الجمهورية أو أعمال رئاسة الجمهورية الطعن فيها أمام:
المحكمة المختصة إذا كان الادعاء متعلقاً بأي أسباب قانونية أخرى غير المتعلقة بانتهاك الدستور أو وثيقة الحقوق أو النظام اللامركزي والتي تختص بها المحكمة الدستورية.
وأيضاً يختص قاضي المحكمة العليا بنظر الطعن في القرارات الإدارية الصادرة عن رئيس الجمهورية وفق المادة (41) من قانون القضاء الإداري سنة 2005م :
يرفع إلى قاضي المحكمة العليا المختص كل طلب طعن في قرار إداري صادر من رئيس الجمهورية أو مجلس الوزراء القومي أو وزير قومي.
أما قاضي الاستئناف الإداري المختص فينعقد اختصاصه النوعي وفق أحكام الفقرة (2) من المادة (4) من قانون القضاء الإداري بالآتي:
يرفع إلى قاضي الاستئناف المختص كل طلب طعن في قرار إداري صادر من سلطة عامة أخرى غير المذكورة في المادة 4 بند (1).
ثانياً: المستقر قانوناً وقضاءً أن سلطة نزع الملكية وفق أحكام قانون نزع الملكية سنة 1930م أنها سلطة أصيلة يختص بها رئيس الجمهورية وحده فوضه بها القانون ولم يفوض أي سلطة أخرى القيام بها وهذه القرارات الصادرة بموجب هذا القانون والصادرة من رئيس الجمهورية تخضع للطعن كما أسلفنا وفق المادة 61 (ب) من الدستور الانتقالي سنة 2005م أمام قاضي المحكمة العليا المختص مقروءة مع المادة 4(1) من قانون القضاء الإداري سنة 2005م وبالتالي لا اختصاص لقاضي الاستئناف في نظر الطعن في مواجهة قرارات رئيس الجمهورية الصادرة بموجب قانون.
ثالثاً: المعلوم قانوناً أن المادة (17) من قانون تفسير القوانين سنة 1974م التي أصدر بموجبها رئيس الجمهورية القرار الجمهوري 1/2008م بتفويض سلطاته بنزع الملكية لولاة الولايات الشمالية فإن هذا القرار الجمهوري التفويضي هو تفويض قانوني يخول للوالي ممارسة سلطة رئيس الجمهورية بموجب أحكام قانون نزع الملكية سنة 1930م والمعلوم قانوناً أيضاً بصريح نص هذه المادة التفسيرية أنها تخول الوالي المفوض سلطة المفوض الأصلي الذي أنابه للقيام بالإجراء إنابة عنه وبالتالي تكون قرارات الوالي المفوض كما لو كان رئيس الجمهورية المفوض نفسه وسياق النص يقرر ذلك:
إذا نص القانون على تفويض إحدى السلطات مباشرة أي اختصاص أو القيام بأي عمل جاز لهذه السلطة التي فوضها القانون ما لم يمنعها القانون صراحة أو ضمناً أن تنيب عنها في مباشرة ذلك الاختصاص أو القيام بذلك العمل شخصاً أو أشخاصاً بأسمائهم أو الشخص أو الأشخاص القائمين وقتئذ بالعمل في الوظيفة أو الوظائف التي تعينها تلك السلطة .. الخ وفي هذه الحالة يكون لذلك الشخص أو الأشخاص الذين تمت إنابتهم مباشرة ذلك الاختصاص أو القيام بذلك العمل فوراً أو من التاريخ الذي تحدده السلطة المفوضة .. الخ .
وبالتالي فوفق المادة (17) من قانون تفسير القوانين سنة 1974م فقد فوض قانون نزع الملكية 1930م رئيس الجمهورية مباشرة اختصاص نزع الملكية للمصلحة العامة وبالتالي يجوز لرئيس الجمهورية أن ينيب ويفوض عنه الولاة أو أي شخص أو أشخاص لينوبوا عنه في مباشرة هذه السلطة بما يجعل الوالي المفوض مباشراً لسلطة رئيس الجمهورية وليس سلطته هو كوالٍ وفق الدستور الولائي بما يخرج قرارات الوالي التي يصدرها إنابة عن رئيس الجمهورية خارج نطاق سلطته الولائية العادية كوالٍ وباعتبارها قرارات صادرة من رئيس الجمهورية الذي أنابه عنه للقيام بها وبالتالي فإن قرارات الوالي النائب المفوض عن رئيس الجمهورية تكون بمثابة قرار صادر من رئيس الجمهورية ويكون الطعن فيها إدارياً أمام قاضي المحكمة العليا المختص وفق المادة 61 (ب) من الدستور سنة 2005م و المادة 4(1) من قانون القضاء الإداري سنة 2005م.
وعليه فلم يكن قاضي الاستئناف ابتداءً مختصاً بنظر عريضة الطعن الإداري التي وضعت أمامه وفق المادة 4(1/2) من القانون في مواجهة قرارات الوالي المفوض من رئيس الجمهورية لمباشرة سلطته تحت قانون نزع الملكية 1930م ووفق المادة (17) من قانون تفسير القوانين السالفة لأن قرار الوالي المفوض كما أسلفنا ونكرر في هذه الحالة هو بمثابة قرار صادر من رئيس الجمهورية . وواضح الخطأ بأن صرح قاضي الاستئناف الدعوى وبل سار في إجراءاتها إلى مرحلة المذكرات وبالتالي فالسؤال الذي يطرح نفسه هو:
إذا تبين للقاضي بعد تصريح الدعوى عدم اختصاصه النوعي بالنظر فيها فهل الإجراء السديد هنا هو شطب الدعوى لعدم الاختصاص أم إحالة القضية إلى القاضي المختص ؟؟
والإجابة في تقديري ووفق العدالة الإجرائية البحتة هو إحالة الإجراءات إلى القاضي المختص الموجود في ذات المحكمة الإدارية وليس شطب الدعوى ولما يلي من أسباب:
1- كما أسلفنا فهناك محكمة إدارية واحدة يعمل في إطارها كل قاضٍ بحسب اختصاصه القانوني ويجب أن تعرض العرائض على كل قاضٍ بحسب ذلك الاختصاص داخل نطاق المحكمة الإدارية وأن لا تعرض أو تقدم إلا للقاضي المختص في المحكمة الإدارية وأن لا يتصدى القاضي غير المختص ابتداءً لنظر الدعوى التي تخرج عن اختصاصه ابتداءً فللمحكمة الإدارية مسجل وقلم كتاب واحد والمفترض أن تعرض العرائض لكل قاضٍ في المحكمة وفق الاختصاص الوارد في المادة 4(1)،(2) من قانون القضاء الإداري سنة 2005م السالف ذكرها.
2- المعلوم أيضاً ومن الوجهة الإجرائية أنه قد حدث التباس إجرائي لفترة من الوقت في مسألة الاختصاص المتعلق بالوالي المفوض من رئيس الجمهورية الذي أنابه وفق المادة (17) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة 1974م في مباشرة سلطاته تحت قانون نزع الملكية سنة 1930م وأدى هذا الالتباس في البدء إلى الاعتقاد أنه وطالما قد صدر القرار من شخص الوالي فإنه يخضع لاختصاص قاضي الاستئناف إلى أن تدخلت دائرة المحكمة العليا الإدارية كسلطة استئنافية وفق المادة (3) تفسير ، المادة 4(1)(2) من قانون القضاء الإداري وأزالت هذا اللبس الإجرائي بأن الوالي المفوض وأنابه رئيس الجمهورية إنما هو مفوض يباشر سلطة رئيس الجمهورية وليس سلطته الخاصة التشريعية كوالٍ وفق أحكام الدستور الولائي وبالتالي فقرارات نزع الملكية التي يصدرها إنابة عن رئيس الجمهورية هي بمثابة قرار صادر من رئيس الجمهورية يطعن فيه أمام قاضي المحكمة العليا المختص وفق الفقرة (1) من صريح نص المادة (4) من قانون القضاء الإداري سنة 2005م وليس لقاضي الاستئناف كالحالة المعروضة أمامنا الآن .. وواضح فيما يبدو أن قاضي الاستئناف قد بدأ الإجراءات وصرح الدعوى وسار في إجراءاتها ابتداءً على أساس هذا الالتباس الإجرائي الذي كان سائداً في حينه بأن الوالي المفوض الذي ينوب عن رئيس الجمهورية بقرار تفويضي يطعن في قراراته بموجب قانون نزع الملكية بصفته والي الولاية وليس مفوضاً إنابة عن رئيس الجمهورية ويبدو أيضاً أن القاضي لم يطلع على ما قررته المحكمة العليا الدائرة الإدارية الاستئنافية في العديد من الأحكام بأن الاختصاص ينعقد في حالة قرارات الوالي المفوض بسلطة رئيس الجمهورية يكون لقاضي المحكمة العليا المختص كما أن القاضي لم يطلع فيما يبدو على ما قررته الدائرة الإدارية العليا الاستئنافية أيضاً في أحكامها بأن الإجراء الصحيح في حالة تصدي القاضي للدعوى الإدارية والسير في إجراءاتها رغم عدم اختصاصه ابتداء ليس هو شطب الدعوى الإدارية لعدم الاختصاص بل الإجراء الصحيح هو إحالة الدعوى إلى القاضي المختص في الدائرة الإدارية أو إلى رئيس محكمة الاستئناف الإدارية لإحالتها إلى القاضي المختص والمعلوم أن الفقه القضائي قد تواتر على مبدأ:
أنه إذا تصدي القاضي لنظر الدعوى ثم تبين له بعد تصريحها والسير فيها عدم اختصاصه فيجب أن لا يحاسب المتقاضي على خطأ المحكمة وقبولها الاختصاص مبدئياً فالمحكمة الإدارية محكمة واحدة وليست محكمتين ويفترض ابتداءً أن تحال العرائض لقاضي المحكمة العليا أو الاستئناف بحسب اختصاصه والمتقاضي معلوم أنه لا يوزع العرائض أو يحدد قاضيه بل يمثل أمام القاضي الذي توضع عريضته أمامه مع ملاحظة أن كل الأحكام الإدارية تستأنف أمام محكمة استئناف واحدة وهي المحكمة العليا سواء كانت صادرة من قاضي استئناف أو قاضي محكمة عليا وفق أحكام المادة 14 (1) (2) من قانون القضاء الإداري سنة 2005م.
والتي تقرر الآتي:
1- تستأنف قرارات القاضي المختص لدى الدائرة الإدارية … الخ .
2- يتبع في نظر الاستئناف إجراءات الاستئناف المنصوص عليها في قانون الإجراءات المدنية سنة 1983م.
وهنا يجدر بنا وللفائدة القانونية الفقهية التنويه إلى أن المسألة المعروضة قد سبق أن أدلى الفقه القضائي بدلوه فيها ونورد فيما يلي هذه المبادئ :
أولاً: جرى الفقه القضائي على أن من القواعد الإجرائية المستقرة أن القاضي صاحب الاختصاص الابتدائي الأدنى لا يمكنه نظر الاختصاص الأعلى إلا إذا منح سلطات ذلك الاختصاص وفي ذات الوقت جرى الفقه القضائي أيضاً إلى أن القاضي صاحب الاختصاص الأعلى يملك سلطة تلقائية في نظر الاختصاص الأدنى ومن ثم جرى القياس الإجرائي على قياس حالة قاضي المحكمة العليا المختص إدارياً باعتباره المحكمة الأعلى أو السلطة الأعلى درجة على حالة قاضي المحكمة العامة المدنية الذي يمتد اختصاصه ابتدائياً بنظر جميع الدعاوى دون تحديد لقيمتها أو نوعها بما يجعل قاضي المحكمة العليا المختص إدارياً له سلطة نظر كل الطعون الإدارية المختص بها هو كقاضي محكمة عليا سلطة نظر الدعاوى الإدارية والمختص بها أيضاً قاضي الاستئناف الإداري وبالتالي يملك قاضي المحكمة العليا المختص نظر الطعون كافة الأعلى والأدنى بعكس قاضي الاستئناف المختص فلا يجوز له تجاوز اختصاصه الابتدائي الإداري ونظر الدعوى التي يختص بها قاضي المحكمة العليا إدارياً.
ثانياً: ذهب بعض الفقه القضائي إلى أنه طالما أن إجراءات نظر دعوى الطعن الإداري تكون وفق أحكام المادة (11) من قانون القضاء الإداري سنة 2005م بذات الإجراءات المقررة لرفع الدعوى المدنية والفصل فيها بموجب أحكام قانون الإجراءات المدنية سنة 1983م مع مراعاة خصوصية وطبيعة الطعن الإداري فإن إجراءات الإحالة العامة الواردة في المادة 28(2) من قانون الإجراءات المدنية سنة 1983م والتي تجيز لرئيس محكمة الاستئناف وفق البند (2) من تلقاء نفسه وبعد إخطار الطرف الآخر إحالة أي دعوى قيد النظر أمامه إلى أي محكمة أخرى مختصة فليس هنالك تفسير ما يمنع أو يقيد أن يكون رئيس محكمة الاستئناف الإدارية التي يطعن أمامها إدارياً بالاستئناف ضد أحكام قاضي الاستئناف الإداري المختص وفق المادة (14) من قانون القضاء الإداري سنة 2005م من أن يحيل أي قضية من محكمة إدارية غير مختصة في نطاق المحكمة الإدارية إلى محكمة إدارية أخرى مختصة حيث ذهب ذلك الفقه إلى نظرة تفسيرية بأن الإحالة من محكمة مختصة إلى محكمة أخرى مختصة هي حالة المادة 27(1)،(2)،(3) إجراءات مدنية 1983م أما حالة الإحالة العامة أو سلطة الإحالة العامة الواردة في المادة (28) بفقراتها فإنها تجيز الإحالة بالنسبة لحالة الفقرات (1)،(2)،(3) من محكمة غير مختصة إلى محكمة مختصة ولا يقيد النص في حالة المادة (28) الإحالة بوجوب أن تكون من محكمة مختصة إلى أخرى مختصة فعبارة الأمر بإحالة دعوى قيد النظر من محكمة تابعة له إلى أي محكمة أخرى مختصة يفيد الحالين من محكمة غير مختصة إلى أخرى مختصة أو من مختصة إلى مختصة أخرى ويجب تفسير النص على عمومه ولا تخصص أسوة بحالة المادة (27) إجراءات مدنية سنة 1983م .
ثالثاً: اتجه الفقه القضائي تبعاً لذلك في العديد من السوابق القضائية إلى قاعدة إجرائية بأنه متى تبين للمحكمة التي تباشر الإجراءات أنها غير مختصة فلها ووفق السلطة الواردة في المادة (28) إحالة الدعوى الإدارية إلى المحكمة الإدارية المختصة كما اتجه الفقه القضائي في العديد من السوابق إلى قاعدة عدلية وهي:
إذا تبين للقاضي أثناء نظره دعوى صرحها هو أو كلف بمباشرة إجراءاتها خلفاً لغيره من القضاة قبله أنه غير مختص فإنه لا يأمر بشطب الدعوى بل يجب عليه إحالتها إلى قاضيها المختص أو إلى القاضي الإداري الأعلى لإحالتها إلى قاضيها المختص.
وبالتالي فتبعاً لما هو مستقر فقهاً وقضاءً في الحالة المعروضة يتوجب على قاضي الاستئناف الإداري المختص متى تبين له بعد تصريح الطعن الإداري الابتدائي وسيره في مباشرة إجراءاته بعد دفع رسومه وتكبد الخصوم نفقة رسومها وإجراءاتها أمامه لسبب لا يد لهم فيه أن يأمر بإحالة الدعوى الإدارية إلى قاضي المحكمة العليا المختص الموجود في نفس الدائرة الإدارية أو لرئيس محكمة الاستئناف الإدارية ليحيلها إلى قاضيها المختص وليس شطبها وكمثال للسوابق في هذا الشأن نورد السوابق القضائية التالية:
(أ ) السابقة: م ع/استئناف إداري/57/2010م الجمعية السودانية لحماية البيئة //ضد// والي ولاية البحر الأحمر دائرة البحر الأحمر وكسلا - غير منشورة .
(ب) السابقة: م إ/أ س م/عليا/784/1975م عجايبي عبد السيد //ضد// فهيمه سليمان - مجلة الأحكام القضائية سنة 1975م ص 302 وهي من التراث الفقهي القضائي المستنير والتي رسخت قواعد ومبدأ أن المحكمة غير المختصة ونتيجة خطأ إداري أو تنظيمي تصدت إلى نظر أي نزاع ولا يد للخصوم في هذا الخطأ أن تحيل القضية إلى القاضي المختص وليس الشطب لخطأ وقعت فيه وتقول السابقة : تقديم عريضة دعوى إلى محكمة غير مختصة أو عريضة طعن إلى محكمة غير مختصة هو عيب من العيوب الإجرائية الشكلية ولكنه عيب من العيوب الإجرائية القابلة للتصحيح ولا يبرر أو يؤدي إلى أن تقوم المحكمة غير المختصة بشطب العريضة أو شطب الدعوى.
وأيضاً من السوابق التراثية الرائدة في إرثنا القانوني المستنير والتي قررت المبدأ الذي يوجب على المحكمة غير المختصة متى تبين لها بعد تصريح الدعوى ودفع رسومها أمامها أنها خارج اختصاصها أن تحيل الدعوى المذكورة إلى القاضي المختص أو القاضي الإداري المختص لإحالتها إلى قاضيها المختص وليس شطبها- السابقة:
م ع/ ط م/42/1983م ياسمينه ميلاد //ضد// ورثة عثمان فضل - مجلة الأحكام القضائية 1987م ص 209 والتي قررت المبدأ التالي:
1- أنه وإن كانت الإحالة من محكمة غير مختصة إلى محكمة مختصة أمر غير جائز في الأصل.
إلا أنه استثناءً عن هذا الأصل يجوز ذلك في حالة ما إذا قبلت المحكمة غير المختصة الاختصاص وتصدت لنظر النزاع وصرحت الدعوى وسارت في إجراءاتها رغم عدم اختصاصها فيجب عليها في هذه الحالة أن لا تشطب الدعوى لعدم الاختصاص بل يجب عليها إحالتها إلى المحكمة المختصة طالما كانت الدعوى والعريضة صالحة وقابلة ابتداءً للتصريح إذا قدمت ابتداءً إلى المحكمة المختصة.
2- أن الحكمة من هذه القاعدة التي تلزم المحكمة غير المختصة بضرورة احالة الدعوى التي أخطأت في تصريحها رغم عدم اختصاصها إلى المحكمة المختصة وليس شطبها مقصدها الإجرائي هو:
أن قيام المحكمة غير المختصة بالتصدي لنظر أي دعوى أو نزاع خارج اختصاصها وتصريحها والأمر بدفع رسمها لا يبرر لها الاستمرار في الخطأ متي تبين لها عدم اختصاصها بأن تشطب الدعوى بسبب ممارستها اختصاصاً خارجاً عنها بل يستوجب هذا الخطأ أن تصحح خطأها بإحالتها إلى القاضي المختص أو المحكمة المختصة لأن الشطب معناه في هذه الحالة ضياع جهد ووقت المتقاضين بسبب لا يد لهم فيه فضلاً عن أن إعادة رفع دعوى جديدة أمام محكمة مختصة معناه تعقيد إجراءات التقاضي وزيادة نفقاته على المتقاضين وبسبب خطأ المحكمة.
وأيضاً من السوابق الرائدة أيضاً في تراثنا الفقهي القضائي الذي قرر مبدأ إحالة المحكمة غير المختصة القضية التي تصدت لها رغم عدم اختصاصها إلى المحكمة المختصة السابقة:
م إ/عليا/368/1977م مدينـة الطيب //ضد// ميرغني ساتي حمد وآخرين - المنشورة في مجلة الأحكام القضائية 1977م ص 500 التي قررت المبادئ التالية:
1- إذا تبين للمحكمة أنها غير مختصة بنظر عريضة الدعوى فلها ابتداءً شطب العريضة لعدم الاختصاص.
2- إلا أنها إذا قررت وصرحت الدعوى وسارت فيها بعد دفع رسومها فلا يجوز لها بعد ذلك أن تعود وتشطب هذه الدعوى لعدم الاختصاص متي تبين لها عدم اختصاصها وكل ما تملكه المحكمة غير المختصة في هذه الحالة هو إحالة الدعوى وإجراءاتها إلى المحكمة المختصة.
3- للمحكمة المختصة التي أحيلت إليها الدعوى إما أن تواصل مباشرة إجراءاتها أو أن تبدأ السير في إجراءاتها من جديد من أول مرحلة إن رأت ذلك.
4- رغم عدم وجود نص صريح يخول أو يفيد جواز إحالة المحكمة غير المختصة لدعوى صرحتها إلى محكمة مختصة بعد أن تبين لها عدم الاختصاص إلا أن المستقر أن القانون السوداني يسير في نظام إجراءاته القضائية المدنية والجنائية على نهج العدالة الإجرائية والتي توجب على المحكمة غير المختصة التي أخطأت في تصريح الدعوى رغم أنها خارج اختصاصها أن تحيل الدعوى المذكورة إلى المحكمة المختصة حتى لا يفقد المدعي رسومه التي دفعها بسبب تصريح المحكمة غير المختصة وليس شطبها لعدم الاختصاص فالعدالة الإجرائية والإنصاف في هذه الحالة تتطلب ذلك لأن الشطب يعني إطالة أمد الإجراءات ورفع الدعوى من جديد أمام محكمة مختصة ودفع رسوم جديدة ويرتب ذلك إطالة إجرائية لا داعي لها وفي نفس الوقت تذرع بالشكليات بسبب أخطأت فيه المحكمة وليس الخصوم وهو تذرع شكلي في حقيقته إيقاع الظلم على المدعي وإضاعة وقته وجهده وبسبب محكمة غير مختصة.
وهنا نلاحظ أن هذه السابقة قد استخدمت القياس الإجرائي لتقرير إحالة الدعوى من محكمة مختصة إلى أخرى مختصة مستندة في القياس على ما قرره قانون الإجراءات الجنائية الذي يلزم المحكمة غير المختصة متى تبين لها عدم اختصاصها أن تحيل الدعوى إلى محكمة أخرى مختصة وليس شطب الدعوى قياساً على حالة المادة (178) إجراءات جنائية حالياً سنة 1991م.
وفي تقديري أن القياس الذي استندت عليه هذه السابقة له سنده الإجرائي القانوني في المادة 6 (1) من قانون الإجراءات سنة 1983م مقروء مع المادة (36) إجراءات مدنية سنة 1983م فالمادة (3) من قانون الإجراءات المدنية سنة 1983م تنص على أن قانون الإجراءات المدنية هو القانون العام لكل الإجراءات وقد نص صراحة في أنه في حالة عدم وجود أو غياب أي نص صراحة في أي مسألة إجرائية معينة أن تطبق المحكمة قواعد العدالة المنصوص عليها في المادة 6(1) إجراءات مدنية سنة 1983م والتي تقرر:
إذا لم يوجد أي نص يمكن تطبيقه على الإجراءات في المسألة المعروضة تطبق المحكمة من القواعد الإجرائية ما من شأنه تحقيق العدالة.
وهذا ما قررته فعلاً هذه السابقة الرائدة على لسان مولانا: الفقيه العالم/ مولانا/ محمد محمود أبو قصيصة بقوله:
وبالقياس على ذلك النص الإجرائي الجنائي من قانون الإجراءات الجنائية وهو القانون الذي يوضح النهج الإجرائي الذي تنتهجه المحاكم الجنائية في الإحالة .. والذي ينبغي أن تنتهجه المحاكم المدنية أيضاً بحسبان أن كلتيهما جزء من نظام قانوني واحد ومن ثم يتضح أن ما قررته هذه السابقة هو في حقيقته تطبيق إجرائي حقيقي لنص المادة 6(1) من قانون الإجراءات المدنية سنة 1983م وبالتالي صاغت السابقة بوضع المبادئ التالية والملزمة للمحاكم الاسترشاد بها لتحقيق العدالة الإجرائية في حالة غياب نص يخول للمحكمة المختصة سلطة الإحالة إلى محكمة أخرى مختصة وفق أحكام المادة 3 (خامساً) من قانون أصول الأحكام القضائيـة سنة 1983م التي تقرر القواعد التي يسترشد بها القاضي في حالة غياب النصوص التشريعية التي تحكم أي مسألة ومنها:
الاسترشاد بما جرت عليه سوابق العمل القضائي في السودان فيما لا يتعارض مع الشريعة وما يذهب إليه جمهور فقهاء الشريعة من فتاوى فرعية وما قرره من قواعد فقهية.
ومن ثم نكرر تأييدنا للمبدأ الذي وضعته هذه السابقة لموافقته العدالة الإجرائية التي نصت عليها المادة 6(1) في حالة غياب النص وبالتالي فإن مجمل السوابق السالف إيرادها والأمثلة كثيرة لم نوردها في سياق هذا الحكم بما يجعلنا نقرر ونؤكد على المبادئ والقواعد الإجرائية التي استقر وتواتر عليها الفقه القضائي المستنير في تراثه العدلي من خلال مقاصده التفسيرية العادلة ونلخصها للفائدة القانونية الإجرائية على النحو التالي:
1- أنه على أي محكمة واجب قانوني وإجرائي وقبل أن تصرح أي عريضة دعوى أو تتعرض أو تتصدى لنظر أي دعوى أن تستوثق بدقة أن ما تنظره يدخل إجرائياً في نطاق اختصاصها النوعي على وجه الخصوص قبل التصريح وإلزام الخصم بدفع الرسم لأن الاختصاص من قواعد النظام العام الإجرائي وهذا الإلزام القانوني بالتحقق من الاختصاص يقع على عاتق القاضي والمحكمة وحدها ابتداءً وانتهاءً فخطأ القاضي أو المحكمة في قبول الاختصاص لا ينصرف أثره على الخصوم لأنه لا خطأ في جانبهم إجرائياً إن باشروا إجراءاتهم أمام قاضٍ أو محكمة غير مختصة وقررت أنها مختصة وتصدت لنظر نزاعهم فالخصوم من الوجهة القانونية الإجرائية البحتة لا سلطة لهم في تحديد الاختصاص أو تحديد إن كان القاضي أو المحكمة تختص أم لا لأن كل ما على الخصوم تقديم عرائض دعواهم لدى الكادر الإداري الذي يحيلها إلى القاضي الإداري المختص بتوزيع العرائض على كل قاضٍ بحسب درجته أو يحيلها الكادر الإداري للقاضي والذي عليه أن يستوثق من اختصاصه النوعي أو المحلي أو القيمي ومن ثم فخطأ القاضي الإداري الذي يوزع العرائض على القضاة التابعين له للنظر في التصريح لا يرفع مسؤولية الخطأ عن القاضي المحالة إليه العريضة للتصريح لأنه ملزم قانوناً بعدم تصريح العريضة إذا لم يكن مختصاً بأن يعيدها للقاضي الإداري الذي أحالها إليه أو يقرر شطبها إن كان غير مختصٍ وفق أحكام المادتين (37)،(38) من قانون الإجراءات المدنية سنة 1983م.
2- قبول القاضي والمحكمة للاختصاص بتصريحه عريضة نزاع لا يدخل في اختصاصه هو خطأ إجرائي لا يتحمل أثره أو مسؤوليته الخصوم أو رافع العريضة لأنه لا سلطة لهم على مباشرة القاضي أو المحكمة للإجراءات ولا سلطة لهم في تحديد القاضي أو المحكمة التي ستنظر أو تباشر نظر عرائضهم للتصريح وقد ذهب الفقه القضائي في بعض الآراء الفقهية إلى تقرير أن تصدى القاضي غير المختص لتصريح ونظر نزاع خارج اختصاصه وقبل الاختصاص رغم ذلك فإن خطأه لا يبرر له شطب الدعوى بعد أن ألزم الخصم بدفع رسومها لأن الشطب هنا يكون بمثابة عقوبة إجرائية توقعها المحكمة أو القاضي على الخصوم عن خطأ لم يرتكبوه وخطأ المحكمة لا يبرر عقوبة الشطب وعلى أقل تقدير أن قدرت الشطب بعد تصريح الدعوى والسير فيها متى تبين لها عدم اختصاصها أن تقرن قرار الشطب برد الرسوم التي تكبدها الخصم جراء خطأ القاضي أو المحكمة بتصديها لنزاع ليس من اختصاصها ابتداءً ومن ثم الأجدر بالقاضي والمحكمة غير المختصة أن تتخذ القرار العادل وتتحمل أخطاءها بأن تحيل النزاع الذي تصدت له بلا اختصاص إلى القاضي المختص أو إلى القاضي الإداري الأعلى لإحالته إلى القاضي المختص وليس شطب الدعوى.
3- أن أي مسألة إجرائية لم يرد بها نص إجرائي تشريعي صريح في القانون الإجرائي فقد وضع لها المشرع ضابطاً قانونياً إجرائياً في حالة غياب النص الذي يحكم المسألة بنصه صراحة في المادة 6 (1) إجراءات مدنية سنة 1983م.
إذا لم يوجد نص يمكن تطبيقه على الإجراءات في المسألة المعروضة تطبق المحكمة من القواعد ما من شأنه تحقيق العدالة.
وطالما لم يرد نص صريح لا يجيز للمحكمة غير المختصة إحالة الدعوى التي تصدت لها ابتداءً إلى المحكمة المختصة فإن العدالة الإجرائية وفق المادة المذكورة تخولها هذه الإحالة إلى المحكمة المختصة كإجراء عادل وليس تقرير شطب دعواهم وتكبدهم رسوم وإجراءات ... خصومة تبدأ من جديد ولسبب لا يد لهم فيه ابتداءً.
وعليه فإن وافقني الزميلان أرى:
أولاً : إلغاء قرار قاضي الاستئناف الإداري والقاضي بشطب دعوى الطعن الإداري.
ثانياً : نأمر بإحالة الدعوى إلى قاضي المحكمة العليا المختص بنظر النزاع وفق أحكام الفقرة (1) من المادة (4) من قانون القضاء الإداري سنة 2005م.
ثالثاً : لا أمر بشأن رسوم الاستئناف.
القاضي: إبراهيم محمد المكي
التاريخ : 31/10/2012م
أوافق.
القاضي: عبدالرحيم عبدالوهاب التهامي
التاريخ : 5/11/2012م
أوافق.
الأمر النهائي:
أولاً: ينقض قضـاء قاضي الاستئناف الإداري والقاضي بشطب دعـوى الطعن الإداري.
ثانياً: تحال الدعوى إلى قاضي المحكمة العليا الإداري المختص وفق أحكام المادة 4(1) من قانون القضاء الإداري سنة 2005م.
ثالثاً: لا أمر بشأن رسوم الاستئناف.
عبد الرؤوف حسب الله ملاسي
قاضى المحكمة العليا
ورئيس الدائرة
7/11/2012م

