حكومة السودان ضد فاطمة عبد الوهاب علي وآخرين
المحكمة العليا
القضاة:
السيد/ محمد محمد الحسن شقاق قاضي المحكمة العليا رئيساً
السيد/ يوسف دفع الله قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد/ علي يوسف الولي قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان
ضد
فاطمة عبد الوهاب علي وآخرين
م ع/ق ج/ 54/1983م
المبادئ:
إجراءات جنائية – جريمة الإجهاض – جواز الصلح فيها مع ضرورة تعزير المتهم بعد العفو أو الصلح – المادة 270أج
إن جريمة الإجهاض المعاقب عليها بالدية كعقوبة أصلية تتعلق بالحق الخاص ومن ثم للمجني عليه أن يعفو عنها إلا أن العفو لا يكون من الجريمة نفسها وكلها ولذلك لا يستطيع قاضي الجنايات أن يشطب الاتهام من الوهلة الأولى قبل البدء والاستمرار في المحاكمة لأن الصلح المقبول شرعاً وقانوناً في الجرائم المعاقب عليها بالقصاص وبالدية هو الصلح والتنازل عن عقوبة القصاص أو الدية فقط وليس من الجريمة ككل حتى تتاح له الفرصة للمحكمة بعد قبول الصلح وإسقاط عقوبة القصاص أو الدية أن توقع عقوبة تعزيرية مناسبة
القاضي / علي يوسف الولي
التاريخ :26/9/1987م
الحكم
هذا الطلب تقدم به لهذه المحكمة المحامي عبد المنعم الخضر جكنون عن طريق الفحص إعمالاً بنص المادة 239 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983 طاعناً في قرار قاضي المديرية واد مدني المؤيد بقرار محكمة استئناف الإقليم الأوسط والقاضي بإلغاء أمر قاضي جنايات واد مدني بشطب البلاغ في مواجهة المتهمين (1) فاطمة عبد الوهاب علي (2) عبد العظيم إبراهيم حميدة (3) عشمانة عبد الوهاب
نوجز الوقائع في أن المتهم عبد العظيم إبراهيم حميدة بتاريخ 7/7/1986م بلغ لدى شرطة واد مدني بأنه أحضر المريضة رشيدة لمستشفى واد مدني ثم توفت لرحمة مولاها وقد أسفرت تحريات الشرطة عن وجود بينات مبدئية تبرر تقديم المتهمين :_
(1)فاطمة عبد الوهاب علي (2) عبد العظيم إبراهيم حميدة (3) عشمانة عبد الوهاب (4) فاطمة الصافي (5) مصطفى الطاهر للمحاكمة بموجب المادة 264 من قانون العقوبات لسنة 1983م " جريمة ارتكاب الفعل الذي يقصد منه تسبيب الإجهاض ويفضي إلى الموت " لقيامهم بإجهاض المرحومة رشيدة علي أرسود مما أدى إلى وفاتها
تقدم ورثة المرحومة المذكورة لقاضي الجنايات بتنازل عن البلاغ وطالبوا بشطبه وبتاريخ 16/10/1986 اتخذ قاضي الجنايات في يومية التحري على ص 79 و 80 قراره بقبول التنازل وأمر بشطب الاتهام للصلح على أن يخلى سبيل المتهمين فوراً وجاءت في قراره الأسباب الآتية :_
" هذا البلاغ مفتوح تحت نص المادة 264 من قانون العقوبات لسنة 1983م وجريمتنا هذه وعلى فرض ثبوتها معاقب عليها بالدية فقط الحق فيها حقاً خاصاً لورثة المرحوم على بعده "
وبما أن نص المادة 270 من قانون الإجراءات الجنائية يستثني من الصلح الجرائم ضد الدولة والمتعلقة بالحق العام فإن قبول التنازل في حق خاص لا غبار عليه ولا مانع من قبوله الحق حق الأولياء وحدهم لا سواهم وطالما أنهم تنازلوا أو عفوا عن دم مورثتهم فماذا تملك المحكمة إزاء المتهمين ولئن كان السيد ممثل النائب العام يرى أنه لا بد من عقوبة تعزيرية تجاههم إن المحكمة ترى أنه بمجرد اتهام المتهمين ووقوفهم في قفص الاتهام فيه ما فيه من الإيذاء النفسي في جرم يعاف ارتكابه حتى إنسان الغاب و يأباه كل من ملك ذرة من الأخلاق وطهر النفس " عند استئناف ممثل النائب العام بود مدني لدى قاضي المديرية واد مدي ضد قرار قاضي الجنايات مطالباً بتوقيع عقوبة تعزيرية في مواجهة المتهمين أصدر قاضي المديرية قراره بإلغاء قرار قاضي الجنايات وأمر بإعادة الأوراق لمحكمة الجنايات بشطب لاتهام في مواجهة المتهمين الاثنين (1) مصطفى الطاهر (2) فاطمة الصافي وورد في حيثيات قرار قاضي المديرية ما يمكن أن نقتطف منه الآتي :_
"يرى السيد/ مستشار النيابة أن قرار قاضي الجنايات مدني قد بني على نص المادة 270 من قانون الإجراءات الجنائية ووفقاً للقاعدة الإسلامية الأصولية التي تقول أن الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حلالاً أو حرم حراماً
ويرى مستشار النيابة أن الأصل في الإجهاض التحريم وأن الإجهاض لا يتم في الإسلام إلا في نطاق الرابطة الزوجية الشرعية وفي أضيق الحدود نزولاً على حالات الضرورة ويرى أن هذه الجريمة قد ارتكبت بقصد تفادي العار لسبب السفاح وفي ذلك اعتداء على الأسرة وعلى النظام الاجتماعي وعلى النسل إن ما ذهب إليه مستشار النيابة كان صائباً وذلك لأن الإجهاض جريمة فيها شبهة الحق العام (حق الله ) وفيها شبهة الحق الخاص ومعنى أن العقوبة مقرر حق الله تعالى يعني أنها لا تقبل الإسقاط لا من الأفراد ولا من الجماعة وتعتبر العقوبة حقاً لله تعالى كلما استوجبتها المصلحة العامة وهي دفع الفساد عن الناس وتحقيق الصيانة لهم فكل جريمة يرجع فسادها إلى العامة وتعود منفعة عقوبتها إليهم تعتبر العقوبة حقاً لله تعالى تأكيداً لتحصيل المنفعة ودفع الضرر والفساد ) إن هذه الجريمة تعتبر عملاً غير صالح ولا يجوز التفريط في أحكام القانون للحد الذي يفل فيه ضعاف النفوس ليسرحوا ويمرحوا يسفكون الدماء ويستبيحون العرض "
عند استئناف المحامي جكنون نيابة عن المتهمين إلى محكمة الاستئناف ضد قرار قاضي المديرية ملتمساً إلغاءه أيدت محكمة الاستئناف قرار قاضي المديرية وورد في حيثيات قرارها ما يلي :_
" بالرجوع إلى قرار محكمة المديرية المستأنف نجدها تورد فيه أن الإجهاض جريمة شبه الحق العام (حق الله ) وفيها شبهة الحق الخاص ويرى قاضي المديرية أن نص المادة 270من قانون الإجراءات الجنائية لذلك لا يبرر شطب الاتهام بموجب تنازل الورثة
والسؤال الآن : هل هناك حقاً عاماً أو حقاً لله سبحانه وتعالى يبرر السير في إجراءات البلاغ رغماً عن عفو ورثة المجني عليها ؟ في تقديري أن ما ورد بيومية التحري يشير إلى وجود مثل هذا الحق أرى أن محكمة المديرية أصابت حينما رأت أنه من الأوفق مواصلة نظر القضية أمام محكمة أول درجة لتقرر في الاتهام المنسوب إلى المتهمين إذ أن المحكمة إذا ثبت لها بالبينات المقدمة أن الاتهام يكتنفه حقاً لله تعالى مع تنازل أولياء الدم عن حقهم فإن المحكمة تعذر المدان "
ينعى المحامي جكنون ويطعن أمام محكمتنا في حكم محكمتي المديرية والاستئناف بما نستطيع أن نوجزه فيما يلي :_
" الاتهام منسوب لمتهمين تحت المادة 264 عقوبات وأي جريمة تكون عقوبتها بالدية تكون عقوبة مقدرة حقاً للأفراد وللمجني عليه أن يعفو عنها إذا شاء فإذا عفا أسقط العفو العقوبة المعفو عنها
إن العقوبة التي لا يمكن إسقاطها لا من الأفراد أو الجماعة هي العقوبة المقررة لحق الله تعالى كما في الحدود إن عقوبة الدية وفقاً للمادة 264 عقوبات من حقوق العباد ويكون العفو عند شريعة وقانوناً
وعليه يكون قرار محكمة الاستئناف المؤيد لقرار محكمة المديرية تحت المادة 264عقوبات حق الله لا يحق للفرد أو الجماعة التنازل عنه مخالف للشريعة الإسلامية وللقانون وعلى وجه الخصوص لمبدأ الشرعية القائل لا اجتهاد مع النص حيث نجد نص المادة 264 عقوبات واضح وصريح ولا غموض فيه "
الأسباب :_
أرى تأييد قرار محكمة المديرية المؤيد بقرار محكمة المستأنف والقاضي بإعادة الأوراق لمحكمة الموضوع لمحاكمة المتهمين :_
1-فاطمة عبد الوهاب 2- عبد العظيم إبراهيم حميدة 3- عشمانة عبد الوهاب وذلك تحت المادة 264 من قانون العقوبات لسنة 1983م وفي حالة الإدانة يجب على المحكمة لأن تقبل تنازل ورثة المرحومة رشيدة علي أرشود عن عقوبة الدية وتسقطها ولكن يجب عليها أن توقع العقوبة التعزيرية الملائمة بما لديها من سلطات بمقتضى المادة 458(3) من قانون العقوبات لسنة 1983م وذلك على ضوء قرائن الأحوال والظروف والملابسات المحيطة بوقائع القضية
كما أرى تأييد براءة المتهمين (1) فاطمة الصافي (2) مصطفى الطاهر لانعدام الأدلة الجديرة بتبرير تقديمهما للمحاكمة تحت المادة 264 من قانون العقوبات لسنة 1983م أو أي مادة أخرى من ذات القانون ومن أي قانون آخر
تنص المادة 270 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م على الآتي :_
" باستثناء الجرائم الموجهة ضد الدولة أو الجرائم المتعلقة بالحق العام يجوز الصلح في كل الجرائم التي تحاكم بموجب هذا القانون ما لم يتعارض ذلك مع أحكام الشريعة الإسلامية "
إن الجريمة في القضية التي بين أيدينا تقع تحت المادة 264 من قانون العقوبات لسنة 1983م " جريمة ارتكاب الفعل الذي يقصد منه تسبيب الإجهاض ويفضي إلى الموت " واضح أنها ليست بالجريمة ضد الدولة ومن ثم فإن السؤال الذي يفض ويطرح نفسه ويثور ما إذا كانت هذه الجريمة من الجرائم المتعلقة بالحق العام أو بالحق الخاص وبالتالي ما إذا كان الصلح فيها أو التنازل عنها لا يجوز من قبل الورثة المرحومة رشيدة علي أرشود أم يجوز ؟ وإذا كانت هذه الجريمة من الجرائم المتعلقة بالحق الخاص وبالتالي يجوز التنازل عن عقوبتها "الدية" فهل لا بد من توقيع عقوبة تعزيرية على المتهمين برغم التنازل عن عقوبة الدية ؟
إن الجرائم التي تتعلق بالحق العام هي الجرائم ضد الجماعة أي هي التي تمس مصلحة الجماعة وهي التي شرعت حقاً لله تعالى أي لحماية الجماعة وحقوقها ومن ثم لا يجوز العفو عنها ومثال هذه الجرائم جرائم الحدود أي المعاقب عليها بعقوبات الحدود فقد ورد في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الأول ص 98-99 ما يؤيد هذا النظر فيما يلي :_
" الجرائم التي تقع ضد الجماعة : هي التي شرعت عقوبتها لحفظ صالح الجماعة سواء وقعت الجريمة على فرد أو على جماعة أو على أمن الجماعة ونظامها ويقول الفقهاء : أن عقوبة هذا النوع من الجرائم حقاً لله تعالى ومعنى هذا الاصطلاح أنها شرعت لحماية الجماعة ولكنهم يجعلون العقوبة حقاً لله إشارة إلى عدم جواز العفو عنها أو تخفيفها أو إيقاف تنفيذها وتعتبر جرائم الحدود من الجرائم الماسة بمصلحة الجماعة ولو أنها في الغالب تقع على أفراد معينين وتمس مصالحهم مساساًَ شديدا وليس في اعتبارها ماسة بالجماعة إنكار لمساسها بالأفراد وإنما هو تغليب لمصلحة الجماعة على مصلحة الأفراد بحيث لو عفا الفرد لم يكن لعفوه أثر على الجريمة أو العقوبة "
وجاء في نفس المرجع على ص 204 ما يلي :_
" حقوق الجماعة وحقوق الأفراد : أفعال المكلفين سواء كانت جرائم أو لم تكن بعضها حق خالص لله أو حق الله فيه غالب وبعضها حق خاص للمكلف أو حق المكلف غالب فيه وحين يعبر الفقهاء بما هو حق لله يقصدون ما هو حق للجماعة وما قصد به نفع فرد معين وليس للأفراد حكماً أو محكومين حق إسقاط أو العفو عنه أو إهمال إقامته "
وجاء أيضاً في نفس المرجع ص 774 ما يلي :_
" ليس للعفو أي أثر عملي الجرائم التي تجب فيها عقوبات الحدود وليس للعفو أثر على هذه العقوبات سواء كان العفو من المجني عليه أو من ولي الأمر فالعقوبة في هذه الجرائم لازمة محتمة ويعبر الفقهاء عنها بأنها حق الله تعالى لأن ما كان حقاً لله امتنع العفو فيه أو إسقاطه "
وجرائم الحدود – كما جاء في نفس المرجع ص 243- بأنها " معدودة في الشريعة وهي على سبيل الحصر سبع جرائم : الزنا القذف الشرب السرقة الحرابة الردة البغي وتعاقب الشريعة بعقوبات معينة تسمى حدوداً " وبما أن الجريمة تحت المادة 264 من قانون العقوبات لسنة 1983م هي الإجهاض أي الفعل الذي يقصد منه تسبيب الإجهاض ويفضي إلى الموت فإنها ليست من الجرائم التي تتعلق بالحق العام ولذا جاز العفو عنها بموجب المادة 270 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م
إن الجرائم التي تتعلق بالحق الخاص هي التي تقع ضد الأفراد وشرعت عقوبتها لحفظ وحماية الأفراد وحقوقهم ويمكن العفو والتنازل عنها مثال جرائم القصاص وجرائم الدية ولكن بعد العفو أو الصلح لا بد من توقيع عقوبة تعزيرية على الجاني
فقد ورد في كتب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الأول ص 99 ما يؤيد هذا النظر فيما يلي :_
" والجرائم التي تقع ضد الأفراد : هي التي شرعت عقوبتها لحفظ مصالح الأفراد ولو أن ما يمس مصلح الأفراد هو في الوقت ذاته ما يمس بمصالح الجماعة وجرائم القصاص والدية من الجرائم التي تقع على الأفراد وليس معنى ذلك أنها لا تمس الجماعة وإنما معناه تغليب حق الفرد على حق الجماعة فللفرد أن يتنازل عن القصاص والديه وهما العقوبتان المقررتان أصلاً للجريمة وقد أعطي له حق التنازل لأن الجريمة تمسه مساساً مباشراً فإذا تنازل عن العقوبة لم يترك الجاني وإنما يعاقب بعقوبة تعزيرية حفاظاً لمصلحة الجماعة التي مست مساساً غير مباشر"
وفي نفس المرجع ص 25 جاء ما يلي :_
" والأصل في الشريعة : أن فرض العقوبة واستيفاءها حق لله تعالى ولكن الشريعة جعلت استيفاء بعض العقوبات حقاً للأفراد كعقوبة القصاص والدية فلهم أن يتمسكوا بها أو يتنازلوا عنها فإذا تنازلوا عنها كان للجماعة أن تعاقب الجاني بالعقوبة الملائمة لظروف الجريمة والمجرم وعلى هذا فإن جعل استيفاء بعض العقوبات حقاً للأفراد لا يسلب الجماعة حقها في فرض عقوبات أخرى على هذه الجرائم ولا يمنع من تنفيذ هذه العقوبات الأخرى بمعرفة الجماعة "
وفي نفس المرجع ص 669 جاء ما يلي: _
" وإذا عفا المجني عليه عنها (الدية ) جاز تعزير الجاني بعقوبة تعزيرية ملائمة ولو لم تكن عقوبة لتوقف الحكم بها على طلب المجني عليه ولما جاز عند العفو عنها أن تحل محلها عقوبة تعزيرية "
وليس في الشريعة ما يمنع أن توقع عقوبة تعزيرية في حالة العفو عن الدية العقوبة الأصلية على الجناية أن ذلك مما يقتضيه صالح الجماعة وتوجيه ضرورة تأديب وردع الجاني وزجر غيره ممن تحدثه نفسه بأن يحذو حذو الجاني ففي قضية حكومة السودان (ضد) بيتر جوك دوال نشرة الأحكام الرباعية أكتوبر – نوفمبر – ديسمبر سنة 1984م ص 31 قضى بأن سقوط الدية لا يمنع من تعزير الجاني
إن الجريمة في القضية التي بين أيدينا جريمة الإجهاض هي من جرائم الدية لأن العقوبة الأصلية التي رصدت لها في المادة 264 من قانون العقوبات هي الدية " كل من يقوم بفعل يسبب موت حبلى وهو يقصد إجهاضها عاقب بدية الجنين والأم " وأيضاً مما يثبت أن جريمة الإجهاض من جرائم الدية هو أن حكمها حكم جريمة القتل شبه العمد إحدى الجرائم المعاقب عليها بالدية فقد ورد في كتاب التشريع الجنائي ألإسلامي الجزء الأول ص 244 ما يلي :
" في جرائم القصاص والدية : يدخل تحت هذا النوع من الجرائم القتل العمد والقتل شبه العمد والقتل الخطأ والجرح العمد والجرح الخطأ " وفي نفس المرجع الجزء الثاني ص 301 جاء ما يلي :_
" إذا ترتب على الجناية إيذاء الأم أو جرحها أو قطع طرف من أطرافها أو موتها فعلى الجاني عقوبة هذه الأفعال بغض النظر عن العقوبات المقررة للجناية على الجنين لأن العقوبات الأخيرة خاصة بالجنين وليست خاصة بما يصيب أمه فإذا أعطى رجل امرأة دواءً يقصد إجهاضها فماتت بعد أن انفصل ولدها ميتاً فعليه دية المرأة باعتبارها أنه قتلها قتلاً شبه العمد وعليه غرة دية الجنين وإذا ماتت بسبب الفعل بعد انفصال ولدها حياً فعلى الجاني ديتان – دية المرأة ودية الجنين "
عليه بما أن الجريمة تحت المادة 264 من قانون العقوبات لسنة 1983م من جرائم الدية المتعلق بالحق الخاص فإن تنازل ورثة المرحومة رشيدة علي عنها مقبول قانوناً وشرعاً ولكن لا بد من توقيع العقوبة التعزيرية المناسبة على المتهمين في حالة إدانتهم والتنازل في حال جريمة القصاص والدية لا يجوز عن الجريمة كلية بل يجوز فقط عن عقوبة القصاص أو عقوبة الدية فقط لأنه إذا عفا عن جريمة القصاص أو جريمة الدية فإن الجاني قد يفلت عن العقوبة التعزيرية فقد ورد في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الأول ص 775 ما يؤيد هذا النظر فيما يلي:_
" تجيز الشريعة للمجني ليه أو ولي دمه أن يعفو عن عقوبتي القصاص والدية دون غيرهما من العقوبات المقررة لجرائم القصاص والدية فليس له أن يعفو عن عقوبة الكفارة ولا يؤثر عفوه على حق ولي الأمر في تعزير الجاني بعد العفو عنه وحق المجني عليه أو وليه في العفو مقصور كحق ولي الأمر على العفو عن العقوبة فقط وليس لأيهما العفو عن الجريمة فإذا عفا أحدهما عن الجريمة انصرف عفوه إلى العقوبة فقط والعلة في منع العفو عن الجريمة أنه لو سمح للمجني عليه بالعفو عن الجريمة لما أمكن معاقبة الجاني وفي هذا خطر شديد على الجماعة لأن الجريمة تمس الجماعة وإذا كانت أكثر مساساً بالمجني عليه ولو سمح أولي الأمر بالعفو عن الجريمة لأمكن تعطيل حق المجني عليه في القصاص والدية "
عليه أرى أنه صحيح كما قضت محكمة الموضوع أن الجريمة تحت المادة 264 من قانون العقوبات لسنة 1983م إحدى جرائم الدية لا تتعلق بالحق العام ولكنها تتعلق بالحق الخاص بورثة المرحومة رشيدة علي ومن ثم فإن قرار محكمة الموضوع بقبول الصلح بشأنها جاء في محله ولا غبار عليه ولكن لم تصب محكمة الموضوع عندما قبلت ذلك الصلح قبل الاستمرار في سماع القضية وإدانة المتهمين وتوقيع عقوبة الدية وكان حرياً بها أن تقبل الصلح والتنازل عن عقوبة الدية فقط وليس عن الجريمة نفسها والاتهام كله حتى تتمكن من توقيع عقوبة تعزيرية مناسبة برغم قبول الصلح والتنازل عن عقوبة الدية وكان ينبغي على محكمة الموضوع ألا تعتبر مجرد اتهام المتهمين ووقوفهم في قفص لاتهام عقوبة تعزيرية لأن ذلك الإجراء في مخالفة صريحة لقاعدة الأصولية الضاربة في جذور القانون الجنائي والتي تنص بأنه لا جريمة بلا نص – لا عقوبة بلا إدانة فلا يجوز لمحكمة الموضوع أن تعاقب المتهمين عقوبة تعزيرية قبل أن تدينهم
أخلص من كل ذلك لأقرر بأنه لم تصب محكمتا المديرية والاستئناف في قرارهما بأن الجريمة تحت المادة 264 من قانون العقوبات لسنة 1983م تتعلق بالحق العام ولا يمكن الصلح والتنازل عنها و أجدني متفقاً مع المحامي جكنون في أن هذه الجريمة المعاقب عليها بالدية كعقوبة أصلية مقدرة حقاً للأفراد أي تتعلق بالحق الخاص ومن ثم للمجني عليه أن يعفو عنها إلا أني أجدني مختلفاً معه مع الاحترام الجم في أن العفو لا يكون عن الجريمة نفسها وكلها ولذلك لا يستطيع قاضي الجنايات أن يشطب الاتهام من الوهلة الأولى قبل البدء والاستمرار في المحاكمة والإدانة وتوقيع العقوبة لأن الصلح المقبول شرعاً وقانوناً في الجرائم المعاقب عليها بالقصاص والدية هو الصلح والتنازل عن عقوبة القصاص والدية وليس عن الجريمة ككل حتى تتاح الفرصة للمحكمة بعد قبول الصلح وإسقاط عقوبة القصاص أو الدية أن توقع عقوبة تعزيرية مناسبة لهذه الأسباب مجتمعة أرى إعادة الأوراق لمحكمة الموضوع لإجراء محاكمة المتهمين المذكورين وعند إدانتهم تحت المادة 264 من قانون العقوبات لسنة 1983م أن تسقط عقوبة الدية لتنازل وصلح ورثة المرحومة رشيدة علي ولكن يجب عليها رغم ذلك التنازل وذلك الصلح أن توقع عقوبة تعزيرية مناسبة وملائمة على ضوء قرائن الأحوال والظروف والملابسات المحيطة بوقائع هذه القضية
القاضي: يوسف دفع الله
جريمة الإجهاض من الجرائم التعزيرية المتروك أمرها للمحاكم وقد وردت في المواد 263 وما بعدها من قانون العقوبات لسنة 1983م وعقوبتها دية الجنين والأم غني عن البيان أن هذه الجريمة وردت في الفصل الثاني والعشرين في الجرائم الماسة بجسم الإنسان وشددت عقوبتها كما رأينا لأنها من الجرائم التي يتسبب الموت فيها عادة بدليل أنه جاء تحت شرح المادة 264 عقوبات ما يلي :_ " لا يهم في هذه الجريمة علم الجاني بأن الفعل يحتمل أن يسبب الموت " من كل ذلك يتضح جلياً أن المشرع قد ردع الجاني لتعلقها بحق الله وحق الفرد في آن واحد وحق الله هنا كما نرى لا يمكن تجاهله بأي حال من الأحوال حتى ولو تنازل أولياء الدم عن حقهم أخلص من هذا أنه إذا ما وافقنا على إخلاء سبيل الفاعل في هذه الجريمة كأنما أبحنا الإجهاض في السودان وستكون النتيجة مدمر للمجتمع ولا تحتاج منا إلى تبيان هذه النتيجة تتمشى مع أحكام الشريعة الإسلامية كما وردت في المادة 270 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م وكما فسرها الزميل علي يوسف الولي مستندً إلى المراجع المشار إليها آنفاً
لهذه الأسباب أتفق مع الزميل في ضرورة توقيع عقوبة تعزيرية مناسبة في حالة التنازل منعاً لإباحة هذه الجريمة الخطيرة
أوافق
القاضي: محمد محمد الحسن شقاق
التاريخ: 11/10/1983م

