حكومة السودان /ضد/ علي محمد بله وآخرين
المحكمة العليا
م ع/ف ج/208/1405هـ
المبادئ:
قانون جنائي – حد الحرابة – تطبيقه يعتبر استثناء من القاعدة العامة
قانون جنائي – المحارب – تعريفه – من في حكمه
1- حد الحرابة يعتبر استثناءاً من القاعدة العامة في الحدود التي تقضي بأن الحد لا يجب إلا على من باشر الفعل فقط وبهذا يعتبر محارباً كل من باشر الفعل أو تسبب في مباشرته
2- يعتبر محارباً كل من يباشر الفعل أو تسبب فيه فمن باشر أخذ المال أو القتل أو الإخافة أو أعان على ذلك بتحريض أو اتفاق أو إعانة فهو محارب ويعتبر في حكم المباشر من يحضر المباشره ولو لم يباشر بنفسه كمن يوكل إليه الحفظ أو الحراسة أو الذي يعين الطليعة والردء الذي يلجأ إليه المحاربون إذا انهزموا أو الذين يمدونهم بالعون عند الحاجة إليه
الحكـــم
18/5/1406هـ 28/1/1986م
القاضي / علي يوسف الولي
عرضت أوراق هذه القضية لهذه المحكمة عملاً بالمنشور الجنائي رقم 3/1405هـ وذلك للتثبت والتيقن والتأكد من سلامة الحكم الذي قضت به محكمة جنايات الفاشر وأيدته محكمة استئناف لإقليم دارفور الفاشر وللاطمئنان على التأويل السليم والتطبيق الصحيح للشريعة الإسلامية السمحاء وقانون العقوبات لسنة 1983م المستمد منها نصاً وروحاً
نوجز الوقائع بأن المبلغ موسى سبيل محمدين بتاريخ 29/محرم/1405هـ الموافق 24/10/1984م وفي حوالي الساعة ليلاً هب من نومه على إثر أصوات جماله التي كانت في حوشه ( حرزها ) بقرية فج الحلا بضواحي أم سعونة مركز أم كدادة ليجد جملين من جماله مفقودين وأن الحوش كان مكسوراً فقام باتباع الأثر ولكنه لم يلحق بمن سرق الجملين المذكورين حيث أن الأعيرة النارية أطلقت من جهة من كان يقود الجملين وتجمع أهل القرية حوله وقام وراء من سرق الجملين للقبض عليه كل من المبلغ موسى سبيل وإدريس محمد آدم سبيل وإبراهيم أحمد محمد وسليمان موسى محمد ومحمد أبكر اسحق وادومة إبراهيم أبكر وكان كل منهم راكباً على جمله وفي طريقهم بلغوا الحادث إلى شرطة أم سعونة وفي صباح اليوم الثاني لحقوا في الخلاء بالمدانين الثلاثة على محمد بله وعبد الله إبراهيم سليمان ومحمد صالح علي بريقع وكانوا راكبين على ثلاثة جمال وأما الجمل الرابع كانوا يقودونهاتضح ( للفزع ) أن جملي الشاكي موسى سبيل في حيازة المدانين الأول كان يركب عليه أحدهم والثاني كانوا يقودونه وعندما رأى المدانون ( الفزع ) أطلق المدان الثالث محمد صالح علي بريقع من بندقيته ثلاث عيارات نارية منها طلقة في الهواء وأخرى أصابت جمل شاهد الاتهام إبراهيم أحمد محمد والطلقة الثالثة أصابت شاهد الاتهام إدريس محمد آدم سبيل في صدره ثم بعد ذلك اشتبك الأطراف في معركة عنيفة تبادلوا فيها الضرب بالعصي فضرب المدانون شاهد الاتهام إبراهيم أحمد محمد ثلاث ضربات على رأسه كما ضربوا أيضاَ شاهد الاتهام سليمان موسى محمد ضربتين على رأسه وبعد هذه المعركة ولى المدانون هاربين تاركين جمليهم وأمتعتهم وهنالك قبض عليهم أهل القرية ( أم جرهمان ) بعد أن اشتبهوا في أمرهم قدم المدانون أمام رئيس محكمة الطوبسة الشعبية وأدلوا بإقرارات صريحة صحيحة بأنهم سرقوا الجملين من حرزهما في الموقع المذكور ولكن عند محاكمتهم أمام محكمة الموضوع بالتهمة تحت المادة 339 من قانون العقوبات لسنة 1983م ( جريمة النهب بالاشتراك أو النهب مع الشروع في تسبب الموت والأذى الجسيم ) لعق ورجع المدانون عن إقراراتهم ولاذوا بالإنكار الشديد ودفعوا بأنهم أنفسهم كانوا فازعين في إثر جمال مسروقة من المدان الثالث محمد صالح بريقع إلا أن شهود الاتهام اشتبهوا فيهم واشتبكوا معهم وانتهى أمرهم إلى تلك النتيجة ولكن محكمة الموضوع أدانت المدانين المذكورين تحت المادة المذكورة ( جريمة الحرابة ) وذك ارتكازاً على شهادة شهود الاتهام المذكورين دون إقرارهم وقالت في ذلك ما يلي :-
( إقرار المتهمين أمام رئيس محكمة الطويسة يعتبر إقراراً غير قضائي طبقاً لحكم المادة 20(1) من قانون الإثبات لسنة 1983م واتبعنا في إثباته القاعدة العامة في البينة طبقاً لحكم المادة (21) حيث استدعينا رئيس المحكمة الذي أيده وأصبح بينة غير قاطعة طبقاً لحكم المادة (25)(3) وهو على أي حال إقرار مرجوع عنه ويورث الشبهة – إلا أن البينات الأخرى كافية لإثبات التهمة وهذه الوقائع الثابتة تشكل من حيث التكييف القانوني مخالفة للمادة 339 من قانون العقوبات لسنة 1983م ومن حيث التكييف الفقهي جريمة الحرابة وذلك لتوفر عناصر المادة والجريمة الشرعية)
قضت محكمة الموضوع على كل من المدانين بالقطع من خلاف – عقوبة الحرابة حسب نص المادة 339 من قانون العقوبات لسنة 1983م لأن المدانين طبقاً للمنشور الجنائي رقم 96/83 – أخذوا المال ولم يقتلوا
الأسباب
باستقراء المحضر الذي أعدته محكمة الموضوع ومذكرة محكمة الاستئناف أجدني لا أوافق على الإدانة بجريمة الحرابة إحدى جرائم الحدود الواردة في الشريعة الإسلامية السمحاء والتي استقر قضاؤنا على أنها هي نفس جريمة النهب المعروفة في المادة 332 وفي المادة 339 من قانون العقوبات لسنة 1983م والمعاقب عليها في نفس المادة الأخيرة ( جريمة النهب بالاشتراك أو النهب مع الشروع في تسبيب الموت والأذى الجسيم ) وذلك لأن الإدانة الصحيحة - في اعتقادنا ينبغي أن تكون بجريمة النهب بالاشتراك ) المعرفة في المادة 332 وفي المادة 339 من قانون العقوبات والمعاقب عليها بإحدى عقوبات التعازير وليست بعقوبة جريمة الحرابة المنصوص عليها في المادة الأخيرة وهي الجريمة التي تعتبرها الشريعة الإسلامية من جرائم التعازير وليست من جرائم الحدود
إن جريمة الحرابة هي من جرائم الحدود السبعة المقررة في الشريعة الإسلامية والأصل فيها النص القرآني الشريف في الآية 33 من سورة المائدة في قول الله تعالى : -
( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ) ولكننا نجد نصاً صريحاً عليها من بين مواد قانون العقوبات لسنة 1983م المستمد من شريعة الله عز وجل إلا أنه بات من المستقر عليه قضاءً بأن جريمة النهب المعروفة في المادة 332 من قانون العقوبات لسنة 1983م هي نفسها جريمة الحرابة الواردة في الشريعة الإسلامية فقد جاء في حيثيات حكم المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد جمال محمد حسين وشركاه نشرة الأحكام الرباعية يناير – فبراير – مارس 1984م ص 26 – 27 ما يلي :-
( أما فيما يختص بجريمة النهب تحت المادة 339 من قانون العقوبات فرغم أن المشرع لم يسمها ( جريمة الحرابة ) إلا أنه يبدو أن المشرع قد قصد إلى ذلك بدليل المذكرة التفسيرية لقانون العقوبات لسنة 1983م قد أشارت إلى هذا كما أن العقوبات التي وضعت لجريمة النهب هي نفسها عقوبة حد الحرابة التي جاءت في الآية المشار إليها أعلاه ( الآية 33 المائدة ) ( أنظر كذلك المادة 332 من قانون العقوبات ) كما أشار إلى ذلك السيد رئيس القضاء في المنشور الجنائي رقم 96/83 قصد المشرع واضح كما أسلفنا القول وهو أن جريمة النهب المعرفة في المادة 332 من قانون العقوبات هي نفسها جريمة حد الحرابة )
جاء في المنشور الجنائي 93/83 ما يلي :
( لقد أضحت جريمة النهب بموجب قانون العقوبات لسنة 1983م جريمة من الجرائم الحدية ) ورد في المنشور الجنائي رقم 96/83 ما يلي :
( وعلى هدي هذه الآية ( الآية 33 سورة المائدة ) نصت المادة 334 عقوبات على الآتي : - ( من ارتكب جريمة النهب يعاقب بالإعدام أو الإعدام مع الصلب أو القطع من خلاف أو السجن المؤبد مع النفي )
وقد ورد في المذكرة التفسيرية لقانون العقوبات لسنة 1983م ما يلي :-
( فإذا استقر الناس في قطع الطريق أو النهب أو السطو فقد وجب عليهم حد الحرابة على النحو المفصل في المواد 332 وما بعدها وهو القتل أوالصلب أو القطع من خلاف أو النفي من الأرض مع السجن )
وجريمة الحرابة معناها الشرعي تعني قطع الطريق أو أخذ المال مجاهرة أو الخروج لأخذ المال على سبيل المغالبة وهي إخافة السبيل في استعمال القوة لأخذ المال أو للنجاة به فقد ورد في حكم المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد جمال محمد حسين المشار إليها سابقاً ما يلي :-
( جريمة الحرابة كما هو متفق عليها في الفقه الإسلامي هي قطع الطريق لأخذ المال مجاهرة وعن طريق المغالبة )
وفي قضية حكومة السودان ضد آدم حسن إسماعيل نشرة الأحكام الرباعية إبريل – مايو – يونيو 1984م صفحة 29 جاء على لسان المحكمة العليا ( في معنى الحرابة يتحتم وجود المجاهرة بالعصيان والخروج لأخذ المال عن طريق المغالبة ليس خفية أو خطفاً وهذا الرأي أخذ به أبو حنيفة وأصحابه والحنابلة والشافعية وهم لا يعتبرون القتل غيلة ولا كبس الدار للسرقة محاربة وقد جاء في المعنى : ( أن يأتوا مجاهرة ويأخذوا المال قهراً فإن أخذوه مختفين فهم سراق وإن اختطفوه وهربوا فهم منتهبون لا قطع عليهم )
وجاء في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثاني صفحة 640 ما يلي :
( ويرى الظاهريون أن المحارب هو المكابر المخيف لأهل الطريق المفسد في الأرض فيدخل في المحاربين قاطع الطريق واللص ولكنهم يرون أن اللص إذا دخل متخفياً ليسرق ففعل شيئاً من ذلك مستخفياً فإنما هو سارق فإن دافع وكابر بقصد ارتكاب جريمة فهو محارب بلا شك لأنه قد حارب وأخاف السبيل وأفسد في الأرض )
وجاء في حكم المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد محمد عبد الشافع ساكن نشرة الأحكام الرباعية يناير – فبراير – مارس 1984م صفحة 33 ما يلي :
( والرأي الذي عليه جمهور الفقهاء أن المحارب هو الذي يقطع الطريق أو يخرج لأخذ المال على سبيل المغالبة وأرى أن هذا التعريف هو الذي يجب أن يعول عليه ويرى الظاهريون أن المحارب هو المكابر المخيف لأهل الطريق المفسد في الأرض فيدخل في المحاربين قاطع الطريق واللص ولكنهم يرون أن اللص إذا دخل متخفياً ليسرق ولم يخف أحداً فإنما هو عليه ما على السارق والذي يراه الظاهريون في رأي عين الصواب )
وقد جاء في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثاني صفحة 639 ما يلي :
( والخروج لأخذ المال غير سبيل المغالبة ليس حرابة ) وفي المذكرة التفسيرية لقانون العقوبات لسنة 1983م جاء ما يلي : -
( الجاني قد يستعمل القوة والرهبة لأخذ مال الغير عنوة وفي سبيل تحقيق ذلك لا يبالي أقتل أم أرهب وهو بهذه الصفة يعتبر محارباً ) وجاء في المنشور الجنائي رقم 96/83 ما يلي :
( جريمة النهب والتي عرفت في الفقه الإسلامي بالحرابة أو قطع الطريق أو السرقة الكبرى قد غلظ فيها المشرع العقوبة بخلاف جريمة السرقة الحدية لأنها من الجرائم ذات الخطر العام وغالباً ما يستخدم فيها الجاني السلاح مستهدفاًُ أرواح العباد وأموالهم وإثارة القلق والفزع في الأنفس واضطراب الأمن والطمأنينة في المجتمع )
وفي قضية حكومة السودان ضد محمد عبد الشافع المشار إليها سابقاً قالت المحكمة العليا : -
( إن الشرط الذي اتفقوا ( الفقهاء ) عليه جميعاًُ كشرط أساسي في جريمة الحرابة أن تكون هناك إخافة للناس أو إرعاب لهم أو مغالبة على الأخذ أو مكابرة أو مدافعة في محاربة أخذ المال أو النجاة به
ويعتبر المحارب محارباً في الحالات الآتية :
1- إذا خرج لأخذ المال على سبيل المغالبة فأخذ المال وقتل فإن عقوبته وفقاً للآية الكريمة 33 من سورة المائدة وطبقاً للمنشور الجنائي رقم 96/83 وهي القتل والصلب
2- إذا خرج لأخذ المال على سبيل المغالبة فلم يأخذ المال ولكنه قتل فإن عقوبته وفقاً للآية الشريفة المذكورة أعلاه وطبقاً للمنشور الجنائي أعلاه هي القتل
3- إذا خرج لأخذ المال على سبيل المغالبة وأخذ المال ولم يقتل أحد فإن عقوبته وفقاُ للآية الكريمة المذكورة أعلاه وطبقاً للمنشور الجنائي المذكور هي القطع من خلاف
4- إذا خرج لأخذ المال على سبيل المغالبة فأخاف السبيل فقط ولم يأخذ مالاً ولم يقتل أحداً فإن عقوبته وفقاُ للآية الشريفة المذكورة آنفاً وطبقاً للمنشور الجنائي أعلاه هي السجن المؤبد مع النفي والذي يتحقق بالسجن أخذاً برأي الأحناف
إن جريمة الحربة تحدث من جماعة أو من فرد فقط وهذه الجريمة – أخذاًَ برأي الظاهريين – تقع في أي موقع من المواقع وفي أي وقت من الأوقات وسواء كان هنالك غوث أم لم يكن هنالك غوث فقد ورد في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثاني ص 645 ما يلي :
( أما الظاهريون فيرون أن الحرابة تكون في المصر والفلاة سواءً وقعت ليلاً أو نهاراً وسواء كان المحارب مسلحاً أو غير مسلحاً وسواء كانت في قرية صغيرة أو مدينة عظيمة سواء كان الغوث ممكنًا أو متعذراً )
كما نجد أن المادة 332 من قانون العقوبات لسنة 1983م المعرفة لحد الحرابة – كما أسلفنا – لم تضع أي شروط بالنسبة لموضوع أو وقت الجريمة أو ضرورة وجود الغوث كما لم تشترط المذكرة التفسيرية لقانون العقوبات لسنة 1983م ذلك ومن ثم فإننا نرى أن جريمة الحرابة تقع حيث كان المحارب في المصر أو العمران أو المدينة أو القرية أو في داخل الدار أو خارجها أو في الصحراء أو في الفلاة أو على الطريق أو بعيداً عن العمران والأمصار وتقع جريمة الحرابة سواءً كان الغوث ممكناً أو متعذراً و سواءً كان الوقت ليلاً أو نهاراً وجريمة الحرابة تعتبر الاستثناء من القاعدة العامة في الحدود التي تقضي بأن الحد لا يجب إلا على مباشرة فقط أي يعتبر محارباً كل من باشر الفعل أو تسبب في مباشرته فقد قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد آدم حسن إسماعيل المشار إليها آنفاً بأن القاعدة العامة في الحدود أن الحد لا يجب إلا على مباشرة فقط ويرى مالك وأبو حنيفة وأحمد أن يحد الردء والمعين والطليعة كما يحد مباشر الحرابة والردء هو الذي يلجأ إليه المحارب إذا هرب أو هزم والطليعة هو الذي يتطلع ويأتي بالأخبار والمعين هو من يحضر وقت الجريمة ولو أنه لم يباشر الفعل بنفسه وحجتهم أن المحاربة مبنية على حصول المنفعة والمعاضدة والمناصرة فلا يتمكن المباشر من فعله إلا بقوة هؤلاء جميعاً ومعاونتهم بخلاف سائر الحدود فعلى هذا إذا قتل واحد منهم ثبت حكم القتل في حقهم جميعاً ووجب قتلهم جميعاً حداً لا تعزيراً وإن أخذ بعضهم المال دون البعض ثبت الأخذ في حقهم جميعاً ووجب على جميعهم القطع وقد ورد في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثاني ص 641 ما يلي :
( يعتبر محارباً كل من باشر الفعل فيه أو تسبب فيه فمن باشر أخذ المال أو القتل أو الإخافة فهو محارب ومن أعان على ذلك بتحريض أو اتفاق أو إعانة فهو محارب ويعتبر في حكم المباشر من يحضر المباشرة ولو لم يباشر بنفسه كمن يوكل إليه الحفظ أو الحراسة ويعتبر معيناً الطليعة والردء الذي يلجأ إليه المحاربون إذا انهزموا أو الذين يمدونهم بالعون إذا احتاجوا إليه فكل هؤلاء يعتبرون محاربين عند مالك وأبي حنيفة وأحمد والظاهريين )
وإذا كنا قد أوضحنا تعريف جريمة الحرابة في الشريعة الإسلامية فوجب علينا أن نبين تعريفها في قانون العقوبات لسنة 1983م وأركانها التي تنهض عليها على ضوء التعريفين فقد نصت المادة 332 من القانون المذكور كالآتي :
( في كل جريمة نهب لا بد من توافر جريمة السرقة أو جريمة الابتزاز تكون السرقة نهباً إذا سبب الجاني أو شرع في أن يسبب قصداً لأي شخص موتاً أو أذىً أو حجزاً غير مشروع أو خوفاً من موت عاجل أو أذىً عاجل أو حجزاً غير مشروع عاجل وكان ذلك لغرض ارتكاب السرقة أو عند ارتكابها أو عند الهرب أو الشروع في الهرب بالأموال التي حصل عليها من السرقة )
يكون الابتزاز ( نهباً ) إذا كان الجاني حاضراً عند ارتكاب الابتزاز مع الشخص الذي حصل تخويفه ويرتكب لابتزاز بتخويف ذلك الشخص بموت عاجل أو بأذىً عاجل أو بحجز عاجل غير مشروع يصيبه أو يصيب شخصاً آخر وبذلك الشخص يحمل الشخص الذي حصل تخويفه على تسليم الشيء الذي ابتز منه )
وعليه فإن أركان جريمة الحرابة هي :
1- الخروج بقصد أخذ المال
2- أخذ المال مجاهرة لا خفية وعلى سبيل المغالبة والقوة و الغصب والقهر لا خلسة
3- ارتكاب جريمة السرقة التامة الحدية أو غير الحدية أو ارتكاب جريمة الابتزاز في سبيل أخذ المال
4- تسبيب الموت أو الأذى أو الحجز غير المشروع أو التخويف بتسبيب الموت أو الأذى أو الحجز غير المشروع
5- انعدام أي شبهة من الشبهات المدرئة للحد وفقاً لما ورد في المنشور الجنائي رقم 93/83
وبما أن المادة 458(1) من قانون العقوبات لسنة 1983م تنص على وجوب التثبت في الأحكام والتأكد من سلامة الحكم وفق المعايير الشرعية خصوصاً في جرائم الحدود كان يتوجب على محكمة الموضوع وهي بصدد محاكمة أخطر جريمة حدية على الإطلاق كالتي بين أيدينا – كان يتوجب عليها أن تناقش – على ما جرى عليه العمل القضائي – أن تناقش أركان هذه الجريمة ركنًا ركناً وكان يتعين عليها أن تطمئن على أن تلك الأركان ثبتت بالبينة الشرعية المنصوص عنها في المادة 78 من قانون الإثبات لسنة 1983م والتي نصت المادة 458(1)(ج) من قانون العقوبات لسنة 1983م على وجوب توافرها وكان يجب أيضاً على محكمة الموضوع بعد الإدانة – كما قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد مريم محمد عبد الله نشرة الأحكام الرباعية إبريل – مايو – يونيو 1985م ص 43 – أن تناقش الشبهات التي تدرأ الحد واحداً تلو الآخر قياساً على ما جرى عليه العمل في قضايا القتل العمد حيث تناقش المحكمة استثناءات المادة 249 من قانون العقوبات الخاصة بالاستثناءات التي تغير من وصف الجريمة من قتل عمدي إلى قتل شبه عمدي والشبهات التي تدرأ حد جريمة الحرابة واردة في المنشور الجنائي رقم 93/83
إن البينة الشرعية الجديرة بإثبات جريمة الحرابة كإحدى جرائم الحدود هي كما نصت المادة 78 من قانون الإثبات لسنة 1983م : -
1- الإقرار ولو مرة واحدة في مجلس القضاء
2- شهادة رجلين أو عند الضرورة رجل وامرأتين أو أربع نسوة
دعنا نناقش ما إذ كانت هذه الجريمة قد ثبتت بشهادة الشهود الشرعية وفقاً للمادة 78(2) من قانون الإثبات لسنة 1983م التي حددت النصاب الشرعي لها يجب في الشهادة الشرعية أن تبلغ النصاب الشرعي المحدد لتثبت الجريمة الحدية فإذا جاءت الشهادة ناقصة عن النصاب الشرعي ذلك لا يقود إلى البراءة من الجريمة الحدية بل لا بد أن تتحول الجريمة الحدية إلى جريمة غير حدية وتوقع عقوبة تعزيرية إذا ما ركن واطمأن وجدان المحكمة لصدق الرواية فقد قضي في قضية حكومة السودان ضد عبد الله طه طاهر نشرة الأحكام الرباعية يناير – فبراير – مارس 1984م ص 20 بأن عدم كفاية البينة الشرعية لتوقيع العقوبة الحدية لا يعني براءة المتهم إن كان هناك من القرائن ما يكفي في إدانته لتوقيع عقوبة تعزيرية وفي تلك القضية أيدت السلطة الاستئنافية الإدانة تحت المادة 334 عقوبات وألغت عقوبة الحرابة وأحالت الأوراق لمحكمة الموضوع لتوقيع عقوبة تعزيرية وذلك لعدم توفر النصاب الشرعي في شهادة الشهود وقالت المحكمة :
( وعدم كفاية البينة الشرعية لتوقيع العقوبة الحدية المقررة لمخالفة المادة 334 عقوبات لا يعني بالضرورة براءة المتهم من التهمة المنسوبة إليه بل إن هناك من القرائن القوية الكافية ما يكفي في إدانته لتوقيع عقوبة تعزيرية وفي هذا تنص المادة 458(3) عقوبات " إذ درء الحد بشبهة جاز توقيع أي عقوبة تعزيرية أخرى حتى لو لم ينص على ذلك صراحة في القانون "
وفي قضية حكومة السودان ضد جمال محمد حسين المشار إليها في مستهل هذا الحكم قضت المحكمة العليا بأنه يجب إن تعتبر جريمة النهب المعرفة في المادة 332 عقوبات على أنها ليست جريمة الحرابة فقط أي ليست جريمة حدية فقط بل هي جريمة حدية ( الحرابة ) وجريمة غير حدية ( النهب ) أي أنه في حالة توفر نصاب الشهادة الشرعية يمكن إدانة المتهم على اعتبار أنها جريمة حدية وإن لم يتوفر نصاب الشهادة الشرعية يمكن إدانة المتهم على اعتبار أنها جريمة غير حدية وقالت المحكمة العليا في تلك القضية : -
( يجب أن نعتبر جريمة النهب المعرفة في المادة 332 عقوبات على أنها ليست جريمة الحرابة فقط أي ليست جريمة حدية فقط بل هي جريمة حدية ( الحرابة ) وجريمة غير حدية ( النهب ) أي أنه في حالة توفر نصاب الشهادة الشرعية يمكن إدانة المتهم على اعتبار أنها جريمة حدية ومن ثم توقع العقوبة الحدية وإن لم يتوفر نصاب الشهادة الشرعية ولكن ثبتت التهمة بالبينات العادية يمكن إدانة المتهم تحت نفس المادة (339) عقوبات على اعتبار أنها جريمة غير حدية
لكل ذلك تصبح في نظري إدانة المتهم تحت المادة 339 عقوبات باعتبار أنها وفي هذه الحالة بالذات جريمة غير حدية وفيما يختص بالعقوبة بالقطع من خلاف فإنها غير صحيحة لعدم إثبات الجريمة الحدية ضد المتهم ولذا يمكن أن يعاقب المتهم عقوبة تعزيرية بالسجن مثلاُ ) وفي تلك القضية أيدت المحكمة العليا الإدانة تحت المادة 339 عقوبات وألغت عقوبة القطع من خلاف ولكن أعادت الأوراق لمحكمة الموضوع لتوقيع عقوبة تعزيرية وذلك لعدم توفر نصاب الشهادة الشرعية
وفي قضية حكومة السودان ضد فيتر وتر دينق وعوض محمد عبد الجليل نشرة الأحكام الرباعية أكتوبر – نوفمبر – ديسمبر 1983م ص 32 قضت المحكمة العليا بأن السرقة تثبت بشهادة شاهدين اثنين فإن قل العدد عن اثنين أو كان أحدهما امرأة أو كان أحدهم شاهد رؤية والآخر شاهد سماع فلا قطع بشهادتهما وفي تلك القضية ألغت المحكمة العليا الإدانة بجريمة السرقة الحدية وأعادت الأوراق لمحكمة الموضوع للإدانة بجريمة السرقة غير الحدية
وفي حالة جرائم الحدود يجب أن تكون شهادة الشهود بجانب أنها بالغة النصاب لا بد أن يشهد كل واحد من الشهود على كل ركن من أركان الجريمة الحدية على حده ففي قضية حكومة السودان ضد آدم حسن إسماعيل المشار إليها آنفاً قضت المحكمة العليا بأنه يجب في جرائم الحدود أن تكون شهادة الشاهدين صريحة الدلالة على وقوع الجريمة أي أن يشهد كل منهما على كل عناصرها وقالت المحكمة في تلك القضية :
( لا بد من الحذر بأن تتيقن المحكمة قبل الإدانة بأن كل عنصر من العناصر المكونة للجريمة قد ثبت بشهادة رجلين أو عند الضرورة رجل وامرأتين أو أربعة نسوة حسبما جاء في المادة المشار إليها أعلاه ( المادة 78 إثبات )
وفي قضية حكومة السودان ضد جمال محمد حسين المشار إليها قالت المحكمة العليا :
( إن جريمة النهب جريمة متكاملة بشروطها حسب تعريفها في المادة 332 من قانون العقوبات وإذا قررت محكمة الموضوع بأنها جريمة حدية لا بد أن تتوفر الشهادة الشرعية لكل ركن من أركانها أي أن الشهادة فيها يجب أن تثبت كل أركانها ولا يمكن أن تجزأ ليشهد شاهد واحد على حمل السلاح مثلاً والآخر عن السرقة والثالث عن مشاهدته المتهم وهو يهرب وهكذا لأن في هذه الحالة تكون البينة مباشرة في واقعة بل ركن من أركان الجريمة وسماعية في واقعة أخرى أو تشير إلى قرينة من القرائن الدالة على وجود واقعة أخرى مكملة لأركان الجريمة الأخرى وهذا ما لا يجوزفي نظري في البينة المطلوبة شرعا إذ لا بد أن تكون شهادة الشاهدين شهادة صريحة و مباشرة تدل علي ثبوت كل أركان الجريمة و في ذلك يقول عبد القادر عودة (تثبت جريمة الحرابة) بالبينة و الإقرار و يكفي في حالة البينة شهادة شاهدين وإذا لم يتوفر نصاب الشهادة فكان شاهد واحد أو شاهد وامرأة أو شاهد رؤية وشاهد سماع يعاقب المحارب عقوبة تعزيرية التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثاني 646 – هذا يعني أن شهادة الشاهدين يجب أن تكون صريحة قاطعة الدلالة على وقوع الجريمة كلها )
فإذا لم يثبت كل ركن من أركان جريمة الحرابة التي شأنها شأن أي جريمة حدية أخرى بشهادة شاهدين أي بالشهادة حسب النصاب الشرعي تتحول إلى جريمة غير حدية أي إلى جريمة النهب العادية
وشهادة الفرقة الذين قاتلوا وشهادة أولئك الذين وقعت عليهم جريمة الحرابة مقبولة شرعاً وفي ذلك جاء في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثاني صفحة 646 ما يلي : -
( ويجوز أن يكون الشاهدان من الفرقة الذين قاتلوا المحاربين أو وقعت عليهم الحرابة على أن لا يشهدا لأنفسها بشيء ويجوز أن يشهد لهما غيرهما )
فباستقراء الشهادة الواردة في هذه القضية التي بين أيدينا في أقوال شهود الاتهام الذين وقعت عليهم الحرابة وهم موسى سبيل صاحب الجملين موضوع النهب وإدريس محمد آدم سبيل وإبراهيم أحمد محمد وسليمان موسى ومحمد أبكر اسحق وادومة إبراهيم أبكر ثابت بأن المدانين الثلاثة خرجوا بقصد أخذ المال عندما وجد جمل موسى سبيل في حيازتهم وثابت من وصف هؤلاء الشهود للمعركة الدامية التي وقعت أن المدانين للنجاة بالجملين استعملوا القوة ودافعوا وجاهروا بالعدوان وأخافوا السبيل وسببوا الأذى للرفقة بأخطر الأسلحة ولكن هناك ركن جوهري وأساسي لجريمة الحرابة غير ثابت في هذه القضية بالشهادة وذلك هو ارتكاز المدانين لجريمة السرقة أو الابتزاز بالنسبة للجملين صحيح أن السرقة قد تكون حدية أو غير حدية كركن لجريمة الحرابة فقد ورد في حيثيات حكم المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد جمال محمد حسين المشار إليها ما يؤيد هذا النظر في قولها :
( السرقة هنا أي في المادة 332 عقوبات ليست بالضرورة أن تكون سرقة حدية ( رغم أن الجريمة نفسها جريمة حدية ) يتوجب فيها شرط الشهادة الشرعية وإنما يمكن أن تكون سرقة عادية بدليل أن جريمة الابتزاز وهي ليست جريمة حدية يمكن أن تصبح نهباً وفي كلمات أخرى لضرورة السرقة نهباً لا يلزم أن تكون هذه السرقة نفسها سرقة حدية وهي أنه ليس بالضرورة أن تكون سرقة حدية لا من ناحية النصاب ولا من ناحية أي شرط آخر من شروط السرقة الحدية
ولكن في القضية المطروحة لم يشهد أحد من شهود الاتهام بأنه شاهد المدانين عندما أخذوا الجملين من حرزهما ومن ثم فليس هنالك جريمة سرقة حدية أو غير حدية ثابتة بالشهادة كما أنه ليس هناك ما يثبت الابتزاز والثابت بشهادة شهود الاتهام أن الجملين عثرا في حيازة المدانين ولكن ذلك لا يقف وحده دليلاً على أن المدانين ارتكبوا جريمة السرقة وذلك لانعدام ثبوت ركن تحريك أو أخذ الجملين من حيازة صاحبهما موسى سبيل بطريق الشهادة ومن ثم فكأن محكمة الموضوع قد أخطأت عندما قررت بأن جريمة الحرابة ثابتة بالشهادة الشرعية
نلتفت إلى الإقرار لنقرر ما إذا كانت جريمة الحرابة في هذه القضية ثابتة دون مرحلة الشك المعقول بإقرار المدانين ؟
إن السؤال الذي يتعين علينا إجابته أولاً ما إذا كان إقرار المدانين أمام رئيس محكمة الطويسة إقراراَ قضائياً وفقاً للمادة 20(1) من قانون الإثبات لسنة 1983 التي تنص على الآتي :
( الإقرار القضائي هو الإقرار بواقعة في أثناء إجراءات الدعوى المتعلقة بها بمجلس قضاء أو أمام جهة شبه قضائية أو في أثناء إجراء متعلق بها أمام قاضي )
بما أن رئيس محكمة الطويسة يتمتع بسلطات قضائية خولها له السيد رئيس القضاء لتسجيل الاعترافات القضائية والقبض والتفتيش وغيرها فنرى أنه على الأقل يعتبر جهة شبه قضائية ومن ثم فإن الإقرار أمامه قضائي وفقاً للمادة 20(1) من قانون الإثبات لسنة 1983م ولذلك فإن قرار محكمة الموضوع بأن ذلك الإقرار غير قضائي كان قراراً غير سليم
إن الإقرار الصحيح الذي يستوفي جميع شرائطه وضوابطه – كجزء من البينة الشرعية وفقاً للمادة 78(1) من قانون الإثبات لسنة 1983م – يثبت جميع جرائم الحدود التي من بينها جريمة الحرابة ولكن ينبغي أن يستمر الإقرار غير مرجوع عنه على مرحلة ما قبيل تنفيذ الحكم ليكون بينة شرعية لإثبات الجريمة الحدية فإذا رجع المقر عن إقراره درء عنه الحد وأصبحت الجريمة جريمة غير حدية وتوقع على الجاني في هذه الحالة عقوبة تعزيرية بحسبان أن الجريمة باتت من جرائم التعازير فقد قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد محمد محمود طاهر نشرة الأحكام الرباعية إبريل – مايو – يونيو 1984م صفحة 33 بأنه لما كان إنكار الإقرار بارتكاب جريمة الزنا حتى في مرحلة الاستئناف جائز بل يعتبر رجوعاً عن الإقرار بشبهة تدرأ الحد ولما كان يجوز للمتهم العدول عن الإقرار بالزنا قبل تنفيذ الحكم وفقاً للمادة 77(أ) من قانون الإثبات لسنة 1983م فإنه يتعين توقيع عقوبة تعزيرية على المتهم تسقط الحد وفي قضية حكومة السودان ضد محمد سعيد عربي نشرة الأحكام الرباعية أكتوبر – نوفمبر – ديسمبر 1983م صفحة 30 قضت المحكمة العليا بأنه إذا صرح المقر برجوعه عن إقراره يسقط عنه الحد تبعاً لرأي جمهور الفقهاء الذين يشترطون في الإقرار عندما يكون هو الدليل الوحيد للإثبات إلا ينزع عنه المقر حتى يقطع ( وفي هذه الحالة يستبدل الحكم بالعقوبة الحدية بعقوبة تعزيرية )
ونصت المادة 25 (3) من قانون الإثبات لسنة 1983م بأنه في المسائل الجنائية لا يشكل الإقرار بينة قاطعة إذا اعترته شبهة والمادة 26(2) من نفس القانون تنص على أن الرجوع عن الإقرار في المسائل الجنائية يعتبر شبهة تجعل الإقرار بينة غير قاطعة والمادة 80/1 و 2 من نفس القانون تنص على أن تدرأ الحدود بالشبهات ويعتبر من الشبهات الرجوع عن الإقرار والمادة 458(1)(ج) من قانون العقوبات تنص على أن الحد يدرأ بالشبهة وجاء في المنشور الجنائي رقم 93/83 بأن حد الحرابة يسقط إذا ثبتت جريمة الحرابة عن طريق الإقرار وحده ورجع المحارب عن إقراره وقد ورد في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثاني صفحة 346 ما يلي :
( أو لم يكن ثمة شهود وكان المتهم مقراً ثم عدل عن قراره يعاقب عقوبة تعزيرية )
ويصح الرجوع عن الإقرار – كما قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد محمد عبد الشافي المشار إليها سابقاً – يصح الرجوع عن الإقرار قبل القضاء وبعد القضاء ويصح قبل الإمضاء والتنفيذ وأثناء الإمضاء فإذا رجع أثناء الإمضاء أوقف تنفيذ العقوبة والرجوع عن الإقرار قد يكون صريحاً كأن يكذب نفسه في إقراره ضمنياً ففي القضية التي بين أيدينا قد أقر المدانون إقراراً صحيحاً أمام رئيس محكمة الطويسة وكما قررنا كان إقراراً قضائياً بأنهم سرقوا الجملين موضوع هذه القضية من حرزهما ومن ثم فإن جميع أركان جريمة الحرابة قد اكتملت بثبوت جريمة السرقة ذلك الركن الذي لم يثبت بالشهادة الشرعية كما أسلفنا وبما أن المدانين أخذوا الجملين ولم يقتلوا أحداً من شهود الاتهام فإن العقوبة الحدية في حالتهم كانت يجب أن تكون هي القطع من خلاف وفقاً للمنشور ا لجنائي رقم 96/83
ولكن بما أن المدانين لاذوا بالإنكار عندما استجوبتهم محكمة الموضوع بموجب المادة 165 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م ورجعوا عن إقرارهم القضائي الذي أدلوا به أمام رئيس محكمة الطويسة فإن حد الحرابة يجب أن يدرأ عنهم ويجب أن توقع عليهم عقوبة تعزيرية فقط بمقتضى المادة 458(3) عقوبات وقد تكون سجناً لا تصل للتأبيد وذلك بحسبان أن الجريمة التي ارتكبوها هي جريمة النهب تحت المادة 339 من قانون العقوبات لسنة 1983م وليست جريمة الحرابة
لما تقدم أقرر الآتي :
1- تأييد الإدانة تحت المادة 393 من قانون العقوبات لسنة 1983م
2- إلغاء عقوبة القطع من خلاف
3- تعاد الأوراق لمحكمة الموضوع لتوقيع عقوبة تعزيرية قد يكون من بينها السجن على أن تأخذ محكمة الموضوع في الاعتبار خطورة هذه الجريمة والأذى الجسيم الذي سببه المدانون بأخطر الأسلحة بالرفقة في سبيل الفرار والنجاة بالجملين المسروقين

