حكومة السودان /ضد/ محمود على سنوسى وآخر
محكمة استئناف الإقليم الشرقى
القضاة :
سيادة السيد/ عبد الرؤوف حسب الله ملاسى قاضى محكمة الاستئناف رئيساً
سيادة السيد/ أحمد محمد بشير قاضى محكمة الاستئناف عضواً
سيادة السيد/ محمد صالح على قاضى محكمة الاستئناف عضواً
حكومة السودان ضد محمود على سنوسى وآخر
م أ/ أ س ج/ 296/ 1986
المبادئ:
اثبات – اليمين – جواز توجيه اليمين في جرائم الحدود والقصاص
في حالة إنعدام الدليل في جرائم الحدود والقصاص إذ طلب المدعى أن يحلف المتهم (المدعى عليه) اليمين فإنه يجوز للمحكمة أن تأمر المتهم بحلف اليمين إعتباراً إلى أن اليمين هي البديل عن الدليل ولكن يتعين على المحكمة لدى توقيع العقوبة عند إدانة المتهم بناء على حلف اليمين أن تقضى بالعقوبة التعزيرية لا العقوبة الحدية
المحامون :
محمد طاهر أبو محمد
الحكـــم
القاضى / محمد صالح على
التاريخ: 12/11/1986
هذا استئناف مقدم من المحامى محمد طاهر أبو محمد ضد الحكم الصادر من المحكمة الكبرى المنعقدة بمدينة بورتسودان بتاريخ 1/7/1986 برئاسة القاضى عبد الستار عبد الله والقاضى بإدانة النزيلين تحت المادة 279 من قانون العقوبات والحكم على أولهما بعقوبة الدية الناقصة وقدرها ألف جنيه على أن يظل المدان بالسجن لحين الدفع بالإضافة إلى السجن لمدة شهرين إعتباراً من تاريخ دخوله الحراسة في 24/5/1986 والجلد خمسة وعشرون جلدة وعلى المدان الثاني بالدية الناقصة وقدرها مائتا جنيهاً على أن يظل بالسجن لحين الوفاء بالإضافة إلى السجن لمدة شهرين أيضاً إعتباراً من تاريخ دخوله الحراسة في 24/5/1986 والجلد خمسة وعشرون جلدة وقد جاء بمنطوق الحكم أنه في حالة دفع الدية تسلم كلها للشاكى
يعتمد الطلب على نقطتين أساسيتين أولاهما أنه لا تجوز الإدانة إعتماداً على أقوال الشاكى فقط لأنه مدع للخصومة وليس شاهداً وثانيهما أنه ليست هنالك أية بينات يمكن أن يدان بناء عليها النزيلان
أطلعنا على الأوراق ووجدنا أن الوقائع تتلخص في أنه وكما ورد على لسان الشاكى أنه وبينما كان يسير في طريقه من ديم النور إلى الوحدة في الساعات الأولى من الصباح وبالقرب من شارع الأسفلت المؤدى إلى ديم مايو قابله ثلاثة أشخاص يعرف أحدهم فقط ويدعى (طاهر) وضربوه بعصا على رأسه ويده حتى سقط على الأرض من دابته وتمكنوا من أخذ مبلغ خمسة ألف جنيه من جيبه الصديري وقد تم القبض على المتهمين الأول والثاني بإرشاد الشاكى بعد أربعة أيام من الحادث وتم القبض على المتهم الثالث بعد ثلاثة عشر يوماً من تاريخ وقوع الحادث وقد أنكر الجميع ارتكابهم للحادث وقد توصلت المحكمة الكبرى إلى إدانة الأول والثاني تحت المادة 279 من قانون العقوبات وأفرجت عن الثالث في مرحلة سابقة على توجيه التهمة إليه
لقد لاحظنا أن المحكمة الكبرى سبق أن أصدرت قراراً قبل توجيه التهمة رفضت بمقتضاه الطلب المقدم من محامى المدانين بالإفراج عنهما لعدم توفر البينات كما رفضت طلباً آخر مقدم من محامى الشاكى لتوجيه اليمين للمتهمين وفقاً للمادة 200 من قانون الإجراءات الجنائية ولكنها وهي بسبيل تسبيبها لقرار الرفض قررت في نفس الوقت عدم توفر عناصر الجريمة تحت المادة المقترحة وهي المادة366 من قانون العقوبات وتوفر عناصر الجريمة تحت المادة 279 من نفس القانون وهذا إجراء خاطئ إذ كان يتعين عليها أن تنتظر لحين توجيه التهمة فربما أقر بها المدانان أو أحدهما والغريب في الأمر أنها رغم تقديمها للبينة وتوصلها إلى أن الجريمة المرتكبة تقع تحت طائلة المادة 279 من قانون العقوبات ذكرت بأنها ترفض تحليف المتهمين لأنه لا يجوز توجيه اليمين في جرائم الحدود في حين أن الجريمة تحت المادة 279 هى من جرائم القصاص وكان يجب عليها أن تبين لنا أسبابها التى أعتمدت عليها في عدم توجيه اليمين حتى يتسنى لنا أن نتعرف على هذه الأسباب وعلى الرأي الفقهي الذي استندت إليه في رأيها هذا طالما أنها رأت أن تخالف ذلك النص الصريح (نص المادة 200 من قانون الإجراءات الجنائية) جاء في فقه السنة (المجلد الثالث ص 344) إذا عجز المدعي بحق على آخر عن تقديم البينة وأنكر المدعى عليه هذا الحق فليس له إلا يمين المدعى عليه وهذا خاص بالأموال والعروض لا يجوز في دعاوى العقوبات والحدود
وقد اعتمد الكاتب في قوله هذا على الحديث الشريف (البينة على من أدعى واليمين على من أنكر) وبنى على ذلك قوله أنه إذا عرضت اليمين على المدعى عليه لعدم وجود بينة فنكل ولم يحلف اعتبر نكوله هذا مثل إقراره بالدعوى لأنه لو كان صادقاً في إنكاره لما امتنع عن الحلف في هذه الحالة لا ترد اليمين على المدعي فلا يحلف على صدق الدعوى التي يدعيها لأن اليمين تكون على النفي دائماً ودليل ذلك هو الحديث الشريف المذكور وهذا ما عليه مذهب الأحناف وإحدى الروايتين عن أحمد إلا أن مالكاً والشافعي والرواية الثانية عن أحمد تقول بأن النكول وحده لا يكفى الحكم على المدعى عليه لأنه حجة ضعيفة يجب تقويتها بيمين المدعي على أنه صادق في دعواه وإن لم يطلب المدعى عليه ذلك فإذا حلف حكم له بالدعوى وإلا ردت
وقد قصر مالك هذا الحكم على دعوى المال خاصة أما الشافعى فقد عممه في جميع الدعاوى
وذهب أهل الظاهر وابن أبى ليلى إلى عدم الاعتدال بالنكول وأنه لا يقضى به في شئ قط وأن اليمين لا ترد على المدعى وأن المدعى عليه أما أن يقر بحق المدعى وإما أن ينكر ويحلف على براءة ذمته ورجح هذا الفوكاني
وجاء في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثاني ص 341 ( وأختلف الفقهاء بعد ذلك فيما إذا كان يمكن الحكم بالنكول واليمين المردودة في الجرائم فرأى مالك أنه لا يجوز الحكم باليمين المردودة في الجرائم سواء كانت حدوداً أو قصاصاً أو تعازير وسواء وجبت عقوبة مبدئية أو عقوبة مالية وعلى هذا فإذا لم تكن بينة ونكل المتهم عن الحلف فلا ترد اليمين على المدعى لأن حلفها ليس له أثر
ويرى الشافعى أنه يحكم باليمين المردودة في الجرائم بحقوق الآدميين كالقتل والضرب والشتم وسواء كانت العقوبة قصاصاً أو دية أو – تعزيراً وكذلك في جرائم التعازير المتعلقة بالأمور العامة كطرح الحجارة في الطريق وإفساد الآبار أما جرائم الحدود فالقاعدة ألا يحكم باليمين المردودة إلا في بعض الحالات الاستثنائية
هذه هي الآراء التي وردت بشأن توجيه اليمين والنكول عنها وردها على المدعى وكان يمكن لمحكمة الموضوع أن تبينها لنا وأن تبين لنا أسباب اعتمادها على رأي دون آخر إلا أنها آثرت أن تقفز إلى القول بأنه (لا توجه اليمين في جرائم الحدود ) هكذا دون أي أسباب وكما هو واضح مما أورداه أعلاه فإن سبب الخلاف هو ما إذا كانت اليمين المنكول عنها والمردودة تعد من وسائل الإثبات في الجرائم الجنائية أم لا وتقديرنا لهذا النظر كله أنه إذا انعدم الدليل في جرائم الحدود والقصاص والتعازير وطلب المدعى يمين المدعى عليه فإنه لا بأس في ذلك وإذا كانت المحكمة التى دعت من يرى خلاف ذلك هي عدم توقيع الحد أو القصاص لعظم العقوبة الموقعة فيهما فما الذي يمنع أن تكون اليمين وسيلة للتعزير في هذه الحالة أو لرد المال؟ وإذا كان العدل هو هدف الحكم ومبتغاه فلماذا نحرم المجنى عليه من الدليل الوحيد الذي أمامه هو استحلاف خصمه؟
إذن أن اليمين هي البديل للدليل فلا يلجأ إليها المدعى إلا إذا انعدم دليله يقيني أنه يمكن للمدعى استحلاف المدعى عليه إذا انعدم دليله وقصرت بينته على أقواله فقط وذلك حتى في جرائم الحدود والقصاص إلا أنه في هاتين الحالتين يمكن أن تكون اليمين مظهرة للحق المالي ومحجوزة للتعزير فقط دون توقيع الحد أو القصاص ففي حالة قطع الطريق أو السرقة مثلاً تكون اليمين لرد المسروق مع التعزير أو دونه فيرد المسروق أن كان موجوداًَ وقيمته إن كان قيمياً أو مثله إن كان مثلياً وفي حالة تسبيب الأذى تكون اليمين للتعزير أقول هذا ولا أجد فيه ما يخالف شرع الله من قرآن وسنة وأن اختلف عليه فقهاء المسلمين فكيف يستقيم أن يرى الشخص من اعتدى عليه بالضرب أو السرقة أو سبب له الأذى بأم عينيه ثم يرفض أقواله لأنه مدع بالخصومة ولا يقبل منه أن يوجه اليمين إلى من يراه يفعل ذلك
لقد قدم المدانان شهوداً ذكروا بأنهما كانا معهم عند وقوع الحادث وهو إدعاء كان يمكن أن يحسم لو وجهت اليمين للمدانين لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بسماع بينة المدعى ويمين المدعى عليه وهذا قول شريح والشعبى والنخعى والحكم والشافعي وابن عبيد وقال هو قول أهل المدينة وأهل الشام
لذلك كله وحيث أن ما توصلت إليه المحكمة الكبرى على الرغم من أنه جاء بالإدانة يخالف هذا النظر فأنى أرى أن نلغي الإدانة والعقوبة وأن نأمر بالإفراج عن المتهمين وتسليمهما للشرطة لحين توجيه اليمين إليهما على النحو المذكور في هذه المذكرة مع إلغاء قرار الإفراج عن المتهم الثالث وضمه إليهما لتوجه إليه اليمين أيضاً لأن الشاكى تعرف عليه مع لفت نظر المحكمة لإبداء رأيها حول المبلغ المدعى بسرقته
القاضى / عبد الرؤوف حسب الله ملاسى
16/11/ 1986
أوافق
القاضى/ أحمد محمد بشير
20/11/1986
أوافق

