قضية إبطال هبة
المحكمة العليا
صاحب الفضيلة الشيخ / الطاهر الشريف زين العابدين قاضي المحكمة العليا
قرار النقض 48/1405هـ
الصادر في يوم الأربعاء 25شعبان 1405هـ الموافق 15/مايو/1985م
المبادئ:
الأحوال الشخصية للمسلمين- إبطال الهبة – قبول الدعوى في نزاع قيد النظر – شرط ملكية الموهوب للواهب – بطلان الهبة
من الخطأ في الإجراء قبول دعوى في نزاع ما زال قيد النظر أمام محكمة مختصة
يشترط في الموهوب أن يكون ملكاً للواهب وقت الهبة فلو وهب إنساناً شيئاً لا يملكه وقعت الهبة باطلة
الوقـــائع
1- أصدرت محكمة واد مدني الجزئية حكمها الحضوري في قضية نمرة 597/ق/1982 – بتاريخ 16/7/1984 في الدعوى المرفوعة من المدعية /ضد/ المدعى عليه بطلب إبطال هبة قيمتها 18000 جنيه ( ثمانية عشر ألف جنيه )
وقد تضمن الحكم الآتي " حكمت حضورياً برفض دعواها إبطال الهبة وفهما به "
وبالرجوع لأصل النزاع – يتضح أن المرحوم والد المدعى عليه وهو زوج للمدعية قد عمل بتاريخ 6/2/1980م توثيقاً أمام موثق العقود باع بموجبه منزله نمرة 25مربع172 واد مدني إلى ابنه المدعى عليه بمبلغ وقدره عشرون ألفاً من الجنيهات دفع منها حالاً مبلغ ألفي جنيه والباقي يدفع خلال أربع سنوات وإن تعذر سداده يعود المنزل للمالك وبتاريخ 11/2/1980م بعد انقضاء خمسة أيام على توثيق عقد البيع أجرى المرحوم مالك القطعة إشهاداً شرعياً يحمل نمرة 13/1980 – أقر فيه أنه وهب هذه القطعة لابنه المذكور هبة لوجه الله بلا عوض – وجاء فيه أن الموهوب له أقر باستلام الهبة ثم عمل الموهوب تصديقاً شرعياًُ خول فيه والده المذكور مباشرة هذه القطعة بالإيجار والإخلاء واستلام الأجرة وبعد وفاة الوالد – وعند حصر التركة ادعى الموهوب له أنه قد دفع جميع ما عليه بموجب التوثيق وأن والده لا يطلبه شيئاً وبالتالي فلا حق للورثة بمطالبته بشيء عندما نازعه بعض الورثة وطالبوا بسداد ما عليه للورثة بموجب التوثيق بالبيع وتقدم المذكور بدعوى مدنية ضدهم مطالباً فيها بتسجيل العقار باسمه – ثم عاد مرة أخرى وادعى بواسطة محاميه أن الموضوع هبة وليس بيعاً وعندما طالبت زوجة المتوفى المدعية بإبطال هذه الهبة على أساس عدم القبض لها وبعد الاستماع لحجج كل من الطرفين صدر قرارا المحكمة الابتدائية الآنف الذكر
2- بتاريخ لاحق تقدم محامي المستأنف بطلب الاستئناف – وقد جاء في طلبه أن المرحوم توفى وانحصر إرثه في ورثته ومن ضمنهم طرفي هذا الاستئناف
أ - وفي جلسة لاحقة للتركة أمام المحكمة ذكر محامي المستأنف ضده أن موكله مدان للتركة بمبلغ عشرة آلاف جنيه عبارة عن باقي ثمن عقار اشتراه من المرحوم وهو العقار نمرة 25 مربع 172 واد مدني
ب- أبرز للمحكمة عقد بيع من المرحوم والمستأنف ضده بخصوص هذه القطعة كما أوضحا أن هناك إشهاداً بهبة هذه القطعة من المرحوم للمستأنف ضده وطلبنا منهم أن يوضحوا لنا أي التصرفين هو السليم
ج _أجاب محامي المستأنف ضده بأن التصرف بالبيع هو الصحيح وأن موكله دفع جزءاً من المبلغ والباقي عشرة آلاف جنيه مستحقة عليه وأنه على استعداد لدفع باقي القيمة وهنا أنكرت المستأنفة وأولادها استلام المرحوم لأي مبلغ من المستأنف ضده وطلب محاميه الإمهال لرفع دعوى مدنية لإثبات شراء موكله القطعة وإثبات ما استلمه المرحوم من المبلغ وتسديد الباقي
د - بجلسة 5/10/1982 ذكر محامي المستأنف ضده وأشقاؤه أنهم رفعوا دعوى مدنية نمرة 2025/ق/82 مدني الجزئية وأجلت التركة لحين الفصل فيها
هـ-بتاريخ لاحق تقدمت المستأنفة وأولادها بدعوى للمحكمة الشرعية لإبطال هبة باعتبار أن سجل القطعة قد تغير بإشهاد الهبة وليس بعقد البيع وبعد سرد لما دار في المحكمة الابتدائية أثناء نظر الدعوى خلص للآتي :
أن المحكمة الابتدائية أخطأت خطأً جسيماً تحاسب عليه وذلك بدلاً من إبطال الهبة بعد أن توافرت أركان بطلانها حكمت بصحتها وزادت على ذلك بأن وهبت للمستأنف هذا أيضاً من نفسها مبلغ عشرة آلاف جنيه والتي أقر بها أمام محضر التركة وملف الدعوى المدنية بأنها بذمته للمرحوم نظير باقي منحه القطعة فإثبات الهبة جعل المستأنف ضده في حل من دفع هذا المبلغ الذي أقر به طالما أن الهبة صحيحة
وأن غيظاً وظلماً شديدين قد وقعا على المستأنفة وأولادها ويطالب بإلغاء الحكم
وقد رد محامي المستأنف ضده على عريضة الاستئناف بمذكرة تضمنت الآتي :
1- أن عقد البيع سابق لعقد الهبة
2- أن التوكيل من المستأنف ضده لوالده لاستلام الأجرة
3- القضية المدنية المرفوعة من المستأنف ضده كانت لإثبات سداد مبلغ من المال
4- أن محامي المستأنفة قدم ادعاء بمحضر التركة الخاصة بالمرحوم وذكر فيه أن على ذمة المستأنف ضده مبلغاً لصالح المرحوم وكان ذلك قبل تاريخ سابق لرفع الدعوى بالهبة
ثم استفسرت المحكمة الابتدائية محامي المستأنف ضده عن إقراراه بالدين والذي هو ثبت بمحضر التركة المشار إليها أعلاه فأجاب بأن المستأنف ضده لم يكن موجوداً أثناء السير في التركة دونت الادعاء بالدين وإنما كان هناك وكيله المخول في حصر التركة وأن المستأنف ضده حين أخذ علماً بالإدعاء بالدين أوضح له أن الأصل في ملكية القطعة كان عن طريق الهبة
ثم جاء قرار المحكمة بالآتي : -
وقد أصر محامي الاستئناف أن عقد الهبة هو الأصل لا عقد البيع وأن القبض قد تم وبذا فإن قرار المحكمة مستقيم وبعد دراسة محكمة الاستئناف للمذكرتين أصدرت قرراها موضع الطعن – وقد تضمن قرارها الآتي :
1- أن محكمة الاستئناف تجد نفسها أمام عقدين أحدهما عقد البيع الموثق والثاني إشهاد هبة العقار من محكمة مختصة وأن إشهاد الهبة قد تم بعد انقضاء أيام قلائل على عقد البيع وصادر بينهما تضارب فبينما يتمسك محامي المستأنفة بعقد البيع يتمسك الآخر بإشهاد الهبة واعتبار عقد البيع لاغياً ثم خلصت المحكمة إلى أن العقد الصحيح في تقديرها هو عقد البيع وأن إشهاد الهبة إجراء صوري قصد منه تخفيض الرسم المدفوع لتسجيل القطعة على المستأنف ضده وهو أمر يلجأ إليه الكثيرون هروباً من دفع رسم كبير لا يودون دفعه
2- من الناحية القانونية الفقهية يشترط في الموهوب أن يكون مملوكاً للواهب وقت الهبة وأن العقار الموهوب وقت صدور إشهاد الهبة كان مملوكاً قانوناً للموهوب له بموجب عقد البيع الموثق والذي يحتفظ به البائع والمشتري ويتمسكان به وإن كان التسجيل لم يتم بموجبه
3- رفع محامي المستأنف ضده القضية المدنية نمرة 1025/محكمة مدني الجزئية 1982م متمسكاً بعقد البيع ومدعياً أن موكله سدد ما عليه من باقي المبلغ المشترى به القطعة
4- قرار محامي المستأنف ضده أن موكله مدين للمرحوم بمبلغ 10 آلاف جنيه عبارة عن باقي ثمن المنزل ص6 من التركة – وقد بين المحامي أن موكله اشترى المنزل بمبلغ عشرين ألفاً دفع منها عند العقد ألفان ودفع في مرحلة لاحقة ثمانية آلاف وبقي له عشرة آلاف – ص 11 من المحضر وهذه إقرارات قضائية
وأخيراً قررت المحكمة الآتي :
1- اعتبار إشهاد الهبة 13/1980 إشهاداً صورياً وإلغاء الحكم بصحته
2- الحكم بصحة عقد البيع الموثق تحت نمرة 21/1980 هو العقد النافذ وتسجيل العقار للمشتري بموجبه على أن يظل النزاع في ما دفع في ثمن البيع قائماً حتى تفصل المحكمة المختصة بالرسوم
3- بتاريخ لاحق تقدم محامي الطاعن بعريضة للمحكمة العليا ضد قرار محكمة الاستئناف وقد جاء في أسباب طعنه :
1- أن العقد شريعة المتعاقدين فلا يجوز نقضه إلا باتفاق الطرفين كما تنص على ذلك المادة 113 من قانون المعاملات المدنية لعام 1984م وقد اتفق الطرفان على نقض الأول وإبرام الثاني ووقعوا عقد الهبة
2- رأي محكمة الاستئناف أن عقد الهبة صوري هو رأي خاص استنتجته المحكمة الموقرة ربما من علمها الخاص بذلك
3- بعد قيد قضية إبطال الهبة اتضح أن وكيل الطاعن لا يملك حق السير في القضايا وإنما انحصر توكليه في حصر التركة فقط و بذا أعلن الطاعن
4- أن مبلغ عشرة آلاف جنيه كان مقابل الهبة ومن المقرر فقهاً أن الهبة يمكن أن تكون بعوض وبدونه
واحتياطاً أن بعضاً من الورثة قد صادق على الهبة وتمام القبض بمحضر القضية الابتدائية فعلى محكمة الاستئناف أن تحكم بما أقربه هؤلاء
2 - الاستئناف مرفوع فقط من المطعون ضدها وأن باقي الورثة عدا من ذكروا بالفقرة السابقة لم يتقدموا بطلب الاستئناف مما يعني رضائهم بالحكم الابتدائي
الأســـباب
الطعن بالنقض قدم قي موعده القانوني فهو مقبول شكلاً وحيث أن السير في الدعوى الابتدائية موضوع الطعن قد قيدت وبدء السير فيها تحت ظل القانون الملغي لعام 1974م وطبقاً للفقرة (4) فإن قانون الإجراءات لعام 1983م هو الواجب التطبيق وحيث أن محكمة الموضوع قد أخطأت ابتداءً في قبول الدعوى والسير فيها مع علمها بأن هناك نزاعاً لا زال أمام محكمة مختصة لم يتم الفصل فيه في ذات الموضوع مخالفة بذلك المادة 30 من الإجراءات لعام 1974م وكان عليها عدم قيدها ابتداءً وإيقاف السير فيها بعد علمها بذلك – ورغم هذا الخطأ فإن ما توصلت إليه محكمة الموضوع – لا يسنده دليل واضح بل إن الإقرارات التي بمحضر التركة تشير إلى عقد البيع وهو السابق لخير الوجود ولا يعقل أن بيعقد البائع مع المشتري عقداً بعشرين ألفاً ويشترط في العقد ما يحفظ حقه كاملاً بما في ذلك إعادة المنزل له في حالة عدم سداد المبلغ في موعده ثم يعود بعد يومين أمام المحكمة ليقول أنه وهب المنزل لابنه المشتري بدون مقابل فلو أراد الهبة سلك طريقها ابتداءً ولكن المشتري أراد تخفيف عبء دفع الرسم المقرر على البيع فأوعز إلى والده بهذه الخطة لتي تحفظ لوالده حقه كاملاً في الثمن بموجب التوثيق وتعفيه من دفع الرسم الباهظ إنني أتفق مع محكمة الاستئناف في أن عقد الهبة عقد صوري القصد منه الهروب من دفع رسم البيع – ولو وافقنا محامي الطاعن في استدلاله بالمادة 113والتي لا يجوز الاستدلال بها هنا لأن ما نحن بصدده من وقائع حصل قبل سريان هذا القانون الذي استشهد به الطاعن – حقا إن العقد شريعة المتعاقدين فهل نجد أن أحدهما أعلن صراحة عن نقضه للعقد الأول واستعيض عنها بعقد الهبة – وحتى لو افترضنا أن الهبة بعوض كما يشير محامي الطاعن في عريضته فإنها في حقيقة الأمر تؤول إلى بيع وما دام العرض قد وضح في وثيقة العقد الأولى وهو عشرون ألفاً وأقر الطاعن بدفع عشرة منها فالواجب سداد الباقي لورثة المتوفى وحيث أن إجراءات محكمة الاستئناف عموماً سليمة ووصلت إلى ذات النتيجة المفروض أن تصل إليها محكمة الموضوع من إيقاف السير في الدعوى طالما أن النزاع مطروح أمام المحكمة المدنية فإن الطعن لا أمل فيه ويلزم شطبه

