قضية إبطال هبة
محكمة الاستئناف بالخرطوم
قرار الاستئناف 94/1406هـ
الصادر بتاريخ الموافق 21/12/1985م
المبادئ:
الأحول الشخصية للمسلمين - - إبطال الهبة – الرجوع في الهبة – القبض والرجوع
الهبة تنعقد بالإيجاب والقبول ول تملك إلا بالقبض عليه فإن موانع الرجوع في الهبة لا تكون ذات أثر بعد تمام القبض
القاضي صاحب الفضيلة الشيخ كمال مهدي حسن جميل قاضي الاستئناف بالإنابة
الوقــائع
هذا طلب استئناف الحكم الصادر من المحكمة الجزئية بالخرطوم رقم 32/ق/1983م بتاريخ 19/8/1985 والذي قضى برفض الدعوى
وبد الاطلاع على الحكم المطعون فيه ومذكرة الاستئناف وكافة الأوراق أجد أن طلب الاستئناف قد استوفى أوضاعه من ناحية الشكل لتقديمه في الموعد القانوني وبذلك يتعين النظر في الموضوع
تتحصل الوقائع في هذه القضية باختصار في أن المدعية قد أقامت دعواها أمام المحكمة الجزئية بالخرطوم /ضد/ المدعى عليها بالتي تمت إعلانها بالنشر في إحدى الصحف ولما لم تظهر أمام المحكمة استمعت محكمة الموضوع للدعوى في غيبتها وطلبت المدعية حصر شهودها وقد قام لمحامي المدعية بحصر البينة في ثلاثة شهود
وبعد أن استمعت المحكمة لشهادة شاهدين طلب محامي المدعية صرف النظر عن شهادة الشاهد الثالث
وقد جاء بأقوال الشاهد الأول :
( أشهد بأن فلانة هي جدة المدعى عليها وأن المدعية تسكن في المنزل نمرة 36 مربع 13 غرب الديوم وهي تسكن فيه منذ وقت طويل وليس عندها منزل خلاف هذا المنزل ولم تغادر المدعية هذا المنزل ولا أعرف اين المدعى عليها الآن عند مناقشة المحكمة لهذا الشاهد ذكر بأنه لم يشاهد المدعى عليها تسكن في هذا المنزل وأردف أنه لا يعرفها شخصياً وأنه لا يجزم بما إذا كانت المدعى عليها قد سكنت في المنزل أولاً لأنه لا يعرفها والذي يجزم به أن المدعية لم تغادر منزلها الموهوب )
وقد جاء بأقوال الشاهد الثاني الآتي :
( أشهد بأن فلانة تسكن في منزل بالديوم الغربية ولا أعرف نمرته وليس لها منزل بالديوم سوى هذا المنزل منذ الخمسينات وإلى الآن تسكن فيه ولم تغادره إلى أي مكان ولا أعرف المدعى عليها شخصياً ولكن يقال أنها بنت بتها وقد ذكر هذا الشاهد رداً على سؤال من محامي المدعية بأن المدعية لم تغادر المنزل الموهوب أبداً )
وقد أجلت المحكمة القضية للمراجعة وفي جلسة 19/8/1985م أصدرت حكماً حضورياً يقضي برفض الدعوى وقد أسس الحكم الابتدائي قضاؤه على الأسباب الآتية :
1- أن الشاهدين شهدا بأن المدعية تسكن المنزل موضوع النزاع وأنها لم تغادره ولكنهما لا يعرفان المدعى عليها شخصياً وعليه فإنهما لا يعرفان هل قبضت المدعى عليها الهبة أم لا لأنهما لا يعرفانها
وبما أنهما لا يعرفان المدعى عليها والموهوب لها فإن احتمال قبضها للهبة والمنزل موضوع النزاع وارد
وبما أن البينة لم تشهد بنفي القبض أو إثباته فتكون الدعوى غير ثابتة بالبينة لصالح المدعية
2- أن المدعية الواهبة قد أقرت بالإشهاد 120/1981 بقبض المدعى عليه للمنزل موضوع النزاع وبما أن الإقرار سيد الأدلة وهو حجة قاصرة على المقر فيكون حجة على المدعية بأن المدعى عليها قد قبضت الهبة
3- أن صلة المدعية بالمدعى عليها صلة قرابة محرمية فهي بنت بنتها وهذه القرابة تحرم الرجوع في الهبة
وقد نص على ذلك صراحة في كتاب شرح الأحكام الشرعية لزيد الأبياني جـ2 ص260 ما نصه " المانع الخاص القرابة ولكن ليست كل قرابة مانعة من الرجوع من الهبة بل التي يكون فيها الموهوب له رحماً محرماً من الواهب " كما جاء ما يؤكد عدم الرجوع في الهبة في قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م مادة 243/أ ما لم يترتب عليه مفاضلة بين هؤلاء بلا مبرر
لم تقبل المدعية بذلك الحكم وتقدمت إلينا بهذا الطلب للطعن فيه عن طريق الاستئناف بواسطة محاميها
وحاصل الطعن الذي تقدم به محامي المدعية هو أن قضاء محكمة الموضوع قد جاء مجافياً وعلى خلاف الوزن السليم للبينات ومخالفاً لما هو ثابت في المحضر من الوقائع ولذلك طالب محامي المستأنفة إلغاء قرار محكمة الموضوع وإصدار حكم بإبطال الهبة بالإشهاد 120/1980
ولما لم يتسن إعلان المستأنف ضدها بالطرق العادية أعلنت بالنشر في إحدى الصحف اليومية ولما لم تظهر أمام المحكمة ولا من ينوب عنها قانوناً فيحق لنا النظر في هذا الاستئناف بعد أن تم إخطارها بالطعن ومنحت فرصة الرد عليه كتابة أو شفاهة
الأســباب
طلب الاستئناف قدم في موعده القانوني فهو مقبول شكلاً وفي الموضوع فإن الثابت من الوقائع يدل على أن المستأنفة تقيم بنفس المنزل موضوع النزاع وهي الحائزة له ولا زالت تشغل المنزل ولم تغادره أبداً
وقد ثبت من أقوال الشاهدين أن العقار الموهوب مشغول بالواهبة وهذا وحده كافياً لعدم تمام القبض لانشغال المحل بالواهبة والمنصوص عليه انه لا تصح هبته وهو المشغول بالواهب نفسه او بأمتعته لا بغير ذلك وقد جاء في الصفحة 691 ج 5 ابن عابدين ( لأن شغله بغير ملك واهبه لا يمنع )
وباستعراض للوقائع يتضح أن نقطة النزاع الوحيدة في هذه القضية تنحصر في أن الهبة لم تتم لعدم تمام القبض لانشغال العقار بسكنى الواهبة وقد جاء بأسباب محكمة الموضوع أن الإقرار بالقبض بموجب الإشهاد يعتبر إقراراً بالقبض وهو حجة على المدعية كما ذكرت أيضاً في سبابها أن الرجوع يمتنع لأن الموهوب لها ذات رحم محرم من ا لواهبة
هنا يثور السؤال التالي الذي يطرح نفسه ابتداءً وهو هل إقرار الواهب فى الاشهاد بأنها قد رفعت يدها عن العقار الموهوب وتسليمه للموهوب لها يعتبر قبضاً تتم به الهبة ؟
من الوهلة الأولى وقبل مناقشة ما يثيره هذا الاستئناف من نقاط قانونية أرى استعراض قضاء المحاكم في موضوع القبض
هناك سابقة أولى في هذا الموضوع تقرر أن الإقرار بالقبض يعتبر قبضاً تم به الهبة وقد جاء هذا بقرار التمييز رقم 173/1957 وقد بنى القرار على أن الإشهاد الصادرة به الهبة والمتضمن الإقرار حجة رسمية لا تقبل الطعن إلا بالتزوير
وهناك سابقة أخرى ( أنظر قرار التمييز 780/1966 الصادر بتاريخ 31/12/1966م جاء فيها أن الإقرار بالقبض في إشهاد رسمي لا يعتبر قبضاً بل لا بد من حصول القبض الفعلي وقد استند هذا القرار على ما جاء في ابن عابدين جـ4 ص 561 وما بعدها ( التسليم يكون بالتخلية على وجه يمكن القبض بلا مانع ولا حائل )
وما جاء في شرح الأحكام الشرعية لزيد الأبياني جـ2 ص 232 ( القبض يكون في كل شيء بما يناسبه ثم ذكر العقار فلا يتم قبض العقار إلا بالتخلية وهي أن يخلي الواهب بين الموهوب له على وجه يتمكن من قبضه بأن لا يكون هناك مانع من الاستيلاء عليه )
مما تقدم يتبن أن ما اعتمدت عليه محكمة الموضوع لا سند له في الفقه والسوابق القضائية الصادرة من المحكمة العليا ولتي يجب الاسترشاد بها إذ أن ما يقرره الفقه من أن مجرد الإقرار بالقبض لا يعتبر قبضاً تتم به ملكية الهبة حتى يحصل القبض بالفعل أو بالتخلية المفضية إليه بلا مانع أو حائل
وقد ثبت بالبينة أن الموهوب مشغول بسكنى الواهبة وبالتالي فهناك وجود مانع يحول بين الموهوب لها والاستيلاء عليه وقد جاء في حكم محكمة الموضوع على عكس الوزن السليم للبينات وهذه المحكمة تميل إلى وجهة النظر التي استند إليها قرار التمييز الأخير الذي قضى بأن مجرد الإقرار بالقبض لا تتم به الهبة حتى يحصل القبض لأن ذلك هو الذي يقرره الفقه ويقتضيه التطبيق السليم للقانون إذا أن الهبة عقد تبرع لا يتم ولا يلزم الواهب إلا بالقبض بخلاف سائر عقود المعاوضات التي يترتب عليها أثرها بمجرد حصول الإيجاب والقبول توافق هذه المحكمة أن العمل قد جرى في المحاكم على إتمام عقد الهبة واستيفاء أركانه بإثبات إقرار الواهب بتسليم الموهوب للموهوب له إذ بغير ذلك أي بغير هذا الإقرار لا تعتبر إجراءات الهبة قد اكتملت أمام المحاكم حتى يمكن إثباته بإشهاد رسمي ومع كل هذا فإن الإقرار بالقبض لا يقوم مقام القبض ا لمطلوب لإتمام الهبة فطالما ثبت أن القبض لم يتم حقيقة فقد تخلف ركن من أركان عقد لهبة ولا تتم الهبة بدونه وقد أيد وجهة النظر هذه قرار محكمة التمييز رقم 343/1966 الصادر في القضية 780/1966 والتي جاء في أسباب حكمها أن القبض لم يتم لأن الواهبة لم تخل المنزل فقط
وما جاء بأسباب محكمة الموضوع من أن العلاقة بين الموهوب لها والواهبة علاقة محرمية وتمنع بذلك الرجوع مردود عليه بأن الهبة تنعقد بالإيجاب والقبول ولا تملك إلا بالقبض وبما أن الواهبة لم تمكن الموهوب لها من القبض فلا يتأتى القول بأن الرجوع في الهبة ممتنع لأن الموهوب لها ذات رحم محرم ومن الواهبة لأن موانع الرجوع في الهبة لا تكون ذات أثر غلا بعد إتمام القبض وهذه الموانع لا يتصور وجودها إلا بعد تمام القبض
ومن هنا يحق القول بأن الموانع لا أثر لها قبل تمام القبض
وبما أن قضاء محكمة الموضوع قد خالف هذا النظر وجانب الصواب حيث أنه قد جاء على خلاف الوزن السليم للبينات وما استقر عليه قضاء المحاكم والفقه من عدم تمام الهبة إلا بعد تمام القبض الفعلي وهذا ما لم يثبت من الوقائع ومن ثم يتعين إلغاء حكم محكمة الموضوع فيما قضى به والحكم ببطلان الهبة الصادر بها الإشهاد رقم 120/1980 محكمة الخرطوم الشرعية واعادة تسجيل العقار الصادر به الإشهاد المذكور باسم الواهبة مع إعلان الموهوب له بهذا الحكم وإلزامها برسوم ومصاريف الدعوى وأتعاب المحاماة
لــــذا
قررت غيابياً قبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع إلغاء حكم محكمة الموضوع ولحكم ببطلان الهبة الصادرة بالإشهاد رقم 120/1980 محكمة المديرية الشرعية الخرطوم وإعادة تسجيل العقار الصادر به الإشهاد المذكور باسم الواهبة مع إعلان الموهوب لها بهذا الحكم وإلزامها برسوم ومصاريف الدعوى وأتعاب المحاماة

