حكومة السودان / ضد/ جعفر محمود حسن
محكمة استئناف الإقليم الشرقي
حكومة السودان / ضد/ جعفر محمود حسن
( م أ/ أ س ج / 76 / 1984 )
المبادئ:
إجراءات جنائية – الجرائم التي يجوز فيها الصلح م 270 أ ج 1983
باستثناء الجرائم ضد أمن الدولة أو الجرائم المتعلقة بالحق العام يجوز الصلح في كل الجرائم التي تحاكم بموجب هذا القانون ما لم يتعارض ذلك مع أحكام الشريعة الإسلامية وفقاً للقاعدة الإسلامية الأصولية التي تقول بأن الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراماً أو حرم حلالاً
الحكم:
التاريخ : 17 ذو القعدة 1404 هـ
الموافق 14/8/1984م
القاضي : أحمد جعفر حامد
بتاريخ 9/11/1983م تقدم المدعو بلال على عوض الله وهو طالب بمدرسة البحر الأحمر الثانوية بشكوى للسيد/ القاضي الجزئي ببور تسودان يقول فيه أنه وآخر يستأجرون منزلاً بديم موسى وقد سمحا لاحد الأشخاص بالإقامة معهما بعد الحريق الذي أصاب المنزل الذي كان يقيم فيه بديم موسى بعدها حول صاحب المنزل عقد الإيجار بأسم ذلك الشخص الذي طلب منهما أن يخليا المنزل ثم اتصل بالمتهم الذي يعمل ملازم شرطة بنقطة بوليس ديم موسى ليساعده في سرعة إخلائهما فاستدعاهما وبمجرد وصولهما للمركز انهال عليهما بالسباب و وصفهما بأنهما من معتادي الإجرام وأنهما من الصعاليك وهددهما بأنهما إذا لم يخليا المنزل خلال ثلاثة أيام فسيقوم بوضعهما بالحراسة وقد نفذ وعيده بالفعل حينما لم يليا المنزل وأمر بوضعهما بالحراسة حيث مكثا قرابة اليومين أمر القاضي الجزئي بأجراء تحريات أولية واضطر إلي استعجالها حينما لم تصله في وقت وجيز من السيد رئيس شرطة ديم موسى بعد وصول التحريات الأولية التي أجراها أحد ضباط الشرطة قرر القاضي الجزئي فتح بلاغ ضد الضابط المتهم تحت المادة 136 ق ع س وأحال الأوراق علي أحد القضاة لكي يقوم بالتحري
أثناء التحري تقدم الشاكي بلال على عوض الله يلتمس قبول تنازله عن شكواه فحوله القاضي الذي يشرف على التحري للقاضي الجزئي موصياً بقبول الطلب ولكن القاضي الجزئي رفض شطب البلاغ للتنازل معللاً ذلك ( بأن البلاغ يتعلق بسلوك ولي الأمر الذي يجب أن يتحلي بأخلاق معينه في تصريف شئون الأفراد ولأن سلوك الموظف العام هو حق عام ) وأمر بالاستمرار في التحري حيث تبين أن الشخص الآخر الذي كان يقيم مع الشاكي وأسمه حامد سعيد حامد تعرض أيضا للإهانة والحراسة بسبب تصرفات وأوامر الضابط المتهم وقد قرر السيد / القاضي الذي اجري التحقيق ( أن هناك ما يبعث على الاطمئنان بوجود ما يشكل جريمة تحت المواد 136/ 439 من قانون العقوبات)
كان ذلك بتاريخ 12/12/1983م وفي نفس اليوم تقدم الملازم المتهم باستئناف لهذه المحكمة ضد القرار القاضي برفض قبول تنازل الشاكي على أساس (أن البلاغ موضوع التحريات يجوز فيه التنازل)
في تقديري أن مسلك الملازم المتهم الذي تصوره أقوال الشهود في إجراءات التحقيق التي باشرها أحد القضاة يعتبر مشيناً وفق كل المعايير إذا ثبتت هذه الأقوال على اليمين فالتصرفات المنسوبة إليه كلها كانت خاطئة شرعاً وقانوناً منذ أول وهلة بادر فيها باستدعاء الشاكي وزميله فقد كان من المفروض منذ البداية أن يوجه المدعو عمر عثمان للالتجاء إلي المحكمة التي في مقدورها بعد تحليفة اليمين أن تقرر أن كانت الشكوى جنائية أم مدنية ولم يكن من الجائز له البتة استدعاء الشاكي وزميله ليسمعهما سباباً أو تهديداً أو حتى يلوح لهما بسلطاته غير المحددة ومقدرته على أن يضعهما بالحراسة أن لم يذعنا لحكمة في أن يخليا المنزل ومهما كانت الأسباب التي جعلته يتصرف بهذا التحيز الواضح للمدعو عمر عثمان فأن تنفيذ تهديده بوضع هذين المواطنين في الحراسة يجعله يواجه قانون العقوبات تحت اكثر من مادة مثل المادة139 والمادة 292 والمادة 136 ثم المادة 439 بالنسبة للتهديد والمادة 441 بالنسبة للإهانات التي وجهها
لقد تقدم الآن ملازم الشرطة المتهم يلتمس قبول تنازل الشاكي لأن القانون في نظره لا يمنع التنازل وفي تقديري أن هناك سببين يمنعان قبول التماسه فبالرجوع إلي نص المادة 270 من قانون إجراءات عام 1983 نجد أنه يقرأ كالآتي :
مـادة 270 :
باستثناء الجرائم ضد أمن الدولة أو الجرائم المتعلقة بالحق العام يجوز الصلح في كل الجرائم التي تحاكم بموجب هذا القانون ما لم يتعارض ذلك مع أحكام الشريعة الإسلامية
وهذه المادة مشتقة دون شك من القاعدة الإسلامية الأصولية التي تقول بأن الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً احل حراماًً أو حرم حلالاً
غير أن الجريمة المفترض حدوثها والتي يواجه المتهم تهمة بارتكابها وأن كانت ليست ضد أمن الدولة فهي متعلقة بالحق العام وهي جريمة تتهم بيناتها في التحري موظفاً عاماً وليس بعض أمور المسلمين على أن يساعد في استتباب الأمن بأنه قام باستغلال سلطاته وأمرته على الجنود في تهديد الناس وحبسهم دون مبرر أو أمر من سلطة مخولة أو قاضي
ولقد رأيت أنه قد يكون ما اتهم هذا الملازم بأنه قام به أثناء تأدية عمله عبارة عن خطأ جاهل بأبعاد سلطاته وبالقانون أو على الأقل أن ما قام به من إجراء قد تم بحسن نية لذلك فقد قمت بمراجعة إجراءات التحري التي قام بها أحد ضباط الشرطة فوجدت أن الشاكي وزميله وضعا بالحراسة تنفيذا ًلأمر المتهم دون أي بلاغ مفتوح أو أي أمر من قاضي فالبلاغ كما أفاد المتحري على صفحة (5) من يومية الإجراءات ثم فتحه بتاريخ 12/11/1983م تحت المادة 387 بينما اتضح أن تحريات ضابط الشرطة التي أمر بها القاضي قد ابدأت في 10/11/1983م أي أن البلاغ فتح بعد علم المتهم ببدء تحريات للتحقيق في الشكوى المقدمة ضده وهذا ما يثير الشك في فتح البلاغ قد تم لتغطية ما سيدلي به الشهود عند التحقيق أو أنه أمر بوضعهما بالحراسة قبل البلاغ
لم ترفق أوراق البلاغ المزعوم أنه فتح ضد الشاكي وزميله ولذلك قمت بطلب هذا البلاغ من شرطة ديم موسى وعند الإطلاع عليه وجدت أنه عبارة عن شكوى من المدعو عمر عثمان يقول فيها ( المدعوان بلال على عوض الله وحامد سعيد نزلا في ضيافتي لمدة محددة ولكنهما أصرا على استمرار الضيافة رغماً وجبراً عني أرجو حمايتي منهما )
وعلى اليمين أكد ذلك مما جدا بالمحكمة الأمر بفتح بلاغ تحت المادة 387 ق ع س وأشر الضابط بفتح البلاغ للشرطة ولكن الرقيب قام يوم 15/11/1983م بتولي التحري واستجواب الشاكي فقط ثم المتهمين الساعة 5 مساء وقام بالقبض على المتهمين وحجزهما بالحراسة دون أمر من قاضي بالقبض أو بالحراسة رغم أن المخالفة غير مطلقة والبلاغ فتح بموجب عريضة ثم طلب في اليوم التالي الساعة 12 ظهراً إطلاق سراحهما بالضمان وصدق له بذلك رئيس الشرطة ولم تعرض الأوراق على أي قاض إلا يوم 17/11/1983م الساعة 8 و 15 دقيقة صباحاً بدون أي إجراء آخر وعلق المتحري بأنه (اتضح من التحريات أن المبلغ هو الذي طلب بعد حريق ديم موسى السكن مع المتهمين و وافقا على ذلك واخيراً تقدم بعريضة لسيادتكم بأن المتهمين تعديا عليه بمنزله في الوقت الذي كان فيه الثلاثة يسكنون في منزل واحد لفترة سنة وثلاثة أشهر وعليه أوصي بشطب البلاغ وإطلاق سراحهما نهائياً) فوافق القاضي دون أمر باتخاذ إجراءات ضد الشاكي بسبب شكواه الكيدية الواضحة دون أن يستفسر سبب وضع المتهمين بالحراسة طالما أن هذا الأمر وضح للمتحري منذ أول وهلة وطالما أن ما اعتمد عليه المتحري في وضع المتهمين بالحراسة لم يكن سوى أقوال الشاكي وأمر رئيس شرطة ديم موسى فقط
ومن الغريب أن هذا البلاغ ضد الشاكي وزميله قدم في يوم 12/11/1983م وكان المفروض أن يعلق رئيس شرطة ديم موسى أو الملازم المتهم للقاضي بأن هذا البلاغ هو موضوع التحري الذي أمرت به المحكمة نتيجة شكوى الشاكي ولكن بدلاً من ذلك أمر بعض المسئولين عن نقطة ديم موسى بالتحري وتم القبض والحراسة دون أذن من قاض ( فيما يبدو وتنفيذاً لوعيد المتهم أو تأديباً للشاكي وزميله) وكان من الممكن منذ أول وهلة معرفة أن البلاغ كيدي وأن الموضوع نزاع مدني وأنه موضوع شكوى أمام أحد الضباط يقوم بالتحرى ولكن هذا لم يتم للأسف
وفي اعتقادي أن من ولي أمر الناس شيئاً وجب عليه الرفق بهم وأعمال الشريعة والقانون لفض خلافاتهم دون تحيز أو محاباة ولقد نصت مواد عدة في قانون الإجراءات إلي ضرورة إخطار القضاة أول بأول بأي شكوى أو أي إجراء يتم في الجرائم المطلقة فحتى القبض في هذه الجرائم المطلقة لا يجوز إجراءه أو إجراء التحري بعده بدون أمر من قاض وأن تعذر العثور على قاض يمكن القبض وبدء التحري ولكن يجب الإسراع بقدر الإمكان في إرسال تقرير إلي القاضي حتى يصدر ما يراه من أوامر وتوجيهات ( انظر المادة 136 إجراءات ) فأن كان هذا هو الحال بالنسبة للحالات المطلقة فكيف بالحالات الأخرى والحالات التي تحوي مشاكل مدنية وعناصر المخالفة الجنائية تتطلب جانباً فنياً يقرر توفره القاضي وحده أثر شكوى موجهة له ؟
أن ما أتهم هذا الضابط بالقيام به يتعلق بالحق العام وأجد أن المادة 270 ترفض صراحة قبول الصلح فيه ولقد جاء عن الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم أنه قال :
( اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فأرفق به ومن تولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فأشقق عليه ) وقال تعالي في وصف الحاكم الظالم :
( وإذا تولي سعي في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد )
أما السبب الثاني والمهم في رفض التماس الضابط المتهم بقبول تنازل الشاكي وشطب البلاغ فهو أن الشاكي الذي قدم التنازل ليس هو المتضرر الوحيد من جراء ما نسب إلي الضابط من تهمة بل أن هناك آخر يدعي حامد سعيد حامد عاني أيضا مثل الشاكي من السباب والتهديد والحراسة
ولم يقدم تنازله ولذلك فأنني أجد أن أي من السببين يكفي لتقديم المتهم للمحاكمة وقد تتضح براءاته مما نسب إليه أو إدانته ولكن لا بد من المساواة أمام القانون في الحق العام أن كان للعدالة أن تسود
عليه فأنني أؤيد قرار القاضي الجزئي برفض التنازل وأمر بوضع الأوراق أمام أحد القضاة للمحاكمة

