أحمد السنوسي عبد الرحمن الطاعن ضد حمد دفع الله المطعون ضده
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد / هنري رياض سكلا قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد / محمد محمود أبو قصيصة قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / زكي عبد الرحمن قاضي المحكمة العليا عضواً
أحمد السنوسي عبد الرحمن الطاعن
ضد
حمد دفع الله المطعون ضده
م ع/ط م/9/1981م
المبادئ:
- قانون تقييد الإيجارات – عدم سداد الأجرة – وجوب استيضاح المدعى عليه عن سبب عدم السداد للتأكد من قانونيته
- قواعد العدالة – واجب المحكمة في ترشيد الطرف الضعيف وتبصيره بحقوقه الموضوعية – واجب عرفي على المحاكم السودانية
1- بالرغم من أن المحكمة المدنية غير ملزمة بتبصير أي من طرفي الدعوى بحقوقه الموضوعية أو الإجرائية إلا أن القضاء قد استن سنة حميدة مراعاة لاعتبارات عملية ذات آثار في تحقيق العدالة وهي أن ترشيد الطرف الضعيف كلما بدا أنه لا يدرك مصلحته
الحكم
31/3/1981م
القاضي زكي عبد الرحمن :
هذا طعن بالنقض في حكم محكمة الاستئناف ( الخرطوم ) القاضي بإلغاء حكم محكمة المديرية ( أمدرمان ) وتأييد حكم المحكمة الجزئية بإخلاء الطاعن من العقار رقم 545 الحارة الثامنة أمدرمان الجديدة
وكان المطعون عليه قد أقام الدعوى رقم 79/80 في مواجهة الطاعن وآخرين طالباً إخلاء الطاعن بناء على سببين هما الحاجة الملحة والإيجارة من الباطن فحددت جلسة 2/2/1980لإجابة المدعى عليهم على الدعوى فكانت إجابتهم إنكار الدعوى بعدها حددت جلسة 6/2 لتحديد نقاط النزاع وفي تلك الجلسة طلب محامي المدعي ( المطعون عليه ) تحديد جلسة أخرى فصدر الأمر بتأجيل الجلسة ليوم 13/2/1980م
وفي 7/2/1980 أثبت القاضي الجزئي في المحضر ظهور محامي المدعي وطلبه لتعديل الدعوى بإضافة سبب ثالث هو عدم سداد أجرة يناير وأجيز التعديل
في جلسة 13/2/1980م ظهر المدعى عليه وأجاب على التعديل بقوله ( أنا ما دفعت لكن ولم أرفض الدفع وما عرضتها لهم )
وهنا طلب محامي المدعي إصدار حكم على المدعى عليه بناء على إقراره وفي ذات الوقت أعلن تخليه عن السببين الأولين للدعوى ومن ثم حفظت الدعوى الحكم وصدر الحكم في 26/2 بإخلاء الطاعن لإقراره بفشله في سداد الأجرة
وعندما طعن الطاعن في هذا الحكم أمام قاضي المديرية قضى بإلغاء ذلك الحكم وأمر بإعادة الأوراق لمحكمة الموضوع لسماع دفوع المدعى عليه وذلك تسبيباً على أن محكمة الموضوع قد تأجلت في إصدار الحكم وأن الإقرار بعدم سداد الأجرة أو بعدم عرضها لا يكفي للحكم بالإخلاء بل كان ينبغي على المحكمة استيضاح المدعى عليه عن السبب في عدم السداد أو عدم العرض لتتأكد من قانونية أو عدم ذلك السبب
ولم يرض المطعون عليه بهذا القضاء فتقدم بطعن فيه أمام محكمة الاستئناف التي أصدرت الحكم المطعون فيه أمامنا وقد استندت محكمة الاستئناف الموقرة في ذلك على أن حكم محكمة المديرية ( غير صحيح في القانون ) في أنه انطوى على محاولة واضحة لاستعادة مبدأ ضرورة توفر أسباب معقولة قبل الحكم بالإخلاء لأن ذلك المبدأ الذي استعارته السابقة القضائية ورثة نور الدائم محمود ضد الحاج محمد صلاح الدين من القانون الإنجليزي لم يعد مطبقاً في السودان على إثر ما قضت به السابقة القضائية عبد الرحمن أحمد عبد الرحمن ضد حمزة يس حمزة (1969)
وأن ما تواتر عليه القضاء من بعد ذلك هو أن الإخفاق في سداد الأجرة أو في عرضها قبل رفع الدعوى أو تعديلها يوجب إصدار أمر بالإخلاء وقررت محكمة الاستئناف أنه ولما كان من الثابت أن المدعى عليه لم يسدد الأجرة حتى 13/2 فإن أمر محكمة الموضوع بإخلائه وقع صحيحاً
لم يقبل الطاعن بهذا الحكم فطلب إذناًَ بالطعن فيه وبعد أن حصل على الإذن تقدم بهذا الطعن الذي يذكر فيه أنه ابتعد عن الخرطوم بعد صدور حكم قاضي المديرية وأن المطعون عليه ( وبعد أن كان قد اتفق معه على رفع الأجرة ) انتهز فرصة غيابه واستصدر حكماً من محكمة الاستئناف بإلغاء ما صدر من حكم من قاضي المديرية
وأضاف الطاعن أنه ليس صحيحاًُ أنه لم يسدد أجرة يناير سنة 1980م وإنما الواقع هو أنه أودع الأجرة في الدكان استعداداً لحضور المطعون عليه لاستلامها كما جرت العادة بينهما وأنه لما لم يحضر المطعون عليه قام هو ( الطاعن ) بتسليمها قبل رفع الدعوى وأن هناك شهوداً على ذلك
وقد رد المطعون عليه بواسطة محامية الأستاذ محمد عبد الرحمن الوسيلة على ذلك بما يلي:
أ ) أن الحكم المطعون فيه جاء تطبيقاً سليماً للقانون في شقيه التشريع وقضاء المحاكم
ب) أن حكم محكمة المديرية بني على خطأ في القانون لما قضى بأنه كان على محكمة أول درجة التحقيق في قانونية أسباب عدم سداد الأجرة إذ أن ما استقر قضاءً هو أنه لا يمنع أمر الإخلاء إلا أحد سببين هما عرض الأجرة قبل رفع الدعوى أو قيام نزاع حول الأجرة القانونية وفي هذه الدعوى لم يتوفر أي من السببين
ج) ليس من سبب آخر يمنع الإخلاء حيث أن مبدأ توفر الأسباب المعقولة لم يعد مطبقاً في السودان
د ) أقر الطاعن بعدم سداد الأجرة حتى 13/2 ولهذا فإنه لم تكن المحكمة في حاجة لتحديد نقاط النزاع وعليه فإن الحكم الابتدائي جاء سليماً هو الآخر
وبادئ الأمر فمن الجلي أن ما أثاره الطاعن من مسائل إما يتنافى مع الواقع أو يتعلق بالوقائع يثيره الطاعن لأول مرة في هذه المرحلة وفي كلتا الحالتين لا يحوز قبول ذلك من الطاعن فقد كان يمثل الطاعن في مرحلة الاستئناف لمحكمة الاستئناف محامي تولى عنه الرد على مذكرة الاستئناف مما ينفي أي مجال لاستغلال فرصة غيابه عن الخرطوم أما واقعة أن المطعون عليه كان قد اتفق معه على رفع الأجرة ففضلاً عن أنها ليست أمراً منتجاً في النزاع فإنها تتعلق بالوقائع التي لا مجال لها في هذه المحكمة وقد أضاف الطاعن ادعاءً جديداً بواقعة كان قد أقر بها في المرحلة الابتدائية وهي الواقعة المتعلقة بعدم سداد الأجرة أو عرضها ففي المرحلة الأولى للدعوى أقر الطاعن بأنه لم يسدد الأجرة ولم يعرضها ثم يأتي في هذا الطعن ليدعي أنه سددها أمام شهود ؟ وهذا افتراء لا يمكن الأخذ به فضلاً عن أنه لا تجوز إثارته أصلاً في مرحلة الطعن بالنقض
بيد أن سلطة هذه المحكمة بل وواجبها في فحص ملف الطعن وما به من الأوراق للفصل في الطعن ( المادة 211 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م ) تبيح لها التصدي لأي مسألة تتعلق بالقانون
وبناء على هذا فإنه ورغم صحة ما ذهب إليه محامي المطعون عليه من حيث نظرية القانون في المسائل التي أثارها فإن محكمة الاستئناف حين قضت بإلغاء حكم قاضي المديرية تأسيساً على ذلك الحكم بني على ضرورة التحقيق في معقولية الإخلاء قضت بغير ما كان يشكل أساس ذلك الحكم لأن حكم قاضي المديرية جاء كما يلي :
( بعد إطلاعي على ملف الدعوى والحكم المستأنف ضده وسائر أوراق الطعن فإنني أرى أن محكمة الموضوع قد تعجلت في إصدار حكمها لأن المستأنف قد أقر بعدم سداده للأجرة وعدم عرضها ولكن هذا وحده لا يكفي للحكم بالإخلاء دون استيضاحه عن السبب في ذلك لكي تتأكد المحكمة من قانونية السبب أو عدم قانونيته ) ورغم أن التحقيق في معقولية إصدار أمر بالإخلاء قد يتخذ صيغة تماثل ما ارتآه السيد قاضي المديرية فإن كل ما هدف إليه – فيما هو واضح – هو أنه كان ينبغي على محكمة الموضوع ألا تكتفي برد المدعى عليه ( الطاعن ) بل كان عليها أن تحقق في سبب عدم سداد الأجرة وعدم عرضها
وبما أن محكمة الاستئناف لم تفصل في السبب الأساسي الذي انبنى عليه حكم قاضي المديرية فإن الحكم المطعون فيه يكون معيباُ خاصة وأنه قضى بإلغاء حكم قاضي المديرية بذلك
على أن عيب الحكم المطعون فيه لا يقتصر على ذلك وحده فعلى الرغم من أن الطاعن كان قد أقر بعدم سداد الأجرة وبعدم عرضه لها وعلى الرغم أيضاًََ من أن المحكمة المدنية غير ملزمة بتبصير أي من طرفي الدعوى بحقوقه الموضوعية أو الإجرائية إلا أن القضاء قد استن سنة حميدة مراعاة لاعتبارات عملية ذات آثار في تحقيق العدالة وهي أن ترشد الطرف الضعيف في الدعوى كلما بدا أنه لا يدرك مصلحته بل وقد كان عدم إدراك المصلحة حقيقة أو حكماً – ومع الاعتبار لما يصاحب ذلك من تفاوت بالضرورة فقد ذهب التشريع نفسه إلى ضرورة تعيين ولي خصوصه في حالات القصر والمجانين والمعتوهين وأخذ القضاء على أن ذلك يعني أن عدم تعيين ولي خصوصه في هذه الحالات يبطل الإجراءات
ومع أن عدم إدراك المصلحة بسبب الجهل بالقانون وإجراءات المحاكم لا يعد سبباً قانونياً لإبطال الإجراءات القضائية إلا أن ما سار عليه القضاء هو أن تلغى الإجراءات عدالة لإتاحة الفرصة للطرف المغبون لعرض قضيته ( أم سماح فرح ضد عثمان طه محمد فقير مجلة الأحكام القضائية لسنة 1966 ص 16 )
وإذا نظرنا إلى حكم المحكمة الابتدائية بهذه النظرة فإنه مما لا تخطئه العين أن ذلك الحكم قد جاء متعجلاً حقاً فالطاعن حين أجاب على الدعوى المعدلة بأنه لم يسدد الأجرة ولم يعرضها كان لا بد أن يؤخذ على أنه يدلي بكلام مبتور فالطاعن وهو يقف وحيداً لا معين له في الحلبة ما كان ليقر مثل هذا الإقرار الذي يقضي على أي أمل في كسب الجولة إلا وفي جعبته ما لم يدرك كيف ومتى يفضي به ولو تمعنا كلماته كلها لتبين لنا مدى صحة هذا الاستنتاج فقد ذكر فيما ذكر أنه لم يرفض الدفع وقد كان في هذا ما يجب أن يستوقف المحكمة إذ كيف يستساغ الحديث عن الامتناع أو عدم الامتناع عن السداد ما لم يكن الأمر مرتبطاً بما جرى عليه عرف الطرفين فيما يتعلق بطريقة سداد الأجرة ولو أن محكمة الموضوع تريثت قليلاً واستوضحت الطاعن فيما يعنيه بقوله ذلك لاختزل الكثير من الوقت والجهد ولوضح ما إذا كان للطاعن دفع كالذي يطرحه أمامنا فيما يتعلق بطريقة سداد الأجرة
وحيث أن عدم مراعاة المحكمة الابتدائية لذلك قد ترتب عليه صدور حكم لا يمكن الاطمئنان إلى صحته أو عدالته فإن حكم قاضي المديرية فيما قضى به من إعادة الأوراق لتلك المحكمة للتحقيق فيما أثاره الطاعن يكون سليماً كما يتوجب نقض حكم محكمة الاستئناف المطعون فيه والذي ألغى حكم قاضي المديرية
عليه أرى قبول الطعن ونقض الحكم المطعون فيه وإعادة الأوراق لمحكمة الموضوع للعمل وفقاً لتوجيه قاضي المديرية وحيث أن المطعون عليه لم يستغل الإجراءات في استصدار الحكم ثم إن كل ما فعله في هذه المرحلة هو التمسك بالحكم الصادر لمصلحته فإنني أرى أن يتحمل نصف رسوم الطعن فقط على أن يتحمل الطاعن النصف الآخر

