حكومة السودان ضد عبد الرحمن أحمد محمد وآخر
محكمة استئناف الجزيرة والنيلين
القضاة :
سيادة السيد / وقيع الله عبد الله قاضي المحكمة العليا رئيساً
سيادة السيد / حكيم الطيب قاضي محكمة الاستئناف عضواً
سيادة السيد / أحمد الأمين سعد قاضي محكمة الاستئناف عضواً
حكومة السودان ضد عبد الرحمن أحمد محمد وآخر
م أ /ا س ج/79/1981م
المبادئ:
- قانون جنائي – تعريف المكان العام – الخلاء ليس مكاناً عاماً – المادة 234 من قانون العقوبات سنة 1974م
- قانون جنائي – مضايقة الغير – تعريفها – المادة 134 من قانون العقوبات سنة 1974م
1- المكان العام هو المكان الذي ألف الجمهور واعتاد ارتياده فعلاً سواء كان للجمهور الحق في ارتياده أم لا ولذلك لا يعتبر الخلاء العريض مكاناً عاماً في معنى المادة 234 من قانون العقوبات لسنة 1974م بالرغم من أن لكل فرد الحق في ارتياده لأنه ليس مما ألف الجمهور واعتاد ارتياده
2- مضايقة الغير يقصد بها المضايقة الفعلية وليست المضايقة المتوقعة أو المحتملة بحيث لا تكتمل الجريمة إذا لم يشاهد أحد الفعل وبالتالي لم يتضايق منه
الحكم
22/7/1981م
القاضي : حكيم الطيب
أدانت محكمة جنايات ود مدني المتهمين تحت المادتين 78/234 عقوبات وعاقبت كل منهما بالسجن ستة شهور وأيد قاضي المديرية لدائرة الجزيرة (أ) الإدانة وخفض العقوبة لكل منهما للسجن ثلاثة شهور وأمامنا يستأنف محامي الأول وتسترحم والدة الثاني
عناصر الجريمة وقعت تحت المادة 234 عقوبات ثلاثة(أ) أن يأتي المتهم فعلا فاضحاً أو منافياً للآداب (2) أن يكون ذلك في مكان عام (3) وأن يسبب مضايقة للغير
لا خلاف – فيما توضح البيانات المقدمة – على توفر أول العناصر الثلاثة ( إتيان الفعل المنافي للآداب ) في إجراءاتنا الحالية أما العنصران الآخران فكلاهما في رأيي غير متوفر
فالمكان العام المعني في المادة ليس المقصود به أي مكان ليس خاصاً وإنما المقصود منه المكان الذي ألف الجمهور واعتاد ارتياده فعلاًُ – وليس مقياساً ولا يهم إن كان للجمهور الحق في ارتياده أو لم يكن – فالخلاء العريض مثلاً – بعيداً عن الطرق البرية – ليس مكاناً خاصاً ولأي فرد الحق في ارتياده لكنه ليس مما ألف الجمهور ارتياده وإعتاده لذلك فهو ليس مكاناً عاماً بالمعني المقصود في المادة
كما أن صفة العمومية المقصودة ليست دائمة وإنما تتأثر وتتغير بالظروف المحيطة وأهمها الوقت فدار السينما مثلاُ مكاناً عاماً قبيل العرض وأثناءه ولكنها قطعاً ليست كذلك أثناء النهار
يعرف قلدهل ( Gledhil ) في كتابه قانون العقوبات في شمال نيجريا والسودان (ص390) المكان العام بأنه :
“a place to which the public are in the habit of going, whether they have a right to or not”
ويقول راتنلال في مراجعه المعروف ( طبعة 1 ص 391 )
“A public place is one where the public go, no matter whether they have a right to go or not it is obvious that what is a public place may vary from time to time and what the court has to consider is, was a particular place at the time public? a place where the public undoubtedly were”
أما الدكتور محي الدين عوض في مؤلفه قانون العقوبات السوداني معلقاً عليه فيقول ( ص344) أن المكان العام هو الذي يغشاه الناس دون تمييز سواء خصص لذلك مقدماً أو أصبح كذلك )
والمكان الذي وقع فيه الحادث في إجراءاتنا الحالية يقع في أطراف المدينة ما بين مباني التدريب المهني وميدان سباق الخيل المهجور وهو مكان ليس هناك ما يمنع أفراد الجمهور من ارتياده ولكنهم لا يفعلون وبالذات بعد حلول الظلام حيث لا يأمن الفرد على سلامته وماله في ذلك المكان الخلوي الذي يعتقد أن اللصوص والمجرمين يكمنون فيه ويأوون إليه قبل وبعد ارتكاب جرائمهم ويخفون فيه غنائمهم ويلاحظ أن رجلي الشرطة المبلغين قد استغربا وقوف عربة المتهم الأول بذلك المكان لما لمحاها من بعيد مما دعاهما للذهاب إليها للتحقق من أمرها ولعل في هذا أبلغ دلالة على طبيعة المكان في ذلك الوقت من الليل ( حوالي الثانية والنصف بعد منتصف الليل ) ولهذا فإني أرى أن المكان الذي وقع فيه الحادث وفي ذلك الوقت من الليل لا ينطبق عليه تعريف المكان العام المقصود في المادة المعنية
العنصر الثالث من عناصر الجريمة تحت المادة 234 عقوبات هو أن يسبب الفعل الذي أتاه المتهم مضايقة للغير والمضايقة المعنية هنا هي المضايقة الفعلية وليست المضايقة المتوقعة أو المحتملة بمعنى أنه إذا لم يشاهد الفعل أحد وبالتالي لم يتضايق منه أحد فإن الجريمة لا تكتمل يقول قلدهل في كتابة المشار إليه :
“If the act is unobserved, there can be no conviction under the action There must be proof that somebody was annoyed by it”
ويقول راتنلال ( ص696) :
“Unless annoyance is caused the act will not be punishable There must be de finite evidence that annoyance was caused to a particular person or persons in general”
وهو نفس ما قضى به في محاكمة بأسيلي نيكولا وآخر ( المجلة 1967 ص 33 ):
“ … It must have been actually seen by others who were annoyed thereby”
وفي إجراءاتنا الحالية كان المكان – كما قلنا – خلوياً والوقت ساعة متأخرة جداً من الليل وقطعاً لم يكن هناك جمهور أو أي فرد منه ليشاهد ما كان يحدث بداخل العربة وحتى رجلي الشرطة المبلغين اللذين لمحا العربة عن بعد فقصداها للتحقق من أمرها لم يشاهدا شيئاً إلا بعد أن وصلا العربة فعلاً وأطلا بداخلها وحتى في ذلك الوقت لم يتبينا شيئاً يذكر من تفاصيل ما كان يجري وبذلك ينهار ركن آخر من أركان الجريمة
لهذه الأسباب مجتمعة أرى أن نمتنع عن تأييد الإدانة وأن نأمر بإخلاء سبيل المتهمين فوراً
قد يرى البعض – خاصة العامة – في هذه النتيجة أمراً غريباً وقد يدهشهم أن يمر مثل هذا السلوك بغير عقاب ولكن هذا هو الوضع في ظل القوانين السارية والمحاكم تطبق القانون كما هو ينبغي أن يكون وقد يكون في القوانين المقترحة لحماية الآداب العامة ما يغير الحال
حواشي :
(1) يبدو أن امتناع محكمة الموضوع عن توجيه تهمة للمتهمين تحت الفقرة الأولى من المادة 318 عقوبات كان سببه أن البينات المقدمة لا تكفي لإثبات حدوث الاتصال الجنسي الكامل وقد كان على المحكمة أن تدون مذكرة بذلك بدلاً من أن تترك الأمر للتخمين
(2) أرى أن العقوبة الموقعة – حتى بعد أن خفضها قاضي المديرية للنصف فيها شطط شديد ويبدو أن ما أدى لهذا التشدد هو ما لقيته أحداثها من اهتمام عام بسبب وظيفة المتهم الأول ( ضابط إداري ) ولكن فات على المحكمتين أن ما لقيه المتهمان من عقاب اجتماعي وربما عقاب وظيفي قد يغني عن أية عقوبة محسوسة أخرى
26/7/1981 26/7/1981
القاضي : أحمد الأمين سعد القاضي وقيع الله عبد الله
أوافق أوافق

