قضية نفقة الزوجة المحترفة
المحكمة العليا
القضاة:
صاحب الفضيلة الشيخ الصديق أحمد عبد الحي قاضي المحكمة العليا رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ عبد الرازق محمد مختار قاضي المحكمة العليا عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ حنفي إبراهيم أحمد قاضي المحكمة العليا عضواً
قضية نفقة الزوجة المحترفة
قرار النقض نمرة / 109 /1980
الصادر في يوم الثلاثاء 4 شعبان 1400هـ
الموافق 17/ 6/ 1980
المبادئ:
الأحوال الشخصية للمسلمين – النفقة – الزوجة المحترفة – الموافقة على عملها – الأمر بالترك – وجوب تحديد تاريخ النشوز
1- الزوجة المحترفة إذا منعها زوجها من العمل وعصته فلا نفقة لها ما دامت غير منصاعة لأمره بالترك حتى ولو كانت اشترطت عليه الاستمرار فيه أو وافق هو عليه لأنه شرط يخالف ما يقتضيه العقد وهو سكنها في منزل الزوجية وبالتالي فله أن يعدل عنه في أي وقت شاء
2- يتعين على المحكمة أن تحقق وتتوصل إلى تاريخ رفض الزوجة أمر زوجها لها بترك العمل لكي يتضح وقت نشوزها الذي ينبني عليه استحقاقها النفقة من عدمه
الوقائع
أقامت المطعون ضدها الدعوى الابتدائية أمام محكمة الخرطوم/على/ الطاعن بطلب نفقة زوجية وجاء في دعواها عليه أنها زوجته ومطيعة له وتستحق عليه النفقة ومقصر فيها وطلبت الحكم بما قدرته من تاريخ قطع النفقة 10/10/1976م
أجاب محامي المدعى عليه بأن المدعية زوج لموكله وأنكر دعواها الطاعة وقال أن موكله طلب منها الطاعة فرفضت عدة مرات ولا تستحق النفقة – قبل أن تبحث المحكمة موجبات الطاعة طلبت من محامي المدعى عليه البينة على النشوز وهنا أجاب محامي المدعية بأن المدعى عليه مغترب عن السودان أكثر من 16 شهراً حيث يعمل بالخارج ولا يوجد عنده مسكن بالخرطوم ولم يطلب منها البقاء في منزل الزوجية كما لم يطلب منها مرافقته إلى مقر عمله ومستعدة الآن لمرافقته
استمعت المحكمة إلى بينة النشوز التي أحضرها المدعى عليه شهد الأول بأن المدعى عليه أرسل له خطاباً في فبراير 1977 من السعودية وطلب منه الذهاب إلى زوجته ليفهمها بأن تترك العمل بوزارة الصحة وتذهب إلى قرية الدرادر وقال الشاهد أنه ذهب إلى المدعية في أبريل 1977 واخبرها بأمر الخطاب فرفضت وقالت أنها لا يمكن أن تتفاهم في ترك العمل ونوقش الشاهد بما لا علاقة له بشهادته المحددة في موضوع معين
وشهد الثاني بأنه أيضاً استلم خطاباً في 2/1/1976 من المدعى عليه وجاء في الخطاب بأن تلتزم الزوجة بشروط ثلاثة:
1- تترك العمل
2- تقيم مع أهلها في الدرادر
3- على أن تعمل داية فقط
وقال الشاهد أني ذهبت إلى أهلها بعد أسبوع من استلام الخطاب وقابلت والدها لأن الخطاب معنون إلىّ مباشرة وناقشت والدها وإخوانها ورفضوا الالتزام بالشروط وطلبوا مني الإبقاء معهم لحين حضورها فبقيت معهم ثلاثة أيام ولم تحضر فسافرت ثم ذهبت لها بمقر عملها بأبي عشر وفهمتها بما دار بيني وبين والدها ومضمون الخطاب فقالت أنها لا تلتزم بالشروط الموضحة ونوقش الشاهد عن أشياء لا دخل لها بشهادته – بعد مناقشة الشاهد قال محامي المدعية إن محامي المدعى عليه وافق على عمل المدعية وقت العقد وبعد فترة طلب منها البقاء بمنزل الزوجية – رد محاميه بأن لا يوجد نص في وثيقة الزواج على أن موكله موافق على الاستمرار في العمل وأنه طلب منها ترك العمل ولكنها رفضت
هنا قال محامي المدعية بقول الرسول (أحق الشروط بالوفاء ما استحللتم به الفروج) أو كما قال وأن القاعدة الفقهية المشروط في العقد شرطاً والمعروف عرفاً كالمنصوص
ثم أحضرت المدعية بناء على طلب المحكمة بينة قدرت المناسب قلة وكثرة وتحرت عن دخله من مصلحة العمل – وأصدرت حكماً بنفقة قدرها 120 جنيهاً شهرياً اعتباراً من 10/10/1976 وجاء في أسباب الحكم أن المدعى عليه قبل عند العقد بأن تعمل الزوجة وليس له بعد ذلك منعها من العمل
قدم المحكوم عليه الطعن بالاستئناف أمام قاضي مديرية الخرطوم في المدة القانونية وجاء في الطعن أن المحكوم لها ناشز والمقادير المفروضة كثيرة وأجاب محامي المستأنف ضدها بأن النشوز لم يثبت أمام المحكمة الابتدائية وأن المقادير مقبولة
أصدرت محكمة الاستئناف قرارها بتعديل النفقة لتكون 75 جنيهاً شهرياً بدلاً من 120ج وتأييد الحكم فيما عدا ذلك وجاء في الأسباب أن ما حكمت به المحكمة الابتدائية كثير ويجب تعديله ولم تتعرض المحكمة إلى نقطة الطعن في النشوز
صدر حكم الاستئناف في 14/2/1980 وفي 11/3/1980 قدم الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا
وجاء في عريضة الطعن بأن المطعون ضدها ناشز لأن الطاعن طلب منها ترك العمل والبقاء بمنزل الزوجية وأثيرت هذه النقطة وأهملت والمقادير كثيرة
أجاب محامي المطعون ضدها على عريضة الطعن بأن الطاعن لم يقدم دليلاً واحداً على النشوز وأضاف بأن الطاعن مسافر للسعودية وأنه حين تزوجها كانت تعمل ثم هجرها وسافر وفجأة قطع عنها النفقة والمقادير المحكوم بها ليست كثيرة لأن التحري الذي ورد وهو دخل الممرض مع أن الطاعن مساعد طبي وطلب رفض الطعن
(الأسباب)
الطعن استوفى إجراءاته الشكلية وفي الموضوع فإن الوقائع تشير إلى أن الطاعن دفع دعوى النفقة الزوجية بالنشوز وأدعى أن زوجته المطعون ضدها تعمل ممرضة وطلب منها ترك العمل فرفضت
لم تنكر المطعون ضدها أنها رفضت ترك العمل ولكنها ادعت أنها اشترطت على زوجها أن تعمل ووافق على ذلك وقت عقد الزواج فشرط العمل التزم به الطاعن وهو شرط يجب الوفاء به ومن أحق الشروط التي يجب الوفاء بها
وبناء على ذلك صدر الحكم الابتدائي باستحقاقها للنفقة وفرض النفقة لها لأن زوجها وافق عند عقد الزواج على عملها فلا يحق له بعد ذلك أن يطالبها بترك العمل لأن ما وقع أثناء عقد الزواج من شروط الوفاء بها وجاء تأييد حكم الاستئناف لقرار المحكمة الابتدائية
فهل أصابت المحكمتان في قرارهما باستحقاق المطعون ضدها للنفقة
الإجابة على ذلك تتوقف على الرجوع للنصوص الشرعية وما أصدره قاضي القضاة في هذا الشأن
وبالرجوع إلى النصوص الشرعية في صفحة 58 من كتاب الأحوال الشخصية معرض الآتي:
((إذا اقترن عقد الزواج بشرط فإن كان غير صحيح صح الزواج ولغي الشرط ولا اعتبار له فلا يجب الوفاء به إلى أن قال وغير صحيح هو ما لا يقتضيه العقد كاشتراط الزوجة أن تسكن في بيتها أو اشتراط الزوج أن نفقتها على نفسها))
وعليه فإن شرط الإستمرار في العمل شرط غير صحيح لأنه يخالف ما يقتضيه العقد وهو السكن في منزل الزوجية ولا يجب الوفاء به وللزوج أن يعدل عنه في أي وقت شاء
وورد أيضاً في الجزء الأول من كتاب الأبياني ص237 المادة 169 الزوجة المحترفة التي تكون خارج البيت نهاراً إذا منعها زوجها وعصته وخرجت فلا نفقة لها ما دامت خارجه
وتؤيد هذه النصوص ما جاء في المذكرة القضائية 27 بتاريخ 18/4/1970 بأن خروج الزوجة للعمل بدون إذن أو موافقة زوجها يعتبر خروجاً عن طاعة الزوج تسقط به النفقة الزوجية
وعليه فإن الشرط الذي ورد في صلب العقد غير ملزم للزوج ولا يجب الوفاء به إلا لدى علماء الحنابلة التي أورد المحامي النصوص التي استشهد بها – وبما أن العمل بالمحاكم الشرعية السودانية بالمذهب الحنفي فالشرط باطل ولا يجب الوفاء به عندهم
وتعتبر الزوجة المطعون ضدها ناشزاً لرفضها أمر زوجها بترك العمل متى أمرها زوجها بترك العمل – هذا ما لم يكن واضحاً في التحقيق الذي جرى في المرحلتين والشاهدان لم يتفقا على تاريخ واحد فالحكم للزوجة جاء غير صحيح لأنها لا تستحق النفقة من تاريخ نشوزها ويجب التحقيق في تاريخ نشوزها حتى تعطى النفقة المستحقة لها وتحرم منها يوم امتنعت عن طلب زوجها ترك العمل وبناء على ما تقدم فإن الحكم الابتدائي المؤيد بحكم الاستئناف جاء غير صحيح ومخالف للقانون
(لـذا)
قررنا قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع إلغاء الحكمين المطعون فيهما وإعادة الأوراق لتسير المحكمة الابتدائية في الدعوى من جديد على ضوء الأسباب

