حكومة السودان ضــد محمد دياب محمد علي وآخر
محكمــة الاســتئناف
القضــاة:
سيادة السيد بشارة إبراهيم بشارة قاضي محكمة الاستئناف رئيساً
سيادة السيد بشرى الطاهر قاضي محكمة الاستئناف عضواً
سيادة السيد يوسف محمد الحسن بادي قاضي محكمة الاستئناف عضواً
حكومة السودان ضــد محمد دياب محمد علي وآخر
م أ/أ س ج/369/1980م
المبادئ:
- إجراءات جنائية – إجراءات التفتيش دون صدوره بموجب أمر قضائي – أثره
- إجراءات جنائية – العيوب الشكلية غير الجوهرية – أثرها
1- ذا لم تتم إجراءات التفتيش بموجب أمر قضائي فإن كل الإجراءات اللاحقة تصبح باطلة ولا أثر لها
2- إذا شابت إجراءات التفتيش عيوب شكلية غير جوهرية لا يضار منها المتهم في دفاعه ولا تؤثر في النتيجة النهائية لوزن البينات المقدمة فيجب إلا يحول العيب الشكلي في إجراءات التفتيش بين المحكمة وإدانة المتهم
المحامــون: كامــل عبد الرازق
الحكـــم
القاضي يوسف محمد الحسن بادي:
23/12/1980 :
بتاريخ 13/10/1980 أدانت محكمة جنايات الخرطوم جنوب المتهمين (المستأنفين) بمقتضى المادة 4 من قانون الحشيش والأفيون وقضت بسجن كل منهما عاما من تاريخ المحاكمة
أيد قاضي المديرية الإدانة والعقوبة وضد قراره يستأنف الآن الأستاذ كامل عبد الرازق مستنداً إلى ما أشار إليه من أخطاء وعيوب شكلية شابت إجراءات التفتيش –تمثلت في عدم فتح البلاغ قبل إجراء التفتيش وفي دخول منزل المتهمين عن طريق الحائط في عدم إبراز أمر التفتيش ساعة تسلق الحائط وفي عدم تدوين المضبوطات في كشف موقع عليه بواسطة المتهمين وفي عدم تنفيذ الأمر بواسطة الشخص الموجه إليه وفي عدم تواجد الشهود ساعة تسلق البوليس للحائط وفي عدم تقديم (الإناء) الذي يدعي البوليس أنه وجده بداخله (المضبوطات) كل ذلك بما يسقط الآثار والبينات المترتبة على ذلك التفتيش التزاما بنص القانون وبالمحافظة على حريات المواطنين وحرمات مساكنهم كذلك ينعي المستأنف على الاتهام فشله في تقديم البينة المباشرة المتمثلة في أقوال (الجندي) الذي قام بشراء (البنقو) من منزل المتهمين قبل التفتيش كما يشير إلى ما شاب إفادات شهود الاتهام من تناقضات بما يلزم تفسيره لصالح قضية الدفاع
واضح إذن أن جوهر الاستئناف قد تركز على (العيوب) الشكلية المتصلة بقبول البينة المقدمة أكثر مما يتعلق بجوهر الوقائع المتمثلة في حيازة المتهمين (للبنقو) المضبوط لديهما والسؤال إذن هو: هل ترقى تلك (العيوب) الشكلية إلى درجة بطلان الإجراءات والبينات التي استندت عليها إدانة المتهمين؟
باستقراء البينات المقدمة في هذه المحكمة نجد أن التفتيش قد تم بموجب أمر تفتيش عام موقع عليه بواسطة قاضي مختص وأنه قد تم تنفيذه في حضور شاهدين كما دونت عليه قائمة (المضبوطات) التي وجدت لدى المتهمين دون أن يكون عليه توقيع للشهود أو المتهمين
بالنظر إلى حيثيات محكمة أول درجة نجدها قد قبلت بينات شهود الاتهام برمتها وأسست إدانتها للمتهمين على شقين أولهما واقعة مباشرة المتهمين (لبيع) البنقو وثانيهما (حيازة) المتهمين للبنقو المضبوط (40 جراما) وهنا أجدني متفقا مع المستأنف فيما نعاه على البينة المتعلقة بواقعة (البيع) فطالما أن الاتهام قد فشل في تقديم البينة المباشر لتلك الواقعة والمتمثلة في شهادة (الجندي) الذي قام بالشراء فإن تلك الواقعة تصبح برمتها موضع شك معقول ويتعين ألا تؤسس عليها المحكمة إدانة للمتهمين أما فيما يتعلق بواقعة (الحيازة) وعلى الرغم مما نعاه المستأنف على إجراءات التفتيش من عيوب وأخطاء شكلية فإنني أجد أن البينة المقدمة كانت كافية لإدانة المتهمين بعد مرحلة الشك المعقول بما يتعين معه تأييد تلك الإدانة لما يلي من أسباب
إن أول تساؤل ينبغي أن تطرحه المحكمة في مثل هذه الحالة هو:
س1: هل تمت إجراءات التفتيش بموجب أمر قضائي؟ إن كانت الإجابة بالنفي فنستطيع أن نقرر بأن كل الإجراءات اللاحقة تصبح باطلة ولا أثر لها
حكومة السودان ضد بابكر محمد بابكر وآخرين SIJR \- (1966)- P 15-16-
“…… We think that as search or inspection, made without a warrant (except in searches during pursuit; CCPS 67 or under the like provision), is not only illegal, but the result of such a search or inspection should have no effect on the proceedings before the magistrate
فإن التساؤل الثاني هو:
س2: هل شابت إجراءات التفتيش أخطاء وعيوب جوهرية تؤثر على نحو مباشر في حكم المحكمة النهائي بمعنى آخر هل البينات المقدمة في قضية الاتهام رغم وجود العيوب الشكلية في إجراءات التفتيش تكفي لاقناع المحكمة بإدانة المتهم بعد مرحلة الشك المعقول؟
إن كانت الإجابة على الشق الثاني من هذا التساؤل بالإيجاب فيلزم ألا تحول تلك العيوب الشكلية في إجراءات التفتيش بين المحكمة وإدانة المتهم
إن المسوغ الفقهي لهذه القاعدة قد لا يحتاج منا لكثير اجتهاد أو ذكاء وفي كلمات القاضي البريطاني الموجزة: Mellor J in Jones V Owen (1870)- :
It would be adangerouis obstacle to the administration of justice if we were to hold, because evidence was obtained by illegal means It could not be used against a part charged with an offence
وعلى هذا المنوال سار قضاء المحاكم البريطانية وفق ما أوجزه العلامة (Cross) في مؤلفه: 4th ed P 281- (Cross on Evidence :
“Turing to the English authorities on the admissibility of evidence procured in consequence of an illegal search or other unlawful act, they are uniformaly in favour of its reception although there are not may of them”
نلاحظ هنا بأن القضاء الإنجليزي لم يفرق بين ما إذا كان التفتيش قد تم بموجب أمر قضائي أو بدونه وفضل قبول البينة على إطلاقها في حين أن قضاءنا أخذ موقفا وسطا فأبطل الآثار المترتبة على التفتيش الذي تم بدون أمر قضائي (وهو وضع ماثل للقضاء الأمريكي) وأخذ بالبينة المترتبة على أمر التفتيش المشوب بالأخطاء الشكلية غير الجوهرية والتي لا يضار منها المتهم في دفاعه المبين
وهنا يلزم أن نشير إلى قضاء سابق من محكمة الاستئناف في قضية:
حكومة السودان ضد أبو البشر أبكر خميس النشرة الشهرية – مايو 1976) حيث وردت إشارة مفادها أن مبدأ البطلان في الإجراءات – لا أساس له في قانوننا- استناداًَ إلى مدلول المادة 261 إجراءات جنائية وفي يقيني أن (البطلان) هو صفة ملازمة لكل إجراء مخالف لنصوص القانون- وتستطيع السلطة الاستئنافية بموجب سلطاتها في الفحص (257 إجراءات ج) ورغم الحاجز الزمني الوارد في الفقرة الرابعة تلك المادة أن تلغى أو تبطل أي إجراء أو أمر مخالف لنصوص القانون أو خارج عن اختصاص محكمة الموضوع
ولنا في قضاء المحكمة العليا المشار إليه في قضية بابكر محمد بابكر خير دليل ومثله قضاء محاكمنا في حكومة السودان ضد حاج بلال الإمام (النشرة – أكتوبر 1978)
حكومة السودان ضد أمين هاشم وآخر (النشرة – أبريل 1979)
حكومة السودان ضد مصطفى محمد عثمان (النشرة – أكتوبر 1978)
يتعين علينا بعد ذلك أن نتساءل ما هي العيوب الجوهرية التي قد يضار منها وتؤثر على نحو محسوس في حكم المحكمة النهائي
لقد أبان لنا القانون في المادة 73 إجراءات جنائية كيفية تنفيذ أمر التفتيش فذكر وجوب تواجد شاهدين محايدين وإعداد قائمة بالمضبوطات يوقع عليها الشهود كما أوجبت المادة 74 من ذات القانون حضور شاغل المكان الذي يجري تفتيشه أو من ينوب عنه لإجراءات التفتيش
هذه هي الضوابط الأساسية التي نص عليها القانون وعدم الالتزام بها يجعل إجراءات التفتيش معينة على نحو يؤثر في قرار المحكمة النهائي فإجراء التفتيش في غياب الشهود أو في غياب شاغل المحل لابد وأن يؤخذ في البينة على نحو يجعل آثار التفتيش موضعاً للشك المعقول
أما فيما عدا ذلك من تجاوزات متمثلة في عدم فتح البلاغ قبل إجراء التفتيش العام أو في عدم دخول المحل عن طريق الباب وفي عدم إبراز الأمر ساعة تسلق الحائط وفي عدم تنفيذ الأمر بواسطة ذات الشخص الموجه إليهالخ كل ذلك لا يعدو أن يكون تجاوزات شكلية وقانونية لا يضار منها المتهم في دفاعه ولا تؤثر في النتيجة النهائية لوزن البينات المقدمة ومثل ذلك عدم إعداد قائمة منفصلة بالمضبوطات لم يوقع عليها الشهود طالما أن المضبوطات قد دونت في أمر التفتيش نفسه وأكد الشهود مضمونها أمام المحكمة
يتعين أن نبين هنا نقطة هامة حول إلزامية فتح البلاغ قبل إجراء التفتيش فالقانون قد أشار إلى إجراءات التحري والتحقيق السابق للتفتيش في حالات معينة هي:
حالات إبراز المستندات والأشياء المماثلة التي يستوجبها التحري (م/68/أج)
وحالات التفتيش عن الأموال المسروقة والأموال التي ارتكبت في شأنها جريمة (م/71/أج)
وحالات التفتيش عن الشخص المحبوس بغير وجه مشروع (م/72/أجج)
وفيما عدا ذلك فإن القانون لم يشر إلى ما يستفاد منه وجوب حدوث إجراءات تحري سابقة للتفتيش – وينضوي تحت هذا البند حالات التفتيش أثناء المطاردة (م/67/أج) والتفتيش العام (م/69/أج) والأخير قصد منه تغطية الحالات والحوادث ذات الطبيعة غير المحدودة والمستعجلة حيث أجاز القانون للقاضي أن يسمح بإجراء التفتيش دون الالتزام بالضوابط المنصوص عليها في المادة (68أج)
لكل ما تقدم نستطيع أن نقرر بأن العيوب التي شابت إجراءات التفتيش في الإجراءات المعروضة أمامنا كانت عيوبا ثانوية ولم يضر منها المتهمين في دفاعهم كما لم تهتز بسببها عقيدة المحكمة النهائية في الإدانة – ومن ثم صحت إدانة المتهمين بعد مرحلة الشك المعقول بقي ما أشار إليه المستأنف من تفارق في بعض جزئيات إفادات بعض الشهود – وهو في يقيني تفارق لا يعتد به ولا يؤثر على جوهر إفادات الشهود بحسبانه تباين طبيعي وبديهي يعزى لتبيان ذكاء الشهود ومقدرة كل منهم على الاستيعاب وقوة الملاحظة
العقوبـــة:
انتقل بعد ذلك للعقوبة – ولقد استوقفني ملياً تلك المذكرة التي ذيل بها قاضي الجنايات حيثيات الإدانة – لما انطوت عليه من انفعال عاطفي ومفاهيم خاطئة للأداء القانوني- إذ صب القاضي جام غضبه وسخطه على ممثل الدفاع في كلمات مريرة جاء فيها بأنه آسف "لأن تجار الحشيش قد وجدوا من ينبري للدفاع عنهم" ولمدى الاسفاف الذي تردى فيه العمل القانوني"
أما المتهمين أنفسهم فقد رأى القاضي بأنه يجب على المحاكم أن تضرب بقوة على أمثالهم "وأن يعدل القانون" بتنفيذ عقوبة الإعدام "عليهم"
وأشهد بأنني كنت دائماً من محبذي تشديد العقوبة على الجرائم ذات الصبغة الوبائية إلا أن المفهوم الذي اتسم به هذا التعليق جعلني أقف ملياً أمام هذا الانفعال العاطفي في تطبيق القانون
ابتداء ما كان ينبغي أن يصدر مثل هذا المنطق من محكمة ملتزمة بتطبيق القانون ومن البداهة ما كان ينبغي أن يكون لأي قانون مثل ذلك التصور الخاطئ لمهمة الدفاع عن المتهمين
لقد حدد القانون (م/3/أج) ومن قبله الدستور (م/62/63/68/69) تلك المبادئ التي يتعين أن تسترشد بها المحاكم أثناء مباشرتها لإجراءات التقاضي – فالمتهم دوما برئ إلى أن تثبت إدانته دونما شك معقول – وله في سبيل ذلك مطلق الحق في أن يستعين بالاستشارة القانونية المستقلة كما أن له الحق في أن يختار بحرية من يمثله في التقاضي وفقا للقانون – وعلى الدولة في حالة الجرائم الخطيرة أن تمد المتهم بمن يدافع عنه من المحامين إذا عجز عن ذلك وعلى الدولة أن تتحمل النفقات المترتبة على ذلك كل ذلك نص عليه الدستور وبينه القانون- والحكمة من وراء كل ذلك واضحة وجلية وهي معاونة المحكمة في الوصول إلى القرار السليم وفق قواعد الإثبات المطبقة
إن الانفعال والتشنج والتأذي بالخصم خصال لا مجال لها في العمل القضائي – وقديما أوصى الإمام عمر قاضيه (أبو موسى الأشعري) رضوان الله عليهما – قائلاً:
"وإياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالخصوم والتنكر عند الخصومات فإن القضاء في مواطن الحق يعظم الله به الأجر ويحسن به الذكر" – ولعل في قول الله تعالى من سورة المائدة ما يبين ذلك المنهاج – حيث يقول:
(يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)
إذاً ما كان يجدر بالمحكمة أن تنساق وراء تيار الانفعال وهي بصدد إنزال العقوبة بالمتهمين وحري بها أن تزن كلماتها وتعليقاتها بميزان الموضوعية والتجرد- وأن تضع نصب عينها فقه السياسة العقابية من حيث جسامة أو ضآلة الجرم المنسوب للمتهم وأن توازن بين عامل الردع في العقوبة وبين الآثار السلبية المترتبة عنها سواء على المتهمين أنفسهم أو على من يعتمدون عليهم في حياتهم
ففي القضية المعروضة أمامنا نجد أن كمية (البنقو) التي أدين بحيازتها المتهمين لا تتجاوز الأربعين جراما وهي كمية نستطيع أن نصفها بالضآلة كما أن المتهمين ليسا على درجة متساوية من حيث المسئولية الجنائية فالأول منهما هو صاحب الدار والثاني هو شاب صغير في مطلع حياته ومن ثم يتعين إلا يتساويا في العقوبة الموقعة عليهما
بقيت ملاحظة أخيرة أشير فيها إلى ما اتسم به أسلوب المحكمة البياني من أخطاء نحوية كقولهما قبض على المتهمان – والحشيش مع المتهمان" ولعل ذات الملاحظة تنسحب على مذكرة محكمة ثاني درجة حيث جاء على سبيل المثال أن الكمية التي ضبطت مع المتهمان – وأن المدانانالخ
كل ذلك لابد وأن يهز من قدر وأثر الحيثيات التي وردت فيها ويتعين أن يستوعب القاضي حداً أدنى من ضوابط اللغة وقواعدها ليتفادى بها مثل هذه الزلات اللغوية والنحوية والأبجدية
أرى إن وافـق الزملاء – أن ننزل بالعقوبة الصادرة في حق المتهمين على النحو التالـي:- ( أ )
المتهم الأول: السجن لمدة ستة أشهر من تاريخ سريان الحكم الأول
المتهم الثاني: -
(1) السجن لمدة ثلاثة أشهر من تاريخ سريان الحكم الأول
(2) الغرامة خمسين جنيهاً وبعدم الدفع السجن ثلاثة أشهر أخرى
(ب) نؤيد الأمر بإبادة البنقو المضبوط
22/12/1980:
القاضي بشرى الطاهــر:
أوافــق
د بشارة إبراهيم بشارة:
أوافــق

