حكومة السودان ضــد كرار محمد سليمان وآخرين
محكمــة الاســتئناف
القضــاة:
سيادة السيد محمد حمزة الصديق قاضي محكمة الاستئناف رئيساً
سيادة السيد مكي عثمــان قاضي محكمة الاستئناف عضواً
سيادة السيد عبد المنعم محمد الخضر قاضي محكمة الاستئناف عضواً
حكومة السودان ضــد كرار محمد سليمان وآخرين
م أ/أ س ج/321/1980م
المبادئ:
- قانون الجمارك – ضرورة إعلان مجهولي العنوان بالنشر في الجريدة الرسمية المادة 219 من قانون الجمارك
- قانون الجمارك – ضرورة تصديق النائب العام أو مدير الجمارك للفصل في أية قضية جمارك – المادة 21/1 من قانون الجمارك
- إجراءات جنائية – الحاجز الزمني في المادة 257/4 متى يجوز تخطيه
1- يجوز تخطي الحاجز الزمني المنصوص عليه في المادة 257/4 من قانون الإجراءات متى كان قرار محكمة الموضوع باطلا ومنعدماً أو مخالفا لنص صريح في القانون
2- تعتبر إجراءات المحاكمة بالنسبة للمخالفات الجمركية باطلة ما لم يكن هناك تصديق من النائب العام أو مدير الجمارك
3- إذا غادر المتهم السودان بعد ارتكابه لمخالفة جمركية وكان عنوانه مجهولا فإنه لا تجوز محاكمته ما لم يتم إعلانه بالحضور عن طريق النشر في الجريدة الرسمية
المحامــون: حيدر إبراهيم سليمان
الحكـــم
القاضي عبد المنعم محمد الخضر:
23/11/1980 :
هذا استئناف مقدم من محامي المتهمين ضد قرار السيد قاضي المديرية الشمالية الصادر بتاريخ 13/7/1980 والمؤيد لحكم السيد قاضي المقيم بوادي حلفا الصادر بتاريخ 25/3/1980 والقاضي بإدانة المتهمين تحت المواد 203/(1)(أ) 204(أ) و 208 من قانون الجمارك والمواد 4 و5 و13 من قانون تصدير الحيوانات واستيرادها سنة 1913
قبل أن نتعرض للأسباب التي وردت في هذا الطلب أرى أولا أن نبحث هل هذا الطلب مقبول من ناحية الشكل
هذه القضية بلا شك من قضايا الجمارك وقد نظم قانون الجمارك لسنة 39 وتعديلاته اللاحقة طرق تقديم الاستئناف في قضايا الجمارك
فقد نصت المادة 224 من قانون الجمارك على أنه
"يرفع الاستئناف بعريضة مكتوبة من المحكوم عليه أو من النائب العام إلى :-
( أ ) الشخص المفوض من أي قرار أو حكم أو كليهما صدر في قضية جمركية من محكمة كبرى أو من قاضي مديرية يجلس بصفته قاضياً من الدرجة الأولى
(ب) قاضي المديرية من أي قرار أو حكم أو كليهما صدر في قضية جمركية من قاضي من الدرجة الثانية أو قاضي من الدرجة الأولى غير قاضي المديرية
وتنص المادة 225-ا على أنه:-
"يجب تقديم عريضة الاستئناف المشار إليها في المادة 224 خلال أربعة عشر يوماً من تاريخ صدور القرار أو الحكم
وتنص المادة 226 على أنه :-
يجب على الشخص المفوض أو قاضي المديرية على حسب الأحوال أن يرسل صورة من عريضة الاستئناف إلى النائب العام أو إلى المحكوم عليه أيهما يكون المستأنف ضدهالخ"
هذه هي المواد التي نظمت إجراءات الاستئناف في قضايا الجمارك وبمراجعة هذه المواد نجد أن أنها تقصد تنظيم إجراءات الاستئناف أمام الشخص الذي يفوضه وزير المالية وأمام محكمة المديرية ونجد أن قانون الجمارك لم يتعرض إلى الطريقة التي يرفع بها الاستئناف ضد أحكام وقرارات محكمة المديرية أو محكمة الاستئناف ولا نجد نصا في ذلك القانون يجعل نتيجة الاستئناف أمام محكمة المديرية هي أحكام نهائية ومن هنا نجد أن القانون الواجب التطبيق هو قانون الإجراءات الجنائية إذ أنه القانون صاحب الولاية العامة إذ أن قانون الجمارك هو قانون خاص
عند تطبيق قانون الإجراءات الجنائية يمكننا أن نعتبر الطلب الذي تقدم به محامي المتهمين هو طلب للمحكمة لاستخدام سلطاتها في الفحص لفحص قرار السيد قاضي المديرية
لقد قدم هذا الطلب في 28/8/1980 وقد صدر قرار السيد قاضي المديرية في 13/7/1980 وعرضت أمامي الأوراق الآن 16/11/1980 وهذا يعني أنه قد مضت أكثر من ثلاثة أشهر من تاريخ تصرف السيد قاضي المديرية وبمعنى آخر هل يمنعنا هذا الحاجز الزمني من فحص هذه الإجراءات إلى ما قبل سابقة حاج بلال الإمام (نشرة أكتوبر نوفمبر ديسمبر – 78) فقد تواتر قضاء المحكمة العليا على أن مضى مدة ثلاث أشهر من تاريخ التصرف في القرار يعتبر حاجزاً مانعاًَ من فحص القرار ولكن بعد تلك السابقة أصبح من الممكن تخطى ذلك الحاجز الزمني إذا كان القرار باطلا ومنعدما أو إذا خالف نصا صريحاً في القانون وقد أسست محكمة استئناف شرق السودان حكما لها في قضية حكومة السودان ضد مصطفى محمد عثمان (نشرة أكتوبر نوفمبر ديسمبر 1979) ص 131 بناء على سابقة حاج بلال المذكورة وجاء في حكمها على ص 133 فإذا قيل أن المحكمة العليا أسست قضاؤها في السابقة المشار إليها على أساس البطلان فهذا صحيح ولكنها لم تؤسسه على بطلان قرار محكمة الموضوع بسبب عدم الاختصاص فحسب بل مخالفة ذلك القرار لنص صريح أيضا
ونخلص من هذا أنه يمكننا أن نتخطى الحاجز الزمني المنصوص عليه في المادة 257-4 إذا كان قرار محكمة الموضوع باطلاً ومنعدما أو إذا كان مخالفاً لنص صريح في القانون
والآن هل يمكننا أن نطبق المعايير التي وضعتها هاتين السابقتين على هذه القضية
أول ما نتعرض له في هذا الخصوص هو تصدي محكمة الموضوع للفصل في هذه القضية وكما ذكرت في بداية هذه المذكرة أن هذه القضية من قضايا الجمارك ومن ثم فإنها تخضع لإجراءات قانون الجمارك والمادة 215-1 من قانون الجمارك هي التي تحكم هذا الموضوع وتقرر متى تتصدى المحاكم لقضايا الجمارك وتنص هذه المادة على أنه:-
"يتولى النائب العام أو المدير إقامة قضايا الجمارك أمام محكمة مختصة ننظرها طبقا لأحكام هذا القانون"
ومن هذا النص يبدو واضحا أن المحكمة لا يمكن أن تتصدى لنظر قضية جمارك إلا إذا أقيمت هذه القضية بواسطة النائب العام أو مدير الجمارك
وقد جاء المنشور الجنائي رقم 58 شارحاً لهذه المادة إذ جاء فيه:-
المادة 215-1 من قانون الجمارك لسنة 1939 تنص على أن سلطة تقديم قضايا الجمارك محصورة في وكيل وزارة العدل (النائب العام) ومدير الجمارك وهذا يعني أنه ليس لأية محكمة حق النظر والفصل في أية قضية جمارك إلا بعد أن يصلها تصديق وكيل وزارة العدل (النائب العام) أو مدير الجمارك وأن بعض المحاكم تنظر وتفصل في قضايا الجمارك دون التصديق المشار إليه وبما أن هذا التصرف غير صحيح قد يؤدي إلى بطلان الإجراءات فإني ألفت نظر جميع المحاكم إلى مراعاة شروط المادة 215-1 جمارك"
ومن هذا يتضح أن الإجراءات سوف تكون باطلة إذا باشرت المحكمة نظر قضية الجمارك بدون تصديق من النائب العام أو مدير الجمارك فهل هناك تصديق لمحكمة الموضوع من أي من النائب العام أو مدير الجمارك بالفصل في هذه القضية
بالنسبة لمدير الجمارك لم أجد في أوراق القضية أي تصديق لاجراء المحاكمة ولا أمر بتحديد العقوبة التي يريد المدير توقيعها ولا طلب بمصادرة الأشياء المستولى عليها وكل ما هناك يوجد خطاب موجه من مفتش جمارك وادي حلفا إلى رئيس شرطة وادي حلفا يطلب منه تسليم صور من إعلانات الحجز للمتهمين للتوقيع عليها وإعادتها له لتكملة الإجراءات وقد سلمت محكمة الموضوع هذا الخطاب مستند اتهام (1) وبناء عليه باشرت نظر الدعوى ولكن في الواقع نجد هذا الخطاب موجه من مفتش الجمارك لأمن المدير موجه إلى الشرطة وليس إلى المحكمة ويطلب فيه إعلان المتهمين ولا من قريب أو بعيد لمحاكمتهم بل ذلك فيه أن الإجراءات لم تكتمل لهذا فإن هذا المستند لا يعتبر تصديقا من مدير الجمارك
أما بالنسبة للنائب العام ففي هذه القضية أمور غريبة حقا
فالمدعي العام بمذكرته نمرة د/ن ع/216/498 والمؤرخة بتاريخ 21/10/79 والمعنونة إلى القاضي المقيم بوادي حلفا والموجودة في يومية التحري نجد أن المدعي العام في هذه المذكرة وبعد أن قام بتلخيص كل البيانات والوقائع الواردة في هذه القضية طلب شطب البلاغ ضد المتهمين وطلب بإرجاع المحجوزات لهم ويبدو لي أن القاضي المقيم لم يقتنع بهذا وأرسل خطاباً آخر للمدعي العام ولم أجد صورة منه مع أوراق هذه القضية ولذلك لم أتمكن من معرفة محتوياته ولكن المدعي العام قام بالرد عليه بخطابه رقم دنع/216-498 وأشار فيه إلى خطاب القاضي المقيم المذكور وأعاد أوراق البلاغ للسير في إجراءات المحاكمة حسب قناعة المحكمة التي يحترمها والملاحظ في الأمر أنه لا القاضي المقيم ولا قاضي المديرية ولا الخطاب الأخير من المدعي العام أشار إلى مذكرة المدعي العام الأولى والتي يطلب فيها شطب البلاغ وهذا وضع غريب فكيف لم يطلع القاضي المقيم وقاضي المديرية على مذكرة النائب العام الأولى مع أنها معنونة له وموجودة في يومية التحري؟ وكيف فات على الشخص الذي كتب الخطاب الأخير من ديوان المدعي العام أن يشير إلى المذكرة الأولى والتي تحمل نفس الرقم وكانت بتاريخ 21/10/1979 في حين أن تاريخ الخطاب الأخير 14/1/1980 إزاء كل هذا فإن ما ورد في الأسطر التي أرسلها ديوان النائب العام مؤخراً لغوا ولا أثر له ولا يعتبر النائب العام قد سمح بمحاكمة المتهمين لأنه لم يشر إلى تلك المذكرة الأولى بأنه ألغاها صراحة وأنه يملك الصلاحية لإلغائها
أخلص من كل هذا إلى إن محاكمة الموضوع عندما باشرت نظر هذه القضية خالفت نص المادة 215 من قانون الجمارك إذ أنه لم يكن لديها إذن من النائب العام ولا مدير الجمارك وحسب المنشور الجنائي رقم 58 فإن إجراءاتها تكون باطلة ومخالفة للقانون"
وطالما وصلنا إلى هذه النتيجة فإنه يمكننا باطمئنان أن نطبق المعايير التي أرستها سابقة الحاج بلال ونتخطى الحاجز الزمني ونفحص حكم محكمة المديرية والمؤيد لحكم محكمة الموضوع
وابتداء نلاحظ أن السيد قاضي المديرية ذكر في صدر مذكرته بأن النائب العام لم يوصي حسب ما جاء في المحضر بحفظ بلاغ ونحن معه في أن محضر المحاكمة لا يحوي هذا إذ أن موضوع حفظ الإجراءات عادة لا يكون في محضر المحاكمة إذ كيف تحفظ الإجراءات وبعد أن يفتح محضر المحاكمة وكما سبق وأن ذكرنا بأن مذكرة المدعي العام بشطب البلاغ موجودة في يومية التحري ومرفقة بها
نأتي بعد ذلك إلى ملاحظات على حكم محكمة الموضوع لم يتطرق إليها قاضي المديرية لقد ذكرت محكمة الموضوع في حكمها وعلى ص 36 من المحضر أنه مثل أمامها جميع المتهمين ما عدا ثلاثة منهم خارج البلاد والثالث توفى إلى رحمة مولاه واعتبرت المحكمة محامي هؤلاء المتهمين وكيلاً عنهم واستمرت في الإجراءات ضدهم ذاكرة أنها تطبق المادة 219 من قانون الجمارك والمادة 241 من قانون الإجراءات الجنائية وهذا إجراء خاطئ إذ أن إقحام المادة 241 من قانون الإجراءات الجنائية في هذه المرحلة ليس له أي مبرر كما وأن المحكمة لم تطبق المادة 219 من قانون الجمارك تطبيقا صحيحا إذ تنص المادة 219 من قانون الجمارك على أنه :-
"يجوز للمحكمة أن تستمر في سماع قاضيا الجمارك والفصل فيها أو في طلب إعادة النظر أو الاستئناف المرفوع عن أي حكم نهائي صادر في القضية المذكورة في غياب المتهم بشرط أن أمر تكليف المتهم بالحضور قد أبلغ إليه في السودان أو لوكيله المعين لذلك في السودان لهذا الغرض أو إذا ترك المتهم السودان وكان عنوانه مجهولاً ونشر في الجريدة الرسمية إعلان تكليفه بالحضور على أنه لا يجوز الخ"
وبالنظر إلى هذه المادة تجعلها تشمل ثلاثة حالات:-
الحالة الأولى أن يكون المتهم موجود في السودان وتم إعلانه أو إعلان وكيله وبالرغم من ذلك غاب فإنه يمكن الاستمرار في محاكمته
والحالة الثانية وهي أن يكون المتهم قد ترك السودان وكان عنوانه معروفا بواسطة القنصلية أو المحضر المحلي ولكنه غاب وفي هذا الحالة يمكن استمرار المحاكمة في غيابه
والحالة الثالثة وهي أن يكون المتهم قد ترك السودان وكان مجهول العنوان وهنا لا يمكن استمرار محاكمته غيابياً ما لم ينشر الإعلان في الجريدة الرسمية
وفي القضية التي أمامنا ذكرت محكمة الموضوع أن اثنين من المتهمين تركا السودان وأن عنوانهم غير معروف وهذه هي الحالة الثالثة وبالرغم من ذلك اعتبرت المحكمة إن المحامي وكيلا عنهما واستمرت في الإجراءات ضدهما بدلا من أن تتخذ الإجراءات المنصوص عنها في المادة 219 وهي أن تعلنهم بالنشر في الجريدة الرسمية طالما أنهما مجهولي العنوان وبالتالي فإن إجراءات محاكمة هذين المتهمين تعتبر باطلة لمخالفتها لنص المادة 219 من قانون الجمارك وهذين المتهمين هما المتهم الأول والمتهم الرابع
إن هذه الأخطاء الإجرائية ومخالفة نصوص القانون هي التي منحتنا حق التدخل لفحص الإجراءات كما ذكرنا سابقا وهي نفس الأسباب التي تجعلنا نلغي محاكمة المتهمين ونأمر بإعادة المحاكمة مرة أخرى بعد اتخاذ الإجراءات السليمة التي نص عليها قانون الجمارك
23/11/1980: 24/11/1980:
القاضي مكي عثمان: القاضي محمد حمزة الصديق:
أوافـق أوافـق

