حكومة السودان ضــد عمر اسحق حسب الله
المحكمــة العليــا
القضــاة:
سعادة السيد عمر بخيت العوض قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد حسن علي أحمد قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد الأمين محمد الأمين تاتاي قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضــد عمر اسحق حسب الله
م ع/م ك/12/1980م
المبادئ:
قانون جنائي- عدم تكافؤ المتعاركين لا يحول دون أن تكون الغلبة للطرف الضعيف
قانون جنائي- الاستفزاز المتبادل- لا اعتبار لمن بدأ بالاعتداء- المادة 249/4 قانون العقوبات
1- إذا كان الاستفزاز متبادلاً فلا اعتبار في هذه الحالة للتساؤل عن أي من الطرفين بدأ بالاستفزاز أو سبق بالاعتداء
2- إن القانون لا يتطلب تكافؤ المتعاركين في العدد والعدة متى قامت أسباب المعركة المفاجئة وتحققت عناصرها وإن عدم التكافؤ لم يحل دون أن تكون الغلبة للطرف الضعيف
الحكـــم
10/9/1980:
القاضي حسن على أحمــد:
هذه إجراءات محكمة كبرى عقدت برهيد البردي بتاريخ 27/11/1979 لمحاكمة المتهم عمر إسحاق حسب الله تحت المادة 251 من قانون العقوبات لقتله المتوفى طه آدم هارون لقد وجدته المحكمة مذنباً تحت التهمة الموجهة إليه وقضت بإعدامه شنقاً حتى الموت
رفعت أوراق هذه القضية أمام هذه المحكمة للتأييد بموجب المادة 250 من قانون الإجراءات الجنائية مشفوعة بطلب استرحام من المتهم يطلب فيه تخفيف العقوبة عليه حيث انه يعول أسرة كبيرة
الحقائق التي اعتقدت المحكمة الكبرى في صحتها وأسست عليها إدانة المتهم أوجزتها باقتضاب شديد ومخل في ملخص بيناتها على النحو التالي ذلك أنه بتاريخ الحادث ذهب المتهم عند منتصف الليل لمنزل شاهدة الاتهام الخامسة فطومة محمد عبد الله بقصد الاتصال بها جنسيا لغياب زوجها في تلك الليلة وعند دخوله منزل الشاهدة كشف المتوفى أمره وحاول القبض عليه ولكن المتهم هرب ولحق به المتوفى وأمسكه فقاوم المتهم القبض للدرجة التي استل سكينه وطعن بها المتوفى وأرداه قتيلاً
كما هو واضح فقد اختزل رئيس المحكمة الكبرى تفاصيل الشكلة التي نجم عنها الموت اختزالاً شديداً في حين أن تفصيلات ما حدث وارد في إفادة شاهدي الاتهام الثالث والرابع وفي أقوال المتهم نفسه
جاء في إفادة شاهد الاتهام الرابع صلاح الدين محمد علي- أنه في ليل الحادث كان بمنزله عندما سمع حركة في الشارع وأنه جرى نحو مصدرها ووجد المتهم والمتوفى متماسكين وحاول حجزهما وأن المتهم قد عضه في يده ثم أن المتهم (قد استل سكين المتوفى وطعنه بها مرتين وأنهما وقعا سوياً على الأرض وأنه أمسك المتهم من الخلف وأنه أخذ من المتهم السكين- وجدعها بعيدا هذا الشاهد أدلى بأقوال مختلفة تماما للمتحري دونت على الصحيفة الثالثة من يومية التحري إذ ذكر أنه في ليل الحادث كان نائماً بمنزله حينما استيقظ على أثر حركة ناس جارين وشاهد شخصين يجريان من جهة منزل المتوفى وعرف أنهما المتهم والمتوفى وكان المتهم يجري أمام المتوفى وأنه جرى وراء المتهم ولحق به قبل المتوفى وأمسكه من الخلف وأن المتهم عضه في إصبعه وفي هذه اللحظة وصلهما المتوفى وخنق المتهم وأنه صار بينهما عندما استل المتهم سكين المتوفى وطعنه بها طعنتين واحدة بالإبط الشمال والثانية في الظهر الشمال وأن المتوفى وقع على الأرض ووقع المتهم فوقه وأنه أيضاً كان فوق المتهم قول الشاهد هذا يوافق ما جاء في أقوال المتهم وأقوال شاهد الاتهام الثالث فقد جاء في أقوال المتهم أن شاهد الاتهام الرابع هو الذي لحق به أولاً وأمسكه وصار يتصارع معه وأنه قد عضه ليطلقه وبعد ذلك جاء المتوفى وبدأ يضربه بعكاز وأنه تمكن من إمساكه من قميصه وجره نحوه واستل منه سكينه وطعنه بها في أماكن لا يعرفها ثم وقعا سوياً على الأرض وأنه كان راكباً فوق المتوفى وأن شاهد الاتهام الرابع كان لا يزال ممسكاً به ووقع فوقه عندما كان هو راكب فوق المتوفى أما شاهد الاتهام الثالث – أبكر بركه جبريل- أنه حوالي العاشرة مساء من ليل الحادث سمع حركة وسمع شخصاً يناديه باسمه وأنه ذهب نحو مصدر الصوت وهناك وجد المتوفى واقعاً على الأرض والمتهم كان راكباً فوقه ووجد شاهد الاتهام الرابع راكباً فوق المتهم من خلفه ويحاول أن يأخذ السكين من المتهم وأنه أي شاهد الاتهام الثالث تمكن من أخذ السكين من المتهم
والحقيقة عندي من كل ذلك هي أن المتهم جاء لمنزل شاهدة الاتهام الخامسة – فطومة- ليواقعها ويظهر أنه كان هنالك وعد سابق بينهما لأن زوجها كان غائباً من المنزل وأنه عندما دخل عليها لم تنكره ولكنها كانت خائفة من المتوفى الذي جاء لمنزلها مرتين قبل مجيء المتهم يتفقدها ويبدو أنه أيضاً كان يعلم باحتمال مجيء المتهم لفطومة إذ أنه جاء بعد مدة وجيزة من دخول المتهم لمنزل فطومة وعند مجيء المتوفى ولى المتهم هارباً وجرى المتوفى خلفه وهنا ظهر شاهد الاتهام الرابع صلاح الدين – الذي أيضاً يظهر أنه كان يترقب مجيء المتهم لفطومة – وجرى أيضاً خلف المتهم ولسرعته تمكن من اللحاق بالمتهم قبل المتوفى وأنه أمسك به وجرده من سكينه ورمى بها بعيداً ثم جاء المتوفى وبدأ يخنق المتهم ثم انثنى يضربه بعكاز وفي هذه اللحظة تمكن المتهم من الإمساك بالمتوفى وأخذ منه سكينه وطعنه بها طعنتين ثم بعد ذلك وقعا سوياً على الأرض وكان المتهم فوق المتوفى وكان الشاهد صلاح الدين فوق المتهم بعد ذلك جاء شاهد الاتهام الثالث ووجدهم على هذا الوضع وتمكن من أخذ السكين من المتهم وبعد ذلك بقليل فارق المتوفى الحياة
جاء في قرار الطبيب أنه بعد الكشف على الجثة قد وجد جرحاً قطعياً في أسفل الظهر من الجهة اليسرى طوله حوالي ثلاثة أرباع بوصة وعمقه 2 بوصة وجرح قطعي آخر في الإبط الأيسر طوله حوالي ثلاث بوصات وعمقه بوصة واحدة مع تقطيع الشرايين في هذه المنقطة إذ يوجد بهذه المنطقة عدد كبير من الشرايين وأدى ذلك إلى نزيف كان السبب المفضي للوفاة لقرب الطعنة من القلب
ومن هذه الحقائق أجد أن المتهم على أقل تقدير كان يعلم أن الموت سيكون النتيجة الراجحة لفعله إذ أنه استعمل أداة خطيرة واستهدف بها مواضع حساسة وحيوية من جسم الإنسان بها عدد كبير من الشرايين ولقربها من القلب – مما جعل حدوث الموت يأتي مباشرة لهذه الطعنات وكنتيجة طبيعية لها أي أن هنالك رابطة سببية قوية من واقعة الطعن وحدوث الموت
لا أجد أن المتهم كان يمارس حقاً للدفاع عن النفس عندما طعن المتوفى وسبب موته لأنه ليس للمعتدي أن يجني ثمار عدوانه أن فطومة التي جاء المتهم لمنزلها بالليل في غياب زوجها لمضاجعتها هي قريبة المتوفى ومن حقه مراقبتها ومنع أي شخص من الزنا بها وإذا ما وقعت محاولة من هذا القبيل فمن حقه أن يقبض عليه أو على الأقل يتعرف عليه ومن ثم كانت المطاردة ومن هذه الأحوال لا يسمح للمتهم أن يثير حق الدفاع الشرعي وتصبح الحالة واحدة من حالات المعارك المفاجئة نشبت أثر مشاجرة أو خصام مفاجئ وتحصيل هذه المشاجرة أو الخصام المفاجئ أنها نجمت من دخول المتهم ليلا لمنزل قريبة المتوفى في غياب زوجها بقصد مضاجعتها واكتشاف المتوفى لهذه الحقيقة أن كان صدفة أو عن ترصد وترقب إذ ليس من الضروري في كل الأحوال أن تنشب المشاجرة أو الخصام المفاجئ نتيجة لمشاحنة كلامية فقد تكون هناك صور شتى لنشوب هذا الخصام مثل الفعل الذي أتاه المتهم –هذا الفعل الذي يكون في واقع الأمر أشد وقعاً على النفس وأكثر إثارة واستفزازاً من مجرد الكلام وهل كان سبب التخفيف تحت الاستثناء (الاستثناء الرابع) إلا الاستفزاز كما هو الحال في الاستثناء الأول مع فارق أن المجني عليه في الاستثناء الأول يجب أن يكون هو البادئ بمعنى أنه هو الذي استفز الجاني الذي قتله تحت تأثير الاستفزاز أما هذا الاستثناء فإن الاستفزاز متبادل ولا اعتبار في هذه الحالة أي من الطرفين بدأ بالاستفزاز أو سبق بالاعتداء
وحدوث الاستفزاز على النحو الذي أوضحنا يكون قد تحقق ركن المعركة المفاجئة الأول وهو المشاجرة أو الخصام المفاجئ ثم يتطور الخصام المفاجئ إلى مطاردة ثم تماسك بالأيدي وتشتعل شرارة المعركة ثم يستعر أوارها عندما يتمكن شاهد الاتهام الرابع من قبض المتهم من الخلف وتجريده من سكينه مما مكن المتوفى من ضرب المتهم ضربات متلاحقة من عكازه وهنا شعر المتهم بالخطر المحدق به وأوى إلى ركن شديد من قوة شبابه وأمسك المتوفى من قميصه وجذبه نحوه وتمكن من أخذ سكين المتوفى من ذراعه وسدد منها طعنتين للمتوفى وبعدها وقعا سوياً على الأرض متقابضين وكان شاهد الاتهام الرابع لا يزال ممسكاً بالمتهم من الخلف يحاول أخذ السكين من المتهم ولا يقوى على ذلك حتى جاء شاهد الاتهام الثالث وتمكن من أخذها منه
كما يتضح أنها معركة غير متكافئة ولكن متى كانت المعارك متكافئة؟ أن القانون لا يطلب تكافؤ المتعاركين في العدد والعدة متى قامت أسبابها وتحققت عناصرها وأن عدم التكافؤ لم يحل دون أن تكون الغلبة للطرف الضعيف
فالعراك هنا لم تعد له العدة من قبل وانما حصل فجاءة ولم يصمم أي من الطرفين أو يدبر أمر المعركة وبالتالي ما نجم عنها من جريمة وقعت وليدة الساعة والظروف
كذلك لم أجد أن المتهم قد استغل ظرفا لم يكن متاحاً لخصمه حيث أنه عندما بدأت المشاجرة كان كل من المتوفى والمتهم مسلحاً بسكين وعندما تطورت المشاجرة إلى معركة جرد المتهم من سكينه وصار بلا سلاح وأنه عندما شعر بالخطر الماثل على حياته أخذ سكين المتوفى منه عنوة وطعنه بها فهو يكون قد استعمل السلاح الذي كان متاحاً له في تلك اللحظات الحرجات فهو بذلك لم يستغل فرصة غير متاحة لخصمه بل استغل تكتيكا لم يفطن إليه خصمه وهل الحرب إلا خدعة؟ كما استغل قوته الذاتية أحسن استغلال في الوقت المناسب مما مكنه من التغلب على مناجزه
كذلك لا أجد أن المتهم قد سلك سلوكاً قاسياً أو غير عادي فقد سبب للمتوفى جرحاً قطعياً في أسفل الظهر لم يشكل أي خطورة على حياة المتوفى وجرحاً آخر في الإبط الأيسر لم ينفذ إلى القلب ولكنه تسبب في تقطيع الشرايين الكثيرة الموجودة في تلك المنطقة وأنه عندما سدد ذينك الطعنتين لم يكن في حالة يحسن معها تحديد المواقع ولو كان في إحكامه وهو في ذلك الموقف الحرج لكنت أخاله اختار أماكن أكثر خطورة من تلك التي سدد نحوها طعناته العشوائية
وعليه أجد أن المتهم سبب موت المجني عليه في معركة مفاجئة نشبت إثر خصام مفاجئ دون سابق إصرار وفي حدة العاطفة ومن غير أن يستغل المتهم الظروف أو يسلك سلوكاً قاسياً أو غير عادي مما يعدل من طبيعة الجريمة من القتل العمد للقتل الجنائي تحت المادة 253 من قانون العقوبات
وعليه أرى أن تعدل الإدانة من المادة 251 إلى المادة 253 من قانون العقوبات وأما فيما يتعلق بالعقوبة وبالنسبة لقبول أهل القتيل للدية واستلامها أرى أن تعدل العقوبة إلى خمس سنوات ابتداء من 25/11/1979

