حكومة السودان ضــد وليم سعيد نسيم
المحكمــة العليــا
القضــاة:
صاحب السعادة السيد خلف الله الرشيد رئيس القضاء رئيساً
سعادة السيد محمد الفضل شوقي قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد أحمد التجاني عبد الهادي قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضــد وليم سعيد نسيم
م ع/م ك/110/1980م
المبادئ:
- قانون جنائي- الدفع بموجب المادة 249/6- اعتماده على ضوابط ومعايير – عدم تطبيقه على أي شخص أرتكب جريمة قتل
إن الدفع الخاص بالمسئولية المخففة والذي تضمنته الفقرة السادسة من المادة 249 عقوبات يجب أن يثبت للمحكمة من البينات أو تصرفات المتهم أو بينة الأخصائي المختص بالموضوع أنه دفع يعتمد على ضوابط ومعايير ولا يمكن أن نطبقه على أي شخص ارتكب جريمة قتل لمجرد عدم عثورنا على الدافع
المحامــون: حسين عثمان وني
الحكـــم
القاضي أحمــد التجاني عبد الهادي:
24/12/1980:
هذه إجراءات محكمة كبرى عقدت بالخرطوم برئاسة القاضي حسن النور مثل أمامها المتهم وليم سعيد نسيم ليواجه تهمة إزهاق روح القتيلين إبراهيم محمد إبراهيم وعثمان محمد
بتاريخ 22/7/1980 أدانت المحكمة تحت المادة 251 عقوبات جريمة القتل العمد وحكمت عليه بالإعدام شنقاً حتى الموت بموجب المادة250 من قانون الإجراءات الجنائية رفعت لنا هذه القضية كما تقدم لنا محامي المتهم يطعن بالنقض ضد القرار المشار إليه
الوقائع تتلخص في الآتي:-
بتاريخ 8/8/1979م حوالي الساعة السادسة والنصف أبلغ رجل البوليس إبراهيم علي البشير شاهد الاتهام الخامس بأنه عندما كان في طريقه إلى قسم البوليس الشرقي بعد انتهاء نوبته في حراسة منزل السفير الأثيوبي بشارع أفريقيا بالخرطوم جاءه ولد صغير وأخبره بأن شخصاً يحمل مسدسا تهجم على والده خف الشرطي مع الولد إلى مكان الحادث بمنزل بود ريان والذي يقع في مواجهة الكنيسة الأثيوبية في تقاطع أفريقيا وشارع47 بالخرطوم (2)
خارج المنزل وجد الشرطي المتهم وليم سعيد نسيم متشابكا مع الشاهد عبد الله الزين دقاش ووجد مسدسا على الأرض
أخذ الشرطي المسدس وقبض على المتهم وقد أخبره الشاهد أن المتهم قتل إخوانه لم يذهب الشرطي لمكان الحادث داخل منزل بود ريان بل أخذ المتهم لقسم البوليس وبلغ الحادث تحرك المتحري لمنزل بود ريان وهناك وجد جثة المرحوم إبراهيم محمد إبراهيم في غرفة كي الملابس وهو يعمل سفرجياً مع بود ريان كما عثر في الغرفة الثانية – وهي غرفة الخدامين على جثة عثمان محمد الذي يعمل خفيراً مع بود ريان أيضاً وكلا القتيلين مخنوقين بالحبل تم نقل الجثتين للمستشفى جاء التقرير الطبي أن سبب الوفاة هو اسفكسيا الخنق اتضح من التحري أن المتهم وليم سعيد نسيم وهو مهندس ديكور مشهور بالخرطوم اعتاد أن يقوم بأعمال الديكور والأعمال الفنية الأخرى للشاهد جون اسكندر بود ريان شاهد الاتهام الثامن في يوم الحادث وقبل السادسة صباحاً جاء المتهم إلى منزل بود ريان وذكر الشاهد عبد الله الزين أن المتهم أيقظه من النوم وسأله عن مفتاح باب الخواجة (يعني بود ريان) وهدد المتهم الشاهد بمسدس كان يحمله ورد الشاهد عبد الله بأنه لا يعرف المفتاح أمر المتهم الشاهد بأن يدخل غرفة بالمنزل وتحت تهديد المسدس أرغم المتهم الشاهد على الدخول في الغرفة بعد أن أمسك يد الشاهد وحاول أن يربطه بالحبل ولكن الشاهد عبد الله قاوم ونجح في إسقاط المسدس من يد المتهم ودخلا في عراك عنيف حتى خرجا من المنزل حيث حاول المتهم التخلص من عبد الله والهروب وطلب الشاهد عبد الله من الطفل أبكر إبراهيم أن يحضر شرطياً
أثناء دخول الشاهد الغرفة رأى جثة المرحوم عثمان محمد على أرض الغرفة عثر بمنزل المتهم على حبال تمت مقارنتها مع الحبال التي استعملت في خنق القتيلين واتضح أنها من نفس المادة ولكن تختلف في عدد الفتلات اعترف المتهم قضائياً بارتكابه للجرم الطعن الذي ولى به الأستاذ ونى محامي المتهم حوى مذكرة مطولة بذل فيها كثيراً من الجهد ولكنه ركز أساسا على التفاصيل وكنا نود لو ركز السيد المحامي على النواحي القانونية والتي هي محل الطعن في هذه المرحلة
وتتلخص أسباب الطعن في الآتي:-
1- الوقائع التي بنت عليها المحكمة الكبرى قرارها جاء أكثرها مرتكزاً على بينات لم تثبت وإنما توصلت إليه بني على أسس لم يسندها الاتهام ولا ظروف الحادث ويرى السيد – المحامي أن هذا الأمر خطير وقد ضرب أمثلة لذلك
2- الاعتــــراف:
يرى السيد المحامي أن الاعتراف الذي أدلى به المتهم للقاضي في يومية التحري والذي عدل عنه في المراحل التالية جاء مخالفا للقانون لأنه جاء نتيجة خوف وتهديد وإرهاب للمتهم كما أن الجو والمناخ الذي أخذ فيه الاعتراف لم يعطي المتهم الحرية أو الأمان للإدلاء بهذا الاعتراف ويرى السيد المحامي أن قبول هذا الاعتراف والأخذ به في إدانة المتهم فيه مخالفة للقانون
3- أخطأت المحكمة في استنتاج الوقائع والبينة الظرفية التي اعتمدت عليها في الإدانة
4- أخطأت المحكمة عندما قررت أن المتهم سليم العقل وأنه في وقت الحادث لا يعاني من أي اضطراب عقلي
إن على الاتهام إثبات أن المتهم كان سليم العقل وليس على المتهم إثبات العكس إن المتهم يعاني من اضطراب في العقل مما يجعله يستفيد من الاستثناء السادس من المادة 242 عقوبات كما تعرض السيد محامي المتهم بالتفصيل إلى أقوال الشهود محاولاً إثبات التناقض والخلاف
وقبل مناقشة النقاط التي أثارها المتهم أرى أن تحسم النقطة الجوهرية في القضية والطعن معا وهي التي ترتكز عليها المحكمة في إدانة المتهم وهذه النقطة هي اعتراف المتهم بارتكاب الجريمة لنحدد ونقرر إذا كان هذا الاعتراف صدر بالطريق القانوني الصحيح أم لا وفي يوم الحادث أدلى المتهم باعتراف قضائي بصفحتي 15 و 16 من يومية التحري أمام القاضي محمد الطيب قاضي جنايات الخرطوم وسط أقر فيه بأنه خنق الطباخ والخفير وأنه كان في حالة غضب شديد ولا يدري كيف فعل فعلته هذه
السيد محامي المتهم يرى أن المتهم عدل عن الاعتراف وأن العدول يجب أن يؤخذ في الاعتبار لأن الاعتراف نفسه أخذ بطريق التهديد والوعيد وفي مناخ غير مطمئن وآمن للمتهم
أننا نرى أن السوابق القضائية استقرت على أن الاعتراف المعدول عنه لا يلغي الاعتراف جاء في قضية حكومة السودان ضد حسن محمد حمودي م ع/م ك/481/78 حيث قال "ولكنه يتطلب أن تسأل المحكمة نفسها عن قيمة الاعتراف وعما إذا كان الاعتراف يشتمل على الحقيقة وقد ذكرت المحكمة (مشيراً إلى قضية: حكومة السودان ضد ماريكا بير – المجلة القضائية 1961 صفحة 23) أن هذا المبدأ تمليه ضرورات الحكمة والتعقل ولم تكن هناك بينة أخرى غير الاعتراف المعدول عنه
في قضية ماريكا التي أشرنا إليها سابقا قال السيد رئيس القضاء آنذاك السيد أبو رنات ما يلي:-
The retraction of a confession, does not cancel the confession but it puts the court on in query as to its value, its voluntary character, and the probability of its being true Prudence and caution require any court not to rely on a confession without corroborative evidence The corroboration should not only to confirm the general story of the alleged crime, but must also connect the accused with it
في قضية حكومة السودان –ضد- مصطفى عبد الله موسى مجلة الأحكام الشهرية يوليو سنة 1976 م ع/م ك/64/76 أوضحت هذه المحكمة الغرض من قبول الاعتراف كبينة ومن تقييمه وإعطاءه الوزن وقالت أن هناك فرقا بين الكفتين فعمليه القبول تعني أخذ الاعتراف ضمن الأدلة وعملية التثبيت هي قبول الاعتراف كأساس ترتكز عليه الإدانة وعليه فإن مجرد العدول عن الاعتراف والطعن في صحته لا يسلبه أي قيمة أو يجعله دليلاً بلا وزن ولكن لمحكمة الموضوع الحق في قبول ذلك الجزء الذي يتفق مع الأدلة الأخرى ومجريات الأمور والمنطق السليم وعليها أن تفحص كل الظروف المحيطة بالاعتراف وأسباب العدول عنه وقد أيدت المحكمة ذلك في قضية حكومة السودان ضد عوض الله بلال ساكت/م ع/59/77 حيث أشارت إلى المناقشة القانونية القضائية التي قررتها المحكمة العليا في قضية السودان ضد حسن همام دهب- (المجلة القضائية سنة 1972 صفحة 212)
وعليه يمكن أن نخلص إلى العدول على الاعتراف لا يفقده قيمته ولا يجعله بينة مرفوضة وعلى المحكمة أن تنظر في كل الظروف المحيطة بالاعتراف لتحدد إلى أي مدى يمكن مطابقته للبينات والأدلة الأخرى ومجريات الأحداث وظروف الحادث
لقد ادعى محامي المتهم أن الاعتراف لم يؤخذ في جو محايد بالنسبة للمتهم كما ادعى بأن المتهم لم يفرق بين القاضي الذي سجل الاعتراف والبوليس المتحري وأن الاعتراف أخذ في مكتب البوليس مما لا يتحقق معه الطمأنينة والحيدة للمتهم هذه الدفوع تتهاوى أمام ما يثبت من بينات لقد أدلى المتهم باعترافه عن طواعية واختيار كما أيد ذلك القاضي محمد الطيب الطاهر شاهد الاتهام التاسع الذي سجل اعتراف المتهم القضائي وقد كانت أقواله واضحة ومؤكدة بأن الاعتراف أخذ بالطريق القانوني الصحيح
وقد حرص القاضي محمد الطيب على سؤال المتهم عن ضربة كانت بوجهه وقد رد المتهم بأنها كانت نتيجة لمعافرته مع الشخص الذي قبض عليه وهذا حرص مقدر من القاضي على ألا يسجل الاعتراف إذا ثبت له أن الضربة في وجه المتهم كانت نتيجة تعذيب أو تهديد لحمله على الاعتراف أما مسألة عدم تفريق المتهم بين القاضي والمتحري من البوليس فهذه فرية لا تقوى على المناقشة لأن المتهم بصفحة 57 من المحضر وباستجوابه أمام المحكمة الكبرى ذكر أنه كلم القاضي (نفس الكلام الذي أملوه علي) وهذا يكشف أن المتهم كان يعلم أنه يدلي باعتراف أمام القاضي وليس أمام رجل بوليس وجود مكتب القاضي برئاسة البوليس ليس له تأثير على حيدة الجو أو المناخ لتسجيل الاعتراف وعليه نقرر أن هذا الاعتراف لم تعتريه أية شائبة تشكك في صحته أو قبوله كبينة ضد المتهم ولكن ذكرنا أنه من الخطورة إدانة المتهم باعتراف معدول عنه ولا بد من بينات أخرى ظرفية أو غيرها تؤيد وتعضد وتسند ذلك الاعتراف
لم تعتمد المحكمة على بينة أو على اعتراف المتهم المعدول عنه بل هناك بينة ظرفية قوية وهي ما جاءت في أقوال شاهد الاتهام عبد الله الزين دقاش شاهد الاتهام السادس ذكر هذا الشاهد أن المتهم أيقظه من النوم يوم الحادث وسأله عن مفتاح باب الخواجة ثم أرغمه على دخول الغرفة بالتهديد بالمسدس وأنه ربط يد الشاهد بالحبل ثم نجح بالإفلات منه وإبعاد المسدس وأنه رأى جثة المرحوم في الغرفة وأنه قبض المتهم حتى حضور البوليس وفي ذلك الوقت كانت ترقد جثتا القتيلين رغم أن الشاهد لم يرى المتهم يخنق أيا من الضحيتين إلا أن وجود المتهم بمسرح الحادث ومحاولته لربط الشاهد بالحبل يؤيد الاعتراف الذي أدلى به المتهم وبأنه خنق القتيلين
ونتفق مع المحكمة بأن المتهم قصد أن يلحق بالشاهد عبد الله بنفس مصير زميليه لأنه ربط يده وحاول أن يوثق الرباط لولا لطف الله بالشاهد ونجح في الإفلات من المتهم وهذه ليست الشهادة أو البينة الوحيدة التي توفرت للمحكمة بوجود المتهم في مسرح الحادث ووقت ارتكابه هناك بينة الشاهد أبكر إبراهيم أبكر والذي أخذت أقواله على اليمين في حضور المتهم بصفحة 37 من يومية التحري الذي ذكر أنه عندما استيقظ من النوم رأى المتهم جاثماً على جسم عبد الله وهو الذي ذهب لاستدعاء البوليس كما أن وجود المسدس مع المتهم وهو في زيارة لأداء عمل بالمنزل – أمر غير عادي وحضور المتهم المبكر للمنزل كما أن وجه تشابه الحبال التي استعملت في خنق القتيلين مع الحبال التي وجدت في منزل المتهم يشكل قرينة ضد المتهم
وعليه نرى أن هذه البينات الظرفية متماسكة ومتناسقة وأنها تشير في قطعية ويقين إلى أن المتهم ارتكب هذه الجريمة وبالتالي فإنها تعزز وتسند الاعتراف المفصل الذي أدلى به المتهم
والشهادة الظرفية في نظرنا لا يمكن الاعتماد عليها في إدانة المتهم في قضية خطيرة مثل هذه إلا إذا كانت متماسكة الحلقات ومتصلة وتشير في وضوح بأن المتهم هو الذي ارتكب الجريمة وقد أشرنا في قضية حكومة السودان ضد رحمة بلولة البشير وآخر ع م/م ك/115/78 – إلى ما جاء في كتاب نلسون قانون العقوبات الهندي حيث قال في شرح البينة الظرفية:
In other words it must be a chain of evidence for complets so as not to leave any reasonable grounds for a conclusion consistent with the innocence of the accused And it must be such as to show that within all human probability the act must have been done by the accused
وعيه نخلص إلى البينات التي اعتمدت عليها المحكمة الكبرى والتي أثبتت أن المتهم خنق القتيلين بالحبل هي بينات قوية ومقبولة قانوناً وليس فيها ما يخالف القانون
وبما أننا اتفقنا مع المحكمة بأن المتهم خنق القتيلين بالحبل هل كان سبب الوفاة نتج من الخنق بالحبل بالنسبة للمرحومين
لقد ذكر الطبيب مختار الخاتم أحمد حسن شاهد الاتهام السابع والذي أجرى الكشف على الجثتين أنه وجد آثار دم على عنق المرحومين ووجد نزيفاً وتجلطا وآثار حبل وأن سبب الوفاة اسفكسيا الخنق أما مسألة علم المتهم بموت المرحومين نتيجة للخنق فإنها لا تحتاج إلا شخص متخصص في علم وظائف الأعضاء لأن الشخص العادي يعلم تماماً أن منع الهواء عن طريق قفل القصبة الهوائية من الإنسان يكون سبباً لموته في الحال وهذه لا تحتاج إلى علم خاص
ولذا فإن المتهم كان يدرك تماماً أن خنق المرحومين بالحبل يؤدي إلى وفاتهما وهذا أمر مرجح لقد ناقشت المحكمة الدفوع الواردة تحت المادة 249 ع وقررت أنها لا تنطبق على فعل المتهم الدفوع الخاصة بالاستفزاز المفاجئ من قبل القتيلين والدفاع عن النفس والمشاجرة كلها لا تتوفر بالنسبة للمتهم ونرى أن الدفع الوحيد الذي اعتمد عليه السيد محامي المتهم والذي ناقشته المحكمة بتوسع هو الدفع السادس من المادة 249 عقوبات المتعلق بالاضطراب العقلي وقت ارتكابه الجريمة وهو ما يسمى: “Diminishing Responsibility”
إن محامي المتهم من مجمل دفاعه في هذه النقطة يرى أن المتهم كان في حالة اضطراب عقل وقت ارتكاب الحادث ويرى أن الاتهام عليه إثبات العكس لقد أتيح لهذه الدائرة أن تناقش بإسهاب الدفع المشار إليه بالاضطراب العقلي في المادة 249ع الفقرة السادسة في قضية السودان ضد معاوية حسين أحمد م ع/م ك/95/1979م ذكرنا في القضية المشار إليها بأن هذه الفقرة لم تكن معروفة من قبل قانون عقوبات السودان لسنة 1974م في المحاكم السودانية وأنها دخلت حديثا لتشمل الحالات التي لا تحيطها المادة 50 من قانون العقوبات وقد استأنس المشرع بتشريع القتل الإنجليزي الصادر في سنة 1957 من مادته 2(1) – وأشرنا إلى كتاب كريشنا قانون القتل السوداني صفحة 243 حسب المادة 2(2) من القانون الإنجليزي فإن على الدفاع أن يثبت هذا الدفع في حالة القتل العمد ولكن الوضع هنا في السودان جد مختلف بالنسبة لعبء الإثبات لأن على المحكمة أن تناقش هذا الدفع مع الدفوع الأخرى المخففة حتى لو لم يدفع به المتهم صراحة والواضح أن هناك جناة يرتكبون جرائم وهم في حالة اضطراب عقلي أو نفسي في درجة أقرب إلى الجنون ويخرج عن درجة الإنسان السوي العاقل ولم يكن ذلك المتهم مشمولاً في القانون وليس لديه فرصة للتخفيف وكان يعامل معاملة الشخص العاقل رغم ما يتصف به من اضطراب في العقل وقد أرق ذلك بال قضاتنا وقد كان السيد بابكر عوض الله أول من أشار إلى هذا الوضع الشاذ وطالب المشرع بتعديل القانون ليشمل هذه الفئة من المتهمين وهذه الملاحظة القيمة أبداها السيد بابكر عوض الله في قضية: حكومة السودان ضد نفيسة مصطفى (المجلة القضائية 1961م صفحة 204 بعد أن أشار إلى قانون القتل الإنجليزي لسنة 1957م وأشار إلى مادته الثانية والتي ضمنت حديثاً في المادة 249ع الفقرة السادسة من قانون العقوبات قال سيادته:
Our Law of course makes n o discrimination in favour of partially insane, if I am to use that expression; but I hope that for that reason alone we should not lose sight of the consideration which prompted the English Legislature to affect a change in this important comprantant of criminal responsibility”
إن الدفع الخاص بالمسئولية المخففة والذي تضمنته الفقرة السادسة من المادة 249 عقوبات يجب أن تثبت للمحكمة من البينات أو تصرفات المتهم أو بينة الأخصائي المختص بالموضوع أنه دفع يعتمد على ضوابط ومعايير ولا يمكن أن نطبقه على أي شخص ارتكب جريمة قتل لمجرد عدم عثورنا على الدافع إن الغضب والتوتر- الإحباط النفسي لا يمكن أن يشفع لشخص يرتكب جريمة قتلأنها حالات نفسية لا يمكن أن تبيح الجريمة وقد أوضح الزميل فضل شوقي ذلك في قضية أمام جامع عبد المنعم – حكومة السودان ضد الزين محمد الزين م/ع/م ك/59/1978 وهنا قد أثار محامي المتهم دفع الجنون المؤقت وفقاً للمادة 249ع(6) عقوبات وقد ذكر الزميل فضلي ما يلي: بالرغم من أن الفقرة (6) من المادة 249 ع) استحدثت لخدمة أغراض – الاختلال العصبي الذي لا يرقى لدرجة الجنون المطبقة إلا أنه مقياس غير مطلق أو فضفاض للدرجة التي يظن بها السيد محامي المتهم بل هو في غاية الانضباط والموضوعية وكل هذه تستلزم وجود علة أو خلل يترتب عليه الاضطراب
والدفع الذي أثاره محامي المتهم بالجنون المؤقت لم يقدم السيد المحامي أية بينة لأن المتهم في أي فترة من حياته كان يعاني من أي اضطراب عقلي مهما كان نوعه ولم يقدم شهادة طبية تؤيد بل تشير ولو من بعيد أن المتهم كان يتصرف بطريقة يستشف منها وجود اضطراب عقلي أن السيد المحامي يفترض وجود العلة العقلية ويطلب من المحكمة أن تبحث عن ظروف المتهم وطريقة ارتكاب الحادث ثم تقرر وبكل بساطة بأن المتهم لا يمكن أن يرتكب هذا الجرم وهو كامل القوى العقلية وأنه لابد أن يكون يعاني من اضطراب عقلي أو جنون مؤقت
قضية السودان ضد معاوية حسين أحمد
والتي أشرنا إليها آنفا قدم الدفاع شهادة طبيب ذكر أن المتهم يعاني من اضطرابات عقلية ونوبات حادة وأنه يعاني من حالة قلق نفسي ولكن اتضح للمحكمة أن تصرفات المتهم بعد الحادث مباشرة وحتى ظهوره أمام المحكمة كانت طبيعية ورفضت الدفع بالجنون المؤقت وقد أيدناها في ذلك
وكذلك الحال في قضية إمام جامع عبد المنعم التي أشرنا إليها سابقاً فقد قدم الدفاع شهادة طبية تثبت أن المتهم شخص عاطفي سريع التأثر ولكن المحكمة رفضت الدفع لأن تصرفات المتهم كلها كانت تتم عن شخص متزن وعاقل
ولم يقدم الدفاع في هذه القضية ما يثبت أن المهم يعاني من أي اضطراب عقلي وحتى زوجته ذكرت أنه يعاني من قرحة بالمعدة فقط ولم تذكر شيئا عن تصرفات زوجها غير العادية كما أن المتهم أدلى بأقواله ولم يدع الجنون أو الاضطراب العقلي أن أقوال المتهم جاءت واضحة وقد كان تصرف المتهم في كل مراحل يتم عن سلامة عقله واتزانه
إن هذا الدفع لا أساس له ونتفق مع المحكمة بأنه لا ينطبق على فعل المتهم
إن القرار الذي توصلت إليه المحكمة سليم وليس فيه مخالفة للقانون ولقد ارتكب المتهم جريمة القتل العمد حيث أزهق روحين بريئتين وأن الدفوع التي أثارها السيد المحامي لم تتوفر بالنسبة للمتهم كان على المحكمة أن توجه تهمة لكل جريمة ضد المتهم وتصدر عقوبة منفصلة لكل جريمة ولكن بما أن الحكم قد صدر في الجريمتين فإننا لا نرى ما يدعونا للأمر بإصدار عقوبة منفصلة لكل جريمة فقط نريد أن نلفت نظر المحكمة لذلك مستقبلاً
ولذا نؤيد الإدانة وعقوبة الإعدام التي أصدرتها المحكمة ضد المتهم وليم سعيد نسيم

