حسـين آدم أحمـد طالب المراجعة // ضد // خليفة يوسف سمبو المراجع ضـده
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة القومية العليا
القضاة:
سعادة السيد / عبد الرحمن علـي صالح
قاضي المحكمة العليا
رئيساً
سعادة السيد / سعـودي كامل السيـد
قاضي المحكمة العليا
عضواً
سعادة السيد / عابـدين صلاح حسـن
قاضي المحكمة العليا
عضواً
سعادة السيد / مصطفى حسـن النـور
قاضي المحكمة العليا
عضواً
سعادة السيدة/ آمنة عبدالمجيد محمد الطيب
قاضي المحكمة العليا
عضواً
الأطراف:
حسـين آدم أحمـد طالب المراجعة
// ضد //
خليفة يوسف سمبو المراجع ضـده
الرقم م ع/ط أ/66/2011م
مراجعة/24/2012م
قانون القضاء الإداري لسنة 2005م – إلغاء القرار الإداري - حالاته – تغير الظروف المادية – أثرها على القرار السليم.
المبادئ:
1- يجوز للإدارة إلغاء القرار الإداري السليم إذا تغيرت الظروف المادية التي على أساسها صدر القرار ، وقد يرد الشرط صراحةً في القرار فيعتبر تغير الظروف المادية متى تحقق من قبيل الشروط الناسخة التي تنهي القرار نهاية طبيعية.
2- تغير الظروف المادية التي على أساسها صدر القرار يخول الإدارة حق إلغائه في بعض الحالات حتى ولو لم ينص على ذلك صراحةً في صلب القرار ، ومن تلك الحالات أن يكون السبب في إصدار القرار قيام حالة معينة فإذا انتفت تلك الحالة جاز للإدارة إلغاء القرار الذي صدر سليماً.
الحكـــم
القاضي: عبد الرحمن علي صالح
التاريخ: 15/7/2012م
هذا طلب لمراجعة حكم الدائرة الإدارية بمحكمتنا هذه في الاستئناف الإداري رقم ط أ س/66/2011م والقاضي بإلغاء حكم القاضي المختص بمحكمة استئناف أم درمان والذي قضى بإلغاء القرار المطعون فيه بالطعن الإداري رقم 23/2008م والخاص بالقطعتين 448 و449 الشقلة وإعادة تسجيلهما باسم حكومة السودان توطئة لجهة الإدارة للمعالجة القانونية وقضى منطوق الحكم موضوع المراجعة بتوجيه سلطات الأراضي لمعالجة أمر قطعة الطاعن.
كنا قد قبلنا الطعن مبدئياً وأمرنا بإعلان المقدم ضده الطلب بصورة منه للرد فتم إيداع الرد وأضحى الطلب بهذا صالحاً للفصل فيه.
تتحصل الوقائع في حدود ما يقتضيه الفصل في الطلب في أن مقدم طلب المراجعة وطبقاً لآخر عريضة معدلة ـ أقام ابتداءً الطعن الإداري رقم 23/2008م لدى القاضي المختص بمحكمة استئناف أم درمان يطلب الحكم بإلغاء العقد المبرم بين المطعون ضدها الأولى (وزارة التخطيط العمراني) والمطعون ضده الثاني (المقدم ضده طلب المراجعة) ومن ثم إلغاء سجل القطعة رقم 449 الخاصة بالمطعون ضده الثاني وإلزام المطعون ضدها الأولى بتعديل مساحة قطعة الطاعن لتكون 212 متراً مربعاً وفقاً للكروكي الصادر من مساحة أم درمان وتعويضه بمبلغ 000ر40 جنيه جبراً لما لحق به من أضرار وما فاته من مصلحة فضلاً عن الرسوم والأتعاب الاتفاقية وقدرها 3000 جنيه وقال بياناً لطعنه إنه المالك للقطعة رقم 448 مربع الشقلة (40) وفقاً لعقد الإيجار المبرم مع سلطات الأراضي بتاريخ 18/6/1996م والذي يوضح أن مساحة القطعة المذكورة 200 م . م رغم أن حيازته قبل التخطيط كانت 212 م . م وفقاً للكروكي الصادر من مساحة أم درمان وأن المطعون ضده الثاني هو الجار الملاصق له من الناحية الغربية ، وقد استقطعت له المطعون ضدها الأولى حوالي 73 م . م من مساحته التي كان يحوزها بغرض المعالجة رغم أن مساحة حيازة المطعون ضده الثاني قبل التخطيط كانت 135 م . م وفقاً للكروكي الصادر من مساحة أم درمان وأنه بتاريخ 16/4/2008م علم الطاعن بأن مساحة قطعته بالرقم 448 حوالي 186 م . م وذلك طبقاً لخطاب مساحة أمدرمان المعنون لرئيس تسجيلات أراضي أمدرمان وسط وقد استنفد الطاعن كل سبل التظلم الإداري بلا جدوى ، ولما لم يتمكن الطاعن من تسجيل قطعته لدى تسجيلات الأراضي لأن مساحتها أقل من الحد الأدنى رغم وجودها داخل الخريطة المصدقة فإن مقتضى هذا أن معالجة المطعون ضدها الأولى لقطعة المطعون ضده الثاني بالرقم 449 على حساب حيازته ينطوي على إساءة لاستعمال السلطة ومخالفُ ُ لأسس المنح بإدارة تنظيم القرى ومخالفُ ُ أيضاً لقانون المعاملات المدنية لسنة 1984م ( هكذا!) فكان الطعن الإداري بالطلبات سالفة البيان . بعد اكتمال تبادل المذكرات وسماع بينات طرفي الخصومة أصدر القاضي المختص حكمه المنوّه إليه في صدر هذه المذكرة وهو الحكم الذي ألغاه الحكم الصادر من الدائرة الإدارية بمحكمتنا هذه لما سلف بيانه.
وحيث إن الحكم الأخير لم يلق قبولاً لدى مقدم طلب المراجعة فقد طلب مراجعته بالطلب الماثل والذي ارتكز على سبب وحيد نعى به مقدم الطلب على الحكم موضوع المراجعة مخالفة القانون بدرجة ترقى لمخالفة أحكام الشريعة الإسلامية وقال بياناً لذلك ما يمكن إيجازه في أن الحكم أَخْطَأَ في تطبيق الأسس والضوابط المعمول بها في إدارة تنظيم القرى بولاية الخرطوم ذلك أن الثابت أن حيازته وفقاً للكروكي الصادر من المساحة كانت بمساحة 212 م . م بينما حيازة المقدم ضده طلب المراجعة كانت 138 م . م لذا لم يكن سليماً معالجة أمر مساحة الأخير على حساب مساحته المستوفية للحد الأدنى للتسجيل وليس صحيحاً ما ورد بالحكم موضوع المراجعة بأنه لم يثبت أن مساحة المقدم ضده طلب المراجعة أكملت اقتطاعاً من مساحته لأن البينة تثبت خلاف ذلك تماماً فضلاً عن أن الحكم أخطأ بتوصله إلى أن النزاع ينحصر بينه وبين جهة الإدارة دون المقدم ضده طلب المراجعة إذ إن هذا الأخير تتبع إجراءات جهته الإدارية التي أجرت المعالجة لصالحه على حساب مقدم طلب المراجعة وانتهى مقدم الطلب إلى طلب الحكم بمراجعة الحكم موضوع المراجعة بإلغائه واستعادة حكم محكمة الموضوع (أول درجة).
رد المقدم ضده طلب المراجعة بمذكرة خلص في خاتمها إلى طلب الحكم بشطب الطلب برسومه تأسيساً على أن الحكم طبق صحيح القانون على الوقائع الثابتة والتي أكدت أن مساحة مقدم طلب المراجعة بعد التخطيط أصبحت 186 م . م وهذه هي المساحة التي يعّول عليها وليست المساحة طبقاً للحيازة السابقة للتخطيط.
إن هذا النزاع لب الطعن الإداري وموضوعه يثير مسألة مدى حق الإدارة في إلغاء أو سحب القرارات الإدارية السليمة وهذه تنقسم إلى قسمين تلك التي لا تولد حقاً للغير وتلك التي تولد حقاً وما يهمنا في هذا المقام الفئة الأخيرة باستصحاب أن القرار الإداري موضوع الطعن الإداري الماثل صدر سليماً وقد ولّد حقاً ومركزاً قانونياً للطاعن (مقدم طلب المراجعة) وقد تم سحبه من قبل المطعون ضدها الأولى في الطعن الإداري فهل ينطوي عملها هذا على أي من الشوائب التي تعيب القرار الإداري وتوجب تدخل القضاء الإداري طبقـاً لما ورد بالمادة (6) من قانون القضاء الإداري لسنة 2005م؟ إن القاعدة المسلم بها طبقاً لما استقر عليه القضاء الإداري هي أنه من حيث الأصل لا يمكن سحب القرار الإداري السليم وقد بُنِيَتْ هذه القاعدة على أساس عدم رجعية القرارات الإدارية لأن سحب القرار الإداري ينصرف أثره إلى الماضي كما أنه لا يمكن إلغاء القرار الإداري السليم وهو الذي ينصرف أثره إلى المستقبل متى ما ولّد القرار في الحالتين المذكورتين حقاً أو مركزاً قانونياً شخصياً ، ويرتبط استقرار القرار الإداري السليم بفكرة أساسية وهي كونه ولد حقاً أو مركزاً شخصياً لأن هذا الاستقرار هو الضمان الوحيد الذي يعِّول عليه ذو المصلحة . تلك هي خلاصة قاعدة استقرار الأوامر أو القرارات الإدارية الفردية التي يترتب عليها حقوق للأفراد فهي لا تعني الجمود المطلق ولكن تعني بقاء القرار منتجاً لآثاره المشروعة ، ولكن ألا يمكن أن ينتهي القرار الإداري بفعل الإدارة وقبل أن يحل أجله الطبيعي؟ لو أجبنا على ذلك بالإيجاب لكان معناه إهدار مبدأ الاستقرار الذي أشرنا إليه فيما سبق ، لكن لا يمكن من ناحية أخرى أن يمتنع على الإدارة كلياً أن تضع حداً للقرارات الإدارية ولو كانت سليمة لأن تلك القرارات قد تقف عقبة في سبيل الصالح العام ومن ثم فقد وفق القضاء الإداري بين الاعتبارين السابقين عن طريق منح الإدارة سلطة مقيدة في أن تتدخل إذا تحققت شروط خاصة لتضع حداً للقرارات الإدارية السليمة وهذه الشروط في مجملها تدور حول فكرة أن الإدارة إذا أرادت أن تُلْغي قراراً فردياً سليماً قبل نهايته الطبيعية فعليها أن تحترم قواعد الاختصاص المحددة في هذا الخصوص وهذه القواعد قد تكون تشريعية وقد تكون مجرد قواعد القانون العام وما يهمنا في هذا المقام هو الشق الأخير ويمكن رد الأسباب العامة التي تخول للإدارة إلغاء القرارات الإدارية السليمة إلى الحالات الآتية:
أولاً: رضاء ذي المصلحة متى كان الدافع الأول لإصدار القرار الإداري مصلحة الفرد ذي المصلحة.
ثانياً: عدم احترام المستفيد للالتزامات المفروضة عليه بمقتضى القرار.
ثالثا ً: تغيير التشريع عقب إصدار القرار وفي هذه الحالة يقتصر استعمالها فقط في بعض القرارات ذوات الأثر المستمر.
رابعاً: إلغاء القرار لدواعي الصالح العام لأن القاعدة أن استقرار القرارات الإدارية إنما تقتضيه المحافظة على المصالح الخاصة وعند التعارض بين المصالح الخاصة والمصالح العامة يجب ترجيح المصلحة العامة على الأقل إذا لم يمكن التوفيق بين المصلحتين.
خامساً: وهذه التي تعنينا على وجه الخصوص في صورة الحال ، فإنه يجوز للإدارة إلغاء القرار الإداري السليم إذا تغيرت الظروف المادية التي على أساسها صدر القرار وقد يرد الشرط صراحة في القرار فيعتبر تغّير الظروف المادية متى تحقق من قبيل الشروط الناسخة التي تنهي القرار نهاية طبيعية ، ولكن تغير الظروف المادية التي على أساسها صدر القرار يخول الإدارة حق إلغائه في بعض الحالات حتى ولو لم ينص على ذلك صراحة في صلب القرار ومن تلك الحالات أن يكون السبب في إصدار القرار قيام حالة معينة فإذا انتفت تلك الحالة جاز للإدارة إلغاء القرار الذي صدر سليماً ، وبإنزال ما سلف بيانه وتحديداً في الفقرة (خامساً) على الوقائع الثابتة في الطعن الإداري محل طلب المراجعة يتضح أنه رغم أن هنالك قراراً إدارياً سليماً قد صدر لمصلحة الطاعن (مقدم طلب المراجعة) وقد ولّد هذا القرار حقاً ومركزاً له إلا أن البينة أشارت بوضوح أن هنالك تغييراً قد حدث في الظروف المادية التي صاحبت إصدار القرار وتتمثل هذه الظروف في أن القرار صدر في ضوء معطيات الرفع المساحي الأولي والذي أشار إلى أن مساحة الطاعن تربو عن الحد الأدنى المقرر قانوناً للتسجيل في القطاع السكني إلا أنه عند إجراء المسح النهائي بعد اكتمال التخطيط اتضح أن مساحة الطاعن (مقدم طلب المراجعة) أصبحت 186 م. م وهذه المساحة تقل عن الحد الأدنى لتسجيل الأرض السكنية ، وتبعاً لذلك قامت جهة الإدارة (المطعون ضدها الأولى في الطعن الإداري) بإلغاء ذلك القرار لتغير الظروف المادية التي على أساسها صدر القرار فيكون القرار المطعون فيه بهذا مبرأ من شائبة الخروج عن مبدأ المشروعية وهو مناط وجوب تدخل القضاء الإداري وتنتفي تبعاً لذلك أي من الأسباب الواردة في المادة (6) من قانون القضاء الإداري لسنة 2005م.
ولما كان الحكم موضوع المراجعة قد التزم هذا النظر فإنه يكون بمنأى عن موجبات مراجعته وأرى لذاك أن نرفض هذا الطلب موضوعاً برسومه.
القاضي: عابدين صلاح حسن
التاريخ : 16/7/2012م
أوافق.
القاضي: مصطفى حسن النور
التاريخ : 17/7/2012م
أوافق.
القاضي: آمنة عبد المجيد محمد
التاريخ : 19/7/2012م
أوافق.
القاضي: سعودي كامل السيد
التاريخ : 23/7/2012م
أوافق.
الأمر النهائي:
يرفض الطلب موضوعاً برسومه.
عبد الرحمن علـي صالح
قاضي المحكمة العليا
ورئيس الدائرة
26/7/2012م

