حكومة السودان //ضد// ع . ص .خ م ع/ غ إ/مؤبد/16/2011م
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة القومية العليا
القضاة:
سعادة السيد/ محمــد حمــد أبوســن
قاضي المحكمة العليا
رئيساً
سعادة السيد/ محجـوب الأمـين الفكــي
قاضي المحكمة العليا
عضواً
سعادة السيد/ الرشيـد التـوم محمـد خـير
قاضي المحكمة العليا
عضواً
حكومة السودان //ضد// ع . ص .خ
م ع/ غ إ/مؤبد/16/2011م
قانون الطفل لسنة 2010م – المادة (4) منه – القانون الجنائي لسنة 1991م – المادة 3(ج) منه - تعريف البالغ – مدى توافقهما.
قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م – المادة (181) منه – المحكمة القومية العليا - دوائر الولايات - اختصاصها بتأييد أحكام السجن المؤبد - أساسه.
المبادئ:
1- المادة (4) من قانون الطفل لسنة 2010م والتي عرفت الطفل بقولها ( يقصد به كل شخص لم يتجاوز سن الثامنة عشرة " لا تتوافق مع مواد القانون الجنائي وبالتالي فإنها تجئ مخالفة للدستور.
2- المجني عليها ذات السبعة عشرة عاماً التي حبلت من جراء مواقعتها جنسياً ليست طفلة وفقاً للقانون الجنائي الذي استمد من الشريعة الإسلامية.
3- اعتبار مواقعة المجني عليها اغتصاباً رغم إقرارها من شأنه أن يوقع العقوبة التعـزيرية التي نصت عليها المادة (86) من قانون الطفل وتعطيل الحد الشرعي للزنا.
4- إن دوائر المحكمة القومية العليا بالولايات تختص بتأييد أحكام السجن المؤبد بحسبان أنها تؤيد بوساطة دائرة ثلاثية ولم يصدر منشور تنظيمي أو توجيه بأن يقتصر تأييد أحكام السجن المؤبد على المحكمة القومية العليا دون دوائرها في الولايات.
الحكــم
القاضي: محجوب الأمين الفكي
التاريخ: 26/4/2011م
فتحت الدعوى الجنائية موضوع هذه الإجراءات في مواجهـة المتهم ع. ص.خ. (19 سنة) تأسيساً على أنه اغتصب أ. م.ط. (17 سنة) حتى حبلت منه سفاحاً ومن ثم قدم للمحاكمة أمام محكمة جنايات كسلا تحت المادة (146) من القانون الجنائي وجهت محكمة الجنايات التهمة إلى المتهم المذكور تحت المادة 82(د) من قانون الطفل لسنة 2010م تأسيساً على أن المجني عليها طفله حيث قضت بإدانته تحت هذه المادة وعاقبته بالسجن المؤبد اعتباراً من 7/2/2011م بجانب الغرامة 500 جنيه وفي حالة عدم الدفع السجن لمدة ثلاثة اشهر تسرى بالتتابع وأمرت بإرسال الأوراق إلى المحكمة العليا للتأييد بموجب المادة (181) من قانون الإجراءات الجنائية.
نال هذا الحكم التأييد من محكمة استئناف ولاية كسلا ، تقدم المدان بطلب يناهض فيه هذا الحكم إلى المحكمة العليا دائرة ولايتي البحر الأحمر وكسلا ، أحالت الطلب والأوراق لدائرة التأييد للاختصاص للنظر في أمر تأييد هذا الحكم.
لا بد من القول ابتداءً أن دوائر المحكمة القومية العليا بالولايات تختص بتأييد أحكام السجن المؤبد بحسبان أنها تؤيد بوساطة دائرة ثلاثية ولم يصدر منشور تنظيمي أو توجيه بأن يقتصر تأييد أحكام السجن المؤبد على المحكمة القومية العليا دون دوائرها في الولايات ، دائرة التأييد بالمحكمة القومية العليا شكلت وفقاً لنص المادة 17(2) (ب) من قانون الهيئة القضائية تعديل لسنة 1995م وهي دائرة خماسية التشكيل تختص بالنظر في أمر تأييد أحكام الإعدام (حداً ، قصاصا ، تعزيراً ) وأحكام القطع والقطع من خلاف . ما كان ينبغي إحالة هذه المحاكمة للمحكمة القومية العليا – بوساطة دائرتها بولايتي البحر الأحمر وكسلا للتأييد لاختصاصها بذلك . على كل ما دامت الأوراق وضعت أمامنا مكتملة وقرينها طلب من المدان ولاختصاصنا العام بذلك نفصل فيما أثير في الطلب من معرض ممارستنا لسلطاتنا في التأييد بموجب المادة (181) وذلك كاعتراض على الحكم لحجب التأييد عنه . ولا بد من استهلال ذلك بالقول أن المدان في طلبه أمامنا أورد صراحة أنه على علاقة ممتدة منذ سنتين بالمجني عليها وهي تبلغ من العمر 20 عاماً مارس معها الجنس مراراً وكأن به يدفع برضاها وبالتالي لا تعد المواقعة اغتصاباً ويعدل هذا من وصف الجريمة أولاً وعدم انطباق قانون الطفل على وقائع هذه الدعوى الجنائية.
يتعين الفصل في النقاط التالية لما يترتب عليها من آثار قانونية:
1- هل المجني عليها طفلة ؟
إذا كانت الإجابة بالنفي هل كانت مواقعتها جنسياً حتى حبلت برضاها أو كانت اغتصاباً.
2- هل تطبيق قانون الطفل بفرض صحة الإدانة يقتضي توقيع العقوبة المقررة في هذا القانون فقط دون توقيع الحد الشرعي المقرر للزنا.
أولاً: بالرغم من أن نص المادة (4) من قانون الطفل قد عرف الطفل بأنه كل شخص لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره إلا أن هذا التعريف ونحن هنا بصدد مسئولية غير الطفل الجنائية والتي تؤسس على البلوغ وإكمال الخامسة عشرة أو بلوغ الثامنة عشرة مطلقا وعلى النظر بذات الأمر على المجني عليها إذا كان الرضا محل بحث وذا أهمية في تحديد المسئولية الجنائية عن فعل معيب كالاغتصاب . خاصة وأن المجني عليها تبلغ من العمر 17 عاماً وبلغت الحلم بدليل حملها ، فهل يمكن القول بإطلاق أنها طفلة رغم ذلك لمجرد أنها لم تبلغ الثامنة عشرة وبالتالي تعد مواقعتها اغتصاباً رغم أن القانون الجنائي يعتد برضا البالغ !! وبالتالي مسئولية المتهم الجنائية تبعاً لهذا . يثور هذا التساؤل وفي وقت لم يحدد المصدر الرئيس لقانون الطفل ومرجعيته سناً معينا للطفل وهي القواعد النموذجية الدنيا لإدارة قضاء الأحداث قواعد بكين في المبادئ العامة الواردة في القسم الأول منها تعريفاً محدداً للحدث مقترناً بعمره حين عرفته بأنه هو الطفل أو شخص صغير السن يجوز بموجب الأنظمة القانونية المختصة مساءلته عن جرم بأسلوب مختلف عن أسلوب مساءلة البالغ . وهذا يعني أن الأمر يتعلق بمساءلة الطفل ومعالجة جنوحه يؤكد ذلك أن القواعد نفسها لم تحدد سـن المسئولية الجنائية إذ تركته لكل دولة على حده من الدول التي صادقت عليها لتحدد السن المناسبة وفقاً لعوامل الثقافة المحلية (وهنا يتعلق الأمر بتطبيق الشريعة الإسلامية) لكنها أي القواعد استدركت ونصت على أنه لا يجوز تحديد سن بالغة التدني مع وجوب الأخذ في الاعتبار بوقائع النضج العاطفي والعقلي والفكري ، غنى عن القول أن هذه القواعد فقدت الكثير من أهميتها بامتناعها عن تحديد سن دنيا للمسئولية الجنائية (التي تبنى على البلوغ والعقل ) . وحتى قانون الطفل لم يسلم من التناقض في المادة 5(2) (ل) حين تناقض مع القانون الجنائي وهو أصلح للطفل عندما نصت هذه المادة على ألا يسأل الطفل جنائياً ما لم يبلغ الثانية عشرة من عمره في حين أن المسئولية الجنائية في القانون الجنائي تنعقد عند البلوغ وإكمال الخامسة عشرة من العمر أو بلوغ الثامنة عشرة من العمر ومن كان دون الخامسة عشرة أو كان في السابعة عشرة من عمره ولم تظهر عليه علامات البلوغ فلا مسئولية جنائية عليه ، وتناقض مع القواعد نفسها التي نصت على تطبيق التشريع الوطني أو فيما هو أصلح لمصلحة الطفل.
أخلص مما تقدم إلى أن المجني عليها ذات السبعة عشرة عاماً والتي حبلت من جراء مواقعتها جنسياً بوساطة المدان ليست طفله وفقاً للقانون الجنائي الذي استمد من الشريعة الإسلامية وهي المصدر الرئيس للتشريعات التي تسن على مستوى قومي – ومن بينها قانون الطفل وتطبق على ولايات الشمال وفقاً للمادة 5(1) من الدستور الانتقالي لسنة 2005م ونحن هنا لسنا بصـدد مسئولية المجني عليها الجنائية ولا تطبيق قانون الطفل عليها إذ لم تقدم للمحكمة كمتهمة رغم بلوغها الحلم وحملها وإقرارها في التحري بالزنا عن رضا بسعيها إلى المدان وقد تجاوزت النيابة عن اتهامها وتجاوزت محكمة الجنايات عن سماع إفادتها – وسوف نتعرض لهذا لاحقاً وإنما بصدد مسئولية المدان الجنائية وتأييد الحكم الصادر في مواجهته بصدد جريمة عقوبتها هي حد شرعي واجب التطبيق سواء أكان زناه بها عن رضا منها أو اغتصاباً مع إضافة عقوبة تعـزيرية في الحالة الأخيرة – ولا يمكن القول بأن مواقعتها جنسياً كانت اغتصاباً بمجرد أنها لم تبلغ 18 سنه حسب قانون الطفل أي دون رضاها رغم رضاها وبلوغها وحملها ، وبالرغم من أن الرضا الذي يعتد به القانون الجنائي في المادة (3) منه هو رضا البالغ ، ينبني على ما تقدم إن مسئولية المتهم الماثل أمامنا وهو رجل ينبغي أن يقرر بشأنها وفقاً لأحكام القانون الجنائي والقول بغير ذلك بتطبيق أحكام قانون الطفل – وهي تعاقب فقط – واعتبار مواقعة المجني عليها اغتصاباً رغم إقرارها – من شأنه أن يوقع العقوبة التعزيرية التي نصت عليها المادة (86) من قانون الطفل وتعطيل تطبيق الحد الشرعي للزنا الذي يقر به المدان حتى في طلبه أمامنا وبداهة يمتنع تطبيق نص المادة (149) – بجانب المادة (86) لأن القاعدة هنا تطبق الوصف الأشد ولا مجال لتطبيق نص المادة (86) من قانون الطفل بمعزل عن الحكم الشرعي.
أخلص مما تقدم إلى أن المجني عليها ليست بطفلة حتى يطبق قانون الطفل على المدان ، استبعدتها النيابة على وجه خاطئ من دائرة الاتهام ولا سبيل لمعالجة هذا وما كان ينبغي استبعادها من سماع الدعوى رغم أهمية أقوالها على أقل تقدير لتوجيه التهمة على نحو صحيح سواء تحت المادة (146) أو المادة (149) إذا كانت المواقعة اغتصاباً . وأخيراً وقعت محكمة الجنايات بالنظر إلى إقرار المدان بالزنا وأنها أخذته بإقراره وأدانته في خطأ إجرائي عندما أغفلت تطبيق نص المادة (144) من قانون الإجراءات الجنائية . حتى تستقيم إجراءات المحاكمة أرى إلغاء حكم محكمة الاستئناف وقضاء محكمة الجنايات إدانة وعقوبة والأمر بإعادة القبض على المدان وإعادة الأوراق إلى محكمة الجنايات لسماع أقوال المجني عليها والسير في إجراءات المحاكمة على هدى ما جاء في المذكرة.
القاضي: محمد حمد أبوسن
التاريخ: 26/5/2011م
أوافق وأضيف أنه لا بد من الإشادة بقاضي الموضوع - سيد أحمد يوسف على ما بذله من جهد وبحث واجتهاد غير أننا نرد عليه بأنه وإن استند على الفقرة 4 من المادة (6) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م فإن الفقرة (2) من نفس المادة تنص على أنه إذ تعارض أي نص في أي قانون مع أي حكم من أحكام الدستور تسود أحكام الدستور بالقدر الذي يزيل ذلك التعارض . وقد حددت المادة (5) من دستور جمهورية السودان الانتقالي لسنة 2005م مصادر التشريع حيث جاء في الفقرة (1) من المادة : بأن تكون الشريعة الإسلامية والإجماع مصدراً للتشريعات التي تسن على المستوى القومي وتطبق على ولايات شمال السودان . عليه ولما كان قانوننا الجنائي لسنة 1991م قد استمد نصوصه من أحكام الشريعة الإسلامية وقد جاء في المادة (8) من القانون أنه لا مسئولية إلا على الشخص المكلف والشخص المكلف هو الشخص البالغ العاقل . كما جاء في المادة (9) من نفس القانون أنه لا يعد مرتكباً جريمة الصغير غير البالغ وقد جاء تعريف كلمة " بالغ " في المادة (3) من القانون بأنه " يعني الشخص الذي ثبت بلوغه الحلم بالأمارات الطبيعية القاطعة وكان قد أكمل الخامسة عشرة من عمره ، ويعتبر بالغاً كل من أكمل الثامنة عشرة من عمره ولو لم تظهر عليه أمارات البلوغ " .
يتضح من هذا أن المادة (4) من قانون الطفل لسنة 2010م التي عرفت الطفل بقولها " يقصد به كل شخص لم يتجاوز سن الثامنة عشرة " لا تتوافق مع ما أشير إليه مع مواد القانون الجنائي المشار إليها في هذا الخصوص وبالتالي فإنها تجئ مخالفة للدستور.
القاضي: الرشيد التوم محمد خير
التاريخ: 29/5/2011م
أتفق تماماً مع الزميلين المحترمين في الرأي الأول والثاني بعد المداولة والنقاش القانوني والعلمي الذي أبدياه كما أضم صوتي لزميلي الموقر في الرأي الثاني في الإشادة بالجهد المقدر الذي بذله السيد قاضي الموضوع في تدعيم وجهة نظره وإن خالفناه في الرأي.
الأمر النهائي:
1- نلغي قضاء محكمتي الموضوع والاستئناف.
2- نعيد الأوراق لمحكمة الموضوع للسير في الإجراءات على ضوء المذكرة.
3- يعاد القبض على المتهم.
محمـد حمـد أبوسـن
قاضي المحكمة العليا
ورئيس الدائرة
30/5/2011م

