حكومة السودان //ضد// م . إ . ع. ا م ع/ غ إ/حدي/2/2011م
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة القومية العليا
القضاة:
سعادة السيد/ محمــد حمــد أبو ســن
قاضي المحكمة العليا
رئيساً
سعادة السيد/د.عبدالرحمن محمد عبدالرحمن شرفي
قاضي المحكمة العليا
عضواً
سعادة السيد/ محجــوب الأمـين الفكــي
قاضي المحكمة العليا
عضواً
سعادة السيد/ الرشيـد التـوم محمـد خـير
قاضي المحكمة العليا
عضواً
سعادة السيد/ عبـد الله العــوض محمــد
قاضي المحكمة العليا
عضواً
حكومة السودان //ضد// م . إ . ع. ا
م ع/ غ إ/حدي/2/2011م
القانون الجنائي لسنة 1991م – عبارات إرهاب العامة وقطع الطريق – مدلولاتها الفقهية – ما ينبغي أن ينظر إليه عند تقديرها – المغيث – من يصدق عليه وصف المغيث – مسألة تعذر الغوث – كونها اجتهادية – خضوعها لمعايير العصر.
المبادئ:
1- إن عبارات (إرهاب العامة) (وقطع الطريق) ليست تجريدية ولا مطلقة - بل لها مدلولات فقهية ينظر فيها إلى المكان وأبعاده وطبيعته وإلى الزمان ومدى الأمن أو عدمه وإلى الأشخاص القاطعين المحاربين ومدى شوكتهم ومدى إخافتهم للسبيل وما ينتج عنه من قطع السابلة عن الطريق فضلاً عن العداوة والنائرة.
2- يصدق معنى المغيث فيمن يهرع من ذات مكان الحادث أو من مكان قريب منه.
3- مسألة تعذر الغوث مسألة اجتهادية مما تتبدل أحكامها وفقاً لتبدل الزمان والمكان ومعطيات العصر.
المحامون:
الأستاذ/ حاتم أحمد خورشيد عن الطاعن
الحكــم
القاضي: د.عبد الرحمن محمد عبد الرحمن شرفي
التاريخ: 24/11/2011م
بتاريخ 27/4/2011م أصدرت محكمة جنايات القرشي "الدرجة الأولي" حكمها بإدانة المتهم م.إ.د.ع.ا بجريمة الحرابة الحدية بموجب أحكام المادة (167) من القانون الجنائي لسنة 1991م ، وبجريمة السكر الحدية بموجب أحكام المادة (78) من ذات القانون ، وقضت بمعاقبته بقطع اليد اليمني من مفصل الكف ، وبقطع الرجل اليسرى من الكاحل حداً لمخالفته المادة (167) من القانون الجنائي لسنة 1991م وبالجلد أربعين جلدة بالسوط حداً لمخالفته المادة (78) من ذات القانون على أن يحبس المدان إلى حين تأييد العقوبة الصادرة بالقطـع من خلاف ، وبأن يُلـزم المدان بدفع مبلغ 1225 جنيه للشاكية ز.أ.ي ، تعويضاً عن مصاريف العلاج وبأن ترفع الأوراق إلى المحكمة العليا للتأييد أو خلافه إعمالاً لنص المادة (192) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م [ يقصد المادة (181) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م] -.
كان ذلك بناءً على وقائع الدعوى التي تلخصت في أنه بضحى يوم 22/12/2010م قام المتهم م.إ.د.ع.ا بمباغتة المجني عليها الشاكية ز.أ.ي بتسديد ضربة بعكاز على رأسها ، وذلك خلال سيرها على رجليها من قرية أم سنيطة إلى قرية واصلة لأداء واجب العزاء في أحد المتوفين إلى رحمة الله ، ولما تلفتت المجني عليها فوجئت بالمتهم خالعاً سرواله ينذر بشرٍ مستطير ، فبدأت بمقاومة المتهم ، غير أنها لم تجد سوي التراب تحثوه على المتهم بيديها ، فعاجلها المتهم بضربة على يدها اليمني أفضت إلى كسرها ، فطفقت تحثو التراب عليه بيسراها ، فسدد المتهم ضربات على رجليها ، فوقعت أرضاً على بطنها تصون مواضع عفتها من الذئب البشري الذي كان في حالة سكر يتهددها بانتهاك شرفها ، غير أن عناية الله سبحانه وتعالي كانت قريبة من المجني عليها ذات الخامسة والستين عاماً من عمرها ، حيث إنه خلال تواصل الاعتداء على المجني عليها بالضرب ، كان على مقربة من المكان اثنان من العاملين في زراعتهما ، فهرعا لنجدة المجني عليها بعزم الرجولة وبشهامة فروسية أهل بوادي السودان ، فلما صارا قاب قوسين أو أدنى من المتهم فرّ الرعديد هارباً ، عريان الأصلاب والمذاكير ، غير أن أحد المغيثين قد لحق به وانتزع العصا من بين يديه ، ومن ثم فتح البلاغ وكانت إجراءات التحريات والتحقيقات التي خلصت إلى حكم محكمة الموضوع المذكور في مبتدأ هذه الوقائع -.
فتقدم المدان المذكور طاعناً في حكم محكمة أول درجة بوساطة وكيليه الأستاذين/ آسيا عبد الرحمن محمد الحسن وحاتم أحمد خورشيد المحاميين ، فأصدرت محكمة الاستئناف حكمها في 2/6/2011م بتأييد الإدانة وتأييد عقوبة الجلد والقطع ، وبإلغاء الأمر بإلزام المدان بدفع مبلغ التعويض ، وأغفلت محكمة الاستئناف في منطوق حكمها النص برفع الأوراق إلى المحكمة العليا للتأييد أو خلافه وفقاً لمقتضى المادة (181) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م _.
فتقدم الأستاذ/ حاتم أحمد خورشيد لدى المحكمة العليا " دائرة ولاية الجزيرة في يوم23/6/2011م " بما أسماه (طعن جنائي) ، فأحيلت الأوراق من تلك الدائرة إلى المحكمة القومية العليا للاختصاص ، وقد نعى الأستاذ المحامي المذكور على حكم محكمة الاستئناف المؤيد لحكم محكمة الموضوع ، بمخالفته لقواعد ومبادئ القانون ، وبأنه قد صدر ضد الوزن السليم للبينات وبخلاف ما جرى عليه عمل القضاء ، فضلاً عن النعي بمخالفته للشريعة الإسلامية ، مفصلاً وجوه النعي في عدم تعذر الغوث ، وفي عدم توفر شرائط الشهادة بالحدود الخالصة لله تعالي وتضارب تلك الشهادات مع بعضها مطالباً بإلغاء حكم الاستئناف المؤيد لحكم محكمة الموضوع ، والحكم من جديد بتبرئة المتهم المذكور مما نسب إليه تحت المادة (168) من القانون الجنائي لسنة 1991م وإطلاق سراحه ، واحتياطياً تعزيره بما قضاه في الحبس والحراسة وإطلاق سراحه فوراً-. ومن ثم كان رفع الأوراق إلى المحكمة العليا – بالإحالة التي ألمعنا إليها - للنظر وفقاً لمقتضيات أحكام المادة (181) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م للتأييد أو خلافه-.
" الأسبـاب "
الحكم المرفوع إلينا للتأييد – أو خلافه- قد استوفى الشرائط المقررة بالمادة (181) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م من حيث نوع العقوبة المحكوم بها ، ومن حيث النهائية . وبشأن ما اسماه محامي المدان المذكور (عريضة طعن جنائي) فسوف نتعرض بمناقشة ما تضمنته تلك العريضة صراحة حيناً وضمناً في غالب الأحيان وذلك خلال تناولنا لأسباب هذا الحكم -.
لقد خلصت دراستنا المتأنية للأوراق والأقوال والأدلة في هذه الدعوى الجنائية إلى ما يلي:
أولاً: الوقائع التي أوردناها آنفاً هي الوقائع الثابتة في هذه الدعوى الجنائية ، حيث إنها ثبتت بدلالة إقرارات المتهم التي أدلى بها في مرحلتي التحري والمحاكمة ، كما ثبتت بدلالة شهادة شاهدي الاتهام الأول مصطفي محمد يس والثاني حسن حسين حسن ، والسؤال الجوهري هنا هـو: هل يمكن تكييف تلك الوقائع الثابتة باعتبارها ( جريمة حرابة حدية ) ؟
والجواب بالقطع بالنفي ؛ ذلك إن جريمة الحرابة الحدية تتحقق بثبوت العناصر والشرائط التي تضمنتها المادة (167) من القانون الجنائي لسنة 1991م ونصها : (( يعدّ مرتكباً جريمة الحرابة من يرهب العامة ، أو يقطع الطريق بقصد ارتكاب جريمة على الجسم أو العرض أو المال ، شريطة أن يقع الفعل :
(أ ) خارج العمران في البر أو البحر أو الجو ، أو داخل العمران مع تعذر الغوث.
(ب) باستخدام السلاح أو أي أداة صالحة للإيذاء أو التهديد بذلك )) .
وكسائر الجرائم فإن جريمة الحرابة الحدية تتكون من ركنين ، ركن مادي وركن معنوي ، ويتكون الركن المادي من ثلاثة عناصر هي: (1) الفعل أو النشاط الإجرامي الظاهري (2) النتيجة (3) رابطة السببية بين النشاط الإجرامي الظاهري والنتيجة المتمخضة عنه.
كما يتكون الركن المعنوي من عنصري العلم والإرادة ، وبلا مراء نقول بأنه لم يتوفر في الوقائع الثابتة الآنفة الذكر ، هذان الركنان بعناصرهما - بل لم يتوفر الركن المادي ذاته ؛ وذلك لأن النشاط الإجرامي في جريمة الحرابة الحدية يتحقق بأحد فعلين ، أحدهما : (إرهاب العامة) ، وثانيهما: ( قطع الطريق بقصد ارتكاب جريمة على الجسم أو العرض أو المال ، مع توفر شرطي المكان والأداة المستخدمة المنصوص عليهما في المادة الآنفة الذكر ) وقد انتفى في الوقائع الثابتة توفر الفعل المتمثل في ( إرهاب العامة ) ، حيث ثبت بدلالة شهادة شهود الدفاع وبالقرائن القضائية ، طروق العامة لسبلهم وفجاجهم بأمن وطمأنينة بين القريتين المذكورتين بما في ذلك ذات الطريق الذي وقع فيه الحادث محل المحاكمة؛ إذ شهد شاهد الدفاع الثاني- محمد مكي طه- بما نصه: (المكان بتاع الحادث في الشارع الرئيسي للحلتين والشارع ماشي طوالي ليل نهار) (راجع صفحة 31 من محضر المحاكمة) وشهد شاهد الدفاع الثالث - بشير مصطفي أحمد بما نصه: (يوم المشكلة كان حادث وفاة في الواصلة ، وبين القريتين الناس ماشية في الليل والنهار) .(راجع صفحة 33 من محضر المحاكمة) . والثابت أن الحادث محل المحاكمة كان في وقت الضحى ، ولئن كان الطريق مطروقاً وآمناً ليلاً ونهاراً ، فهو بدلالة الفحوى أكثر أمناً وطروقاً في وقت الضحى ، وحيث يغدو الأهالي من القريتين إلى مزارعهم ، بل وتغدو النساء والأطفال في وقت الضحى يحملون طعام الفطور للعاملين من أهليهم في المزارع الممتدة بين القريتين ، وذلك هو ما يستفاد من شهادة شاهد الاتهام الأول – مصطفي محمد يس- عند إعادة استجوابه في صفحة 24 من محضر المحاكمة -, كما أن الطريق يكون أكثر طروقاً وأمناً إذا كان في إحدى القريتين المتجاورتين حادث وفاة بالنحو الذي كان حادثاُ يوم النازلة محل المحاكمة ، وذلك ما ثبت بشهادة شاهد الاتهام الأول المذكور آنفاً عند إعادة استجوابه في صفحة 24 من محضر المحاكمة ، وبشهادة شاهد الدفاع الثالث فيما دوناه آنفاً من شهادته ، ويتجلى أمن مكان الحادث بدلالة القرينة القضائية المستخلصة من المسافة التي وقع فيها الحادث ، فهي لم تكن تبعد عن قرية أم سنيطة سوى ثلاث دقائق للراجل ، حيث شهد شاهد الدفاع الثالث – بشير مصطفي أحمد بما نصه: (( المسافة من مكان المشكلة إلى أم سنيطة مشيناها في ثلاث دقائق )) راجع صفحة 34 من محضر المحاكمة) ، بل إن المسافة كلها بين القريتين لا تزيد عن عشرين دقيقة للراجل ، ثبت ذلك بشهادة شاهد الاتهام الأول عند إعادة استجوابه في صفحة 23 من محضر المحاكمة ، وذلك يعني أن مكان الحادث كان قريباً جداً من قرية أم سنيطة – بل حتى من أبعد القريتين من مكان الحادث ، ولعله كان يغني ويشفي الصدور أن يجري قاضي الموضوع معاينة لمكان الحادث ويدون محضراً ببيان تلك المسافات وبطبيعة المكان ولكنه لم يفعل ، وإذا ثبت ما ذكرناه آنفاً بشأن المسافة فإننا نستخلص باطمئنان إن مثل تلك المسافة لا تدخل في معنى المسافة التي يتحقق فيها معنى (قطع الطريق) ، خاصة ويدخل في علم الكافة مدى ما تتمتع به قرى ولاية الجزيرة من الأمن . وقد ناقش سلف فقهائنا ما يتحقق فيه (قطع الطريق)، ففي شرح الطحاوي ما نصه: ((أن يكون بين قاطع الطريق وبين المصر مسيرة سفر)) ((نقلاً عن البناية في شرح الهداية للعيني ج 6 ص 471)) ، وقال القدوري: ((ونحن نقول: إن قطع الطريق يكون بقطع المارة ، ولا يتحقق ذلك في المصر ، وبقرب منه ؛ لأن الظاهر لحوق الغوث)) (راجع المرجع السابق ج 6 ص 487).
وبناءً عليه فلا يصدق في الوقائع الثابتة في هذه الدعوى الجنائية معنى (إرهاب العامة) ، كما لا يصدق فيها معنى ((قطع الطريق)) ، ولعل قاضي الموضوع – ومن بعده محكمة الاستئناف - قد التبس عليهما معنى (العامة) حيث إن قاضي الموضوع قد حصر ذلك في شخصٍ واحد بعينه ، ويتضح ذلك من سؤاله الجوهري الذي طرحه في مبتدأ أسباب حكمه قائلاً: (هل قام المتهم م.إ.ع.ا. بإرهاب الشاكية وقطع طريقها أثناء سيرها في الطريق ؟)) ثم جاءت الإجابة عن السؤال بالإيجاب ، وقد فات عليه معنى (العامة) ؛ إذ لا يسوغ حصره في الشاكية ، ذلك أن الشاكية – أوغيرها- يمكن إرهابها في داخل حافلة ركاب أو غيرها من المركبات العامة المليئة بركابها ، بل ويمكن إرهابها في داخل مركز الشرطة بأي من وسائل الإرهاب ، كما يمكن قطع طريقها أثناء سيرها في الطريق داخل المصر أمام مركز الشرطة وحيث الغوث ، وخلاصة الأمر أن عبارات (إرهاب العامة) (وقطع الطريق) ليست تجريدية ولا مطلقة ، بل لها مدلولات فقهية ينظر فيها إلى المكان وأبعاده وطبيعته ، وإلى الزمان ومدى الأمن أو عدمه ، وإلى أشخاص القاطعين المحاربين ومدى شوكتهم ومدى إخافتهم للسبيل وما ينتج عنه من قطع السابلة عن الطريق فضلاً عن العـداوة والنائرة ، ومن ثم فليس كل سكران يعترض طريق امرأة في مكان آمن أو يرهبها بفعل أو قول يعد محارباً يصدق فيه معنى ( إرهاب العامة أو قطع الطريق ) ، خاصة إذا كان سكران رعديداً يفـر عارياً يحسب كل صيحة عليه.
ثانياً: لقد جانبت محكمة الموضوع الصواب في فهم معنى (تعذر الغوث) فانصب تركيزها – فيما استمعت إليه من البينات وفيما وجهتها من أسئلة للشهود – على مدى إمكان إغاثة الشاكية المجني عليها بمن يهرع إليها من القرية عند سماع صوتها بالاستغاثة -، شاهدنا أن عبارات: (سماع ناس الحلة لاستغاثة الشاكية) قد تكررت مراراً ، كأنما كان لازماً للمغيث أن يكون من داخل الحي ، وكأنما يلزم في المغيث أن يسمع صوت الاستغاثة وهو بداخل الحي ، وبالطبع فذلك فهـم مجانب للصواب ، فليس لازماً في المغيث أن يهرع من هذا الحي أو ذاك ، بل يصدق معنى المغيث فيمن يهرع من ذات مكان الحادث – أو من مكان قريب منه -، والمعنى في هذين الحالين أصدق -.
وفي تعذر المغيث في المحل أو في مقربة منه يقول الدسوقي في الحاشية : ((قوله: (يتعذر معه الغوث) أي لعدم الناس المغيثين منه – أي من المحارب - )) (راجع حاشية الدسوقي ج4 ص 348). ولم يترك الفقهاء المغيث من المحل أو من محل قريب منه بصورة مطلقة بل قيدوا ذلك بأن تكون الحرابة خارج المصر على بعد ثلاثة أميال فصاعداً . ((راجع الحاوي للماوردي ج 13 ص 360)) ، وما دون ذلك فيعد مما يمكن فيه الغوث ، وتذهب فيه شوكة المحاربين المعتدين.
ونشير إلى أن المسألة اجتهادية مما تتبدل أحكامها وفقاً لتبدل الزمان والمكان ومعطيات العصر ، ففي عصر سلف فقهائنا كان يصعب درك الغوث بتباعد الأمصار من بعضها ولعدم وجود أجهزة الاتصال ووسائل النجدات السريعة ، أما في عصرنا فإن الدولة المعاصرة تبسط سلطانها على سائر أركانها يعينها على ذلك ما تمتلكها من معطيات العصر المتمثلة في أسرع وسائل الاتصال والغوث بل إن الدولة المعاصرة ذاتها تختلف فيها الأحكام بين إقليم يبسط فيه الأمن وآخر تختل فيه موازينه ، وقد سبق لنا الإلماح إلى ما تتمتع به قرى ولاية الجزيرة من أمن ، كما سبق لنا بيان أن المسافة من مكان النازلة محل المحاكمة إلى قرية أم سنيطة لا تتجاوز ثلاث دقائق ذهاباً بالأرجل ، ثبت ذلك بشهادة شاهد الدفاع الثالث بشير مصطفي أحمد في صفحة 34 من محضر المحاكمة، ولا يقال لمثل تلك المسافة بأنها (صحراء أو خلاء) في ولاية الجزيرة ، حيث لم تكن طبيعتها ولا مسافتها مما يصدق فيه شئ من معنى الصحراء أو الخلاء ، بل إن هذا الشاهد المذكور آنفا قد أشفى وأغنى بما شهد به في صفحة 34 من محضر المحاكمة قائلاً ما نصه:
" من الحلة لا يسمع الناس عندما يستنجد شخص ، ولكن ناس يمكن يسمعوا إذا كانوا في زراعتهم "، وبالفعل فقد كان الحادث محل المحاكمة داخل العمران وكان الناس في زراعتهم وقد رأوا المتهم يضرب المجني عليها وهرعوا إليها وأغاثوها ، فلا يقال بعدئذٍ قد (تعذر الغوث) .
ثالثا: انتفى عنصر النتيجة اللازمة لفعل المحاربة فيما أتاه المتهم من النشاط الإجرامي الظاهري ، حيث يلزم من المحاربة إرهاب العامة وإخافة السبيل بما يمنع السابلة عن المرور وتلك هي أدنى نتائج قطع الطريق - أعني جريمة قطع الطريق الحدية - يدل على ذلك كلمة (قطع) ، فالطريق المقطوعة هي التي تركت سحيقاً ، قال الناظم :
بحيث لا غوث أو الطريقا *** أخاف حتى تركت سحيقاً
وجاء في كتاب (السياسة الجزائية) ما نصه : "... احتج لما رواه أبو حنيفة ومحمد استحساناً ، بأن سبب وجوب الحد ، ما يضاف إليه وهو (قطع الطريق) ، وإنما ينقطع بفعلهم ذلك في المفازة لا في جوف المصر، ولا فيما بين القرى ، فالناس لا يمتنعون من التطرق في الأمصار وفيما بين القرى ، لكثرة مرور الناس عادة في المصر وفيما بين القرى ، وبذلك كان فعلهم في داخل المصر أو فيما بين القرى لم يكن سبباً كاملاً في قطع الطريق ، فلم يوجب فعلهم هذا الحد ، إذ الناس لا يمتنعون من التطرق في ذلك الموضع بعد فعلهم وبدون السبب لا يثبت الحكم " ( راجع كتاب السياسة الجزائية للدكتور أحمد الحصري - المجلد الثاني ص640 )-. لقد سقنا هنا وجه الاستحسان في المذهب الحنفي لا للتدليل على عدم إمكان حدوث المحاربة في داخل المصر – أو في داخل العمران - ، ذاك قد قطع بشأنه القانون الجنائي لسنة 1991م في مادته (167) ، آخذاً بإمكان حدوث المحاربة في داخل العمران مع تعذر الغوث – وإنما كان سوقنا لوجه الاستحسان في المذهب الحنفي ليتعاضد مع ما أسلفناه بشأن نتائج المحاربة التي يلزم منها (ترك الطريق سحيقاً) أو قل قطع السابلة عن التطرق فيه - ، وفي ظل الوقائع الثابتة في هذه الدعوى الجنائية فإن ما بين القرى - خاصة القريبة من بعضها والآمنة المطروقة سبلها من مثل قريتي (أم سنيطة والواصلة) وما بينهما ، فلا يصدق فيه معنى قطع السابلة أو الامتناع عن التطرق خوفاً من شوكة قطاع الطريق ، ونعجب ممن يقول بأن المتهم – ذاك الرعديد - قد أخاف السبيل حتى تركت سحيقاً ، وهـو الذي ترك لباسه في مسرح الجريمة وفر هارباً عريان الأصلاب والمذاكير لصيحة من مغيث أرعبته حتى إنه لم تقو بعدئذٍ يداه على حمل عصاه والتي انتزعها منه المغيث فوضعت عصاه ولباسه معروضات اتهام (1) , (2) ، وحيث انتفت (النتيجة) اللازمة التي يتكامل بها الركن المادي لجريمة الحرابة ، فيلزم انتفاء الحكم .
رابعاً: لا حاجة لنا بتبيان مدى توفر أو عدم توفر الركن المعنوي لجريمة الحرابة ؛ لأنه إنما يصار إلى بيانه بعد تمام توفر وثبوت الركن المادي بعناصره ، وحيث انتفت عناصر الركن المادي ، فلا وجه للتطرق إلى عناصر الركن المعنوي لجريمة الحرابة الحدية في هذه الدعوى الجنائية.
خامساً: الطريقة التي دون بها قاضي الموضوع ورقة الاتهام أجهضت حق المتهم في الدفاع عن نفسه ، لمجئ صياغة التهمة خلواً من عناصر جريمة الحرابة المنسوبة إليه ، حيث إن التهمة التي تضمنتها ورقة الاتهام تعتبر أقرب إلى عناصر جريمة الجراح العمد منها إلى عناصر جريمة الحرابة الحدية ، وبلا ريب فإن عدم تضمن صياغة التهمة لعناصر جريمة الحرابة الحدية المنسوبة للمتهم قد أفضت إلى الإخلال بحق المتهم في الدفاع.
ختاماً : كان الأحرى أن تمضي إجراءات هذه الدعوى الجنائية قدماً تحت التهمة التي فتحت بها الدعوى الجنائية – تحت المادة 139(1) من القانون الجنائي لسنة 1991م ، حيث إنه لم يكن ثمة موجب لإضافة تهمة الحرابة الحدية تحت المادة (167) من القانون الجنائي لسنة 1991م في هذه الإجراءات وحيث تبين لنا أن الإدانة والعقوبة المحكوم بهما وفقاً لأحكام المادة (168) من القانون الجنائي لسنة 1991م – والمؤيدة استئنافياً- قد جاءت مجانبة للصواب – مما يتعين معه إلغاؤهما ، فإنه في ذات الوقت لا يسوغ بحال إجابة طلب محامي المتهم بشأن إعلان براءة المتهم وإطلاق سراحه – وحسناً فعل الأستاذ المحامي حين طلب احتياطياً تعزير موكله ، وحيث إنه يجوز إدانة المتهم بجريمة اصغر إذا كان قد خوطب بجريمة أكبر ، متى كانت ذات الوقائع التي خوطب وحوكم بها تؤدي إلى إثبات التهمة الأصغر – حتى ولو لم يكن المتهم قد خوطب بالتهمة الأصغر – وفقاً لما تقضي به المادة 151(3) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م ، وحيث إن ذلك الجواز يمتد إلى مراحل الطعن كافة ولا يخل ذلك بحق المتهـم في المحاكمة العادلة ولا بحقوقه في الدفاع ، وحيث إنه قد ثبت في وقائع الدعوى محل المحاكمة أن المتهم قد اعترف في مرحلتي التحري والمحاكمة بأنه قد ضرب المجني عليها ضربات لا يعرف عددها بالعصا ، وثبت ذلك في حقه بدلالة شهادة شاهدي الاتهام المذكورين ، وورد التقرير الطبي مفيداً بوجود ثلاثة جروح بفروة الرأس مختلفة الأطوال والأعماق وكسـر في عظم الساعد الأيمن ( مستند اتهام رقم (1) ) , فيكون بذلك ثابتاً في حقه ارتكاب جريمة الجراح العمد وفقاً لأحكام المادة 139(1) من القانون الجنائي لسنة 1991م ، وحيث ثبت أن المتهم كان عريان الصلب والمذاكير في الطريق العام خلال نشاطه الإجرامي الموصوف وثبت ذلك باعترافه خلال استجوابه بوساطة المحكمة وبشهادة شاهدي الاتهام المذكورين ، فيكون المتهم مرتكباً جريمة السلوك الفاضح المخل بالآداب العامة وفقاً لأحكام المادة 152(1) من القانون الجنائي لسنة 1991م ، ولا يغني عنه سكره الاختياري شيئاً.
بناءً عليه نرى إلغاء الإدانة والعقوبة المحكوم بهما في حق المتهم المذكور بموجب أحكام المادة 168/1(ب) من القانون الجنائي لسنة 1991م ، والحكم بإدانته من جديد بموجب أحكام المادتين (139/1) (152/1) من القانون الجنائي لسنة 1991م , وحيث إن محكمة الموضوع قد أجرت التحقيق اللازم بشأن الأسباب المخففة والأسباب المشددة للعقوبة ، فلا نرى ما يدعونا إلى إعادة الأوراق إليها لتفريد العقوبة في حق المتهم خاصـة والمتهم نفسه بلسان محاميه قد طلب من المحكمة العليا - احتياطياً – تعزيـره ، وذاك بمثابة تنازل عن حقه في مراحل التقاضي وهو تنازل ممن يملكه ، وحيث إنه يتعذر استيفاء القصاص من الجاني لتعذر المماثلة بشأن كسور الساعد الأيمن وغيرها من جراح الرأس ، فيصار إلى تعزير الجاني لمخالفته أحكام المادة 139(1) من القانون الجنائي لسنة 1991م ونرى مناسبة معاقبته بالسجن لمدة ثلاث سنوات اعتباراً من تاريخ دخوله الحراسة في 22/12/2010م ، ويجئ اختيارنا لأقصى عقوبة السجن المقررة بالمادة الأنفة الذكر لفداحة الجرم المرتكب ولإمعان المتهم – ابن الثامنة عشرة - في انتهاك قيم الفضيلة بصورة بالغة في حق المجني عليها التي تبلغ الخامسة والستين من عمرها ، كما نرى تعزير الجاني لمخالفته أحكام المادة 152(1) من القانون الجنائي لسنة 1991م بمعاقبته بالجلد أربعين جلدة تعزيراً ، وأن نؤيد ما سوى ذلك من حكم محكمة الاستئناف.
يبقي لنا في الختام أن نشير عابراً إلى ملاحظة تهم الأستاذ/ حاتم أحمد خورشيد المحامي ، وهـي أن من بركة العلم إسناد كل قول إلى قائله – هكذا قال القرطبي في مقدمة ( الجامع لأحكام القرآن ) وقال ابن المبارك : (( الإسناد من الدين ))- ولا رغبة لنا في بيان المزيد ، فالأستاذ المحامي لبيب بالإشارة يفهم.
وصلى الله علي سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
القاضي: الرشيد التوم محمد خير
التاريخ: 27/11/2011م
أوافق مولانا العالم شرفي فقد جاء قضاؤه جامعاً مانعاً مؤسساً بآراء فقهاء الشريعة الإسلامية الغراء والقانون الوضعي فقد أبلى في كل ذلك بلاءً حسناً فجزاه الله خيراً فأركان جريمة الحرابة المنصوص عليها بموجب المادة (167) من القانون الجنائي غير متوفرة في هذه الدعوى وبالذات عنصر قطع الطريق وانعدام الغوث فالثابت كما أوضح مولانا شرفي بإسهاب أن مكان الجريمة مطروق من جانب السابلة وآية ذلك هروع شاهدي الاتهام من المزارع المجاورة لنجدة الشاكية ومداهمة المدان والقبض عليه وما أكدته البينة من مرور السابلة بهذا الموقع آناء الليل وأطراف النهار.
القاضي: محمد حمد أبوسن
التاريخ: 5/12/2011م
أتفق تماماً مع ما توصل إليه الأخوان د.شرفي والرشيد وعلى وجه الخصوص ما جاء في مذكرة أخي العالم د. شرفي بعدم توفر كل أركان جريمة الحرابة الحديـة كما أتفق معه على تعديل الإدانة والعقوبة على النحو الذي فصله ، وأضيف إلى ملاحظته حول توجيه التهمة بأنه كان يتعين أن توجه التهمة بموجب المادة 168(1) (ب) من القانون الجنائي.
القاضي: عبد الله العوض محمد
التاريخ: 7/12/2011م
أوافق.
القاضي: محجوب الأمين الفكي
التاريخ: 8/12/2011م
أوافق وليس هناك ثمة إضافة لما أورده مولانا د. شرفي.
الأمر النهائي:
1- نلغي الإدانة بموجب المادة 168(أ) و(ب) من القانون الجنائي ونقرر إدانة المتهـم بموجب المادتين 139(1) و152(1) مـن القانون الجنائي.
2- نلغي عقوبة القطع الحدية على أن يسجن المتهم لمدة ثلاث سنوات اعتباراً من 22/12/2010م مع جلده 40 جلدة تعزيراً.
3- نؤيد ما سوى ذلك في حكم محكمة الاستئناف.
محمـد حمــد أبوسـن
قاضي المحكمة العليا
ورئيس الدائرة

