قضية صداق
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة القومية العليا
دائرة ولايتي البحر الأحمر وكسلا
ببورتسودان
قرار النقض رقم 46/2011م
الصادر في 6/6/2011م
القضاة:
صاحب الفضيلة الشيخ/ عبدالرؤوف حسب الله ملاسي
قاضي المحكمة العليا
رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ/ سلمان عثمان يوسـف
قاضي المحكمة العليا
عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ/ إبراهيم محمـد المكـي
قاضي المحكمة العليا
عضواً
قضية صداق
قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لسنة1991م – المادة (29) – المهـر المؤجل – جهالته – العرف – اعتباره في حكم المنصوص عليه.
المبدأ:
إذا اتفق الطرفان على تأجيل المهر كلاً أو بعضاً إلى أجل معلوم وجب الوفاء به عند حلول الأجل المتفق عليه ولكن إذا تم العقد على قدر معين من المهر واتفق على تأجيله كلاً أو بعضاً دون تحديد للأجل فإذا وجد عرف يحدد ذلك الأجل أصبح ذلك العرف في حكم النص على تحديد الأجل لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.
المحامون:
الأستاذ/ محمد علي عبد الحبيب الترابي عن الطاعن
الحكــم
القاضي: سلمان عثمان يوسف
التاريخ: 3/6/2011م
بتاريخ 20/4/2011م تقـدم إلينا بهـذا الطلب الأستاذ/ محمـد علـي عبد الحبيب الترابي المحامي نيابة عن الطاعن ... ... في مواجهة المطعون ضدها ... ... ملتمساً الطعن في حكم محكمة استئناف ولاية كسلا رقم أ س ش/50/2011م الصادر فـي 6/4/ 2011م وقضى ( بشطب الاستئناف إيجازياً ) مؤيداً بذلك حكم محكمة كسلا العامة للأحوال الشخصية رقم أ س ش/34/2011م الصادر في 10/3/2011م وقضى بشطب الطعن مؤيداً بذلك حكم قاضي الدرجة الثانية بمحكمة كسلا الجزئية للأحوال الشخصية رقم 61/ق/2011م الصادر في 20/2/2011م وقضى للمطعون ضدها في مواجهة الطاعن بأن يسدد لها معجل صداقها فوراً وهو يتمثل في أوقية من الذهب السوداني أو ما يعادل قيمتها مبلغ ألفين وخمسمائة وستين جنيهاً.
وكانت وقائع الدعوى قد تلخصت في أن المطعون ضدها هي زوجة الطاعن شرعاً ولا زالت في عصمته وأن صداقها أوقيتان من الذهب السوداني تسلمت إحداهما في مجلس عقد الزواج وتعهد بتسليم الأخرى لاحقاً بعد الزواج ولكنه لم يفعل وأنها تطالبه بها أو قيمتها حسب تقدير شيخ الصاغة.
الطاعن على لسان محاميه صادق على الزوجية وبقاء العصمة والمهر الذي ذكرته وأن المتبقي في ذمته أوقية من الذهب ودفع الدعوى بأن أجل سداده لم يحن بعد وبما أن الأجل غير محدد فإنه يكون بأقرب الأجلين وهما الطلاق أو الوفاة والتمس شطب الدعوى.
محكمة الموضوع بعد الاستماع إلى بينة المطعون ضدها أصدرت الحكم المذكور أنفاً استناداً إلى العرف السائد بقبيلة الطرفين وهو أن المؤجل من المهر يستحق بعد أول ولادة للزوجة وقد ثبت لها هذا العرف بأقوال الشهود.
جاء في أسباب الطلب الآن أن المحاكم الأدنى خالفت القانون حيث أنه وفقاً لنص المادة (29) من قانون الأحوال الشخصية فإن المهر المؤجل يستحق بحلول الأجل أو الوفاة أو البينونة وبما أن الأجل لم يحدد فإن المطعون ضدها تستحق مهرها عند الوفاة أو البينونة وأنه لا يجوز الاجتهاد مع النص باللجؤ إلى العرف.
الحكم المطعون فيه صدر في 6/4/2011م وقدم الطلب أمامنا في 20/4/2011م وهذا يعني تقديمه خلال القيد الزمني المنصوص عليه قانوناً ولذلك أرى أن يقبل من حيث الشكل.
أما من حيث الموضوع فإنه حينما يجلس الطرفان لإجراء عقد الزواج يجوز الاتفاق على تعجيل جميع المهر المتفق عليه فيقبض حالاً كما يجوز الاتفاق على تأجيله كله إلى أجل معلوم كسنة أو سنتين بعد العقد أو غير ذلك كما يجوز الاتفاق على تأجيله إلى أقرب الأجلين الطلاق أو الموت . ويجوز للطرفين أيضاً أن يتفقا على تعجيل بعضه فيقبض عند العقد وتأجيل الآخر وذلك لأن المهر يعتبر من الحقوق المالية التي يجوز أن تعجل أو تؤجل كلاً أو بعضاً.
وعلى ذلك فإذا اتفق الطرفان على تأجيله كلاً أو بعضاً إلى أجل معلوم وجب الوفاء به عند حلول الأجل المتفق عليه ولكن إذا تم العقد على قدر معين من المهر واتفقا على تأجيله كلاً أو بعضاً دون تحديد للأجل فإنه إذا وجد عرف يحدد ذلك الأجل أصبح ذلك العرف في حكم النص على تحديد الأجل لأن المعروف عرفاً كالمشروط نصاً ويعتبر أن أذهان الطرفين قد انصرفت إلى ذلك العرف . ونقول بذلك اعتماداً على قاعدة " العادة مُحكمة " حسبما نص على ذلك بالمادة 6(د) من قانون الأحوال الشخصية لسنة 1991م وقد جاء بالفقرتين ج و هـ من المادة (5) من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م أن العادة محكمة عامة كانت أو خاصة وأنها تعتبر إذا اضطردت أو غلبت وهذا النظر لا يمكن أن يقال معه أنه اجتهاد مع وجود النص لأننا بذلك نعمل كل النصوص الواردة بالقانون حيث أنه يحكم العادة والعرف وقد ورد عن السلف أن العرف في الشرع له اعتبار إذ عليه الحكم يدار بل نجد أن دستور جمهورية السودان الانتقالي لعام 2005م قد أشار إلى العرف كمصدر للتشريع حيث جاء بالمادة 5(2) منه أن التوافق الشعبي وقيم وأعراف الشعب السوداني تكون مصدراً للتشريعات التي تسن على المستوى القومي . كما نصت المادة (16) منه على أن الدولة تسن القوانين لحماية المجتمع بما ينسجم مع الأديان والثقافات في السودان وحيث أن القانون قد نص على تحكيم العادة عامة كانت أو خاصة وأنها توضع في الاعتبار إذا اضطردت أو غلبت وحيث أن المطعون ضدها قد أثبتت أن العرف الجاري في قبيلتهم أن المرأة تستحق المهر بعد الولادة فإن هذا يكفي لتحديد أجل تسديد المهر المؤجل ويعتبر في حكم المنصوص عليه.
أما في حالة اتفاق الطرفين على تأجيل المهر كلاً أو بعضاً دون تحديد للأجل ولم يكن ثمة عرف يحدد ذلك فإن المؤجل يستحق عند الوفاة أو البينونة عملاً بنص المادة 29(2) من قانون الأحوال الشخصية لسنة 1991م.
وفي تقديري أن المحكمة الابتدائية عندما حكمت بتسديد مؤجل المهر استناداً إلى العرف السائد بقبيلة الطرفين جاء حكمها صحيحاً موافقاً للقانون وكذلك أحكام المحاكم الأعلى التي أيدته ولا يوجد ما يبرر تدخلنا في تلك الأحكام وعليه أرى إذا وافق الزميلان أن نذهب إلى شطب هـذا الطلب إيجازياً.
القاضي: إبراهيم محمد المكي
التاريخ: 3/6/2011م
بعد المداولة أوافق على ما انتهى إليه زميلي صاحب الرأي الأول من حيث التسبيب والنتيجة.
القاضي: عبد الرؤوف حسب الله ملاسي
التاريخ: 6/6/2011م
لقد أوفى أخي (المحقق المدقق) الطعن (حقه) من المناقشة وقد وضع الفهم والتفسير القانوني (السديد) لنص المادة (29) من قانون الأحوال الشخصية 1991م والذي ينص على أن المهر المؤجل يستحق بحلول الأجل أو الوفاة أو البينونة فالعرف . كما أبان في مذكرته هو أساس قانوني ينظم الحقوق والالتزامات الزوجية وجميع الالتزامات العقدية والزوجية فعبارة الأجل أو حلول الأجل أما أن يتفق عليها صراحة أو يستنتج من ظرف الحال أو من العرف الذي لا يخالف أحكام الشريعة ... والمعلوم قانوناً أن مسألة العرف أو العادة ترتبط أساساً بمسألة الإثبات والبينة وقد نص عليها قانون الإثبات 1994م في المادة (5) فقرة (ط) من القواعد الأصولية للإثبات بتقريره صراحة :
تستصحب المحكمة عند نظر الدعاوى القواعد الأصولية الآتية:
منها ط:
( العرف اللفظي أو العملي حجة إذا اضطرد وغلب ).
وعليه أتفق مع وجهة نظر الزملاء وأُوجه ( بعرض هذا الحكم ) لما قرره من ( مبدأ ) واضح ( على جميع المحاكم ) للفائدة القانونية في مثل هذه القضايا.
الأمر النهائي:
يشطب الطعن إيجازياً.
عبد الرؤوف حسب الله ملاسي
قاضي المحكمة العليا
ورئيس الدائرة

