قضية استرداد مال خطبة
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة القومية العليا
دائرة ولايتي البحر الأحمر وكسلا
ببورتسودان
قرار النقض رقم 15/2011م
الصادر في 8/3/2011م
القضاة:
صاحب الفضيلة الشيخ/ سلمان عثمان يوسف
قاضي المحكمة العليا
رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ/ إبراهيم محمد المكـي
قاضي المحكمة العليا
عضواً
صاحبة الفضيلة الشيخة/ ابتسام أحمـد عبدالله
قاضي المحكمة العليا
عضواً
قضية استرداد مال خطبة
قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لسنة1991م – المادة (10) منه - الخطبة – إقرار المخطوبة بها – عدم طلب المخطوبة من وليها – أثـره – الطرف الذي لم يعدل – حقه في استرداد ما أهداه.
المبادئ:
1- إقرار المدعى خطبتها أمام الشهود بأنهما اتفقا على الزواج يكفي وحده لإثبات الخطبة لأنه لا يشترط لقيامها أن يكون المدعي قد طلبها من وليها.
2- إن القانون أعطى الحق للطرف الذي يعدل بمقتضٍ في أن يطالب الطرف الآخر بما أهداه إليه فيكون هذا الحق ثابتاً من باب الأولى للشخص الذي لم يعدل أصلاً.
الحكــم
القاضي: سلمان عثمان يوسف
التاريخ: 5/3/2011م
بتاريخ 24/1/2011م تقدمت إلينا بهذا الطلب ... ... ... في مواجهة المطعون ضده ... ... ... تلتمس فيه الطعن في حكم محكمة استئناف ولاية كسلا رقم أ س ش/5/2011م الصادر في 13/1/2011م وقضى بشطب الاستئناف إيجازياً مؤيداً بذلك حكم محكمة كسلا للأحوال الشخصية رقم 1060/ق/2011م الصادر في 14/12/2011م وقضى للمطعون ضده في مواجهة الطاعنة بأن ترد إليه مال الخطبة وقدره مبلغ ألفي جنيه نقداً وأن ترد إليه الهاتف السيار إن كان موجوداً أو قيمته مبلغ مائه وثلاثين جنيهاً إن كان قد هلك أو استهلك وقضت برفض الدعوى فيما عدا ذلك.
وجاء في أسباب الطلب الآن أنها تنكر أن تكون مخطوبة له وأنه لم يتقدم ببينة تثبت موضوع الخطبة وتنكر أيضاً استلامها لأية مبالغ أو شيء مما ذكر وتقـول أيضاً أنها طلبت من محاميها طلب الاستماع لشهـادة والدها لنفي الخطبة ولكنه لم يستجب لطلبها والتمست في خاتمة المطاف الحكم برفض الدعوى.
الحكم المطعون فيه صدر في 13/1/2011م وقدم الطلب أمامنا في 24/1/2011م وهذا يعني تقديمه خلال القيد الزمني المنصوص عليه قانوناً وعليه أرى أن يقبل من حيث الشكل.
أما من حيث الموضوع فإن الدعوى تلخصت وقائعها في ادعاء المطعون ضده أنه خطب الطاعنة واتفقا على الزواج منذ مايو /2009م ولكنها عدلت عن الخطبة بلا مسوغ شرعي في يوليو/2010م وفي هذه الفترة بذل لها بعض الهدايا المتمثلة في هاتفين محمولين قيمتهما مبلغ مئتين وستين جنيهاً وكريمات بمبلغ خمسة وتسعين جنيها وثوبين نسائيين بقيمة مائة وخمسة وعشرين جنيهاً كما أنه سلمها مبلغ ألف جنيه لشراء دولاب ملابس وألف جنيه لشراء سراير وبما أنها عدلت عن الخطبة بدون مقتضٍ فإنه يطالب باسترداد ذلك مع الرسوم وأتعاب المحاماة.
محامي الطاعنة وهي المدعى عليها أنكر موضوع الخطبة وذكر أن المطعون ضده وهو المدعي تحدث معها فقط عن علاقة حب لم تصل إلى مرحلة الخطبة ولم يتقدم إلى والدها أو وليها لطلب ذلك وينكر كذلك تسليمها أية مبالغ أو الأشياء التي ذكرها وأنه سبق أن تقدم في مواجهتها بدعوى مدنية بمبلغ ألفين وخمسمائة جنيه ولذلك فإنه يلتمس رفض الدعوى.
أصر المطعون ضده على دعواه واستمعت المحكمة إلى شهوده وقد جاء في أقوال أحدهم وهو حبيب عمر أنه كان يعمل في منزل المدعي وكانت المدعى عليها موجودة معه بالمنزل وأن المدعي أخبره بأنه خطب المدعى عليها واتفقا على الزواج وأن المدعى عليها أقرت أمامه بأنها والمدعي قد اتفقا على الزواج وذكر أن المدعي كان يزور المدعى عليها في بيت أهلها وأنهم على علم بالعلاقة بينهما وذكر الشاهد أيضاً أن المدعي سلم المدعى عليها أمامه مبلغ ألفي جنيه لشراء دولاب وسراير وأن ذلك تم بمنزل المدعي . أما الشاهد علي خضر آدم فقد ذكر أنه متزوج بأخت المدعى عليها وأن المدعي كان يرغب في الزواج منها وقد دعاه مرة للذهاب معـه إلى منزل أهلها وأنه وآخرين ذهبوا معه وأنهم وجدوا أباها بالمنزل وكان جالساً معهم ولكنه لم يسمع المدعي وهو يطلب المدعى عليها من أبيها.
الشاهد بشير محمد اسحق تاجر موبايلات شهد بأن المدعي اشترى منه جهاز موبايل للمدعى عليها وبعد فترة اتصل به وأخبره بأنها رفضت الجهاز وذكر أنه رأى المدعى عليها مع المدعي بمنزله وأنها أخبرته بأنها لا تريد هذا الجهاز . أما الشاهد عثمان محمد عبد الرحمن ذكر أنه والشاهد حبيب كانا يعملان بمنزل المدعي في تشييد إحدى الغرف وأنه أمامهما أعطاها مبلغ ألفي جنيه لشراء دولاب ملابس وسراير وذلك لأنهما متفقان على الزواج ويقول هذا الشاهد أنه أحضر المدعى عليها من بيتها إلى بيت المدعي عدة مرات وأنها أخبرته بأنهما قد اتفقا على الزواج.
محامي المدعي طلب من محكمة الموضوع ضم ملف الدعوى رقم 402/ق.م/2010م محكمة كسلا الجزئية ولم يمانع محامي المدعى عليها الذي طلب الاستماع إلى بينة حول الخطبة ولكن المحكمة رفضت طلب الاستماع إلى بينة إضافية بحجة أن البينة على عاتق المدعي وأجلت النظر في الدعوى لضم الدعوى المدنية ولكن بالجلسة التالية وبعد ضم ملف الدعوى حددت جلسة أخرى للنطق بالحكم وأصدرت حكمها دون أن تبين لنا ما تم بمحضر الدعوى المدنية ويبدو أنه لم يصدر فيها حكم ولو كان الأمر كذلك لتمسك به محامي المدعى عليها ولكان طلبه شطب هذه الدعوى لسبق الفصل فيها أو لكونها ما زالت قيد النظر أمام المحكمة ولكنه لم يدفع بشيء من ذلك.
في تقديري أن المدعي قد نجح في إثبات دعواه من حيث قيام الخطبة بينه وبين المدعى عليها حيث ذكر الشهود رؤيتهم لها بمنزله وإقرارها أمامهم بأنهما قد اتفقا على الزواج وهذا وحده يكفي لإثبات الخطبة لأنه لا يشترط لقيامها أن يكون المدعي قد طلبها من وليها وقد أكد الشهود أن أهلها على علم بالعلاقة بينهما وأكد بعضهم قيام المدعي بالإهداء إليها بعض الأشياء وحسب منطوق المادة السابعة من قانون الأحوال الشخصية لسنة 1991م يكفي لإثبات الخطبة تبادل الهدايا وقراءة الفاتحة كما أن تعريف الخطبة كما جاء بالمادة المشار إليها أنها وعد بالزواج في المستقبل ولم يرد بهذه المادة أن الوعد بالزواج يتعين أن يكون طرفه ولياً للمرأة مما يعني تصوره بين الخاطب والمخطوبة فقط وغني عن القول أن الولي للمرأة يشترط فقط عند إجراء عقد الزواج ومما يؤكد ذلك ما ورد بكتاب الأحوال الشخصية للإمام محمد أبو زهرة أن الخطبة هي طلب الرجل يـد امرأة معينـة للتزوج بها والتـقدم إليهـا أو إلى ذويهـا ببيان حاله ( الأحوال الشخصية للإمام محمد أبو زهرة ص 28) وواضح من هذا التعريف أنه يمكن التقدم إلى المرأة نفسها أو إلى ذويها وقد ورد أيضاً بكتاب الأحوال الشخصية للشيخ معوض أن الخطبة يراد منها إظهار الرغبة من جانب الرجل أو من يمثله بفتاة معينة خالية من الموانع الشرعية وإجابة هذه الرغبة من جانب هذه الفتاة (ص28) . ووفقاً لهذا الفهم لمعنى الخطبة فقد نجح المدعي في إثبات هذا الجانب من الدعوى . كما أنه أثبت دعواه فيما يختص بتسليم المدعى عليها مبلغ ألفي جنيه لشراء دولاب وسراير وذلك من خلال أقوال شاهدين حضرا واقعة التسليم والتسلم ويتضح من ثم أن المدعى عليها تنكر واقعة الخطبة مما يعني بالضرورة أنها عدلت عنها مع قيام الحجة عليها بأنها أي الخطبة ثابتة بالبينة وإنكار الشيء الثابت يعني عدم الرغبة فيه ثم أنها لم تدفع بوجود مقتضٍ لهذا العدول.
وبمطالعة المادة (10) من قانون الأحوال الشخصية لسنة 1991م نجد أنها تنص بالفقرة الأولى منها أنه إذا عدل أحد الطرفين عـن الخطبة بغير مقتضٍ فلا يسترد أي شيء مما أهداه إلى الآخر وتنص الفقرة الثانية على العدول عنها بمقتضٍ وفي هذه الحال يستطيع العادل أن يسترد ما أهداه إن كان قائماً أو قيمته يوم القبض ان استهلك . ويلاحظ أن هذه المادة تتحدث عن الطرف الذي عدل عن الخطبة وعن حقه في استرداد ما أهداه إلى الطرف الآخر فإن كان عدوله بمقتضٍ جاز له استرداد ما أهداه وإن كان بغير مقتضٍ لا يجوز ولكن المادة بهذه الصياغة أغفلت جانباً مهماً للغاية وهو حق الطرف الذي لم يعدل عن الخطبة في مطالبة الطرف الآخر الذي عدل بغير مقتضٍ فهل يستطيع الطرف المعدول عن خطبته أن يطالب الطرف الذي عدل بما أهداه إليه؟
إن المادة في ظاهرها لا تعالج هذه الحالة وهذا من إخفاقات المشرع الذي وضع هذا القانون فيما يختص بإعداد الصياغة المحكمة بحيث يستوعب حكم المادة كل الأحوال التي يمكن أن تطرأ ولا أظن أن المشرع أراد بذلك حرمان الطرف المعدول عن خطبته من حقه في مطالبة العادل بما أهداه إليه وأرى أن القياس يقتضي ذلك خاصة وأن القانون أعطى الحق للطرف الذي يعـدل بمقتضٍ في أن يطالب الطرف الآخر بما أهداه إليه فيكون هذا الحق ثابتاً من باب الأولى للشخص الذي لم يعدل أصلاً وذلك لأن الذي أعطى لأجله لم يتم كما هو الشأن في الذي عدل بمقتضٍ.
وما أخذ به القانون من استرداد للهدية في حال العدول عن الخطبة لا يناقض ما جاء به من أحكام فيما يختص بالرجوع في الهبة التي تضمنتها المواد 280 وما بعدها حيث أن الخطبة إن هي إلا وعد بالزواج ولا يقوم أحدهما بالإهداء إلى الآخر إلا انتظاراً لتحقيق هذا الوعد مما يعني أن الوعد بالزواج هو العوض والمقابل لهذه الهدية فإذا تخلف العوض جاز له الرجوع في هديته بالشروط المنصوص عليها. وعلى هذا الفهم فإن الطرف المعدول عن خطبته يستحق ما أهداه إلى الطرف الآخر لأن العوض الذي كان ينتظره لم يتحقق ولكنه أيضاً في هذه الحال يرتبط بشرط وجود المقتضى فإذا عدل الطرف الآخر بدون مقَتضٍ يجوز للطرف المعدول عن خطبته أن يسترد ما أهداه ولا يجوز للعادل ذلك أما إذا كان العدول بمقتضٍ يجـوز للعادل الرجوع ولا يجوز للمعدول عن خطبته ذلك.
وعلى ذلك فإن المدعي لم يعدل عن الخطبة ولكن المدعى عليها هي التي عدلت عنها ولم تبين وجهاً أو سبباً لهذا العدول فأصبح المدعي بذلك هو الطرف المعدول عن خطبته بدون مقتضٍ وهذا يعطيه الحق في استرداد ما أهداه إليها أثناء فترة الخطبة وهذا ما قضت به محكمة الموضوع وهو حكم صحيح يجد منا كل التأييد كما رأت من قبل محكمة الاستئناف وعليه أرى إذا وافق الزميلان أن نذهب إلى شطب الطعن إيجازياً إذ لا أمل فيه.
القاضي: إبراهيم محمد المكي
التاريخ: 7/3/2011م
أوافق.
القاضي: إبتسام محمد عبدالله
التاريخ: 7/3/2011م
أوافق.
الأمر النهائي:
يشطب الطعن إيجازياً.
سلمـان عثمان يوسـف
قاضى المحكمة العليا
ورئيس الدائرة
8/3/2011م

