حكومة السودان / ضد / محمد مرة بحر
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد / حسن محمود بابكر -قاضي المحكمة العليا -رئيساً
سعادة السيد/ هنري رياض سكلا- قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السد / د حسن محمد علوب-قاضي المحكمة العليا -عضواً
حكومة السودان / ضد / محمد مرة بحر
م ع / م ك / 172 / 73
المبادئ:
قانون الإجراءات الجنائية – التحريات التي لم تقدم للمحكمة – يجوز قبولها افضل البينات – المادة 215
قانون الإجراءات الجنائية – الاسترحام يعتبر استئنافا في حالة الإنكار
قانون الإثبات – الاعتراف غير القضائي – يعامل كالاعتراف القضائي عند قبوله
قانون الإثبات – البينة الظرفية – تتطلب شرطان للإدانة بموجبها
1- الاعتراف غير القضائي يجوز قبوله في البينات إذا كان وقائع ثابتة دون ضرورة تأييده من الظروف المحيطة بالجريمة
2- البينات الظرفية كدليل للإدانة يجب أن تكون مبنية علي وقائع ثابتة دون شك معقول ويجب ان يكون الاستنتاج المأخوذ من تلك الوقائع متعارضا مع براءة المتهم أو ادانة أي شخص آخر
3- يحق للسلطة الاستئنافية معاملة الاسترحام كاستئناف إذا كان المتهم منكرا والاسترحام
4- الوقائع التي دونها المتحري في يومية التحري ولم تقدم أمام المحكمة تعتبر مدونة في سجل رسمي بواسطة الشخص المنوط به تدوينها وخلال عمله الرسمي العادي وعلي ذلك يمكن قبولها كبينة علي أساس أنها أحد استئنافات الشهادة النقلية أو باعتبارها افضل البينات
الحكم:
التاريخ : 2 / 12 / 1973
أصدرت محكمة كبري منعقدة بالضعين بمديرية دار فور الحكم بإدانة المتهم المذكور أعلاه بجريمة القتل العمل تحت المادة 251 من قانون عقوبات السودان مع توقيع عقوبة الإعدام عليه
وقدمت إجراءات تلك المحاكمة للدائرة الجنائية بالمحكمة للدائرة الجنائية بالمحكمة العليا للنظر في تأييدها مع النظر في طلب الاسترجاع المقدم من المتهم بسبب أعبائه العائلية حيث يدعي بان لديه تسعة أطفال صغار بينهم أربعة بنات بالإضافة إلى والده ووالدته مكفوفة البصر كما يضيف المتهم أيضا أنه يرعي أبناء ابنه وأخيه المتوفيين
وعلي الرغم من ان طلب المتهم يتضمن فقط استرحاما ألا أننا سنعامله كاستئناف ضد قرار الإدانة وذلك نظرا لطبيعة الإجراءات فبهذه القضية التي تسند أساسا علي بينة ظرفية مع اعتراف غير قضائي معدول عنه أخذين في الاعتبار إنكار المتهم في جميع مراحل الدعوى وأخذين أيضا في الاعتبار أن كثيرا من المحكوم عليهم لا يعرفون حق الاستئناف ومداه مع مظنة أن التوسل والاستعطاف قد يجدي أكثر من الاستئناف الذي يعني في نظرهم نسبة الظلم إلى المحكمة
ولكي تكون السورة جلية أمامنا سنورد فيما يلي تصور المحكمة الكبرى للوقائع كما جاء في ملخص الوقائع المثبتة في نظرها وذلك لكي نتمكن من مراجعة تقديرها في هذا الشان والتأكد من وجود ما يسنده في البينات المقدمة وفيما يلي ملخص الوقائع الثابتة في نظر المحكمة الكبرى
( في حوالي أوائل ديسمبر سنة 1970 ) كان المرحوم أحمد الحاج وشهود الاتهام كمل بلال شوقار وحمدان محمدين وبوضة أحمد عائدين من الجنوب لدار الرزيقات وقابلهم في الطريق المتهم محمد مرة بحر ومعه الساكن مرا حيل وشخص يدعي عيسي وكان المرحوم ( يقصد المتهم ) يحمل بندقية أبو صقر أية أعطاهم قليلا من السكر والشاي وافترقوا كل صوب جهته دون أن يدور بينهم حديث غير القليل وفي الليلة الثالثة حط المرحوم وصحبه رحالهم لتمضيه الليل بجهة بحر برص بعدان وضعوا حرابهم كل بجانبه وكان المرحوم ينام ( ينوم ) تحت ناموسية وأثناء الليل استيقظوا علي صراخ المرحوم ورأي الشاهد طمل شوقار شخصا علي بعد تسعة وعشرين خطوة منه فطارده وعجز عن اللحاق به وناداه الشاهدان الآخران فعاد ووجد المرحوم مطعون بجانب الصرة وقد خرجت أمعاؤه
أوقد الشهود النار واكتشفوا أن حرابهم لم تكن في مواضعها بل مبعثرة بعيدة عنهم كما أن حربة الشاهد بوضة غير موجودة وجدوا أيضا بندقية المتهم أبو صقر أية ملقاة علي بعد خطوات من مكان المرحوم
في اليوم الثاني دفن الشهود المرحوم الذي توفي في الصباح الباكر وساروا في اثر الجاني حتى وصلوا جهة الطريق وهناك رأوا المتهم الذي ما أن رآهم حتى فر هاربا فتمكنوا من القبض عليه رغم مقاومته لهم وكان يحمل عود حربة الشاهد بوضة وأخذوه للفريق وعندما سألوه لماذا قتل المرحوم أفادهم أنها إرادة الله وربطوه من يديه وضربوه علي ظهره بعد ذلك احضروا المتهم لبوليس الضعين حيث سجلوا البلاغ طلب البوليس التصديق بنبش الجثة وتم ذلك في 9/1/1971 وكانت متحللة تماما ولا توجد غير العظام التي لم يكن بها اثر أو كسر ولم يهتدي علي سبب الوفاة ( بمستند اتهام 2 – تحقيق قضائي ) كما أرسل المتهم للكشف الطبي فجاء القرار أنه توجد آثار بالظهر وآثار قيد باليدين وجروح طفيفة ( م أ 3 تحقيق قضائي ) علي ذلك قدم المتهم للمحكمة تحت المادة 251 من قانون عقوبات السودان
ذلك هو تصور المحكمة الكبرى للوقائع المثبتة في نظرها ولنتابع الآن التسبيب الذي توصلت بموجبه المحكمة الكبرى إلى ذلك التصور كما جاء في حيثياتها هذا ويتضح من إجابة المحكمة الكبرى علي التساؤل الأول عما إذا كان المتهم هو الذي طعن المرحوم بحربة علي بطنه ان المحكمة الكبرى اعتمدت في ذلك علي رواية شهود الاتهام الثلاثة والبينات الظرفية الناشئة منها بالإضافة إلى الاعتراف غير قضائي ادعوا صدوره من المتهم لذلك فان مراجعتنا لتقدير المحكمة الكبرى فيما توصلت إليه من تصور يعتمد أساسا علي تقييمنا لشهادة هؤلاء الشهود ومقدار الوزن الذي يمكن أن يعطي لها
والجدير بالذكر أن المبادئ القانونية التي أوردتها المحكمة الكبرى عن حكم القانون بالنسبة للبينات الظرفية هي المبادئ السلبية في هذا الشأن والتي سنعتمد عليها في مراجعة تقدير المحكمة الكبرى في الاستناد إلي البينات الظرفية المستخلصة من شهادة أولئك الشهود الثلاثة ولذلك فلا باس من أعاده ذكرها كمرشد لنا في هذا الشان
فمن المسلم به وجود مبدأ أساسي يلاقي إجماعا علي النطاق العالي بأن في القضايا الجنائية التي يقوم فيها الإثبات علي البينات الظرفية يلزم أن يتوفر شرطان للاعتماد عليها كدليل لإدانة المتهم :
فأولا : يجب أن تكون الوقائع المؤدية إلى التجريم متعارضة مع براءة المتهم أو ادانة أي شخص آخر وأن تكون غير قابلة لأي تفسير يسند أي افتراض معقول بما يغاير الإدانة وألا فيلزم أن يفسر الشك لصالح المتهم
ثانيا : يجب أن تثبت الظروف التي يراد استخلاص استنتاج منها ضد المتهم بدون أي شك معقول كما يجب أن تكون تلك الظروف متصلة بالواقعة التي يراد استخلاصها منها
( سار كار في الإثبات الطبعة التاسعة ص 3 وقضية حكومة السودان ضد يولي أوريا ( 1959) مجلة الأحكام القضائية السودانية ص 69 )
وقبل أن نتقصي مدي التزام محكمة الموضوع بتلك الأسس في تقييم تلك البينات المقدمة وقبل أن نعرض لما أوردته عن حكم القانون بشأن اثر العدول عن الاعتراف يلزمنا استعراض حكم القانون بالنسبة للاعتراف غير القضائي بوجه عام حيث يجوز قبوله أيضا في البينات إذا اطمأنت المحكمة لاستيفائه لأركان الاعتراف من حيث صدوره من أراده سليمة ويقصد الاعتراف ولو أنه يلزم أن يلقي تأييدا من الظروف المحيطة بالجريمة موضوع الاعتراف ( Corpus Delicti ) ( سار كار نفس المرجع ص 201)
كذلك فقد أوردت المحكمة الكبرى المبدأ القانوني السليم بشان الاعتراف الذي يعدل عنه المتهم حيث يتطلب تأييدا لإدانة المتهم بناء عليه من الظروف المحيطة بالجريمة وصلة المتهم بها ( سار كار ) المرجع السابق و ( 1961) مجلة الأحكام القضائية (ص 23و24 )
أما وقد استعرضنا حكم القانون والذي ليس هو محل خلاف بالنسبة لنقاط القرار الجوهرية في حكم المحكمة الكبرى نمضي لمناقشة الوقائع علي ضوء البينات المقدمة لنري ما إذا كانت تؤدي إلى أدانه المتهم دون شك معقول
وبالرجوع إلى يومية التحري لاستيضاح تاريخ الحادث والفترة التي مضت بين وقوعه وفتح البلاغ فبينما تشير الصفحة الأولى من يومية التحري إلى بدء الإجراءات بتاريخ 10/12/1970 يذكر المتحري في البينات التالي لذلك التاريخ باعتباره 10/11/ 1970 ويوضح حينذاك محتويات البلاغ في يومية التحري مشيرا إلى أن الحادث وقع بتاريخ 18 / 12 / 1970 ولو أنه يبدو أن ذلك كان نتيجة لسهو وعدم دقة في الإجراءات حرصنا علي توضيحه منعا للالتباس ويوضح اورنيك البلاغ الأول بأن تاريخ الحادث هو 6/12/1970 وأن تاريخ البلاغ هو 10/12/1970
وجدير بالذكر أن شهادة المتحري لم تسمع في المحاكمة بل ضمن إلى محضر المحاكمة من إجراءات التحقيق القضائي موردة المحكمة الكبرى كاسبات لذلك وفاة المتحري قبل المحاكمة كما أفادها حكمدار المحكمة ألا أن شهادة المتحري في التحقيق القضائي قد جاءت مختصرة ولم تشر إلى كل الخطوات التي أنجزها في التحري ومشاهداته كما توضحها يومية التحري الأمر الذي يفتح مجالا للتساؤل عن إمكانية قبول ما دونه المتحري بيومية التحري باعتباره بيانات دونها شخص في السجل المخصص لها خلال عمله الرسمي العادي ثم توفي بعد ذلك كأحد استثناءات الشهادة النقلية ووفقا للمادة 215 إجراءات باعتبارها افضل البينات ( م 32(2) من قانون البينات الهندي )
وبالتالي سنعتبر تلك الإجراءات كجزء من البينات في تقييم شهادة الشهود فيما لا يضر بموقف المتهم حيث أنها لم تطرح بالمحاكمة حيث نشير إليها في الموضوع الملائم
ويعيب التحري في هذه القضية اعتماد المتحري كلية علي أقوال شهود ثلاثة كانوا رفقاء سفر المرحوم كما كان الاثنان منهم اللذان اعتمد عليهما التحري في تأييد البلاغ في حكم الصبية حينذاك حيث كان عمر أحدهما 15 سنة بينما كان عمر الآخر 20 سنة حينذاك ولم يدون المتحري أي أقوال لشهود محايدين من أهل القرية حول ظروف القبض علي المتهم أو اعترافه المزعوم حينذاك ولم يعمل قاضي التحقيق أو رئيس المحكمة الكبرى علي معالجة هذا الخلل بعد ذلك ويضاعف من اثر الخلل في الاعتماد علي شهادة المبلغ ورفيقيه أن رئيس المحكمة الكبرى لم يوضح لنا في النموذج المقرر أو في أي موضع آخر الصلات بين أولئك الشهود أو بينهم وبين المرحوم وأن كان ش أ (3) بوضه أحمد بكر يقول أن المرحوم من جنسه فقط ( ص 10) وبيان صلة القرابة بين الشهود والأطراف أمر هام له أثره في تقييم شهاداتهم
وبهدف تقييم شهادة أولئك الشهود الثلاثة ومدي تطابق روايات كل منهم في المراحل المختلفة عن النقاط الجوهرية في شهادته عمدنا إلى حصر تلك النقاط في سته مسائل جوهرية وقمنا بمقارنة روايات الشاهد بشأنها في المحاكمة والتحقيق مع أقواله الأولى في يومية التحري ثم عمدنا إلى استعراض مدي الانسجام بين روايات الشهود الثلاثة حول نفس تلك النقاط الجوهرية وكانت النتيجة كما سيرد ذكره في الاستعراض التالي :
وكانت تلك النقاط الجوهرية الستة موضع النقض في شهادة أولئك الشهود هي كما يلي وفقا للترتيب الزمني للوقائع المتعلقة بها :
الأولى : إعطاء المتهم السكر والشاي للمرحوم
الثانية : المطاردة الأولى للجاني
الثالثة : العثور علي البندقية
الرابعة : اقتفاء أثر الجاني
الخامسة : وجود عود الحربة مع المتهم والتعرف عليه
السادسة : الاعتراف المنسوب للمتهم
وإذا استعرضنا شهادة أولئك الشهود الثلاثة في المحاكمة والتحقيق القضائي ثم أجرينا مقارنة بينهما وبين أقوالهم الأولى للبوليس وذلك عن تلك النقاط الستة التي سبق أن عددناها والتي حصرنا روايات كل منهم بشأنها فأننا نلاحظ وجود تعارض بين رواية كل شاهد عن كثير من التفاصيل حول تلك النقاط الجوهرية ثم إذا أجرينا مقارنه بعد ذلك بين روايات الشهود أنفسهم فانه يتضح لنا وجود اختلافات كثيرة بينهم حول تلك النقاط الجوهرية
فبالنسبة للنقطة الثانية حسب ترتيب تلك النقاط نلاحظا تعارضا بين شهادة الأول والثالث في المحاكمة فبينما يقول الأول أنه طارد الجاني بمفرده عقب صياح المرحوم يقول الثاني بأنه اشترك معه أول الأمر في المطاردة
كذلك فأننا نلاحظ وجود تعارض جوهري بين روايات الشهود أنفسهم وبين بعضهم البعض حول كيفية العثور علي البندقية فبينما يقول الشاهد الأول في المحاكمة بأن الشاهد الثالث هو الذي وجد البندقية بعد أن أضاءوا النار يقول نفس الشاهد الأول في التحقيق بان الشخص الهارب رمي بندقية وتناولها الشاهد الأول بنفسه بينما يقول نفس الشاهد الأول في أقواله في التحري أبانه عندما رجع بعد مطاردة الجاني وجد البندقية كذلك فأننا نلحظ عدم تناسق بين روايات الشهود عن أوصاف البندقية وحالتها عند العثور عليها
وفيما يتعلق بالنقطة الرابعة عن اقتفاء الأثر فنجد أن هناك تعارضا جوهريا بين شهادة الأول والثالث في المحاكمة عن مسالة ضياع الأثر فبينما يقول الشاهد الأول بأن الأثر ضاع منهم قبل أن يعثروا علي المتهم تحت الشجرة يؤيد الشاهد الثاني بأن الأثر لم يختف منهم قط حتى رؤيتهم للمتهم تحت الشجرة كذلك فأننا نجد تناقضا جوهريا بين شهادة الشاهد الثاني في المحاكمة حيث يقول بأن الأثر كان لشخص حافي منذ اقتفائهم له من عند المرحوم حتى القبض علي المتهم حيث شاهد الأخير حينذاك يحمل سفنجة في يده وبين أقوال الشاهد الثاني الأولى في التحري حيث يقول بان الأثر كان لابس سفنجة جديدة كذلك نجد تعارضا بين شهادة الشاهد الثاني والثالث في المحاكمة عما إذا كان الأثر لابسا أم حافيا عند مشاهدتهم للمتهم حيث يقول الأخير بأن الأثر كان حافيا في أول الأمر ثم لبس سفنجة بعد ذلك
أما بالنسبة للنقطة الخامسة عن وجود عود الحربة لدي المتهم والتعرف عليه فنلاحظ وجود تعارض بين شهادة الشاهد الأول في المحاكمة وأقواله الأولى في التحري والتي لم يرد فيها ذكر لمسالة وجود الحربة مع المتهم وكذلك يلاحظ وجود تعارض بين شهادة الشاهد الأول والثاني في المحاكمة عن عود الحربة المعروضات فبينما يقول الشاهد الأول بأن المتهم كان يحمل عود الحربة المعروضات يقول الشاهد الثاني بأن العود المعروض ليس حربة الشاهد الثالث كذلك فان هنالك تناقضا بين شهادة الشاهد الثالث في المحاكمة حيث يقول بأنه سال المتهم عند القبض عليه عن حديدة الحربة التي وجد عودها مع المتهم وأن الأخير رد عليه بأنها ضاعت منه في الليل وهو مالم يذكره هذا الشاهد في التحقيق أو في التحري
هذا والجدير بالذكر أن المتحري يشير في شهادته في التحقيق بأنه وجد بالقرب من قبر المرحوم عود حربة محروق لم يحضر في التحقيق حينذاك حيث يقول بأنه بالضعين عند ذلك ويضيف بأن المبلغ وهو الشاهد الأول ادعي حينذاك بأنه يخص المتهم وهو مالم تشر إليه شهادة أي من هؤلاء الشهود
أما بالنسبة للاعتراف غير القضائي الذي يدعي الشهود الثلاثة صدوره من المتهم عند القبض عليه فنلاحظ أن الشاهد الأول والثاني لم يذكرا في التحري والتحقيق العبارات التي يدعي كل منهما صدورها من المتهم كاعتراف منه بقتل المرحوم كما لم يشر الشاهد الثالث في التحري أو في التحقيق إلى نفس العبارات التي ذكرها في المحاكمة كما أن ورود تلك العبارات متشابهة في شهادة الشهود الثلاثة في المحاكمة بعد ذلك يثير الشك حول تنسيق تلك الروايات الأخيرة بينهم كذلك فأن مسلك الشهود الثلاثة بالنسبة للمتهم عند القبض عليه باعتدائهم عليه ينفي عن أي اعتراف يصدر منه حينذاك عنصر الواعية والاختيار مما يؤدي إلى استبعاده ويقول شاهد الاتهام الثالث في شرح مسلكه مع زملائه نحو المتهم عند القبض عليه وذلك في شهادته في المحاكمة ما يلي :
( نحن وصلناه الفريق ورطنا المتهم من يديه ودقيناه بالعصا والمطرق في ظهره بعد ذلك أحضرناه لبوليس الضعين ) ويؤيد القرار الطبي (مأ 3 ) في التحقيق وجود آثار ضرب في ظهر المتهم وآثار قيد في يديه وجروح طفيفة قدر له علاج لها لمدة غير مقروءة في التقرير وحتى لو صح صدور تلك العبارات التي نسبها الشهود الثلاثة للمتهم علي أثر ذلك التعذيب فأنها لا تعني اعترافا وقد تعني تلك العبارات حتى بدون أن يكون المتهم قد تعرض لتعذيب بأنها من قبيل ندبه لحظة العاثر الذي وضعه في ذلك المأزق وتسليما بإرادة الله في ذلك الأمر الذي يعفينا عن الخوض في مسالة العدول عن الاعتراف
أما إذا تابعنا شرح المتهم لموقفه الذي كان طابعه الإنكار منذ إحضاره لنقطة البوليس نجد رواياته كآلاتي :
فيقر المتهم في التحري بملاقاة المرحوم ورفاقه واعطائهم شاي وسكر كما يقر بأنه كان يحمل حينذاك البندقية التي أحضرت معه لنقطة البوليس عند القبض عليه ويضيف بأنه افترق عنهم وسلك طريقه مع مرافقيه حيث كان يعرض البندقية للبيع ويقول بأن اللقاء الأول كان في يوم جمعه وعند رجوعه في يوم الاثنين التالي له بمفردة بعد أن يئس من وجود مشتر للبندقية التقي به المبلغ ومعه شخصان وامسكوا منه البندقية وصاروا يضربونه مدعين انه قتل أخاهم ولكنه طلب منهم أن يحضروا أي شخص من الرزيقات لكي ( يقص أثره ) ولكنهم لم يفعلوا كما نفي أنه كان يحمل أي حربة حينذاك
كما يؤكد المتهم عند استجوابه في التحقيق موجزا روايته في التحري المشار أليها من قبل وأن كان يضيف في آخرها بأنه بعد أن أخذ المبلغ بندقية المتهم من علي كتفه وكذلك سكينه اتهموه هو ورفاقه بقتل أخيهم وانه قد نفي لهم ذلك وانهم حينذاك اخذوا بندقيته وذهبوا ولكنه ذهب بقصد ان يحضر للضعين ويبلغ حيث قبضوا عليه حينذاك أما في رواية المتهم عند استجوابه في المحكمة فيؤيد نفس ما ذكره من قبل عن لقائه بالمرحوم ورفاقه في المرة الأولى وافتراقه عنهم ثم لقائهم له في المرة الثانية أخذهم لبندقيته وسكينه واتهامهم له بقتل أخيهم ونفي أنه كان يحمل أي عود حربة حينذاك ويضيف بعد ذلك بأنه بعد أن قبضوا عليه أحضروه لفريق حمدان أبو يوسف حيث وجدوا النساء فقط وعندما حضر الرجال تساءلوا عما حدث فعرفهم المبلغ ورفاقه بأن المتهم قتل مرافقهم ويضيف المتهم بان أهل الفريق ذكروا لهم بأنهم قد عرفوا من المبلغ ورفاقه في الصباح بأن رفيقهم قتله برص ( أسد ) وكيف يكون قتله المتهم ؟ ألا أن المبلغ ورفاقه ربطوه بجنزير وسلموا فأس لأهل الفريق كانوا قد أخذوها منهم من قبل كما عرف حينذاك وأنهم باتوا ليلتهم هناك حيث قاموا في الصباح ووصلوا إلى نقطة البوليس في اليوم الرابع
هذا والجدير بالذكر أن المتهم آثار في مناقشة لشهود الاتهام الثلاثة في التحقيق القضائي ما جاء في أقوالهم بأنهم امسكوا بالبندقية منه نهارا كما آثار عند مناقشته للمبلغ في أقواله بأنهم ذكروا من قبل لناس الفريق بأن زميلهم قتله أسد
وقد أيد القرار الطبي ( م أ 2 ) في التحقيق وجود جثة المرحوم حيث ذكر الشهود وذلك عند نبش الجثة في 9/1م1971 أي بعد حوالي 34 يوما من الحادث حيث وجدت متحللة تماما ولا توجد غير العظام كما لم يوجد بها أي كسور في العظام أو أي اثر يدل علي سبب الوفاة وأن كان ذلك لا يشك عن حدوث دفن الجثة في التاريخ المستخلص من شهادة الشهود إذ أنه يتضح من آراء الخبرة الطبية التي وردت في قضية حكومة السودان ضد صديق عبد الله سيد أحمد (1963) مجلة الأحكام القضائية السودانية ص 106 111 بأن الحد الأدنى لبداية تحلل الجثة يبدأ منذ الأسبوع الأول بعد الدفن وأن كان التحلل قد يتأخر حينما تكون الجثة ملفوفة في كفن من قماش القطن وهو ما لم تشر البينات إلى شئ عنه كما جاء في ذلك الحكم نقلا عن أحد مراجع الطب الشرعي بأن مدي عمق القبر له أثره في سرعة التحلل أو بطئه
لكن الشك يحيط برواية المبلغ ورفيقيه الصبيين عن ظروف وقوع الحادث نسبة لدفنهم لجثة المرحوم قبل أن يبذلوا أي محاولة لأشهاد أحد من أهل القرية المجاورة أو شيخها علي ما حدث ومن هنا يبدأ الشك في تصديق روايتهم عن كيفية وقوع الحادث لذلك فان تلك الظروف مضافا إليها تلك التناقضات العديدة التي تظهر في شهادة الشهود ورواياتهم المختلفة مضافا إليها علي الأقل علاقة رفقة السفر بينهم تفسح مجالا لشك معقول عن الظروف التي أشاروا إليها في شهادتهم لربط المتهم بالحادث كادعائهم بوجود بندقية ليلا قرب المرحوم أو وجود عود حربه شاهد الاتهام الثالث معه وكقرينة علي قتله للمرحوم كما تفتح مجالا لشك معقول في أن يكون قتل المرحوم قد حدث بطريقة أخري غير التي أشار إليها الشهود
لذلك فنري أن قرائن الأحوال المبينة علي مثل تلك البينات الواهية لا تكفي لإدانة المتهم في مثل هذه التهمة الخطيرة وبالتالي نستبدل قرار الإدانة بقرار ببراءته ونأمر بإطلاق سراحه فورا

